المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الإبداع في قضايا الاجتهاد والتقليدوالاتباع والابتداع - لقاءات ملتقى أهل الحديث بالعلماء - جـ ٦

[ملتقى أهل الحديث]

فهرس الكتاب

- ‌الشيخ زهير الشاويش

- ‌ترجمة ذاتية موجزة

- ‌ ستخرجون بعض كتب السؤالات

- ‌ وضع بعض المخطوطات في الملتقى

- ‌[ما سبب تاسيسكم للمكتب الإسلامي للطباعة

- ‌[ما هو أول كتاب طبع في المكتب الإسلامي

- ‌ أرجو بيان عنوانكم

- ‌ طبقات دور النشر، وأول من كان معكم في الساحة

- ‌ وجهة نظركم في الكتاب الإلكتروني

- ‌[جهودكم في تبني أهل العلم والعناية بهم

- ‌ لديه مخطوطات نادرة وأن في نيتكم إظهارها، فلماذا لا تسعون في استقطاب علماء التحقيق

- ‌[نحس بضعف المكتب الإسلامي في النشر مقارنة بحاله في السابق

- ‌[هل الشيخ في الرياض]

- ‌مخطوط مسائل عبد الله ومسائل ابن هانئ

- ‌ جامع الاصول - لابن الأثير، وشرح ثلاثيات مسند أحمد - للسفاريني

- ‌ وجه روايتكم

- ‌[الذين أجازوني أو التقيت بهم من علماء المغرب]

- ‌[هل لكم رواية عن حامد التقي

- ‌ إعادة طبع شرح السنة

- ‌ مكتبة محب الدين الخطيب

- ‌ هل مؤلفات عارف العارف هي خير من تكلم عن النكبة الفلسطينة

- ‌[هل سيكتب الشيخ مذكراته

- ‌ علاقتكم بالشيخ محمد بن مانع

- ‌ يكون له موقع شخصي على النت

- ‌تراث محمود شكري الألوسي المخطوط

- ‌ حال مكتبة الشيخ محمد بهجة الأثري العراقي

- ‌ صلتكم بوجيه الحجاز محمد نصيف رحمه الله

- ‌ زرتم منطقة القصيم لغرض علمي

- ‌ معرفتكم بالشيخ فوزان السابق

- ‌متى بدأ الشيخ الألباني رحمه الله بالتعاون مع المكتب الإسلامي؟ وما هي أسباب النزاع بعد ذلك

- ‌ دور النشر القديمة التي كان لها دور بارز في نشر المطبوعات الإسلامية

- ‌[ما هي حقيقة تتلمذ الشيخ شعيب الأرناؤوط على كتب الشيخ الألباني

- ‌[ما هي أسباب اهتمامكم بطبع كتب الحنابلة وتخريج أحاديثها

- ‌[هل لا زلت تقوم بالإشراف على المكتب الإسلامي إلى الآن

- ‌ حول طباعة صحيح السنن الأربع

- ‌ هل مصطلح "حركة" وافد أم أصيل

- ‌ في كتب العلامة ابن مانعٍ كتاب اسمه (الرَّدّ على الجهميّة)

- ‌ذهاب العديد من المكتبات

- ‌[نداء من الشيخ حمدي عبد المجيد السلفي إلى الأخوة السلفيين]

- ‌ في لبنان مسندون من أهل السنة

- ‌[هل أجاز الشيخ رمزي دمشقية بعض طلبة العلم

- ‌ الأجزاء الناقصة من التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر

- ‌[هل عندكم علم بحال المخطوطات التالية:

- ‌[موقع المكتب الإسلامي على الإنترنت]

- ‌ سلسلة المواطن الاسلامية للمؤرخ الشيخ محمود شاكر

- ‌ الأمير عبد القادر الجزائري وكيف كان يصنع في تتبع كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وحرقها

- ‌ حال المكتبات الشامية وخصوصا دمشق

- ‌سيرتكم العلمية وأخبار رجال العصر الذين صحبتموهم ولقيتموهم

- ‌ ترجمة لهؤلاء الأعلام [[المعاصرين]]

- ‌[هل لقيتم الشيخ عبد الحي الكتاني

- ‌[شرح نونية ابن القيم لابن عيسى

- ‌ صاحبكم: حسن عبد الحميد صالح

- ‌طبع "مطالب أولي النهى" للرحيباني]

- ‌[المكتب الإسلامي بمصر

- ‌التنكيل" و "القائد

- ‌ الدراسة على محدث؟ أم الدراسة على أصولي

- ‌(سيف بن محمد بن مدفع

- ‌ يزعم أن الشيخ المجاهد الكبير عز الدين القسام - رحمه الله تعالى - من رؤوس التجانية

- ‌ الشيخ راغب الطباخ رحمه الله هل كان سلفيا

- ‌ حسن الأدب رغم الخلاف الذي استشرى بينمكا مع الألباني

- ‌علاقتكم بالشيخ يوسف بن راشد المبارك

- ‌مقالات للشيخ زهير الشاويش:

- ‌ مهنتي نشر تراث أمتي

- ‌ مسجد الجامعة السورية وإعادة فتحه سنة 1370 - 1951

- ‌ التعليق على مقال الشيخ صفوت السقا

- ‌مات خادم السنة النبوية الشيخ عبد القادر الأرناؤوط

- ‌رثاء الدكتور عاصم ابن الشيخ محمد بهجة البيطار

- ‌كلمة عند وفاة الشيخ رمزي دمشقية

- ‌طرائف مع الشيخ سعدي ياسين

- ‌من ذكرياتي مع الداعية الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري

- ‌الإبداع في قضايا الاجتهاد والتقليدوالاتباع والابتداع

- ‌السلفية ((حركة قائمة في وجه الإلحاد، والشرك، والضلال، والطغيان))

- ‌كلمة الشيخ زهير الشاويش حول مؤتمر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية

- ‌ملاحق

- ‌الشيخ زهير الشاويش: صاحب أكبر مكتبات العالم الإسلامي

- ‌مجلس مع ملتقى أهل الحديث

- ‌مشايخ الشيخ زهير الذين يجيز عنهم في إجازته

- ‌تنبيه (مهم) من زهير الشاويش بخصوص كتاب (المرعشلي)

الفصل: ‌الإبداع في قضايا الاجتهاد والتقليدوالاتباع والابتداع

‌الإبداع في قضايا الاجتهاد والتقليد

والاتباع والابتداع

بقلم: زهير الشاويش

20/ 8/2002

إن هذا البحث المقدم إلى المركزين الكريمين:

المعهد العالمي للفكر الإسلامي - فرع بيروت-.

كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية -بيروت-.

في ندوة بناء الشخصيَّةِ الإسلامية في دعم خصائص الإبداع. وتنقية الثقافة من عوامل التخلف.

فلابُدَّ من تقديم الشكر للجهتين الكريمتين، واللجنة التحضيرية، على اهتماماتهم المتعددة في خدمة الإسلام، وتنمية الثقافة العربية.

وإن كلامي سيكون في المنهج المقدَّمِ في المادتين 3و4 لما فيهما من تقارب وتداخل، راجياً التوفيق من الله، ثم القبول من إدارة الندوة، واللجنة التحضيرية، والرضى من الحضور الكريم.

* * *

إنَّ أهميةَ تنمية روح البحث والاجتهاد، وحض الإسلام على الاجتهاد والإبداع والتجديد، وإقراره المتنوع، كل ذلك يفتح أمام المتكلم باباً واسعاً جداً.

ولكن مع ضيق الوقت المحدد للإعداد أولاً، ومن بعد ذلك التقديم، يُلزم القائل بالإيجاز، وتقديم عناوين لرؤوس المسائل فقط.

ولكن -للمرة الثانية أيضاً- آمل باستدراك بعض ذلك، إذا تقرر طبع ما يكتب، وأتيح له المجال للزيادة والإضافة، لأنَّ النشرَ يوصلُ البحث إلى ما يحتاج إليه من إيضاح وبيان أكثر مما يسمعه الحضور الكريم في هذه الندوة، التي تجمع جُلَّ العلماء المطَّلعين، كما أن في الأبحاث المتعددة التي ستقدم في هذه الندوة المباركة، ما يسد الكثير من الثغرات، وما سيكون فيه غنى وثراءٍ إن شاء الله تعالى.

الحمد لله الذي أنزل على محمد بن عبد الله الدين الذي سعدنا به، وفَتَحَ للناس من أبوابِ رحمته ما وَسَّع علينا أمور حياتنا، وخفف عنَّا ما تراكم من عقائد من سبقنا من أهل الكفر والشرك والعدوان والظلم من الأمم السابقة.

وصلى الله على سيدنا وحبيبنا محمد، وعلى آله وجميع أصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد.

ص: 76

فإننا نعيش في زمن اضطربت فيه أحوال الأمة الإسلامية، فتجد جماعة أو أفراداً أوجدوا لأنفسهم منهجاً انفردوا فيه عن الأكثرية الساحقة، فكانت لهم اجتهادات وتشريعات، وإن استقلت بفكر نشأ بينهم، غير أنها لا تعتمد على الأصلين الذين قام عليهما وبهما الإسلام: الكتاب والسنة.

وبالمقابل نجد بقايا الجمود مستولياً على عدد كبير من أتباع التقليد الأعمى، والمذهبية الضيقة التي قادت الكثير إلى التعصب المذهبي، بناءً على ما وجدوا عليه آباء آبائهم، وكان أصل فكرتهم جيداً، وهو الاعتماد على الكتاب والسنة وفقه أئمة كبار سبقوهم، غير أن التعصب حاد بهم عن الطريقة المثلى، فأصبح عملهم الفقهي مبنياً على التخلف، وأثراً من الماضي البعيد، المبني غالباً على الأقيسة والتأويل، حتى وجدنا عند بعضهم قولهم: الحكم كذا -قياساً- ثم بقول الله كذا، أو الحديث كذا؟ وبعد ذلك تجد أن الحديث لا أصل له، وأن القياس غير صحيح، فتأمَّل!!

واقتنع العديد بالثقافة الأجنبية، مقتدين بالأمم التي نقلوا عنها القانون البشري المتحلل، البعيد عن مصلحة الأمة وأخلاقها، فاستوردوا قانونهم مع بقايا مخترعاتهم وبضائعهم، وتراث بداوتهم الهمجية.

وساد هذا الفهم عند الكثير من أبنائنا، بل وبعض مثقفينا، منذ مطلع القرنين الماضيين الذين تولى أمرنا فيهما مستعمرون من أعدائنا، والتخلف في الحياة المدنية عندنا.

وأمثال ذلك كثير في مختلف مناحي الحياة، حتى اختلط الحابل بالنابل، وهذا كله أوصلنا إلى ما نحن فيه.

تجديد الاجتهاد

وهذا مهَّدَ السبيلَ أمام فئةٍ مخلصةٍ من علماء الدين، والشباب الناهض المثقف، في عدد من بلادنا، نادوا بلزوم إيجاد حركة فقهية متجددة، تبث روحاً في العلوم الإسلامية، مع بقاء الإفادة من الأصلين: الكتاب والسنة.

ص: 77

فطرقوا أبواب هذا الفقه القديم بفهم وإمعان نظر، وأساليب جديدة، فكان منهم بالجملة إصلاح جديد للمجتمع البشري كافة، وإنقاذ للإنسانية من هاوية المادية المتردية.

وهذا أوجد فيهم بعض الخلاف بين بعضهم في الجزئيات، تبعاً لظروفهم الخاصة، وسيراً على ما عند كل واحد منهم من علوم وثقافة ومعرفة، بل وأحياناً ما تأثر به في محيطه الخاص، وبيئته المحيطة به، سواء كانت علمية أو أدبية أو تربوية.

واشتد الخلاف بينهم وبين من سبقهم من أهل الجمود والرضى بالبقاء على ما كان عليه الفقه من القرن الرابع الهجري (عندما تأسست المذاهب) وأصبحنا نسمع من كلامهم:

"كل آية أو حديث ليس في مذهبنا، فهو مؤول أو منسوخ؟ ".

وهو بهذا جعل مذهبه هو الحكم على القرآن الكريم، والله عز وجل يقول:{يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} [الحجرات: 1]، وقال أيضاً:{ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 8]، والرسول الكريم قال:"بلغوا عني ولو آية"! وعلى آراء غيره من خلق الله، وفيهم أهل علم وتجارب، من الصحابة ومن بعدهم.

ووجدنا القول بوجوب اتباع أحد المذاهب الأربعة دون غيرها، بدعوى أن الخروج عن هذه المذاهب ضلال، وقد يصل إلى الكفر، وبعضهم صرح بذلك، وفتح باب التكفير من غير دليل، والعياذ بالله سبحانه.

* * *

فيسر الله لهؤلاء المجددون الانطلاق بأبحاث اجتهادية فيما تحتاج الأمة إليه، ولم تخرج عن القديم في الحقيقة والواقع، ولكن عملت بكل قديم مقبول، بعد إيجاد الدليل لكل مسألة، والتبويب لكل قضية.

واعتبر بعض عملهم من باب "التلفيق المذهبي"، الذي عابه بعض الباقين على تعصبهم، مع أنه ليس من بابة هذه المقولة، بل هو الموافقة، والاقتداء، والاتباع فقط، وقد يوافق في بعضه مذهباً ما، ثم يوافق مذهباً آخر في قضية ثانية، مع الدليل لكل واحدة منها، وهكذا ..

ص: 78

ووجد من أباح التلفيق بشروط أوجدوها، وهذا كان منهم دليل خير، يواجه أهل التعصب المذهبي! ويرد دعواهم.

وكذلك اجتهدوا بما حدث من مستجدات طرأت على حياتهم مما لم يكن معروفاً (أيام المذهب القديم) فأصابوا في أكثرها، وفتحوا للناس أبواب العلم بالفهم والعقل والاقتداء والاتباع الصحيح بالأصل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو الكتاب الكريم وصحيح السنة المطهرة بأقسامها: القولية، والفعلية، والإقرارية.

وهذه أحكامهم وآراءهم موجودة بيننا متفرقة متداولة، مع أنه لا يكاد يجمعها كتاب جامع، ولا فقه مدون، ولا مذهب مقنن -إلى اليوم-.

حتى قامت منذ عشرين سنة -تقريباً- تلك المجامع الفقهية في عدد من البلاد، ونادت بحركة اجتهادية جماعية أوجدت الكثير من الأحكام النافعة (مع اختلاف فيما بينهم بآراء قليلة) وهذا لم يمنع بعض الأفراد من اجتهادات (على انفرادها) مقبولة.

وبين أيدينا العشرات من الكتب التي ألفت، دعا فيها أصحابها إلى الاجتهاد الكلي أو الجزئي، وهي بالجملة مقبولة بل ومتداولة، وزاد الله في أعداد أتباعها، بما يسر الله في التوسع بالنشر والطباعة المتقنة، والفهرسة المساعدة، مما لم يعد خافياً على أحد.

* * *

واليوم يفتح لنا المعهدان الكريمان الباب الواسع للحديث عن الاجتهاد في تربية المسلم والمسلمين، بعد أن شهدنا آثار الاضطراب السابق في المجتمعات الإسلامية المتعددة، ومنها انتشار الإسلام الواسع في الميادين والمواطن الجديدة في أوروبة وأمريكا والمشرق وإفريقية وغير ذلك من البلاد.

وبعد أن قامت علينا بعض الدنيا -بالظلم- من بلاد الكفر بنشر حرب تعلن على الإسلام، تارة بصريح القول، وأحيانا بالكيد المستتر .. وفينا ويا للأسف سماعون لهم.

ص: 79

ولهذا كان لنا الدخول في البحث العلمي مع ثقافات العالم، ووسيلة لإقناع الناس بصلاحية فقهنا الإسلامي القديم والجديد على السواء وأنهما الصالحان لكل زمان ومكان والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:

"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة"(1) ، وأنهما سبيل النهضة بالشريعة لتطبق على الجميع، وفي مقدمتهم المسلمين.

وبالمناسبة فإن هذه الثروة الفقهية ذخيرة لا نظير لها عند غيرنا!!

ولم يهمل الله - جل شأنه - عقول هذه الأمة التي أُخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بأنه -سبحانه- خالقهم، وسوَّى أمورهم، ولم يعطِّل مداركهم، ولم يجمِّد أفكارهم، لتكون متحيرة أمام المسائل الجزئية التي تحل بهم وتنزل في ساحتهم مع تغيير العصر، أو تبدل المصر، بل ساقهم إلى التفكير الدائم في الإنسان، والكون، والحياة، وحثهم على العمل الدؤوب لصالح الأمة، وحملهم على الاجتهاد المنشود لاستنباط الجزئيات المتفرعة من الكليات المقررة، والأصول الثابتة من الكتاب والسنة.

{وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا} [النساء: 8]، وقوله تعالى {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2] ، وقال العلماء بأنها بمعنى العبور من النص الموجود إلى المسألة الجديدة.

ولما كان إعمال الفكر في نصوص الكتاب والسنة، هو الوسيلة إلى التعرف على الأحكام التي لا نصوص عليها، وأن الاجتهاد طريقاً حتمياً للوقوف على أهداف الشريعة، وسبيل الحفاظ على خلودها وصلاحيتها ومرونتها.

(1) الحديث رقم 7287 بصحيح الجامع الصغير وزيادته، تخريج الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، إشراف الشيخ زهير الشاويش، طبع المكتب الإسلامي.

ص: 80

لذلك فتح الإسلام باب الاجتهاد على مصراعيه إلى أن تقوم الساعة، أمام علماء الأمة الأكفاء البررة العاملين بالكتاب والسنة، وذلك لتأمين حاجات الناس الضرورية حسب تجدُّد المصالح، وتغيُّر الأعراف، وتقدم الزمن، وهو في كل ذلك أوجد للناس السعادة والحياة الطيبة.

وقد وضع العلماء شروطاًً للاجتهاد قررها الأصوليون، وفيها بعض الاختلافات من حيث الزيادة والنقصان والدلالة، وفي بعض ما ذكروا -مع الأسف- التعنت والتعجيز والإطالة بلا مستند شرعي من غير فائدة، ولن ندخل في شرح تفاصيلها -في عجالتنا هذه- لأنه ليس محلها هنا، وأنتم في غنى عنها.

أهمية الاجتهاد

وإن الاجتهاد في الإسلام أقوى دليل على أن ديننا الحنيف هو الدين الشامل الخالد الوحيد الذي يساير ركب الحضارات الإنسانية عبر كل العصور والأجيال، ويرحب بكل التغيرات الطارئة، والمشاكل الناجمة من تجدد الحوادث والظروف والمصالح على اختلاف المجتمعات الإنسانية في مشارق الأرض ومغاربها، ويعرض لها الحلول المناسبة في ضوء الأحكام الكلية، والأصول الثابتة من الكتاب والسنة إلى قيام الساعة.

والاجتهاد هبة ربانية أتاحها الله للإسلام

إن مسائل العصرِ -وكل عصر- تتجدَّدُ، ووقائعُ الوجود لا تنحصر، ونصوص الكتاب والسنة (مع اتساعها) محصورة محدودة، فكان لزوم وجوب ووجود الاجتهاد في الأمور المستحدثة، حاجةً إسلامية -بل إنسانية- ملحة لمسايرة ركب الحياة وتأمين مصالح الخلق.

وتلبية لهذه الحاجة فقد قام عدد من فقهاء الصحابة رضي الله عنهم أجمعين- بالاجتهاد ومنهم الخلفاء الراشدون الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، والسيدة الصديقة عائشة أم المؤمنين، وغيرهم، وتبعهم من بعدهم من علماء التابعين وأتباعهم، وكان منهم أئمة الإسلام وفقهاء الأمة رحمهم الله أيضاً، بالاجتهاد في المسائل المستجدة في عصورهم، وصار الاجتهاد منحة ربانية مستمرة، يتمتع بها المسلمون، بجهود المجتهدين في كل زمانهم.

ص: 81

غير أن ذلك لم يكن خاصاً بعصرهم، بل استمر -في أغلبهم- بعدهم، ومن ثم جاءت العصبية لبعضهم، حتى كاد أن يفهم -ونعوذ بالله تعالى- أن رحمة الله عز وجل صارت عقيمة بعد ذلك، وانقطعت عن العلماء المتأخرين المتأهلين، وهنا رأينا بعد ذلك آثار العصبية المذهبية وحزازاتها، إن لم أقل مصائبها وبلاييها.

ولا شك أن هذا الاعتقاد بالعصبية، أدى إلى الإيمان بانتهاء الاجتهاد والمجتهدين، وهو تحجير لرحمة الله الواسعة، وحكم على قدر الله وقضائه بدون علم، أمام فضل الله، تجاه ما حكم به الناس، ويسره لعباده، في كل الأمور، ومنها: العلم والقدرة على الاستنباط، وأمامهم قول الله عز وجل:{وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [الجمعة: 2 - 3].

ص: 82

حرية التفكير والاجتهاد عند الأئمة

إن الأئمة منهم من لذكرهم نوع اختصاص: النعمان، ومالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، وداود الظاهري، مع وجود العشرات غيرهم قبلهم وبعدهم رحمهم الله كانوا يبذلون أقصى جهودهم للوصول إلى الحق في المسائل الاجتهادية، ومع هذا لم يكونوا يقطعون بأن اجتهادهم هو الحق الذي لا مرية فيه، وإنما هو رأي وقد يقابله رأي آخر، ولا يجوز أن يكون في الناس خلافه قطعاً، بل كانوا يحتاطون احتياطاً لازماً عند إبداء آرائهم في المسائل، ويخافون في كل ذلك مخالفة النصوص الصريحة من الكتاب والسنة، ولأجل هذا نصوا على الرجوع إلى السنة عند ظهور مخالفتهم إياها، وأوصوا تلاميذهم وأصحابهم بترك أقوالهم المخالفة لها، وهي مستفيضة في مكانها (1).

(1) قال الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله: "إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين .. " الإحياء للغزالي (1/ 79) ومختصر المؤمل رقم (147) ، ومعنى قول الإمام المطلبي محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله (105 - ضمن الرسائل المنيرية المجلد الثالث) ، وانظر "صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم" للشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله طبع المكتب الإسلامي.

وقال النعمان أيضاً: "إذا صح الحديث فهو مذهبي" (رد المحتار إلى الدر المختار لابن عابدين 1/ 67 - 68 وقال: "فإذا نظر أهل المذهب في الدليل وعملوا به صح نسبته إلى المذهب، لكونه صادراً بإذن صاحب المذهب، إذ لا شك أنه لو علم ضعف دليله رجع عنه واتبع الدليل الأقوى".

أقول: غير أن هذا لم يسير عليه أتباعه غالباً؟ غفر الله لهم.

وقال الإمام مالك: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه"(أصول الأحكام لابن حزم 6/ 790، وجامع بيان العلم 2/ 32، ومختصر المؤمل رقم 143، ومعنى قول الإمام 3/ 105، (ضمن الرسائل المنيرية)، والإيقاظ للفلاني ص72.

وقال الإمام الشافعي: "لقد ضل من ترك سنة رسول الله لقول من بعده" أنظر (الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي 1/ 149).

وقال الإمام أحمد: "لا تكتبوا عني شيئاً، ولا تقلدوني ولا تقلدوا فلاناً وفلاناً -وفي رواية مالكاً والشافعي، والأوزاعي ولا الثوري- وخذوا من حيث أخذوا"، انظر "مسائل الإمام أحمد" لابن هانئ، تحقيق زهير الشاويش، وانظر أيضاً مسائل ابنه عبد الله طبع المكتب الإسلامي، تحقيق زهير الشاويش (ص 437 - 438)، حيث يقول الإمام أحمد في جوابه عن سؤال حول وضع الكتب؟ قال: "أكرهها، هذا أبو حنيفة وضع كتاباً، فجاء أبو يوسف ووضع كتاباً، وجاء محمد بن الحسن فوضع كتاباً، فهذا لا انقضاء له، كلما جاء رجل وضع كتاباً

ويترك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم" ، وانظر أيضاً (مختصر المؤمل رقم 144، إعلام الموقعين 2/ 201، الإنصاف للدهلوي ص105، والإيقاظ ص113).

ص: 83

ولا يتصور أن أي إمام من الأئمة الأعلام، مهما بلغ من العلم، والحفظ، والضبط، والإتقان، يستقل بالحكم على الشيء، ويستبد برأيه، ويفرضه على الآخرين من أتباعه فرضاً، ولا يجد لنفسه دليلاً بمثل قوله تعالى:{نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم} [يوسف: 76].

وأمام عينيه كلام الله جل شانه في قوله: {قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} [الإسراء: 85].

وإنني مع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في خلاصة قوله في كتابه القيم "رفع الملام عن الأئمة الأعلام": أن الأئمة كانوا أبعد من أن يتصفوا بهذه الصفة من الاستبداد بالرأي، وفرضه على الآخرين. وكانوا يدورون حيث دار الحق بكل أمانة وإخلاص، حسب فهمهم، وما وصل إليه علمهم. فالحق ليس محصوراً في رأي أحد قطعاً، إلا النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم [فيما يبلغ عن ربه جل وعلا].

ويتضح من ذلك أن اجتهاد المجتهد ورأيه لا يمكن أن يكون بمثابة حكم الله عز وجل، ولو كان كذلك لما ساغ لأتباع الأئمة أن يخالفوا آراء شيوخهم.

وهكذا كان الفقه الإسلامي في القرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالخير في ازدهار مستمر، ونمو متواصل، وتقدم دائم.

وكانت اجتهاداتُ الأئمةِ بين الأخذ والعطاء، والرد والقبول، حتى في أوساط أصحابهم، حتى إن تلامذة الإمام أبي حنيفة لم يتركوا من أقواله في المذهب إلا أقلَّ من 30% وأصبح المذهب من كلام الأتباع، بل وأتباع من جاء بعدهم بأزمان!

وكذلك كان الأخذ والرد بينهم وبين خصومهم، حيث يرجع بعضهم أحياناً إلى رأي غيره، والحادثة المشهورة عن رجوع الإمام محمد بن الحسن الشيباني الحنفي إلى مذهب أصحاب الإمام مالك في عدد من المسائل معرفة مشهورة.

ص: 84

وكذلك اعتماد الإمام الشافعي على أقوال تلميذه الإمام أحمد بن محمد بن حنبل فيما صح عنده من أحاديث، أكثر من أن تحصر، فضلاً عن رجوعه في مذهبه المصري الجديد، عن الكثير من أقواله في مذهبه في العراق، وأن رجال مذهبه أبقوا المذهب على عدد كبير من المسائل تابعة لما كان عليه في بغداد، مع أن رسالته "الأم" بين أيديهم.

إلى أن فشا التقليد في منتصف القرن الرابع، وبدأ التعصب المذهبي البغيض يسود بعض تلك الأوساط.

وكلما جاء قرن بعد ذلك، كان أكثر تقليداً، وأشد انتزاعاً للأمانة من صدور الرجال، حتى اطمأنوا كلهم، أو كثرتهم الغالبة إلى القول:

{إنا وجدا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف: 22](1).

وكان بعد ذلك التناحر بين أتباع المذاهب بحيث لم يكن يحب صاحب مذهب -أو كبار أتباعه- أن تبقى المذاهب الأخرى، وذلك تحت رعاية الدولة التي تدين برأيه.

يقول المقريزي:

"وكانت الإفريقية الغالب عليها السنن والآثار، إلى أن أقدم عبد الله بن فروج أبو محمد الفارسي بمذهب أبي حنيفة، ثم غلب أسد بن الفرات بن سنان (2) قاضي إفريقية بمذهب أبي حنيفة".

(1)"الإنصاف" للمرداوي (ص96).

(2)

كان رحمه الله من المجاهدين الكبار وشهد فتوحات في إفريقية، وتفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة، وكانت وفاته سنة 213هـ = 828م.

ص: 85

"

ثم إن المعز بن باديس حمل جميع أهل إفريقية على التمسك بمذهب مالك، وترك ما عداها من المذاهب، فرجع أهل إفريقية وأهل الأندلس كلهم إلى مذهب مالك إلى اليوم رغبة فيما عند السلطان، وحرصاً على طلب الدنيا، إذ كان القضاء والإفتاء في جميع تلك المدن وسائر القرى لا يكون إلا لمن تسمى بالفقه على مذهب مالك، فاضطرت العامة إلى أحكامهم وفتاواهم، ففشا هذا المذهب هناك فشوًا طبق تلك الأقطار، كما فشا مذهب أبي حنيفة ببلاد المشرق" (1).

وليس عهدنا ببعيد عما كانت عليه الدولة العثمانية والبلاد التي وراءها، من العصبية الشديدة لمذهب السادة الأحناف، وسوق الناس إلى مذهبهم بالترهيب قبل الترغيب، حتى حولت الخلافات السياسية إلى خلافات دينية، كما فعلت مع حنابلة الجزيرة مستعينة بمحمد علي باشا الألباني، وقادة الجيش الفرنسي والإنكليزي.

"وذكر الحافظ أبو الفدا إسماعيل بن كثير الدمشقي: أن الملك الأفضل ابن صلاح الدين (ت 595هـ) كان قد عزم في السنة التي توفى فيها على إخراج الحنابلة من بلده، وأن يكتب إلى بقية إخوته بإخراجهم من البلاد"(2).

(وذكر أيضاً أن المحدث عبد الغني المقدسي تعرض إلى مسألة صفات الله عز وجل في دمشق، فغضب عليه أتباع المذاهب الأخرى، فأمر الأمير صارم الدين برغش بنفيه من البلد، وأرسل الأسارى من القلعة فكسروا منبر الحنابلة، وتعطلت يومئذ صلاة الظهر في محراب الحنابلة (3).

وفيهم قال الإمام أحمد بن رسلان الشافعي -المتوفى سنة 844هـ وكان من أهل الرملة ردها الله وسائر بلاد المسلمين- في كتابه متن الزبد:

(1)"الخطط المقريزية"(2/ 333) ، والمقريزي هو العالم المؤرخ السلفي الشيخ أحمد بن علي البعلبكي الأصل المتوفى سنة 845هـ.

(2)

"البداية والنهاية" للحافظ ابن كثير الدمشقي (13/ 18).

(3)

"البداية والنهاية"(13/ 19) ، والشيخ عبد الغني كان من كبار علماء الحديث والفقه، مقدسي الأصل، وعاش في دمشق، وتوفي سنة 600هـ.

ص: 86

فعالم بعلمه لم يعملن

معذب من قبل عباد الوثن

ولكن جاء بعده الشيخ إبراهيم اللقاني المتوفى سنة 1041هـ فنظم:

فواجب تقليد حبر منهم كذا حكى القوم بلفظ يُفهم

مع أنه يشيد باتباع سلف الأمة في الأرجوزة نفسها بمثل قوله:

فكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف

وبرروا ذلك بقولهم: من قلد عالماً لقي الله سالماً؟ مع أن العالم القادر على الاجتهاد إن قلد غيره، لقي الله مجرماً، لأنه عطل نعم الله عليه، ولم يعمل بعلمه.

وهذا بحث يحتاج إلى كلام طويل نكتفي منه بالإشارة.

وبعد أن بينا طرفاً من التناحرات المذهبية المقيتة، آمل أن يتضح أمام أنظاركم الكريمة حقيقة دعوى "أن المذاهب كلها حق وعلى صواب" وتنكشف نوايا المقلدة البعيدة عن الحق والصواب، ضد الأئمة الآخرين، وحربهم العشواء على المذاهب الأخرى بدعواهم، مؤمنين إيماناً جازماً بأن المذهب الذي هم عليه، هو الحجة الشرعية الوحيدة، وعلى كل فرد من أفراد الأمة إتباعه وتقليدهم فيه. ولا يجوز لأحد أن يخرج عنه، ولا حتى للدليل الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجعلوا الأحاديث تروى للتبرك فقط!!.

ومن المؤسف المحزن أن الجذوة التقليدية الجائرة هذه، بكل فروعها ومسائلها، لم تخمد حتى الآن في أوساط أتباع بعض المذاهب الأخرى.

ودع عنك أكثر ما تسمع من افتراء على الدعاة الباقين على أصل الاتباع، التاركين للتقليد الأعمى، والتعصب المذهبي الذين يتألمون من واقع المسلمين المرير، ووضع الأمة المتدهور، وينادون بوحدة الأمة بالرجوع إلى الكتاب والسنة، والتحاكم إليهما في المسائل المختلف فيها مع التقدير والاعتبار لجميع اجتهادات الأئمة السابقين وروّاد هذه الأمة.

وكذلك دع عنك من يرمونهم بالتقوقع، والرجعية، والتقهقر، والانفلات.

باب الاجتهاد لم يغلق ولم يسد!

ص: 87

لما تغلغل تقليد المذهب في سويداء قلوبهم، وغرز التقليد الجامد براثنه في جسم الأمة، وفرّطوا في القيام بالاجتهاد في المسائل النازلة بهم، واعتمدوا على الاحتكام إلى مذهب واحد فقط من المذاهب المتعددة، بل ولم يرجعوا إلى كلام الأئمة المشهود لهم بالعلم من غير مذهبهم.

ولكن رجعوا إلى أفراد تأخر بهم زمنهم، وتأخروا عن معاصرة أهل العلم السابقين، وحتى أبناء أزمانهم، فكتبوا فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، فكانت لهم المرجع والمرتكز! وكان قولهم هو المعتمد، مهما كان دليله قوة وضعفاً، وكيف كان قبوله في واقع الحياة.

وذلك لأنهم نادوا بسد باب الاجتهاد في منتصف القرن الرابع بدون دليل، وبدون حق، والذين نادوا بذلك ليسوا باعترافهم من أهل الاجتهاد .. وقد لخص ذلك أخي الدكتور عبد الكريم زيدان في كتابه "المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية" كما يلي:

(ضعف السلطان السياسي للخلفاء العباسيين مما أثر في حياة الفقه والفقهاء. فلم يجدوا التشجيع الذي كان يحفزهم على الإنتاج الفقهي.

(تدوين المذاهب وترتيب مسائلها وتبويبها مما جعل الفقهاء يركنون إلى هذه الثروة الفقهية، ويستغنون بها عن البحث والاستنباط.

(ضعف الثقة بالنفس والتهيّب من الاجتهاد مما جعل الفقهاء يؤثرون التقليد على الخوض في ميدان الاجتهاد المطلق.

(إدعاء الاجتهاد ممن ليسوا أهلاً له، فأفتوا بسد باب الاجتهاد دفعاً لهذا الفساد وحفظاً لدين الله (1).

(شيوع التحاسد بين العلماء مما جعل الكثير منهم يحجم عن الاجتهاد خوفاً من أن يكيد له أعداؤه، ويرموه بالابتداع، فوقفوا عند أقوال المتقدمين.

(تعيين القضاة والمفتين على المذاهب مما كسر همم الفقهاء في الخوض في المسائل.

(عدم اعتداد العامة باجتهادات العلماء المعاصرين، وثقتهم بالعلماء المتقدمين.

(1) وتبعته الأخت الدكتورة نادية شريف العمري في كتابها "الاجتهاد في الإسلام"(ص 218 - 219).

ص: 88

(خوف الحكام من استمرار الاجتهاد، لما كانت تسببه اجتهادات بعض المجتهدين لهم من تشويش وإحراج وقلق.

يتضح جلياً بعد إمعان النظر في هذه الأسباب بأن مخاوف العلماء في استمرار الاجتهاد التقت مع رغبة الحكام والساسة على إغلاق باب الاجتهاد، وإن اختلفت المقاصد والأهداف.

متى انسد باب الاجتهاد

اختلف العلماء القائلون بسد باب الاجتهاد في تعيين وقت بدء إغلاق باب الاجتهاد، قال صاحب فواتح الرحموت بشرح مُسَلَّم الثبوت:

"ثم إن من الناس من حكم بوجوب الخلو من بعد العلامة النسفي، واختتم الاجتهاد به، وعنوا الاجتهاد في المذهب. وأما الاجتهاد المطلق فقالوا: اختتم بالأئمة الأربعة، حتى أوجبوا تقليد واحد من هؤلاء على الأمة. وهذا كله بعيد عن الحق، يجانب الدين، ولم يقل به أحد من أهل العلم من الأئمة، فضلاً عن خلوه من أي دليل، ولذلك لا يعبأ بكلامهم، وإنما هم من الذين حكم الحديث أنهم: أفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا، ولم يفهموا أن هذا إخبار بالغيب في خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى"(1).

وقد خالفهم الحنابلة حيث قالوا بعدم جواز خلو العصر عن المجتهد، وهو قول الإمام أحمد في مقدمتهم ولذلك لم يؤلف أي كتاب في الفقه، بل اكتفى بتقديم الأجوبة على المسائل التي قدمت إليه، وهي التي وصلتنا، ووجدنا فيها الفقه الغزير المعتمد على الكتاب والسنة، واتباع من سبقه من أهل العلم.

(1)"فواتح الرحموت"(2/ 399 - 400) ، ويشير إلى حديث ابن عمر رضي الله عنهما، والذي رواه الأئمة أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجة، وغيرهم وانظر "صحيح الجامع الصغير وزيادته (الفتح الكبير) " تخريج الألباني، ترتيب زهير الشاويش برقم 1854، بلفظ:"إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جُهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا".

ص: 89

والجميل من الإمام أحمد إنكاره لدعوى الإجماع من بعد الصحابة، والإجماع المدعى بعدهم كان من أسباب الفرقة بين المسلمين عند دعواهم: أن من أنكر الإجماع فقد كفر!! من غير أن يعرفوا كيف كان هذا الإجماع!! (1)

وقال شيخ مشايخنا عبد القادر ابن بدران (2): "ذهب أصحابنا إلى أنه لا يجوز خلو العصر عن مجتهد، وإلى ذلك ذهب طوائف، ولم يذكر ابن عقيل خلاف هذا إلا عن بعض المُحْدَثِين"(3).

وقد رد العلماء على مقالة سد باب الاجتهاد في كل عصر. وإليكم بيان وجهات نظرهم حول سد باب الاجتهاد باختصار، نصاً أو إشارة.

(قال أبو الحسن علي بن عمر المعروف بابن القصار المالكي البغدادي (ت 397هـ) في كتابه "المقدمة في أصول الفقه" الباب التاسع عشر في الاجتهاد، وفيه تسعة فصول، ثم قال:

"الثالث فيمن يتعين عليه الاجتهاد: أفتى أصحابنا رحمهم الله بأن العلم على قسمين: فرض عين، وفرض كفاية. ففرض العين الواجب على كل أحد هو علمه بحالته التي هو فيها.

(وأما فرض الكفاية: العلم الذي لا يتعلق بحالة الإنسان، فيجب على الأمة أن تكون منهم طائفة يتفقهون في الدين ليكونوا قدوة للمسلمين حفظاً للشرع من الضياع، والذي يتعين من هذا من الناس من جاد حفظه، وحسن إدراكه، وطابت سجيته، ومن لا فلا" (4).

(1) أنظر "مسائل الإمام أحمد لابنه عبد الله" الصفحة 390بتحقيقي، طبع المكتب الإسلامي.

(2)

هو العلامة الشيخ عبد القادر بن أحمد بن مصطفى شيخ مشايخي، ولد في دوما سنة 1265هـ، ثم سكن دمشق. وله المؤلفات السلفية الرائعة، وقد طبعت له، "جواهر الأفكار ومعادن الأسرار (تفسير بدران) "، وكتاب "منادمة الأطلال في تاريخ ووصف مساجد ومدارس دمشق"، وعندي له عدد من مخطوطاته تحت الطبع. توفي رحمه الله سنة 1346هـ.

(3)

"المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل"(ص 191). وراجع "الاجتهاد في الإسلام"(ص 224 - 225) مفصلاً.

(4)

"الرد على من أخلد إلى الأرض" للسيوطي (ص 80).

ص: 90

فلذلك وجب الاجتهاد على من تقع به الكفاية.

"وفرض الكفاية هو أن يتعلم ما يبلغ رتبة الاجتهاد ومحل الفتوى والقضاء، ويخرج من عداد المقلدين، فعلى كافة الناس القيام بتعلمه، غير أنه إذا قام من كل ناحية واحد أو اثنان سقط الفرض عن الباقين، فإذا قعد الكل عن تعلمه عصوا جميعاً لما فيه من تعطيل أحكام الشرع. قال الله تعالى:

{فلولا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين} [التوبة: 122](1).

(وقال أحمد بن علي بن محمد المعروف بابن برهان (ت 520هـ):

"الباري سبحانه وتعالى قادر على التنصيص على حكم الحوادث والوقائع ولم يفعل، ولكن نصّ على أصول، وردّ معرفة الحكم في الفروع إلى النظر والاجتهاد"(2).

(قال أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت 548هـ):

"ثم الاجتهاد من فروض الكفايات لا من فروض الأعيان حتى إذا اشتغل بتحصيله واحد سقط الفرض عن الجميع، وإن قصر فيه أهل عصر عصوا بتركه، وأشرفوا على خطر عظيم. فإن الأحكام الاجتهادية إذا كانت مرتبة على الاجتهاد، وترتيب المسبّب على السبب، ولم يوجد السبب كانت الأحكام عاطلة، فلا بد إذن من مجتهد"(3).

(وقال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية بعد ذكر من يقول بوجوب التقليد بعد عصر أبي حنيفة ومالك مطلقاً:

"والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة، والتقليد جائز في الجملة، لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد، وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد"(4).

(1) الرد للسيوطي (ص 69).

(2)

المرجع نفسه (ص 170).

(3)

المرجع نفسه (ص 74).

(4)

فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (20/ 203 - 204) ، ويراجع "رفع الملام عن الأئمة الأعلام"، فإن هذا الكتاب من أحسن ما ألف في بيان الدفاع عن علماء الأمة، وقد طبعته بعد تحقيقه في المكتب الإسلامي.

وانظر في أخبار شيخ الإسلام الكتب الآتية:

"الرد الوافر على من زعم بأن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر" للعلامة ابن ناصر الدين الدمشقي بتحقيقي، و"الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية" للإمام البزار بتحقيقي، وهي من مطبوعات المكتب الإسلامي.

ص: 91

(وقال شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت 751هـ) بصدد الرد على التقليد:

"وهذه بدعة حدثت في الأمة لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام، وهم أعلى مرتبة وأجل قدراً، وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء.

وأبعد منه من قال: يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة.

فيا لله العجب! ماتت مذاهب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أئمة الإسلام، وبطلت جملة [وتفصيلا] إلا مذاهب أربعة أنفس فقط من سائر الأئمة والفقهاء.

مع أن المذاهب التي دُونت اكثر من ثمانين مذهباً، ومنها مذهب الظاهرية، ومذهب إمام أهل الشام عبد الرحمن الأوزاعي الذي كان سائداً لمدة مائتي سنة في بلاد الشام والأندلس، خلال الخلافة الأموية فيها وبعدها، فضلاً عن المذاهب الفردية الأخرى.

هل قال ذلك أحد من الأئمة، أو دعا إليه، أو دلت عليه لفظة واحدة من كلامه عليه؟! والذي أوجبه الله تعالى ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة، لا يختلف الواجب ولا يتبدل، وإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة والعجز والزمان والمكان والحال. فهذا أيضاً تابع لما أوجبه الله ورسوله" (1).

(وقال أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (ت 790هـ).

(1)"إعلام الموقعين"(4/ 262 - 263) بتصرف.

ص: 92

"

إن الوقائع في الوجود لا تنحصر، فلا يصح دخولها تحت الأدلة المنحصرة، ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من القياس وغيره. فلابد من حدوث وقائع لا تكون منصوص على حكمها، ولا يوجد للأولين فيها اجتهاد. وعند ذلك فإما أن يترك الناس مع أهوائهم، أو ينظر فيها بغير اجتهاد شرعي، وهو أيضاً اتباع للهوى، وذلك كله فساد، فلا يكون بدّ من التوقف لا إلى غاية، وهو معنى تعطيل التكليف لزوماً، وهو مؤد إلى تكليف ما لا يطاق، فإذاً لا بد من الاجتهاد في كل زمان، لأن الوقائع المفروضة لا تختص بزمان دون زمان" (1).

(وقال الزركشي:

"فلا بد أن يكون وجود المجتهد من فروض الكفاية، ولا بد أن يكون في كل قطر من تقوم به الكفاية، ولهذا قالوا: إن الاجتهاد من فروض الكفايات"(2).

(وقال جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911هـ) في مقدمة كتابه: "الرد على من أخلد إلى الارض".

"وبعد، فإن الناس قد غلب عليهم الجهل وعمهم، وأعماهم حب العناد وأصمهم، فاستعظموا دعوى الاجتهاد، وعدّوه منكراً بين العباد.

ولم يشعر هؤلاء الجهلة أن الاجتهاد فرض من فروض الكفايات في كل عصر، وواجب على أهل كل زمان أن يقوم به طائفة في كل قطر، وهذا كتاب في تحقيق ذلك

" (3).

(وقال محمد بن إسماعيل المعروف بالأمير الصنعاني.

"

فالحق الذي ليس عليه غبار الحكم بسهولة الاجتهاد في هذه الأعصار، وإنه أسهل منه في الأعصار الخالية، لمن له في الدين همة عالية، ورزقه الله فهما صافياً وفكراً صحيحاً ونباهة في علمي السنة والكتاب".

(1)"الموافقات" للشاطبي (4/ 104).

(2)

"الرد" للسيوطي (ص 79) ، والزركشي من كبار علماء الشافعية، وله كتاب "الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة"، تحقيق أستاذنا سعيد الأفغاني -تغمده الله برحمته-، طبع المكتب الإسلامي.

(3)

"الرد" للسيوطي (ص 65) ، والأمير الصنعاني توفي سنة 1182 هجرية رحمه الله.

ص: 93

والعجب من مقالات تخالف ذلك والقول ببقاء التقليد على العالم والجاهل، فإن هذه المقالة تستلزم رفع التعبد بالكتاب والسنة، وأنه لم يبق إلا تقليد الرجال الذين هم متعبدون بالكتاب والسنة كتعبد من جاء بعدهم على حد سواء، فإن كان التعبد بالكتاب والسنة مختصاً بمن كانوا في العصور السابقة، ولم يبق لهؤلاء إلا التقليد لمن تقدمهم، ولا يتمكنون من معرفة أحكام الله من كتاب الله وسنة رسوله، فما الدليل على هذه التفرقة الباطلة والمقالة الزائفة وهل النسخ إلا هذا، سبحانك هذا بهتان عظيم"؟!! (1)

(وقال عبد القادر بن أحمد المعروف بابن بدران الدمشقي:

"قد أطال العلماء النفس في هذا الموضوع، وأورد كل من الفريقين حججاً وأدلة، وكأن القائلين بجواز خلو عصر عن مجتهد، قاسوا جميع علماء الأمة على أنفسهم، خيّلوا لها أنه لا أحد يبلغ أكثر من مبلغهم من العلم، ثم رازوا أنفسهم فوجدوها ساقطة في الدرك الأسفل من التقليد، فمنعوا فضل الله تعالى، وقالوا: لا يمكن وجود مجتهد في عصرنا البتة، بل غلا أكثرهم فقال: لا مجتهد بعد الأربعمائة من الهجرة، ويَنْحَّلُّ كلامهم هذا أن فضل الله كان مدراراً على أهل العصور الأربعة ثم أنه نضب فلم يبق منه قطرة تنزل على المتأخرين، مع أن فضل الله لا ينضب، وعطاؤه ومدده لا يقفان عند الحد الذي حدده أولئك"(2).

(وقال الأخ المعاصر العلامة الدكتور وهبة الزحيلي -بارك الله فيه-:

" وقد أحسن بعض العلماء كابن تيمية، والحركات السلفية الحديثة إذ قرروا بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً لمن كان أهلاً له"(3).

(1)"إرشاد الفحول"(ص 254).

(2)

"المدخل إلى مذهب الإمام أحمد"(ص 192).

(3)

"الاجتهاد في الشريعة الإسلامية"(ص 198، 252) مجموعة بحوث نشرتها جامعة الإمام بالرياض.

ص: 94

ونقل أيضاً عن الشيخ محمد سعيد الباني: "لا دليل أصلاً على سد باب الاجتهاد، وإنما هي دعوى فارغة وحجة واهنة أوهن من بيت العنكبوت، لأنها غير مستندة إلى دليل شرعي أو عقلي سوى المتوارث"(1).

وقال أخي العلامة الشيخ يوسف القرضاوي -حفظه الله-:

"وإن مما اتفقت عليه كلمة الداعين إلى تحكيم الشريعة الغراء: أن هذا لا يتم إلا بإحياء (الاجتهاد) الذي هو إحدى الوسائل الأساسية لتجديد الدين، وأداة ضرورية لإثبات سعة شريعته ومرونتها وقدرتها على مواجهة التطور، وحل مشكلات الفرد والمجتمع .... والذي أومن به، وأدعو إليه، وأدافع عنه هو: (المنهج الوسط) للأمة الوسط، وهو الاجتهاد بكل أنواعه ودرجاته، كلياً وجزئياً، فردياً وجماعياً، ترجيحياً وإنشائياً، بشرط أن يصدر من أهله في محله، منضبطاً بضوابطه الشرعية المعتبرة، بعيداً عن غلو الغالين، وتفريط المفرّطين"(2).

(وقال أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة:

"إن قضية فتح باب الاجتهاد في المذهب الحنبلي قضية تضافرت عليها أقوال المتأخرين وأقوال المتقدمين، حتى لقد قال ابن عقيل من متقدمي الفقهاء في ذلك المذهب الجليل: إنه لا يعرف خلافاً فيه بين المتقدمين".

ثم قال: "وإذا كان الاجتهاد مفتوحاً، وإذا كان العلية من أصحاب أحمد وأتباعه قد استنكروا أن يخلوا زمن من المجتهدين المستقلين، فإن ذلك المذهب يكون ظلاً ظليلاً لاحرار الفكر من الفقهاء، ولذلك كثر فيه العلماء الفطاحل في كل العصور"(3).

لأجل هذا قال الإمام الشوكاني:

(1) المرجع نفسه (ص 193 - 194) نقلاً عن "عمدة التحقيق في التقليد أو التلفيق" للشيخ السلفي محمد سعيد الباني أمين الفتوى بدمشق رحمه الله.

(2)

أنظر مقدمة الكتاب القيم "الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط" طبع المكتب الإسلامي.

(3)

"ابن حنبل: حياته عصره - وآراءه - وفقهه"(ص 416 - 417).

ص: 95

"لا يخفى على من له أدنى فهم أن الاجتهاد قد يسره الله للمتأخرين تيسيراً لم يكن للسابقين لأن التفاسير للكتاب العزيز قد دونت وصارت في الكثرة إلى حد لا يمكن حصره، والسنة المطهرة قد دوّنت، وتكلم الأمة على التفسير والتجريح والتصحيح والترجيح، بما هو زيادة على ما يحتاج إليه المجتهد. وقد كان السلف الصالح ومن قبل هؤلاء المنكرين يرحل للحديث الواحد من قطر إلى قطر، فالاجتهاد على المتأخرين أيسر وأسهل من الاجتهاد على المتقدمين، ولا يخالف في هذا من له فهم صحيح وعقل سوي. "(1)

ولأخي العالم الفاضل الأستاذ عمر عبيد حسنة كتاب جليل طبع باسم "الاجتهاد للتجديد سبيل الوراثة الحضارية" ذكر فيه من المباحث والنظريات الكثير النافع المفيد، ولست بحاجة الآن إلى النقل عنه، ولكن أَلِفْتُ النظر إليه، فقد توسع فيه بما يغني كل محتاج (2).

وتوضيح لبعض المشكلات لابد من قول فيه بعض التفصيل

أولاً: إن العلماء الذين ردوا على القول بإغلاق باب الاجتهاد بعد الأئمة الأربعة لم يدّعوا لأنفسهم الاجتهاد (3) ، بل حاولوا الدفاع عن المواهب الإلهية التي حظي بها العلماء الفطاحل القادرين على الاجتهاد، وإخراج الفقه الإسلامي من دائرة محدودة إلى ميدان واسع فسيح، وذلك مع الاستمداد من فقه الصحابة والتابعين وأتباعهم، وفقه المذاهب الأربعة وغيرها من فقه أئمة الاجتهاد الآخرين.

(1)"إرشاد الفحول"(ص 254).

(2)

وهو من مطبوعات المكتب الإسلامي.

(3)

اللهم إلا عدد قليل منهم، وفي مقدمتهم الإمام السيوطي (ت 911هـ) رحمه الله فإنه ادّعى لنفسه الاجتهاد كما لا يخفى على من طالع كتابه "الرد على من أخلد إلى الأرض"، وعدد من المعاصرين!!.

ص: 96

ثانياً: لا يعني الاجتهاد الآن إحداث آراء جديدة لوقائع مستحدثة فقط، وإنما مجاله أيضاً النظر في دلالة أدلة المذاهب الفقهية من حيث القوة والضعف، وترجيحها على الأخرى، بدون تقيّد بمذهب معين، ليجد الباحث عن الحق بغيته بدون أي تخبط.

ثالثاً: ليس المقصود بهذا العرض أن يسمح لكل من هب ودب أن يتلاعب بالشريعة باسم الاجتهاد، ولذلك قلنا مع شيخ الإسلام ابن تيمية: بوجوب الاجتهاد على العالم، ووجوب التقليد على العامي.

بل المقصود أن لا يُشَنَّع على من زَيَّنَه الله عز وجل بعلم الشريعة وفقهها، ولا يُمْنَع فضله سبحانه على من عنده كفاءة للخوض في المسائل، ولا يُتَّهَم بالخروج على الأئمة لأجل الاجتهاد، ولا يُرمى بالشذوذ إذا خالف آراء الآخرين بالأدلة، لأن أدلة الكتاب والسنة لا تكون شاذة، بل هي مستقلة بذاتها لا تحتاج إلى دليل آخر (1).

قال محمد أبو زهرة: "ولقد كان ابن تيمية ينهى من عنده أدوات الاجتهاد عن التقليد، ويوصي الدارس الفاحص ألا يَتَّبِعَ إلا من يوصله عليه الدليل، غير معتد على سواه، ولا يتبع غير سبيله

"

"وأنه يفتح باب الاجتهاد على مصراعيه للقادر عليه، وإن كان يستطيع أن يجتهد في بعض أبواب الفقه دون البعض الآخر، وسعه أن يقلد فيما لا يستطيع أن يجتهد فيه، ولا يسعه التقليد فيما يستطيع الاجتهاد فيه"(2).

اجتهادات منتقدة

نعم وقد وجد عند بعض المُحدَثين بعض المسائل التي اجتهد فيها أفراد منهم، وكانوا محل اعتراض من غيرهم، من أهل العلم مثل:

(1) وانظر كتاب "الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام" للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وكان حديثاً ألقاه في كلية الشريعة بدار الفتوى في بيروت، وطبع في المكتب الإسلامي.

(2)

"ابن تيمية" محمد أبو زهرة، (ص 451) دار الفكر العربي.

ص: 97

الذين أفتوا بمنع الزكاة بالأوراق النقدية، لأنها ليست من النقدين، فأمات من أموال الزكاة ما لا يقل عن 95% فلقد أصبحت هذه الأوراق هي النقد المتعامل به بين الناس، وهو في الحقيقة ما كان إلا عِوضاً عن النقدين أو ما يماثلهما (أي غطاء لها) من أموال الدولة التي أصدرته.

ومثلهم من فتح أبواب التعامل بالربا زاعماً الفرق بين ربا الفضل وربا النسيئة، والذي أبقاه من الأموال قابلاً لإدخاله في القروض الربوية لا يعادل 5% من التعامل بقروض الحبوب الزراعية التي يستعين بها الفلاح في طعامه أيام الشتاء منتظراً البيدر؟ وأباح ربا البنوك والأموال الكثيرة الفائضة.

والذي أباح الربا في أحد المجالس النيابية للخلاص -بزعمه- من تأميم الأرض الزراعية؟ وتبعه بعض المشايخ.

وكذلك من أفتى بجواز الاحتفالات بالمولد واعتبرها سنة حسنة؟ ، وما يترتب على قوله، وعلى فعلهم من مخالفات شرعية، ناهيك عن الاحتفالات بالذكريات الحسنة أو السيئة التي تثير حساسياتٍ تُفَرِّق المسلمين إلى يوم القيامة، مع أن محل الخلاف انقرض زمانه، ومات وقته ..

ومثلهم من نادى بتحريم صوم يوم السبت، لأنه فهم حديثاً واحداً -واحد فقط- لم يَقُلْ به أحد من العلماء من قبله، ولم يُنْقَلْ في دواوين السُنَّةِ المطهرة بكتابٍ واحدٍ معتبرٍ، إلا مع بيان حكمه وأنه في حكم المنسوخ، مما أدخل على الناس في عبادتهم التشويش، والعمل بما لا يَصِحُّ من الحديث.

والذي منع على النساء التحلي بالذهب المُحَلَّقِ مع السماح بالمبسط، وما لا يحيط (كذا) ، مع أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد أباحه للنساء، وحرمه على الرجال، وأفتى بجهل أكثر أهل العلم، إن لم أقل كُلَّهم (1).

(1) أنظر كتاب "آداب الزفاف في السنة المطهرة" للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ص 150 وما بعدها، طبع المكتب الإسلامي، الطبعة الشرعية الوحيدة سنة 1409.

ص: 98

ومن أفتى -دون جميع علماء زمانه وأهل الجهاد والخبرة بالفقه بواقع الحياة- بخروج أهل فلسطين من أرضهم وبلادهم، لأن اليهود قد استولوا على بعض تلك الأرض، زاعماً -بما لقن من الأدعياء- بأن هذا لتأمين عبادتهم، مع أن عبادتهم لم تُمَسْ، بَل تُؤَدَّى على أوسعِ ما تُؤَدَّى به في بعض الجوار، واليوم نجد في الصحف أن الذين أدوا صلاة الجمعة في المسجد الأقصى في الرابع عشر من جمادى الآخرة 1423 = 23/ 8/2002 بلغ أكثر من أربعين ألفاً، وأن مجموع الحجاج -أو الذين ذهبوا لأداء العمرة- من أرض فلسطين تفوق نسبتهم ما ذهب للحج من ليبيا (طرابلس الغرب) بأربع مرات!!

وغافلاً عن أن أرض المسلمين المجاورة لهم لا تقبل منهم أحداً، للسكنى فيها، وإن أكثرهم ذهبوا إلى بلاد الكفر مثل كندا وغيرها، ونتيجة هؤلاء الكفر بعد الجيل الثاني أو الثالث كما هو مشاهد!!.

وأن اليهود لهم رغبة في إخراجهم للاستيلاء على أرضهم وإدخال الملايين من أتباع ديانتهم وإسكانهم في تلك الأرض، بما هو مشاهد وظاهر للعيان.

والذي أباح زواجَ المسلمةِ برجل من أهل الكتاب عدواناً منه واتباعاً لما نادى به المستعمرُ في قانون الأحوال الشخصية، منذ أن دخلت فرنسا إلى بلادنا بعد الحرب العالمية الأولى بقيادة الجنرال غورو، ولكن الثورة السورية الكبرى سنة 1925 أفسدت مسعاه، وكذلك سنة 1937 عُطِّل في الشام وفي بلاد المغرب بمسعى من المجاهدين الكرام.

وحتى الذين حاولوا وضع مثل هذا القانون الجائر! في لبنان استعانوا بتلك الفتاوى الجائرة.

ولكن الله سبحانه أسقط دعواهم وعطل مسعاهم بفضله ثم بجهود المؤمنين التي ترأس حملتها سماحة مفتي الجمهورية الدكتور محمد رشيد قباني، ودولة رئيس مجلس الوزراء السيد رفيق الحريري من الجهة الإسلامية، وغبطة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير من الجانب المسيحي، وغيرهم من أهل العلم والغيرة على الأعراض.

* * *

ص: 99

وطبعاً فإن أمثال هذه الفتاوى الفردية لا تمنع ما وجدنا من خير عميم في فتح باب الاجتهاد على مصراعيه في غير ذلك من الأمور، وأن تطبيق التلفيق والأخذ به من كل المذاهب كان الأنفع للأمة.

وكل هذه الأمثلة تحتاج إلى شرح -إن شاء الله- فيما بعد.

وإنني أختم عجالتي هذه داعياً إلى:

1 -

وجوب الاتباع للأئمة بعد معرفة دليل كل منهم.

2 -

وجوب إعمال الفكر فيما وصلوا إليه بعد دراسة الأدلة التي يصل إليها العالم بعد بذل الجهد، وعلى الأخص في الأحوال المستجدة.

3 -

وجوب التقليد على الجاهل العامي، والأفضل له تقليد أحد المذاهب الأربعة المدونة، أو سؤال عالم متحقق مُطَّلِعٍ على السنة المطهرة، والفقه المقارن.

4 -

أدعو الجهات العلمية إلى التوسع في تنظيم مجالس وندوات في هذا المجال مثل ندوتنا هذه.

وأخيراً وفق الله المعهدين الكريمين للخير والسداد.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ص: 100