المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌باب القرض القرض: بفتح القاف وكسرها في اللغة: القطع؛ ومنه قولهم - كفاية النبيه في شرح التنبيه - جـ ٩

[ابن الرفعة]

الفصل: ‌ ‌باب القرض القرض: بفتح القاف وكسرها في اللغة: القطع؛ ومنه قولهم

‌باب القرض

القرض: بفتح القاف وكسرها في اللغة: القطع؛ ومنه قولهم للثوب المقطوع: مقروض، وأطلق على المعنى المراد في هذا الباب؛ لأن المقرض يقطع قطعة من ماله، يدفعها إلى المقترض؛ ولهذا المعنى سمي المقارض مقارضاً، ويقال: أقرضه يقرضه، واستقرضت منه طلبت منه القرض، واقترضت منه أخذت منه القرض، وقد ذكرنا أنه يطلق على القرض: سلف. وهي لغة أهل الحجاز.

والقرض لغة أهل العراق.

والأصل في مشروعيته: ما سوى مسلم، عن أبي رافع، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكراً، فوردت عليه إبل من الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعيًّا؛ فقال: "أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء".

وروى البزار عن ابن عباس، قال:"اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ أَرْبَعِينَ صَاعاً وَأَعْطَاهُ أَرْبَعِينَ فَضْلاً، وَأَرْبَعِينَ بِسَلَفِهِ، فَأَعْطَاهُ ثَمَانِينَ".

وروى إبراهيم بن عبد الله بن ربيعة عن أبيه، عن جده قال: استقرض مني رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين ألفاً، ثم أتى بمال فقال: ادعوا لي ابن أبي ربيعة، فقال:"هَذَا مَالُكَ، فَبَارَكَ اللهُ لَكَ فِي مَالِكَ وَوَلَدِكَ إِنَّمَا السَّلَفِ الْحَمْدُ وَالْوَفَاءُ"[وأخرجه النسائي بغير هذا اللفظ].

وروى أنه عليه السلام اقترض من رجل صاعاً، ورد عليه صاعين.

قال: القرض مندوب إليه؛ لما روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ كَشَفَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَة،

ص: 373

وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ، مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ".

[وروى مسلم عن أبي قتادة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ]، والقرض مما يحصل به تفريج الكربة [والتنفيس] وقد روي عن كل من ابن عباس وابن مسعود وأبي الدراء أنه قال: لأن أقرض مرتين أحب إليَّ من أن أتصدق مرة.

وروى البزار عن ابن سعود أنه صلى الله عليه وسلم قال: "قَرْضُ مَرَّتَيْنِ [يَعْدِلُ] صَدَقَةَ مَرَّةٍ"، وإنما كان القرض خير من الصدقة؛ لأنه لا يأخذه إلا محتاج إليه؛ بخلاف الصدقة.

قال: ويجوز قرض كل ما يثبت في الذمة بعقد السلم أي من عين ومنفعة، [كما صرح به المتولي].

والأصل فيه في الحيوان، والدراهم، وما يكال: الأحاديث السابقةن وفيما عدا ذلك: القياس على المنصوص عليه، ولأنه عقد تمليك؛ يثبت العوض فيه في الذمة؛ فجاز فيما يملك ويضبط بالصفة كالسلم، ولا يستثني من ذلك إلا ما سنذكره من الجواري.

ص: 374

ويشترط في المقترَض: أن يكون معلوم القدر والصفة؛ [لأنه] يحتاج إلى رد بدله فافتقر إلى معرفة ما يرجع به، كما في القراض، صرح بذلك البندنيجي هاهنا، وجعله القاضي أبو الطيب، والماوردي أصلاً وقاساً عليه القول، باعتبار ذلك في رأس مال السلم، ويكفي في التقدير الكيل أو الوزن، [وإن كان مكيلاً].

وعن القفال: أنه لا يجوز أن يقرض ما يكال مما يجري فيه الربا.

كما قيده في التتمة إلا كيلاً، وما يوزن إلا وزناً، وحكاه الماوردي وجهاً، والأول أصح.

وهذا إذا كان المقرض عيناً، أما إذا كان ديناً، مثل أن يقول أقرضتك عشرة دراهم صفتها كذا [وقبل]، فإن عين في المجلس صح، وإن عين بعد مفارقة المجلس.

قال في المهذب: إن لم يطل الفصل جاز، وإن طال لم يجز حتى يعيد لفظ القرض.

قال: وما لا يثبت في الذمة بعقد السلم؛ كالجواهر، والخبز، والحنطة المختلطة بالشعير لا يجوز قرضه؛ لأن ما كان وصفه شرطاً في صحة العقد عليه لا يجوز العقد عليه عند تعذر الوصف كالمسلم فيه، وهذه مادة ما حكينا في رأس مال السلم عن العراقيين، وقد صار إلى هذا البصريون من أصحابنا، وبه جزم القاضي الحسين، وصاحب التلخيص.

ص: 375

وحكاه الإمام عن جماهير الأصحاب، وذهب البغداديون من أصحابنا إلى صحة القرض، اعتباراً ببيعه، وبنى القاضي أبو الطيب وغيره الخلاف على الخلاف الآتي في أن الواجب في رد ما لا مثل له حقيقة [رد] المثل الصوري، أو القيمة فإن قلنا بالأول، لم يجز القرض، وإلا جاز القرض، وإلا جاز، وضمنه بالقيمة، وهذا ماجزم به المحاملي في الجواهر، وإن أجرى الخلاف في أن الواجب فيما لا مثل له حقيقة رد المثل الصوري أو القيمة.

وقال في الشامل: إنه الذي صار إليه الشيخ أبو حامد.

ويلزم هذا القائل من العراقيين أن يفرق بين هذا، وبين رأس مال السلم، وله أن يفرق بما ذكرناه عن الإمام ثم إن لم يلاحظ ما علل به أبو إسحاق قول اشتراط القدر والوصف ثم، وقد جزم المتولي بجواز إقراض الخبز، وحكى وجهين في جواز إقراض الخمير، وعلل ذلك باتفاق أهل الأمصار عليه، ثم المعتبر فيهما على قول الجواز [الوزن] وفي الكافي أنه يجوز إقراض الخبز وزناً وعدداً.

[ومما يندرج في كلام الشيخ، قرض منفعة دار بعينها؛ لأنه لا يجوز السلم فيها، وقد صرح بذلك القاضي الحسين في كتاب الغصب، ومن جوز نظراً إلى جواز البيع قد يجوز ذلك].

قال: ولا يجوز أن يقرض الجارية لمن يملك وطأها أي: يحل له وطؤها في الجملة؛ لأن ملك القرض غير مستقر؛ من حيث إن للمقرض استرجاعه وللمقترض رده، والوطء لا يجوز إلا في ملك تام لئلا يصير الإنسان مستبيحاً للوطء بغير بدل،

ص: 376

وليس هذا كالأب إذا وهب جارية لولده يحل له وطؤها مع جواز استرجاع الأب [لها]؛ لأن الملك من جهة الابن لازم وهو ما نص عليه الشافعي في القديم والجديد، كما صرح به البندنيجي.

قال الماوردي: ولا يصح ما ذهب إليه المزني من تأويل كلام الشافعي [في جواز قرضهن أن يكون قولاً ثانياً – كما وهم بعض المتأخرين من أصحابنا – بل منصوصات الشافعي] كلها دالة على التحريم.

وفي الوسيط: أن للشافعي في ذلك قولين منصوصين، وأن القياس الجواز كما في العبيد، وهكذا رأى الإمام وبنى بعضهم الخلاف على أن المال المقترض بماذا يملك؟

فإن قلنا بالقبض جاز، وإلا فلا؛ لما في إثبات اليد على أجنبية من خوف الوقوع في الوطء، وهذا ما حكاه الإمام عن الأكثرين، وعكس الشيخ أبو علي ذلك فقال: إن قلنا: يملك بالقبض لم يجز؛ لما ذكرناه أولاً.

وإن قلنا: لا يملك به فيجوز؛ لان الوطء يخرج عن أن يكون في صورة الإباحة.

قال: ويجوز لمن لا يملك وطأها يعني: كالأخت من النسب أو الرضاع، ومن هي محرمة عليه تحريماً مؤبداً؛ لأن المحذور فيها منتفٍ، فأشبه قرض العبيد.

وهذا ما ادعى الرافعي، والغزالي نفي الخلاف فيه، ونسبه الماوردي إلى البغداديين، وحكى وجهاً هو قول البصريين من أصحابنا: أنه لا يجوز قرضها أيضاً، وطرده في جواز اقتراض المرأة الجارية.

قال: "ويملك المال فيه بالقبض" القرض لابد فيه من الإيجاب والقبول عند العراقيين، وصاحب التهذيب؛ لأنه تمليك، كالبيع، والهبة.

وينعقد بالكتابة في حال الغيبة على وجه.

وحكى الغزالي وجهاً: أن القبول لا يشترط في الحضور؛ لأنه إذن في الإتلاف بشرط الضمان.

وادعى الإمام، أنه أظهر، وحكى المتولي أن الإيجاب والقبول ليس بشرط، بل إذا

ص: 377

قال: أقرضني كذا، أو أرسل إليه رسولاً فبعث إليه المال، صح [القرض وثبت حكمه،].

وهكذا لو قال رب المال: أقرضتك هذه الدراهم [وسلمها إليه فقبضها]، ثبت القرض.

والذي أورده المعظم الأول.

ثم صيغة الإيجاب أن يقول: أقرضتك أو أسلفتك، [أو ملكتك] على أن ترد عليَّ بدله، فلو قال: ملكتك ولم يذكر رد البدل، فهو هبة.

وفي التتمة: أنه إذا قال: خذ هذه الدراهم وتصرف فيها لنفسك، أو قال: خذ هذا الطعام، وازرعه لنفسك، هل يكون قرضاً أم لاّ؟ فيه وجهان:

وجه المنع: أن ارتفاق الغير بمال الغير قد يكون على سبيل القرض، وقد يكون على سبيلالهبة، واللفظ يحتملهما، فلا يقطع حقه عن ملكه إلا بيقين

[وقد أبدى الإمام هذا الخلاف تردداً عن القفال في باب بيع الطعام].

وقريب من هذا الخلاف ما حكاه الغزالي في كتاب القراض فيما إذا قال: اشتر لي هذا الثوب بفرسك، [ففعل] فإنه هل يصح للآمر؟ [فيه] وجهان.

[وإذا صح فهل يُعَدُّ انتقال الفرس إلى الآمر بطريق القرض أو الهبة؟ وجهان: و] إذا تقرر ذلك فمتى يملك المال فيه [بعد صدور العقد]؟

فيه قولان منتزعان من كلام الشافعي:

أحدهما – كما قال الشيخ: أنه يملك بالقبض، وهو الصحيح؛ لأنه إذا قبضه ملك التصرف فيه من جميع الوجوه، ولو لم يملكه لما ملك التصرف فيه؛ إذ ليس هو نائباً عن المالك، ولا وليِّ عليه؛ ولأن الملك يحصل في الهبة للولد بالقبض ففي القرض أولى؛ لأن للعوض مدخلاً فيه، [وعلى هذا يكون القبض في المنافع المقرضة بقبض

ص: 378

العين المستوفي منها].

قال: وقيل: لا يملك إلا بالتصرف؛ لأنه لما كان للمقترض قبل التصرف رده بعينه على المقرض، [وللمقرض استرجاعه] دل على أنه ملكه؛ ولأنه إزالة ملك بعوض، فوجب ألا يزول إلا بتقدير العوض، وما دام عين المال في يده لم يتقرر البدل في ذمته، وإنما يتقرر بإزالة اليد، وهذا ما اختاره في المرشد.

التفريع:

إن قلنا: إنه يملكه بالقبض، فهل للمقرض أن يرجع في ما دام باقياً في يد المستقرض بحاله؟ فيه وجهان.

أحدهما: لا؛ صيانة لملكه، وله أن يؤدي حقه من موضع آخر، وهذا ما حكاه البندنيجي، والبغوي.

وأظهرهما عند الأكثرين، وبه أجاب الماوردي: أن له ذلك؛ لأنه يملك مطالبته بالبدل، جبراً لحقه، فأولى أن يكون له المطالبة بما هو عين حقه، فعلى هذا لو زال ملكه عنه ثم عاد، فهل يثبت له الرجوع في عينه أو بدله؟ فيه وجهان.

[و] في الحاوي: إن قلنا: إنه يملكه بالتصرف، فمعناه: إنه إذا تصرف تبين ثبوت الملك فيه.

وفي البسيط حكاية وجه آخر: أنا نتبين دخوله في ملكه حال القرض، وهذا يؤخذ مما حكاه القاضي أبو الطيب، عن شرح التلخيص من أن الملك في القرض يراعى إلى أن يرجع فيه المقرض، فتبين أنه لم يكن مستقراً أو يتلفه المستقرض، فنتبين أنه كان مستقراً، وعلى القولين يتخرج وجوب النفقة على المقرض، فإن قلنا: ملك بالقبض إما ناجزاً أو نسيئاً كانت على المقترض، وإن قلنا بالتصرف يملكه، فهي على المقرض.

ثم ما التصرف الذي يملك به؟ فيه [أوجه ثلاثة].

ص: 379

أظهرها: أنه كل تصرف يزيل الملك.

والثاني: كل تصرف [لازم] يتعلق بالرقبة.

والثالث: كل تصرف يستدعي الملك، فعلى الوجوه يكفي البيع والهبة والإعتاق والإتلاف، ولا يكفي التزويج والرهن والإجارة، وطحن الحنطة وخبز الدقيق وذبح الشاة على الوجه الأول، ويحكم ببطلان التزويج والإجارة على ما حكاه في التهذيب، ويكفي ما سوى الإجارة على الثاني.

قلت: ويتجه أن يكون ذلك في الإجارة، بناء على أن موردها المنفعة.

أما إذا قلنا: [إن] موردها العين، فينبغي أن يكفي أيضاً، وما سوى الرهن يكفي على الثالث؛ لأن الرهن يجوز أن يكون في المستعار.

وعن الشيخ أبي محمد عبارة أخرى، وهي أن التصرف الذي يملك به القرض، وهو التصرف الذي يقطع رجوع [البائع والواهب] عند إفلاس المشتري، وهذا يقتضي أن التزويج وذبح الشاة، ونحو ذلك والإجارة على قول – لا يثبت الملك.

وعلى الأول هل يفيد نقل الملك البيع بشرط الخيار؟

إن قلنا: لا يزيل الملك فلا؟ وإن قلنا: يزيله فوجهان.

ولو استقرض من يعتق عليه، عتق عليه إذا قبضه على القول بأنه يملك به، وإلا فلا يعتق، حكاه في المرشد، والرافعي.

وقال صاحب التهذيب: يجوز أن يقال: يعتق، ويحكم بالملك قبله.

قلت: وهذا ما حكاه في التتمة، وقال: وجهاً واحداً؛ لأنه لو كان عبداً أجنبيًّا، وأعتقه نفذ، وكل سبب يفيد اعتبار عتق الأجنبي، يفيد عتق القريب.

قال: ويجوز أن يشترط فيه الرهن والضمين؛ لأن ذلك ليس بزيادة في البدل، وإنما هو استيثاق للقدر المستحق؛ وهو من مصلحة العاقدين، وقد استدل بعضهم على

ص: 380

الجواز بأن النبي صلى الله عليه وسلم مات ودرعه مرهون عند أبي الشحم اليهودي؛ على شعير أخذه لأهله.

وقاس الضمان عليه بجامع اشتراكهما في الوثيقة؛ وهذا لا دلالة له فيه على المدعي؛ إلا أن يكون الرهن وقع بالشرط حال العقد، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المال المقترض من ذوات الأمثال أو من ذوات القيم؛ ولا بين أن يقول: إنه يملك بالقبض أو بالتصرف، ولا بين أن تكون القيمة أو المثل معلوماً لهما أو مجهولاً، إذا قلنا: إنه لابد بعد جريان، القبض من الإيجاب والقبول في عقد الرهن؛ كما سنذكره في كتاب الرهن.

وحينئذ يشترط العلم بمقدار ما يرهن به أو يضمن، وهل يصح الوفاء بالشرط بعد القبض، [وقبل التصرف؟

ينظر: إذا قلنا: إنه يملك به، فنعم، وكذا إن قلنا: إنه لا يملك إلا بالتصرف، وكان المقبوض] من ذوات الأمثال، أو من ذوات القيم.

وقلنا: إن الواجب قيمة المثل الصوري، أو القيمة وقت القبض؛ لأن ذلك معلوم، وسيأتي في كتاب الرهن حكاية عن الإمام أن الرهن بثمن المبيع في زمن الخيار، إذا قلنا: إن البائع لا يملكه – لا يصح على الظاهر؛ لوقوعه قبل ثبوت الملك، ولا شك أن هذا يجري هاهنا إذا قلنا: لا يملك إلا بالتصرف، ويجيء في الضمان أيضاً؛ لأن البندنيجي وغيره مصرحون بأن الضمان لا يصح إلا فيما يصح الرهن به، إلا في مسألة ضمان الدرك، على النص والأول يقتضيه إيراد الرافعي؛ فإنه قال: لو قال: أقرضتك هذه الدراهم وارتهنت بها عبدك، فقال: استقرضتها وارتهنت فوجهان:

أصحهما وهو ظاهر النص [صحته]، أما إذا قلنا: لا يملك إلا بالتصرف، والواجب رد القيمة أكثر ما كانت من حين القبض إلى حين الملك، [فلا يصح للجهل بقدر الدين] وعلى هذا لا يظهر لاشتراط الرهن معنى إذا قلنا: إن التصرف

ص: 381

الناقل للملك هو ما يزيل الملك؛ إذ شرط الرهن والضمين لا يوجب إجبار الشارط على الوفاء به، بل يثبت الخيار في فسخ العقد عند عدم الوفاء بالشرط، والرجوع إلى العين، وبعد زوال الملك، لا يتمكن من ذلك.

فرع: قال الماوردي: إذا قال رجل لآخر: أقرض زيداً مائة درهم، وأنا لها ضامن فهذا جائز، فإذا أقرض زيداً لزمه الضمان.

وحكى الرافعي في كتاب الضمان عن الروياني: أن المذهب أنه لا يجوز [، وعن ابن سريج تجويزه.

قال:] ولا يجوز شرط الأجل فيه؛ لأنه عقد منع التفاضل فيه، فمنع من دخول الأجل فيه؛ لأنه يقتضي جزءاً من العوض كالصرف.

قال الماوردي: وكان بعض أصحابنا يغلط فيذهب إلى جواز القرض مؤجلاً؛ متمسكاً فيه بقول الشافعي في كتاب الفلس، وإن وجد الحاكم من يسلفه المال حالاً لم يجعله أمانة.

فإن دليل هذا الكلام جواز القرض مؤجلاً.

قال مجلي: واتفق الأصحاب على تخطئته.

قال الأصحاب: ويصير الحال مؤجلاً فيما إذا أوصى من له الحق ألا يطالب به إلا بعد شهر مثلاً ومات [كما حكاه المتولي، وسمعت من بعض مشايخنا أنه يتأجل بالنذر أيضاً.

ص: 382

وعلى المذهب الصحيح إذا شرط الأجل، في وقت نهب أو غارة، فهو مفسد، كما إذا شرط [شرطاً] جر منفعة كذا حكاه في الوسيط].

ص: 383

وحكى في البسيط [وجهاً آخر: أنه يصح].

ووجهه بأن الأجل تأخير المطالبة، وهو سقوط في حقه، فلا نظر إلى بوادر الأحوال، وإن لم يكن في وقت نهب فلا أثر لذلك.

وفي الحاوي حكاية الوجهين من غير تقييد.

أحدهما: أن ذلك يبطل القرض؛ لاشتراط ما ينافيه.

والثاني: وهو قول ابن أبي هريرة أن القرض صحيح، وهو ما جزم به المتولي؛ لأنه وعد وهو لا يلزم، لكن المستحب الوفاء به، وكذا فيما إذا أجل الدين الحال بعد لزومه لا يتأجل، ولكن المستحب الوفاء بالوعد.

قال: ولا شرط جر منفعة، مثل أن يقول: أقرضتك ألفاً على أن تبيعني دارك بكذا، أو ترد عليَّ أكثر من مالي أو تكتب لي به سفتجة أي: كتاباً لوكيله أو تأتيه في بلد آخر لتدفع إليه بدله، فنوفر عليه مؤنة الحمل، ويحصل له الأمن من خطر الطريق.

والدليل على منع ذلك ماروي عنه صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن قرض جر منفعة.

وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِباً".

وعلى هذا لا يملك المستقرض المال، ولا يجوز له التصرف فيه، قاله المتولي. وفي البيان نقل وجه: أنه لا يفسد بذلك.

وقيل: شرط الزيادة في البدل إنما يضر إذا كان مما يجري فيه الربا، أما ما لا ربا فيه فلا يضر شرطها فيه وكذلك شرط رد الأجود، وهذا قول ابن أبي هريرة، وأبي حامد المروروزي.

ووجهه الماوردي: بأنه لما جاز مثل هذا في البيع، ولم يجز مثله في القرض انصرف هذا العقد عن حكم القرض إلى البيع؛ نظراً إلى المعنى، وهذا ليس بشيء؛ لعموم الخبر، ثم إذا حصل البيع في الصورة الأولى، فالحكم فيه كما ذكرنا فيما إذا قال: بعتك هذا العبد بعشرة على أن تبيعني دارك بمائة.

ص: 384

قال: فإن بدأه المستقرض بذلك من غير شرط جاز.

لحديث أبي رافع والحديث المذكور معه، وهذا إذا لم تجر عادة المستقرض برد زيادة، أما إذا كان من عادته ذلك، فمنهم من جعل ذلك كالشرط ومنهم من منع من ذلك في الربويات، والمذهب الأول، ولكن هل يكره [له] الأخذ، أم لا؟ فيه وجهان:

ولو قال: أقرضني ألفاً على أن أرهن به، وبالألف القديم هذا الرهن، فقد حكى الإمام فيه تردداً؛ بناء على أن القبول من المستقرض غير معتبر، والأصح اعتباره وفساد القرض، كما لو صدر [الشرط من المقرض].

حكى ذلك الرافعي في كتاب الرهن، ولو شرط أن ينقصه من البدل، فالشرط أيضاً باطل، وفي بطلان القرض به وجهان كالأجل، ولو أقرضه بشرط أن يقرضه شيئاً آخر، صح على الأصح، [و] فيه وجه: أنه كالبيع بشرط الإقراض، فيكون باطلاً.

قال: ويجب رد المثل فيما له مثل؛ لأنه أقرب إلى جبر الفائت، وفيما لا مثل له أي: حقيقة كالنبات والجواري والحيوان.

قيل: يرد القيمة؛ كما لو أتلفه، وهذا ما اختاره الشيخ أبو حامد.

[وقال في التتمة وفي كتاب الشفعة إنه المذهب الصحيح]، وهو القياس، فعلى هذا تجب قيمته يوم القبض، إن قلنا: إنه يملك بالقبض، وإن قلنا: إنه يملك بالتصرف، فالأكثر من وقت القبض إلى وقت التصرف.

وفيه وجه: أن الاعتبار بوقت القبض.

وهذا الوجه يظهر لي أن يكون مأخذه ما ذكرناه، في أنه إذا تصرف تبينا ملكه من حين القبض، والأول مبني على أنا نتبين ملكه قبل التصرف.

نعم إن طرد صاحب هذا الوجه وجهه يما إذا تلف القرض في يده قبل التصرف المحصل للملك انتفى أن يكون مأخذه ما ذكرته، وقد يجيء- تفريعاً على أنه لا يملك إلا بالتصرف – وجه ثالث أنه لا يضمن إلا قيمته وقت التصرف الناقل للملك، ويجعل التصرف كإتلافه له عليه، وقد حكى الإمام فيه هذا الوجه، عند الكلام في

ص: 385

ضمان البيع الفاسد، حيث قال: والأقوال نجريها في كل ضامن من غير متعد، ولا متصرف في غصب، ومن جملة الأقوال ما ذكرناه.

قال: وقيل يرد المثل أي: في الصورة؛ لحديث أبي رافع، وهذا ما صححه القاضيان الماوردي، وأبو الطيب، والبغوي والأكثرون، ثم لو اختلفا في صفة المثل، أو في قدر القيمة، فالقول قول المستقرض، صرح به الرافعي وغيره، وهذا لا يدل على أن ذكر [القدر أو القيمة] في الابتداء ليس بشرط، فإن ذلك قد يذكر [ثم يقع] الاختلاف بعده.

فرع: إذا جوزنا إقراض الخبز، وقلنا الواجب فيه رد القيمة، فشرط فيه رد المثل، ففي جوازه وجهان:

قال: وإن أخذ عن القرض [أي: عن بدل القرض] عوضاً جاز؛ لأن ملكه عليه مستقر، فجاز له أخذ العوض عنه، كالعين المغصوبة في يد الغير، ويخالف المسلم فيه؛ فإنه غير مستقر؛ لأنه يجوز أن يلحقه فسخ أو انفساخ، وليس بدل القرض كذلك، ويشترط في صحة ذلك قبض العوض في المجلس إن كان ربويًّا، والمقرض من جسه سواء ورد العقد على العين أو الذمة.

وإن لم يكن ربويًّا أو كان مما لا يحرم فيه التفرق، قبل التقابض فإن ورد على الذمة فلابد من قبض العوض في المجلس؛ لأن ذلك في معنى بيع الكالئ بالكالئ.

وحكى القاضي الحسين في هذه الصورة وجهاً: أنه لا يصح، وإن اتصل به القبض في المجلس، وإن ورد على العين، ففي اشتراط القبض وجهان، اختيار الشيخ أبي حامد وأبي إسحاق وجماعة من الأصحاب، وهو ظاهر النص في المختصر: أنه لابد منه، ومقابله نسبه الماوردي إلى ابن سريج.

وحكى في الفروع المذكورة في آخر باب الربا أنه ظاهر المذهب، وهو اختيار الإمام وصاحب التهذيب، كما لو باع بدراهم في الذمة.

وكلام الشيخ مشير إلى ترجيح ما ذهب إليه أبو حامد، حيث ذكر لفظ الأخذ الذي هو حقيقة في القبض، وعدوله عن لفظ "بعوض"، وقد صرح بذلك في كتاب الصلح.

ص: 386

وفرق القاضي أبو الطيب، بين هذا وبين ما إذا باع بثمن في الذمة في كتاب السلم بفرقين؛ أحدهما: أن الثمن والمثمن في مسألتنا يصيران من ضمان واحد، وذلك لا يجوز، وهذا قد يرد عليه ما إذا اشترى ثوباً بثمن في الذمة، ثم قبضه، فإن الثمن والمثمن من ضمان واحد – وهو المشتري، ومع هذا لم يكن ذلك مانعاً من الصحة.

لكن جوابه أن المراد بضمان المعين أنه لو تلف انفسخ العقد، وهذا لا يوجد فيما إذا قبض المشتري المبيع، فإن به يستقر العقد.

الفرق الثاني: أن المبيع هاهنا دين، والمبيع إذا كان ديناً اعتبرنا به قبض الثمن في المجلس دليله السلم.

وفرق المتولي بينهما بأنه لم يسبق في بيع الثوب بالدراهم في الذمة حكم الدينية، وإنما يجب ديناً في الوقت.

وهاهنا الدين ثابت قبل العقد، وعدم قبض المعين في المجلس [يلحق بالدين في نظر الشرع، ألا ترى أنه لو أخر قبض أحد البدلين في الصرف عن المجلس بطل العقد، كما لو باع نسيئة، فاعتبر) قبض المعين في المجلس]؛ حتى لا يصير في حكم بيع الدين بالدين هذا مشهور المذهب.

وفي الوسيط: أن المقرض إذا استبدل عن القرض عيناً وقبض في المجلس جاز، وإن استبدل ديناً لم يجز؛ لأنه منطبق على بيع الكالئ بالكالئ، وهو منهي عنه.

والكالئ: هو الدين، وإن استبدل عيناً ولم يقبض في المجلس فإن جوزنا بيع الدين، فلا مأخذ لاشتراط القبض، وإن لم نجوز، فلابد من القبض.

قال الإمام – عن شيخه -: لأن تجويز البيع منه لأجل معنى الاستيفاء، والاستيفاء لا يتعدى المجلس، وما ذكره الغزالي قد يفهم [منه] منع بيع الدين بالدين، وإن قبض في المجلس؛ لأنه فصل في استبدال العين بين ما قبل القبض وبعده، وأطلق القول بعدم الجواز في الاستبدال بالدين، ويقتضي أيضاً أن الأصح عنده اشتراط قبض العين في المجلس؛ لأنه بناه على جواز بيعه من الأجنبي، والأصح عنده عدم

ص: 387

الصحة، وذلك مخالف لما حكاه في كتاب الصلح؛ حيث قال: وإن صالح عن دين، نظر: فإن صالح عن دين آخر فلابد من التسليم في المجلس، فإنه بيع كالئ بكالئ، وإن صالح عن عين وسلم في المجلس صح، وإن لم يسلم فوجهان، والأظهر الصحة؛ لأنه عين.

وفيه وجه يجري في لفظ البيع، والجواب عن الأول، أن ما ذكره في البيع مصور، بما إذا باع الدين الذي له على زيد مثلاً لزيد بالدين الذي لزيد على عمرو مثلاً، وذلك حقيقة بيع الكالئ بالكالئ، وقد أشار إلى ذلك الماوردي في أواخر باب الربا.

والمذكور [في الصلح] مصور بما إذا باع الدين الذي له على زيد له بدين أنشأه في ذمة زيد؛ عوضاً عن الأول.

نعم حكى الرافعي في هذه الصورة وجهاً، أنه لا يصح، وإن قبض في المجلس، وقد حكيناه عن القاضي من قبل ووجهاً أنه يصح، وإن لم يقبض في المجلس، إذا لم يكن المصالح عليه مما يوافق المصالح به في علة الربا وعينه في المجلس، وأنه أصح.

وفي النهاية في كتاب السلم: أنه لو استحق على رجل ديناً مستقراً ثم اعتاض عنه دراهم موصوفة في الذمة، ثم عجلها في المجلس صح، وإن لم يعجلها، وكان الدين نقداً لم يجز، وإن كان عرضاً، ففي المسألة خلاف، قدمناه في البيع.

وقد انتظم من مجموع ما حكيناه عند الاختصار، إن لم يكن – كلام الإمام محمولاً على ما حاكه الرافعي من التعيين في المجلس – أنه [إن] استبدل عيناً وقبض في المجلس جاز، وألا فوجهان أصحهما الصحة، [وعند الشيخ أبي حامد ومن تابعه عدمها] وإن استبدل ديناً لم يجز على وجه، وعلى وجه يجوز إذا قبض في المجلس، وعلى وجه يجوز إذا عين في المجلس، وإن لم يقبض بشرط، ألا

ص: 388

يتفق العوض والمعوض في علة الربا، وعلى وجه يجوز [وإن لم يقبض] ولا عين [العوض] في المجلس بالشرط المذكور.

وحكم الدين بسبب الإتلاف، وأرش الجناية حكم بدل القرض، وهل يجوز أخذ العوض عن القرض من غير من هو عليه؟ فيه وجهان محكيان في الحاوي عن تخريج ابن أبي هريرة.

[وفي التتمة في كتاب الصلح أنهما قولان، ويقرب من قوله ما حكيته في باب ما يتم به البيع، عن ابن الصباغ أن الشافعي نص على جواز بيعه وهبته، وأن بعض الأصحاب خالفه، وجعل في المهذب الأظهر من الوجهين الجواز.

وقد يؤخذ من كلام الشيخ هنا بأن ينزل قوله: "وإن أخذ عن القرض عوضاً جاز" على ظاهره؛ فإنه يقتضي جواز ذلك من المستقرض، ومن غيره].

وفي الوسيط: لعل الأصح من القولين المنع، وه والذي صححه الرافعي، والمتولي في كتاب الرهن، والصلح، وجعله البغوي المذهب.

وحكى الإمام، في كتاب الصلح عن بعضهم: القطع به، [وهو ما حكاه القاضي الحسين فيه والمحاملي].

قال الغزالي: والمنع ليس مأخوذاً من قاعدة القبض، ولكنه من ضعف الملك، وهو عدم التعيين.

ووجهه الإمام: بأنه ليس ملكاً محققاً؛ ولهذا لا يصح رهنه، والمتولي: بأن الدين ليس بمال في الحقيقة، وإنما هو حق مطالبه، يصير مالاً في ثاني الحال، والشرط في البيع أن يكون العوض مالاً، ويخالف ما لو أخذ ممن هو عليه عوضاً؛ لأن ذلك بدل مال في مقابلة إسقاط، كما لو صالح عن القصاص على مال، أو قال: أعتق عبدك على ألف.

ص: 389

وعلى الأول [قال ابن الصباغ في آخر كتاب الهبة: لا يفتقر إلى رضا من عليه الدين، ولا يحتاج إلى القبض فيه؛ لأن الشافعي شبه ذلك في كتاب الشروط بالحوالة، فقال: إذا أنكر من عليه الحق أو جحد، لم يرجع بالدرك.

وقال غيره]: لابد من أن يقبض مشتري الدين الدين في المجلس، وبائعُهُ العوضَ في المجلس، حتى لو تفرقا قبل قبض أحدهما بطل، كما حكاه البغوي والرافعي، وأن يكون ما اشترى به الدين عيناً، فلو كان ديناً لم يجز بلا خلاف، كما قال الإمام.

وفي [مجموع المحاملي] قبيل باب المصراة اعتبار قبض العوض والسكوت عن الدين، أما جواز أن يأخذ عوضه؛ لأنه قد زال ملكه عن العين، أي: إذا قلنا: إنه يملك بالقبض.

[قال]، أما إذا قلنا: إنه لا يملك إلا بالتصرف، فقد قال بعض أصحابنا: لا يجوز أخذ بدله للمقرض؛ فإنه وإن كان ملكه باقياً إلا أنه قد ضعف؛ بتسليط المستقرض، هذا آخر كلامه.

وفي الرافعي ما يفهم حكاية هذا عن الشامل، فيما إذا أراد أخذ العوض عن البدل الثابت في الذمة، وكلامه لا يقتضي إلا ما ذكرناه فليتأمل.

ص: 390

وكان ينبغي من جهة البحث أن يقال: إذا قلنا: إنه ملك بالقبض، فإما أن يقول: إن المقرض إذا فسخ القرض، وأراد الرجوع إلى عين مال القرض له ذلك أم لا؟

فإن قلنا: ليس له أخذ المال المقترض، بل الخيرة إلى المقبوض، فالحكم ما قاله ابن الصباغ، بلا نزاع.

وإن قلنا: إن العين ترجع إلى المقرض؛ فينبغي أن يتخرج على ما إذا باع الأب ما وهبه لابنه، وفيه ثلاثة أوجه:

أحدها: صحة البيع؛ فإنه يتضمن الرجوع.

وهو الذي صححه الغزالي في فتاويه.

والثاني: لا يصح البيع والملك للابن، والثالث: يجعل رجوعاً، ولا يصح البيع؛ إذ لا فرق بينهما.

[فإن قلت: ثم المشتري غير الموهوب له، وهو غير مالك للمبيع، فلهذا صح المشتري، وهنا المقرض قد ملك العين فكيف يشتري ملكه؟ نعم، هذا يظهر إذا باع المقرض العين المقرضة من أجنبي.

قلت: لا يعد في مجيئه في المقترض أيضاً؛ لأن من صحح البيع من الأجنبي، قدر الفسخ قبله، وذلك لا يمتنع فيما إذا كان المقترض هو المشتري، وفائدة ذلك تظهر فيما يرجع به المقرض وأمن المستقرض من رجوع المقرض في العين المقرضة].

قال: وإن أقرضه طعاماً ببلد ثم لقيه ببلد آخر، فطالبه به لم يلزمه دفعه إليه؛ لأن قيمة الطعام تختلف [ومن هذا يظهر أن قيمة الطعام لو كانت في البلدين سواء أنه يلزمه، كما صرح به ابن الصباغ وغيره في كتاب الغصب].

نعم لو أحضره إليه المستقرض، لا يلزم المقرض قبوله؛ لأن في حمله عليه

ص: 391

مؤنة، فإن لم يكن في حمله مؤنة؛ لقلته أو قرب ما بين البلدين – اتجه أن يخرج على الوجهين، يما لو أحضر المسلم إليه المسلم فيه في غير المكان المشروط وقد تقدما.

قال: وإن طالبه بالعوض عنه لزمه دفعه؛ لأنه في البلد [الذي] اجتمعا فيه كالمعدوم.

ولو كان مثل الطعام الذي أقرضه إياه معدوماً، كان له المطالبة بالقيمة، فكذلك هاهنا، وهذا ما علل به القاضي أبو الطيب، وظاهره يقتضي أن ذلك معاوضة؛ حتى تبرأ ذمة المستقرض من القرض، كما إذا عدم مثل الطعام المغصوب، وهي قضية لفظ الشيخ حتى إذا لقيه في بلد القرض لا يملك رد العوض ومطالبته بالطعام، وكذلك ليس للآخر رد الطعام والمطالبة بالمقبوض، كما إذا أخذ الدراهم للحيلولة، ويؤيده أنه حكى مع غيره من العراقيين، وصاحب التهذيب في نظير المسألة في السلم أنه لا يجوز أخذ البدل؛ لأنه بيع المسلم فيه قبل القبض، وكذلك الغزالي عند الكلام فيما إذا أبرأ الوكيل في السلم المسلم إليه من المسلم فيه من كتاب الوكالة في الوسيط.

ونسبه في الغصب إلى قول صاحب التقريب.

وفي ابن يونس: أن أخذ القيمة يكون للحيلولة فقط، حتى يبقى معه استحقاق الحق، ويلزمه دفع الطعام إليه في بلد القرض، ويوافقه ما حكاه الغزالي وإمامه في باب السلم؛ حيث قالا: يجوز أخذ القيمة من المسلم إليه؛ للحيلولة، [وإن] أبدى الغزالي ذلك في كتاب الغصب احتمالاً.

وقد حكى الرافعي في أن المستقرض، هل يملك المطالبة بالمقبوض، والمقرض بالطعام في بلد القرض؟ وجهين، وهما مأخوذان من اختلاف النقلين، ثم [إن] القيمة المأخوذة تعتبر ببلد القرض، إن لم ينقل القرض إلى موضع آخر أو نقله وقلنا:

ص: 392

إنه ملك بالقبض، أما إذا قلنا: إنه لا يملك إلا بالتصرف، فيجب قيمته في الموضع الذي ملك فيه.

قال: وإن أقرضه دراهم في بلد ثم لقيه في بلد آخر فطالبه بها، لزمه دفعها إليه؛ لأن القيمة في ذلك لا تختلف، فانتفى الضرر.

قال الإمام: وهكذا إذا كان المقرض من النقود، التي لا عسر في نقلها، ولا تتفاوت قيمتها بتفاوت البقاع، أما إذا كانت مما يعسر نقلها، وتختلف قيمتها فلا نطالبه بغير بلد الإقراض.

وحكى الجيلي في الصورة الأولى، وجهاً [آخر]: أنه لا يلزمه الدفع، وقد أشار إليه الإمام بقوله: لزمه الدفع على ظاهر المذهب. والله أعلم.

ص: 393