المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌جمادى الأولى - 1333ه - مجلة المنار - جـ ١٨

[محمد رشيد رضا]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد رقم (18)

- ‌ربيع الأول - 1333ه

- ‌فاتحة السنة الثامنة عشرة للمنار

- ‌الجهاد الديني في الإسلام

- ‌الدعوة إلى انتقاد المنار

- ‌التاريخ الهجري الشمسي

- ‌سنة المنار الجديدةعشرة أشهر

- ‌الاحتفال بنصب الأمير حسين كاملسلطانًا لمصر

- ‌ترجمة برقيات التهاني بين لندرة ومصر

- ‌تهاني الشعراء

- ‌أثارة تاريخيةمن مقدمات الحرب المدنية الأوربية

- ‌فصل الإحصاء من باب التاريخ

- ‌خرافات وأوهام في قصور الملوك [*]

- ‌الإسلام في إنكلترة

- ‌مصاب الهند والعالم الإسلاميبالشيخ شبلي النعماني

- ‌ربيع الآخر - 1333ه

- ‌استفتاء أدباء العصرفي بيت من الشعر

- ‌الحق والقوة [*]

- ‌بين روسيا وألمانيا [*]

- ‌ترجمة الشيخ شبلي النعماني

- ‌السر محمد سلطان آغا خان

- ‌جمادى الأولى - 1333ه

- ‌فتاوى المنار

- ‌الحنين إلى الأوطان

- ‌سفور النساء واختلاطهن بالرجالوفوضى الآداب بمصر

- ‌الشيخ شبلي النعماني

- ‌تقريظ المطبوعات الجديدة [*]

- ‌جمادى الآخر - 1333ه

- ‌نموذج من كتابكنز الحقائق في فقه خير الخلائق

- ‌أهم أخبار الحرب الأوربية والآراء فيها

- ‌مدرسة دار الدعوة والإرشاد

- ‌تقريظ المطبوعات الجديدة [*]

- ‌رجب - 1333ه

- ‌مقارنة بيناللغة المصرية القديمة واللغة العربية(2)

- ‌جواب على استفتاء المنار(جزء 2 مجلد 18) في قول الشاعر

- ‌تقريظ المطبوعات الجديدة [*]

- ‌شعبان - 1333ه

- ‌مقارنة بيناللغة المصرية القديمة واللغة العربية [*](3)

- ‌أصناف الأقلام العربية في الإسلام

- ‌الدولة والألمان

- ‌تقريظ المطبوعات الجديدة [*]

- ‌رمضان - 1333ه

- ‌أثارة من تاريخ العرب في الأندلس

- ‌مقارنة بيناللغة المصرية القديمة واللغة العربية [*](4)

- ‌السيد محمد شفيع آل رضا

- ‌شوال - 1333ه

- ‌حال المسلمين مع غيرهم في العصر الأول

- ‌إعراب الآية الثانية الذي اضطرب فيه النحاة

- ‌الخطب الدينية(2)

- ‌مقارنة بيناللغة المصرية القديمة واللغة العربية [*](5)

- ‌عدل الإسلام

- ‌تاريخ ميلاد ولدنا محمد شفيع

- ‌تقريظ المطبوعات الجديدة [*]

- ‌ذو القعدة - 1333ه

- ‌الخطب الدينية(3)

- ‌تقريظ المطبوعات الجديدة [*]

- ‌ذو الحجة - 1333ه

- ‌خلاصة سورة المائدة

- ‌حرب أمم المدنية لا الملل الدينية

- ‌الألقاب

- ‌المعرفة بالله تعالى(2)

- ‌شرف العلم وشمائل العلماء

- ‌حال المسلمين اليوموجماعة الدعوة والإرشاد

- ‌خاتمة السنة الثامنة عشرة للمنار

الفصل: ‌جمادى الأولى - 1333ه

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌فاتحة السنة الثامنة عشرة للمنار

بسم الله الرحمن الرحيم

سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، وجل ثناؤك، ولا

إله غيرك {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ

وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران: 26) .

سبحانك اللهم وبحمدك، ما أعدل حكمك، وما أجل حكمتك! وما أوسع علمك

وما أنفذ مشيئتك {قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ

تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (الزمر: 46) .

سبحانك اللهم وبحمدك، لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك،

أسبغت النعم ظاهرة وباطنة، وأفضت أنوار الكرم بارزة وكامنة، ووهبت العقول

والمشاعر، وبينت السنن والشعائر، وأكملت هداية الدين ببعثة محمد خاتم النبيين

فَصَلِّ وسلم اللهم عليه وعلى آله الأئمة الطاهرين، وأصحابه الهادين المهديين.

اللهم إن نعمك لا تحصى، وقد كفرها الكافرون، وإن صراطك المستقيم لا

يخفى، وقد تنكبه الضالون، وإن حكمك لهو الحق وإن عمي عنه المبطلون، وإن

عدلك لهو القسطاس وإن جهل الظالمون، {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا

يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} (الأعراف: 34) {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم

بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لَا تَجْأَرُوا اليَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ} (المؤمنون: 64-

65) .

ربنا إنك آتيت أقوامًا الغنى فطغوا وفسقوا عن أمرك، وآتيتهم القوة فبغوا في

أرضك، ربنا ليضلوا عن سبيلك، بما أعرضوا عن دليلك، {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى

أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ} (يونس: 88) ،

{بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ

نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الغَالِبُونَ} (الأنبياء: 44) .

يا أيها الناس لا خير في الحضارة المدنية، إذا أقيمت على قواعد الأثرة

والقوة المادية، ولا خير في العلم ولا في العمران، إذا كانا وسيلة لاستعباد الإنسان

لأخيه الإنسان، أفلا يعلم الذين جعلوا الحق كله للقوة أن الله الذي خلقهم هو أشد

منهم قوة، وأنه بعباده رؤوف رحيم وإنما يرحم الراحمين، وأنه يأمر بالعدل

والإحسان وخص بمحبته المحسنين، {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ

عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا

كَانُوا يَكْسِبُونَ} (غافر: 82) {أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ

عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا

عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (الروم: 9)[*] {أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهَّابِ * أَمْ لَهُم مُّلْكُ

السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ * جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ

الأَحْزَابِ} (ص: 9-11) ، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ

وَاحِدَةٍ} (النساء: 1) ، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ

شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} (الحجرات: 13) لا لتتناكروا وتتخالفوا، {وَسَخَّرَ لَكُم

مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} (الجاثية: 13) لتشكروا لا لتكفروا،

ولتصلحوا لا لتفسدوا، وليس الإصلاح في الاستعانة بقوى المواد وخواص الأشياء،

على إفساد أمر الناس الذين خلق الله لهم جميع الأشياء، وإنما الإصلاح كل

الإصلاح أن تستعينوا بما آتاكم الله من العلم والعرفان، وما هداكم إليه من تسخير

القوى الكامنة في الأجسام، على جعل منافعها شَرَعًا بين جميع الناس، وجعل

الغاية منها إيصال الشعوب كلها إلى ما يمكن من الكمال. وإن الإفساد كل الإفساد

أن تحتكر الشعوب العالمة منافع العلم، وتجعله ذريعة لبغي بعضها على بعض،

واستذلال الشعوب الضعيفة في الأرض، وتسخيرها لخدمتها كما تُسَخِّرُ الحيوان

الأعجم، بل هم أشد إهانة لمن كرم الله وأكثر تذليلاً، {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ

وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا

تَفْضِيلاً} (الإسراء: 70) ، {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا

فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} (الإسراء: 16) .

يا أيها الإنسان، اتق الله في أمر أخيك الإنسان، ولا تستعل على مَن فَضَّلَك

عليه بالعلم والمال، فقد خلت من قبلكم القرون والأجيال، {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ

ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ} (إبراهيم: 45) ،

{إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ

بِالْعُصْبَةِ أُوْلِي القُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الفَرِحِينَ} (القصص: 76) ، {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ

الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ

المُفْسِدِينَ} (القصص: 77) ، {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ

اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ

المُجْرِمُونَ} (القصص: 78) ، {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ

الحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (القصص: 79) ،

{وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا

يُلَقَّاهَا إِلَاّ الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن

دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ

وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا

وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُواًّ فِي

الأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * َ} (القصص: 80-83) .

يا أيها المغرورون بالعلم والقوة، قد عرفتم القوى المادية، فلا تنسوا القوة

المعنوية، يا أيها المغرورون بعرفان السنن الكونية والاجتماعية، لا تنكروا سنن

العدالة الإلهية، {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ

عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ} (آل عمران: 137) ، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا

مُصْلِحُونَ} (هود: 117)[1]، {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القُرَى إِلَاّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} (القصص: 59) {أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاءُ

أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} (الأعراف: 100) .

وأما أنتم يا معشر المستضعفين والمظلومين، فما زلتم شرًّا على أنفسكم من

الأقوياء العادين، لا نعم الله شكرتم، ولا دين الفطرة أقمتم، لا سنن لله في الكون

عرفتم، ولا على سننه في ارتقاء البشر سرتم، لا بالقوى المادية انتفعتم، ولا

بالقوى المعنوية اعتصمتم، فما ظلمكم الله ولا الناس؛ لكن أنفسكم ظلمتم. تطالبون

ربكم بما وعد به المؤمنين، ولا تطالبون أنفسكم بما فرضه وما شرطه على

المؤمنين، {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي

الأَمْرِ} (آل عمران: 152) ، حرمكم بمخالفة كتابه وسنته في عباده ذلك

النصر،] وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ

اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين [ (الأنفال: 46){وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (آل عمران:

140) ، {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ

الوَارِثِينَ} (القصص: 5) .

يا قوم! طالما أنذركم المنار - على رءوس السنين والأحوال - سوء عاقبة

ما أنتم عليه من التفريط والغرور والإهمال، وطالما فَصَّلَ لكم في أعقاب الشهور،

ما تَخْرُجُون به من الظلمات إلى النور، مبينًا لكم - بآيات القرآن، وأقيسة الميزان

وسنن الله في سيرة الإنسان - أن الأمر ليس بالأماني والأحلام، ولا بمجرد

الانتساب إلى الإسلام، وإنما هو بالأخلاق والأعمال، والعدل والاعتدال، التي

بالإيمان تَبْلُغُ درجات الكمال، وإنما الخلافة في الأرض بالصلاح والإصلاح،

والمؤمن المصلح يَرْجُحُ المصلح الكافر بالإيمان، {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ

الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (الأنبياء: 105) ، {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ

رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} (إبراهيم: 13)، {وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ِ} (إبراهيم: 14) ،] وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي

الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم [، {إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ

عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (الأعراف: 128) .

نعم طالما حذركم المنار وأنذركم، بل طالما ذكركم بنُذُرِ ربكم، وبسننه في

الذين معكم، والذين خلوا من قبلكم، فتماريتم بالنذر، وتعللتم بالقضاء والقدر،

وإنما يعتذر بالقدر من يبرئ نفسه، ويتهم ربه، على أنكم تدعون ربكم أن يبدل

فيكم سنته، ويبطل لأجلكم حكمته، وينصركم بالاستبداد الأُنُف، وقطع أسباب

القدر، وقد تلوتم ما نزل في حُنَينٍ وأُحُد، إذ نزل بخير سلفكم ما نزل، جزاء

العجب والخلاف والفشل، وفيهم خاتم الأنبياء والرسل، أإسلامكم خير من إسلامهم

أم لكم براءة في الزبر، {كَلَاّ وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ *

إِنَّهَا لإِحْدَى الكُبَرِ * نَذِيراً لِّلْبَشَرِ * لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} (المدثر: 32-37) .

نعم إن لله في خلقه آيات، وإن لربكم في أيام دهركم نفحات، وإن له تعالى

رحمة خاصة لَدُنِّيَّة، تتخلل سننه الاجتماعية، (وإن الله تعالى ليؤيد هذا الدين

بالرجل الفاجر) [2](وإن الله تعالى ليؤيد الإسلام برجال ما هم من أهله)[3] ولكن

الله تعالى لا يؤيد بخوارق الآيات من أعرض عن السنن وآيات القرآن، ولا يُمِدّ

بالنفحات والرحمة الخاصة من استحق الحرمان من معظم الرحمة العامة، ألا وإن

تأييد الله الإسلام بغير أهله أكبر حجة على جميع من يُعَدُّون من أهله، ولا سيما إذا

أصروا على خذل أنفسهم بخذله، أفلا يعلم من لا خير له في نفسه من نفسه أن لا خير

يُرْجَى له من غيره؟ {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَاّ

تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَاّ مَا سَعَى} (النجم: 36-39) .

يجب علينا معاشر المسلمين أن ننتصف من أنفسنا، قبل أن ننتصف أو

نستنصف من الأجانب عنا - وأن نستجيب لله وللرسول إذا دعانا لما يحيينا، قبل

أن ندعوه أن يستجيب لنا ويؤتينا ما وعدنا - وأن نشكر نعم ربنا التي أعطى من

غير استحقاق لها، قبل أن نسأله حفظها أو المزيد منها بدون قيام بحقها - وأن نعلم

أن الله تعالى لا يستجب الدعاء بلسان المقال، إلا إذا كان دعاء بلسان الاستعداد

والحال، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً

فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} (الرعد: 11) .

إنني أُذَكِّر في فاتحة السنة الثامنة عشرة للمنار، بما طالما فَصَّلْتُ فيه القول

في السنين الخوالي: إننا نحن مسلمي هذا العصر، لا نستحق على الله تعالى نصيبًا

من الملك، ولا خلافة في شيء من الأرض، لا بحسب سننه في خلقه، ولا

بمقتضى وعده في كتابه، فإذا أعطى شيئًا أو أبقى، فتلك عنايته تعالى وفضله لا

مما جعله وعدًا عليه حقًّا، وإن الله تعالى ليبلو عباده بالحسنات، كما يبلوهم

بالسيئات، ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، فيكون أحسن جزاء وخيرًا أملاً، {وَلَقَدْ

صَرَّفْنَا فِي هَذَا القُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} (الكهف: 54) ، {وَرَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ

العَذَابَ بِل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلاً} (الكهف: 58) .

هذا وإن آية المؤمن أن يحمد الله في السراء والضراء، ولا ييأس من روح

الله مهما اشتدت الأهوال والأرزاء، ويعلم أن ما أصابه من حسنة فمن فضل ربه،

وما أصابه من سيئة فمن نفسه وسوء كسبه، فَيُحْدِث عند الحسنة شكرًا، ويُحْدِث

عند السيئة توبة وذكرى {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ

اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ

المُبِينُ} (الحج: 11) .

{رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ} (الأعراف: 23)، {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (يونس: 85) ،

{ْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا َتَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى

الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} (البقرة:286) .

{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (البقرة:

201) ، {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ

المِيعَادَ} (آل عمران: 194) ، {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ

الفَاتِحِينَ} (الأعراف: 89) ، {وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ

العَالَمِينَ} (الزمر: 75) .

...

...

...

... منشئ المنار ومحرره

...

...

...

...

محمد رشيد رضا

_________

(*) لا يحول دون الاعتبار بهاتين الآيتين هنا نزولهما في قوم كانوا أقل ممن قبلهم قوة وكسبًا

وعمرانًا وآثارًا في الأرض وكونهما لا تنطبقان من بعض الوجوه على بعض الأمم المغرورة بقوتها وعمرانها في هذا العصر - فالعبرة واحدة.

(1)

القرى والمدن: العواصم، والمراد هنا الأمم.

(2)

حديث رواه الطبراني عن عمرو بن النعمان بن مقرن وعلم عليه السيوطي في جامعه بالصحة.

(3)

حديث رواه الطبراني عن عبد الله بن عمرو بسند ضعيف.

ص: 1

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌الجهاد الديني في الإسلام

إن أحكام القتال في الإسلام أعدل وأرحم من أحكام القوانين الأوربية فهي

الإصلاح الأعظم لهذه المصيبة الاجتماعية. ويظن كثير من نصارى الشرق - تبعًا

لأئمتهم في الغرب - أن الجهاد الديني في الإسلام عبارة عن تصدي المسلمين لقتل

كل من يخالفهم في الدين. وقد بينا خطأ هؤلاء ووهمهم بالأدلة والآيات البينات.

ويدهشنا أن نرى أجدر الناس بالفهم والحفظ والذكر لما كتبناه - كأصحاب الجرائد -

قد نسوه وظلوا على رأيهم الموروث بدليل ما كان من توقعهم قيام المسلمين في

البلاد العثمانية بذبح إخوانهم في الجنس والوطن، واستغرابهم اتحاد الدولة العثمانية

مع دولتين من غير دينها.

أعلنت الدولة العثمانية الجهاد الديني فكان المسلمون في بلادها السورية

وغيرها أشد اتفاقًا مع غير المسلمين منهم قبل هذا الجهاد. وما ينقل من تعدي

الترك والأكراد على الأرمن فسببه - على فرض صحته - المنازعات الجنسية

والسياسية، والانتقام منهم لميلهم إلى الدولة الروسية.

وأما الجهاد العام في الإسلام فلا يكون إلا دفاعًا ولا يجوز فيه قتال غير

المقاتلين المعتدين {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ

المُعْتَدِينَ} (البقرة: 190) .

_________

ص: 30

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌الدعوة إلى انتقاد المنار

جرت عادتنا بأن نُذَكِّر قراء المنار في كل عام بما يجب من الانتقاد الذي هو

ضرب من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والمساعدة على الدعوة إلى

الخير، وبث النصيحة، ونشر العلم، فنحن نطالب كل من قرأ في المنار شيئًا

يرى أنه خطأ أن يبين لنا ذلك قولاً أو كتابة مؤيدًا لنقده بما عنده من الدليل، وأما

من سمع الإنكار على المنار من بعض الناس سماعًا فينبغي له أن يتثبت ولا يُعَجِّل

بموافقة المنكر ومجاراته، حتى يرى ذلك بعينه، أو يقرأه الثقة عليه، فإن من

الناس من يفتري الكذب عمدًا، ومنهم من يحرف ما يقرأ حسدًا وضغنًا، ومنهم من

يستنبط من الكلام لوازم لا تلزم، على أن لازم المذهب ليس بمذهب.

وإننا وايم الله لا نرغب إلى أهل العلم والفهم أن ينتقدوا ما نكتب غرورًا منا

بنفسنا، وثقة بأن النقد ينكشف عن خطأ الناقد وصوابنا، بل نعلم أننا كغيرنا من

البشر عرضة للخطأ والنسيان، ولجهل الحقائق وضعف البيان، ولا نبرئ أنفسنا إلا

من سوء القصد، واتِّباع الهوى عن عمد، وإن لنا في هذه الدعوة أربعة أغراض:

الأول: التوسل بها لإصلاح خطئنا، وتقويم عوجنا.

الثاني: التعاون على البر والتقوى والإصلاح بضم رأي غيرنا إلى رأينا

والاستفادة من علم أهل العلم.

الثالث: إقامة الحجة على المغتابين والكذابين الذين يقولون علينا ما لم نقل،

وينسبون إلينا ما نحن بُرآء منه، ويعيبون المنار بما ليس فيه.

الرابع: التوسل إلى تصحيح خطأ المنتقد إذا كان هو المخطئ.

هذا. ومن شاء أن ينشر ما يكتبه علينا من غير تصريح باسمه فله أن يأمرنا

بكتمان اسمه. ووضع ما شاء أو شئنا من الأسماء والألقاب في مكانه.

وإننا نشترط على المنتقدين ما نشترطه لهم على أنفسنا من الأدب في العبارة

ونزيد التزام الموضوع، وعدم الخروج عنه إلى ما ليس منه، ومراعاة الاختصار

بقدر الحاجة.

_________

ص: 31

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌التاريخ الهجري الشمسي

يعلم القراء أننا شرعنا من بضع سنين بإحياء التاريخ الهجري الشمسي بذكر

سنينه في المنار بعد التاريخ الهجري القمري، وقبل التاريخ الميلادي، وقد كنا

نكتفي أولاً بذكر السنة تابعة للشهور الإفرنجية الشمسية، بدأنا بهذا في المجلد الثاني

عشر (سنة 1327) ثم ارتأينا في أول السنة الخامسة عشرة - سنة 1330 - أن

نذكر الشهور الشمسية الهجرية ونعتمد في تسميتها ما اختاره أحمد مختار باشا

الغازي في تقويم له بين فيه ذلك. وذلك أن تُسمى الشهور بأسماء الفصول مع

الوصف بالعدد، بأن يقال: الخريف الأول الخريف الثاني إلخ. لأن حفظ هذه

الشهور يَسْهُل على العوام كالخواص، ومن أسمائها يعرفون مواقعها من السنة من

أول العهد باستعمالها، وقد جرينا على هذا الحساب في جماعة الدعوة والإرشاد

ومدرستها، وكنا عازمين على طبع تقويم خاص للسنة الهجرية الشمسية.

ثم إننا رأينا أن بعض إخواننا من الفارسيين والأفغانيين يستعملون التاريخ

الهجري الشمسي؛ ولكنهم يُسَمُّون شهور السنة بأسماء بروج الشمس، فالشهر

الأول من السنة هو شهر الميزان وهو أول فصل الخريف الذي وصل النبي صلى

الله عليه وسلم في أول يوم منه إلى المدينة المنورة، ولما نبهنا الناس إلى إحياء هذا

التاريخ في مصر صار بعض أصحاب التقاويم المصرية يذكرونه في تقاويمهم،

وتبعوا الفرس والأفغان في تسمية الشهور.

لأجل هذا رأينا الآن أن نجاري هؤلاء وأولئك في هذه التسمية، وأن نكتفي

بالإشارة إلى تسمية الشهور بأسماء الفصول بالحروف المقطعة من أولها، وذلك

بجعل حرف خ رمزًا للخريف وحرف ش للشتاء وحرف ر للربيع وحرف ص

للصيف، ونضيف إلى هذه الحروف الأرقام الدالة على الأول والثاني والثالث.

فالقارئ يرى هذا الجزء مؤرخًا في 25 من شهر الدلو (ش2) أي الشتاء الثاني.

_________

ص: 32

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌سنة المنار الجديدة

عشرة أشهر

بَيَّنَّا - في جزء آخر السنة الماضية - أن ما أحدثته حرب المدنية الأوربية من

الضيق وقلة الورق اضطرنا إلى جعل سنة المنار الجديدة عشرة أشهر كأكثر المجلات

المصرية، مع إبقاء جزء كل شهر ثمانين صفحة. وإذا طالت الحرب وزاد هذا

الضيق فربما نضطر إلى تقليل عدد الأوراق أيضًا.

_________

ص: 32

الكاتب: محمد توفيق صدقي

مدرسة دار الدعوة والإرشاد

دروس سنن الكائنات

محاضرات علمية طبية إسلامية للدكتور محمد توفيق صدقي

(3)

(الهواء)

يُفْهَم - مما تقدم في الكلام على المطر - أن الهواء يشتمل دائمًا على بخار

الماء (الرطوبة) وهذا البخار يقل أو يكثر بحسب درجة حرارة الهواء، فإذا كان

الهواء ساخنًا كان أكثر رطوبة من الهواء البارد.

وأهم ما يوجد فيه من الأجسام الأخرى فهو: -

النيتروجين

79.02

الأكسيجين

... 0.94

... في المائة تقريبًا وذلك بالحجم لا بالوزن

غاز ثاني أكسيد الفحم 0.04

وهي مختلط بعضها ببعض وليست متحدة اتحادًا كيماويًّا كما سبق، وفي

الهواء غير ذلك آثار من عناصر أخرى ومركبات لا حاجة هنا لتفصيلها.

أما أنواع الهواء بحسب الأمكنة فهي ما يأتي:

1 -

هواء البحار- وهو يشتمل على كثير من بخار الماء النقي، ومن

أكسجين كثيف يسمى (الأوزون)[1] وهو عبارة عن أكسجين خاثر (مُركز)

تشمل كل ذرة منه ثلاث جواهر فردة من الأكسجين، وهواء البحار البعيد عن البر

خالٍ من الميكروبات تقريبًا، ومن العفونات والروائح الكريهة، ويكون في الشتاء

دافئًا، وفي الصيف باردًا، وذلك لأن الماء يبرد ببطء، ولا يسخن بسرعة، فيبقى

أشد سخونة أو برودة من الأشياء المحيطة به فَيُعَدِّل درجة حرارة الجو.

فهواء البحار من أنفع الأهوية للصحة، ومفيد لكثير من الأمراض، ولو أنه

يشتمل على رطوبة كثيرة فإن ذلك لا يضر فيها.

2-

هواء الصحاري - ورطوبته أقل كثيرًا، وهو أيضًا خالٍ من الميكروبات

تقريبًا، ومن العفونات وغيرها، وأكسجينه يوجد فيه أيضًا النوع المسمى (أوزون)

كهواء البحار، وأما درجة حرارته فهي عالية في الصيف منخفضة في الشتاء،

وهو أيضًا نافع للصحة، ومفيد لبعض الأمراض الأخرى.

3-

هواء المدن - وهو يشتمل على كثير من الميكروبات [2] ، والغازات

الضارة، والعفونات، وغيرها مما يخرج مع نَفَس الحيوان، ومما يتصاعد من

النيران وغيرها، ويشتمل أيضًا على رطوبة كثيرة؛ ولكنها ليست نقية، بل

مختلطة بكثير مما يتبخر من سطح الأرض من القاذورات، والروائح الكريهة

المنبعثة من المراحيض ونحوها، أو من المياه الراكدة الآسنة، ولذلك كان هواء

المدن من أفسد الأهوية، وأضرها بصحة الإنسان.

4-

هواء الحدائق والغيطان (الحقول ونحوها) وهو من جهة الرطوبة بين هواء الصحاري، وهواء البحار، وميكروباته قليلة جدًّا، وفي النهار يقل منه

غاز ثاني أوكسيد الفحم؛ بسبب تنفس الأشجار فهي تستنشق منه غاز الفحم

الضار وتترك الأكسجين للإنسان والحيوان. وفي الليل يكون هذا الهواء فاسدًا؛

لأن الأشجار والنباتات تتنفس فيه تنفس الحيوان فإن لم يكن المكان طلقًا أضر

هذا الهواء الإنسان ضررًا كبيرًا، وإذا لم يتجدد الهواء ربما يقتله.

***

الانتشار والتخلل أو (الاختراق)

عُلِمَ - مما تقدم - أن ذرات المادة تحت مؤثرين عظيمين: الأول قوة

الانضمام، والثاني قوة الاندفاع، وهي المُعَبَّر عنها فيما سبق بالحرارة الكامنة.

فإذا زادت قوة الانضمام عن قوة الاندفاع كان الجسم صلبًا، وإذا تساوت

القوتان كان سائلاً، وإذا زادت قوة الاندفاع عن قوة الانضمام كان غازًا.

ففي الغازات تميل ذراتها إلى الانتشار في جميع الجهات بقوة الحرارة الكامنة

فيها، وهذا هو المسمى في علم الطبيعة بالانتشار، وتلك القوة تُحْدِث ضغطًا على

الأجسام المحيطة بالغاز، فهي أيضًا من أسباب الضغط الجوي الذي تقدم ذكره

(راجع صفحة 7 من هذا الكتاب)[3] .

وكلما كان الغاز خفيفًا كانت قوة الانتشار فيه أشد، فالهيدروجين - وهو أخف

من الأكسجين - ينتشر بسرعة أكثر من الأكسجين.

وإذا وجد في طريق الغاز المنتشر غشاء ما مما له مسام نفذ الغاز من خلاله

وقوة النفوذ هذه تسمى قوة التخلل، أو الاختراق، وتسميها الإفرنج Osmosis،

وكما أن الغازات تخترق بعض الأغشية كذلك من الأجسام الصلبة ما يخترقها أيضًا

إذا كان ذائبًا، والأجسام بالنسبة إلى قوة الاختراق نوعان:

(الأول) أجسام تتشكل بشكل البلورات كالأملاح وهي سهلة النفاذ (الثاني)

أجسام لا تتشكل كالمواد الزلالية، والغروية، والصمغية، وهي يتعسر نفاذها، أو

يتعذر.

فالأجسام الأولى إذا كانت ذائبة في سائل مع الأجسام الأخرى نفذت خلال

الأغشية وحدها دون الأجسام الأخرى، وبذلك يمكن فصل هذه عن تلك.

وأظهر فوائد سنة الانتشار والتخلل الخمس الآتية:

(1)

أنه بسبب قوة الانتشار يدرك الإنسان جميع المشمومات.

(2)

التنفس لجميع الحيوانات البرية، والبحرية، فالأكسجين المنتشر في

الهواء والذائب في الماء يندفع بهذه القوة إلى مجاري التنفس (الرئة) في

الحيوانات البرية وإلى خياشيم الحيوانات البحرية؛ فيثقب أغشيتها حتى يصل إلى

الدم؛ فيتحد به وكذلك الغاز الذي في الدم المسمى (ثاني أكسيد الفحم) يتركه،

ويندفع إلى الخارج خلال أغشية الأعضاء التنفسية.

والسبب في اتجاه الأكسجين إلى الداخل هو كون ما يوجد منه في الهواء أكثر

مما يوجد منه في الدم، - والغازات تميل في انتشارها إلى الموازنة والمساواة،

كما تميل السوائل الموجودة في مستويات مختلفة إلى الموازنة أيضًا كما سبق.

وكذلك اتجاه ثاني أكسيد الفحم إلى الخارج يكون لهذا السبب بعينه. ويسمى

الاندفاع إلى الخارج Exosmose، ويسمى الاندفاع إلى الداخل

Endosmose.

(3)

امتصاص الأغذية من القناة الهضمية في الحيوان، وامتصاصها من

جدر الرحم بالأجنة الحيوانية يحصل أيضًا بقوة التخلل، مع مساعدة الخلايا البشرية

المبطنة للأغشية، ولذلك تمتص الأملاح مع المواد الزلالية في مثل الجنين بسبب

فعل هذه الخلايا، ولولا ذلك لَتعسر نفاذ غير الأملاح أو تعذر.

(4)

تجدد الهواء وذلك أنه إذا قل الأكسجين في حجرة اندفع أكسجين

الهواء الخارجي إلى هذه الحجرة من جميع المنافذ الممكنة حتى لا يخلو الهواء

الداخلي من الأكسجين، وإلا لماتت الحيوانات فيه ، ولانطفأت المصابيح.

(5)

فصل بعض المواد الكيماوية عن بعضها في المعامل يكون أحيانًا

بطريقة التخلل.

***

مأخذ أسماء أشهر العناصر المذكورة آنفًا ومعانيها

(1)

النيتروجين: لفظ يوناني مركب من كلمتين معناهما (مُوَلِّد النيتر)

لأنه يدخل في تركيبه، والنيتر (Nitre) اسم لنترات البوتاسيوم، وهي ملح

البارود المسَمَّى أيضا (الملح الصخري)(Saltpetre) ، وكان النيتروجين يُسمى

قديمًا (أزوت) ، وهي يونانية أيضًا معناها " عديم الحياة " لأن الحيوانات لا تعيش

فيه.

(2)

الأكسجين: لفظ يوناني مركب من كلمتين معناهما (مُوَلِّد الحامض)

لأنهم كانوا يظنون أنه هو السبب الوحيد في الحموضة، أو أنه داخل في تركيب

جميع الحوامض؛ ولكنهم علموا بعد ذلك خطأهم، وبقي الاسم بدون تغيير إلى الآن.

(3)

الهيدروجين: لفظ يوناني أيضا مركب من كلمتين معناهما (مُوَلِّد

الماء) لأن كل ذرة من الماء مركبة من جوهرين فردين من الهيدروجين متحدين مع

جوهر واحد من الأكسجين، وبعبارة أخرى حجمان من الأول مع حجم واحد من

الثاني.

***

الكهرباء

الكهرباء إحدى قوى المادة العظيمة، وهي عبارة عن حركة مخصوصة في

ذراتها، وكان أول الاهتداء إليها في حجر الكهرمان (ويسمى أيضًا الكهرباء)

فبدلكه تتولد هذه القوة فيه؛ فيجتذب إليه بعض الأجسام، ولذلك سُميت باسمه،

وأول من شاهد ذلك فيلسوف يوناني يسمى ثيلس (Thales) سنة 600 ق. م.

وهي تتولد بطرائق عديدة أهمها أربع:

(1)

الاحتكاك: فإذا دُلِك الزجاج بالحرير تَوَلَّدَ فيه كهرباء من النوع

المسمى (بالكهربائية الزجاجية) ، وإذا دُلِك الراتينج (وهو يتولد من الزيوت

الطيارة بالتأكسد ويشبه الصمغ) بقماش الصوف المسمى (فلانلا) تولدت فيه قوة

كهربائية من نوع آخر تُسَمَّى بالكهربائية الراتينجية.

(2)

التفاعل الكيماوي: فإذا وُضِعَ عمود من الزنك (الخارصين) ،

وعمود آخر من النحاس في حامض الكبريتيك المخفف، ووُصِّل بينهما بسلك

حصل التفاعل الكيماوي بين الحامض وبين الزنك، وتولدت قوة كهربائية تسري

من النحاس إلى السلك، ومنه إلى الزنك، ومنه إلى الحامض، حتى تعود إلى

النحاس ثانية، فكأنها تجري في دائرة كاملة، ويُسَمَّى مجموع ذلك بالخلية

الكهربائية.

واجتماع عدة خلايا كهذه بحيث يتصل بعضها ببعض، ويتكون منها دائرة

تجري فيها الكهرباء تسمى بالبطارية الكهربائية.

وكلمة بطارية مشتقة من كلمة (Battre) الفرنساوية ومعناها الضرب أو

القرع، وعليه فيمكننا تسمية البطارية بالعربية (القارعة) ، ويشترط في كل

الخلايا أن يوجد فيها عمود لا ينفعل بالحامض، وعمود آخر ينفعل به. فمن

الأشياء التي لا تنفعل بالحامض النحاس - كما قلنا - والفحم والبلاتين (الذهب

الأبيض) والجسم المتفاعل المعتاد هو الزنك.

وجميع الأجسام تشتمل على نوعين من الكهرباء ممتزجين معًا وهما:

الزجاجية والراتينجية، ويسميان أيضًا الموجبة والسالبة، فإذا اختلف النوعان اتحدا،

وإذا اتحدا اختلفا وتنافرا، ففي كل خلية يتولد كهرباء سالب في أعلى الزنك

وموجب في أسفله، وفي النحاس يتولد موجب في أعلاه وسالب في أسفله فيتحد

موجب النحاس مع سالب الزنك في السلك خارج الخلية، ويتحد موجب الزنك مع

سالب النحاس داخل الحامض. ولكن للتسهيل اصطلح العلماء على أن يقولوا إن

التيار الكهربائي يسري من العمود غير المنفعل إلى العمود المنفعل، ويسمى الأول

عندهم بالقطب الموجب، والثاني بالقطب السالب.

(3)

التأثير: ومن ذلك أنه إذا وُضِعَ قطب موجب بجوار جسم متعادل

(أي فيه النوعان ممتزجان كجميع الأجسام) انفصل السالب، واتحد مع القطب

الموجب، وتولدت شرارة كهربائية من اتحاد النوعين، وبقي في الجسم الذي كان

متعادلاً نوع واحد فقط وهو الموجب.

ومثل هذا الاتحاد المولد للشرارة اتحاد كهربائية السحاب المختلفة النوع

بعضها مع بعض، أو مع كهربائية الأرض السالبة فيتولد من اتحادهما نار عظيمة

(الصاعقة) ، وصوت مزعج (الرعد) ؛ بسبب تماوج الهواء، وضوء شديد

(البرق)

وتتولد الكهرباء على سطح الأرض بما يحصل عليه من الاحتكاك، والتبخر

والتكاثف، والاحتراق، ونمو النبات.

المغناطيس الأرضي:

دوران هذه التيارات الكهربائية حول الأرض يكسبها قوة المغناطيس [4] فيجذب

قطباها قطبي قطع المغناطيس الأخرى المغايرين لهما (كناموس الكهرباء السابق)

فالقطب الشمالي يجذب الجنوبي، والجنوبي يجذب الشمالي؛ وذلك هو سبب اتجاه

(إبرة الملاحين المغناطيسية) المسماة باللغة العربية (بيت الإبرة) وباللغة الفرنسية

(بوصلة)(Boussle) .

وكما أن الكهربائية تتولد بالتفاعل الكيماوي كذلك تتولد في الأجسام الحية من

نبات وحيوان، فالعضلة العاملة المتحركة في جسم الإنسان تكون سلبية بالنسبة

للعضلة الساكنة.

ويوجد من السمك ما فيه كهربائية عظيمة يحس بها الإنسان بمجرد لمسه له

كالسمك المسمى (بالرّعاد) .

(4)

تسخين قطب مصنوع من معدنين مختلفين كالبزموت والأنتيمون يُوَلِّد

فيه كهرباء. فهذه هي الطرائق التي يهمنا معرفتها.

***

النور

النور عَرَضٌ معروف من أعراض المادة يتولد من حركة أجزائها الأثيرية

حركة مخصوصة، وهذه الحركة الأثيرية تنبعث من جميع جهات الجسم المضيء

في خطوط مستقيمة، ولا يلزم لانتشار النور في الجو سوى هذه المادة الأثيرية

بخلاف بعض الأعراض الأخرى كالصوت مثلاً؛ فإنه يلزم له مادة محسوسة

كالهواء لنقله؛ ولذلك يصل النور إلينا من الشمس والقمر والنجوم، مع العلم بأن

هذه الأجرام مفصول بعضها عن بعض بمسافات شاسعة خالية من الهواء، أو أي

جسم آخر سوى الأثير.

وسرعة النور في سيره تساوي نحو 300000 كيلو مترًا في الثانية (186

ألف ميل) .

مصادر النور قسمان:

(1)

صناعي:

(أ) الاحتراق: كاحتراق الزيت والشمع وغيرهما.

(ب) الكهرباء.

(2)

طبيعي: كالشمس، ومن هذا المصدر يتولد النور أيضًا بالاحتراق

وغيره، فالأجرام السماوية المضيئة بذاتها هي أجرام مشتعلة بالنيران، وأما

المضيئة بغيرها كالقمر؛ فتنعكس عليها الأشعة من نور الشمس، كما تنعكس في

المرآة؛ ولذلك قال تعالى {فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} (الإسراء:

12) ، وقد يتولد النور بتحرك ذرات بعض الأجسام؛ فيتماوج بها الأثير فيضيء.

والنور الأبيض مركب من سبعة ألوان وهي: (1) البنفسجي (2) والنيلي

(3)

والأزرق (4) والأخضر (5) والأصفر (6) والبرتقالي (7) والأحمر.

أما السواد فهو عدم النور مطلقًا، وكل لون من هذه الألوان السبعة يتولد من

حركة مخصوصة في الأثير أسرعها التي تُوَلِّد البنفسجي، وأبطؤها التي تُوَلِّد

الأحمر؛ فإذا توالى سقوط هذه الحركات المختلفة على شبكية العين أدرك الإنسان

نورًا أبيض، ومن ذلك يُفْهَم أنه إذا أُتِي بقرص مستدير، وقُسِّم إلى سبعة أقسام،

ولُوِّن كل قسم منها بلون من هذه الألوان السبعة، وأُدِير هذا القرص بسرعة شديدة

رأينا لونه أبيض، ويسمى هذا القرص في علم الطبيعة (قرص نيوتن) .

سنة الله في رؤية الأجسام:

رؤية جميع الأجسام تحصل بسقوط أشعة النور عليها، ثم انعكاسها عنها إلى

العين؛ فيبصرها الإنسان، وإن كان هو في مكان مظلم، إذ شرط الرؤية أن يكون

المرئي في مكان مضيء لا الرائي، فهو يراها، وإن كانت في مكان مظلم فلا

يراها، ولو كان الإبصار ناشئًا عن نور يسقط من العين نفسها لرأى الإنسان

الأشياء التي في الأماكن المضيئة والمظلمة على حد سواء. هذا إذا لم يكن الجسم

مما يُوَلِّد النور بنفسه كالفسفور، وكبريتيد الكلسيوم؛ فإنه يجمع أشعة الشمس في

أثناء النهار، ويحفظها إلى الليل، وكذلك عنصر الراديوم؛ فإنه يُوَلِّد نورًا في

الظلام، وفي بعض حيوانات البر والبحر نور ينبعث منها في الظلام، ومنها ذباب

معروف يسمى " الحباحب ".

وإذا انعكست جميع التماوجات التي في النور الأبيض من الجسم إلى العين

رأيت لونه أبيض، ومن ذلك تُفْهَم حكمة لبس الملابس البيضاء في الصيف؛ فإنها

تعكس جميع أشعة النور والحرارة إلى الخارج، وأما الأجسام السوداء فهي تمتص

جميع الأشعة ولا تعكس منها شيئًا.

وأما الأجسام الأخرى كالزرقاء مثلاً، فهي تمتص جميع أمواج النور ما عدا

التي تُحْدِث اللون الأزرق، وهكذا يقال في باقي الألوان الأخرى.

وإذا سقط النور على أي سطح فإن زاوية السقوط (وهي الحاصلة من الشعاع

الساقط مع عمود وهمي على السطح العاكس) تساوي زاوية الانعكاس (وهي

الحاصلة من الشعاع المنعكس مع العمود الوهمي المذكور) .

وإذا كان الجسم الذي سقط عليه النور في الماء مثلاً، انبعث منه الشعاع

فخرج من الماء، وانكسر، ومال بعيدًا عن الخط الوهمي المفروض.

وإذا كان الجسم المضيء في الهواء انبعثت منه الأشعة، ونفذت إلى الماء؛

فينكسر الشعاع أيضًا، ويميل إلى الخط الوهمي المفروض.

فهذه سنن إلهية مطردة في انعكاس النور وانكساره، وبمقتضى سنة الانكسار

ترى الأجسام الموضوعة في الماء في مكان أعلى من مكانها الحقيقي، ومثل ذلك

أيضًا رؤية القضبان كالعصي مثلاً معوجة إذا وضعت في الماء.

وكذلك تُرى أشياء على الأرض كأنها معلقة في السماء، فيُشاهد في بعض

الجهات أناس وخيل وحمير وغير ذلك ماشية في السماء بين الغيوم، وأصلها أشياء

موجودة على الأرض؛ ولانكسار أشعة النور في طبقات الهواء المختلفة الكثافة

تشاهد هذه المناظر، وهي كلها من خطأ الحس.

ورؤية الأجسام في المرآة تحصل بانعكاس أشعة النور المنبعثة من الجسم عن

المرآة فتصل منها إلى العين.

ومن السنن الإلهية في هذه المسألة أن تكون المسافة بين الجسم الحقيقي

والمرآة تساوي تمامًا المسافة بين المرآة والجسم الموهوم خلفها.

انكسار النور في المنشور والعدسات:

بسبب انكسار الأشعة في الأجسام المختلفة الكثافة تنكسر الأشعة في المنشور

(الزجاج المثلث السطوح) وتميل إلى قاعدته؛ فإذا وُضِعَ منشوران قاعدة كل منهما

على الأخرى انكسرت الأشعة أيضًا نحو القاعدة، واجتمعت في نقطة معينة، ومثل

المنشورات في جمع الأشعة العدسات؛ فإنها تجمع الأشعة أيضًا نحو مركزها؛

ولذلك تُسْتَعْمَل هذه العدسات في جمع أشعة الشمس للإحراق، وتُسْتَعْمَل أيضًا في

جمع أشعة النور في التصوير كما في الآلات الفوتوغرافية [5] .

علمنا - مما سبق - أن النور مركب من سبعة ألوان؛ فإذا انكسر النور

الأبيض في المنشور تحلل إلى ألوانه الأصلية، ويكون اللون البنفسجي أقربها إلى

القاعدة، ويليه النيلي فالأزرق، فالأخضر، فالأصفر، فالبرتقالي، فالأحمر،

وأشد الألوان انكسارًا البنفسجي، وأقلها في ذلك الأحمر.

فالمنشورات وإن كانت تجمع أشعة النور كلها إلا أنها مع ذلك تفرقها إلى

ألوانها الأصلية، وبمقتضى هذه السنة تنكسر أشعة نور الشمس في نقط الماء

الساقط من السحاب؛ فينشأ من ذلك ما يسمى (قوس قزح) ، وهو مركب من

ألوان النور السبعة.

أما إذا مر النور خلال جسم ما، وكان هذا الجسم مما يمتص بعض الأشعة

فإن لون هذا الجسم الْمُدْرَك لنا هو ما يحصل من الأشعة الباقية. مثال ذلك الزجاج

الأزرق؛ إذا نفذ فيه النور اُمتصت (مُحيت) جميع الألوان ما عدا اللون الأزرق،

وهكذا يقال في الألوان الأخرى.

وأشهر العدسات اثنتان: (1) المحدبة من الجانبين (2) والمقعرة من

الجانبين.

أما العدسة الأولى فيمكن اعتبارها كأنها منشوران اجتمعا وكانت قاعدتهما نحو

المركز، وأما العدسة الثانية فيمكن اعتبارها كأنها منشوران اجتمعا ورأسهما نحو

المركز.

ومن ذلك يُفْهَم أن العدسات المحدبة تُجَمِّع الأشعة نحو المركز (أي نحو

قاعدتي المنشورين) .

وأما العدسات المقعرة فإنها تُفَرِّق الأشعة بعيدًا عن المركز (أي تميل فيها

الأشعة نحو القاعدتين) .

وإذا مر نور أبيض من مصباح عادي خلال منشور رأينا هذه الألوان السبعة

- كما تقدم - وإذا كان هذا النور المار في المنشور صادرًا من احتراق عنصر واحد

رأينا لونًا واحدًا فقط كنور الصوديوم مثلاً، فإنه أصفر؛ وإذا نفذ في المنشور لم

يتغير.

وإذا مرت هذه الألوان السبعة خلال الصوديوم مثلاً في حالته الغازية اُمتص

منها اللون الأصفر، وبقيت الألوان الأخرى، ومن ذلك يُفْهَم أن العناصر في حالتها

الغازية تمتص من الألوان السبعة اللون الذي تولده هي، وعلى هذه القاعدة وُضِعَ

المنظار القرجي (Spectroseope) .

فإذا نظرنا بهذا المنظار إلى نور الشمس رأينا الألوان السبعة ناقصة، ونرى

ما ينقصها من الأجزاء كأنها خطوط سوداء، وهي ناشئة من وجود عدة عناصر في

الحالة الغازية محيطة بجرم الشمس؛ وبسبب نفوذ الأشعة خلال هذه العناصر

الغازية فُقِدَ بعضها؛ والسبب في كون هذه العناصر غازية هو شدة حرارة نار

الشمس.

وبهذا المنظار أمكن العلماء معرفة تركيب الأجرام السماوية وعناصرها، ولهم

طريقة أخرى لمعرفة هذه العناصر وهي تحليل ما يسقط منها إلى الأرض

(كالشهب والنيازك) ، ولهذا المنظار فائدة أخرى عظيمة في المباحث الطبية

الشرعية وغيرها.

ومن الأشعة الشمسية نوعان آخران سوى أشعة النور وهما: (1) أشعة

الحرارة و (2) أشعة الفعل الكيماوي وهما غير مدركين بالعين.

أما أشعة الحرارة فيوجد أشدها بعد اللون الأحمر، وأما الأشعة الكيماوية

فيوجد أشدها بعد اللون البنفسجي.

وهذه الأشعة الكيماوية هي التي تحلل أملاح الفضة في ألواح الآلة

الفوتوغرافية، وتُحْدِث عليها الصور.

وأما الآلة الفونغرافية فهي عبارة عن غرفة مظلمة تدخل الأشعة فيها من فتحة

صغيرة في جدارها الأمامي، وفي هذه الفتحة عدسة محدبة من الجانبين لجمع

الأشعة حتى تكون الصور المرسومة داخلها على الجدار الخلفي جلية واضحة، فإذا

وُضِعَ لوح من الزجاج مغطى بمواد فيها ملح من أملاح الفضة أمام هذا الجدار

الخلفي رُسِمَتْ الصور عليه، وأحدثت الأشعة تغيرًا كيماويًّا في المادة الموضوعة

على هذا اللوح؛ وبذلك أمكنهم أخذ صور المرئيات، ورسمها بهذه الطريقة.

وهذه الآلة الفونغرافية تشبه العين الباصرة في تركيبها.

العين الباصرة:

العين كرة مظلمة في داخلها، ويصل إليها النور من فتحة صغيرة تسمى

إنسان العين، وهذه الكرة (المقلة) موضوعة في تجويف من الوجه يسمى

(الحجاج) ويغطيها في هذا التجويف الجفنان، وحكمة الأهداب أن تمنع التراب

وغيره بقدر الإمكان، وتقلل من ضرر أشعة الشمس الشديدة.

وتُغْسَل العين بماء يسمى الدمع تفرزه غدة موضوعة في الجهة العليا الخارجية

من الحجاج داخل الجفن الأعلى، ويتصرف الدمع بعد غسل العين بقناتين

موضوعتين في الجفنين بقرب الأنف متصلتين بكيس صغير في أعلى قصبة الأنف

يسمى الكيس الدمعي، ومنه يجري الدمع بقناة تصب في أسفل الأنف

أما طبقات العين فهي من الأمام إلى الخلف كما يأتي:

(1)

الملتحمة: وهي التي تبطن الجفون، وتغطي المقلة من الأمام، وهي

شفافة في جزئها المتوسط لدخول النور.

(2)

القرنية: وهي الجزء الشفاف المستدير الذي يرى كالسواد أو غيره.

(3)

الصلبة: وهي في مستوى واحد مع القرنية؛ فكأنهما غشاء واحد كروي الشكل تقريبًا.

(4)

القزحية: وهي التي تحيط بإنسان العين من جميع الجهات.

(5)

المشيمية: وهي أيضًا في مستوى واحد مع القزحية، ولونهما، ومادتهما واحدة، فيها أوعية كثيرة، ومادة ملونة، وهذه الطبقة هي أعظم ما يجعل العين مظلمة من الداخل.

(6)

الشبكية: وهي تبطن نحو ثلثي العين من الداخل، وهي الطبقة العصبية الحساسة المتصلة بالعصب البصري الواصل إلى المخ، وعليها تُرْسَم صور المرئيات التي يدركها الإنسان.

ولجمع أشعة النور، ورسم الصور عليها، يوجد عدة أجسام كثيفة شفافة في

العين لكسر أشعة النور وهي بعد القرنية: (1) المائية وأكثرها بين القرنية

والقزحية (2) ويليها البلورية، وهي بعد القزحية، وشكلها كعدسة مستديرة

ومحدبة من الجانبين (3) ويليها الزجاجية، وهي مادة هلامية (كالفالوذج) شفافة

تملأ باطن العين بعد البلورية، ثم إن القزحية قد تتسع وتضيق بألياف عضلية فيها

بحسب حاجة العين إلى النور.

ومما تقدم يُفْهَم أن أشعة النور تجتمع على الشبكية في العين الطبيعية، ولكن

مِن الناس مَن أعينهم صغيرة أو كبيرة عن الحجم المعتاد فتحتاج الأعين

الصغيرة إلى عدسات (نظارات) محدبة، وتحتاج الكبيرة إلى عدسات مقعرة،

ولولا ذلك لما اجتمعت الأشعة في العين الصغيرة إلا خلف الشبكية (هذا على

فرض أنه لا يحجبها شيء) ، وفي العين الكبيرة أمام الشبكية. وما دامت جميع

أوساط العين التي يمر فيها النور شفافة؛ فإن كان في إبصار العين السليمة ضعف

فالغالب أن يكون سببه صغر حجم العين، أو كبرها فَتُصَلَّح بالنظارات.

الرمد الصديدي والحبيبي:

ومن أعظم أسباب عتامة بعض هذه الأوساط (كالقرنية) هو إصابة العين

بالرمد الصديدي، أو الرمد الحبيبي المنتشر في مصر

وللاحتراس من هذين الرمدين يجب تنظيف العين نظافة تامة، وعدم مسها

بأي شيء فيه أقل وسخ.

أما ميكروب الرمد الصديدي فهو ميكروب (السيلان) أيضًا، ويصل إلى

العين بالأصابع، أو المناديل، أو الملابس، أو غير ذلك، وهو مرض فتاك بالعين؛

لأنه كثيرًا ما يسبب قرحًا في القرنية تَئُول إلى ظلمتها حتى لا ينفذ النور منها

فتصبح عمياء، وتسمى هذه الظلمة بالنقط أو البياضات.

وأما الرمد الحبيبي فميكروبه ينتقل من شخص لآخر، كما ينتقل ميكروب

الرمد الصديدي؛ فلذا يجب الاحتراس منه بالنظافة، والبعد عن الأَرْمَد.

وأبسط دواء بعد الماء لتنظيف عين كل شخص محلول حامض البوريك

المشبع، ويجب طرد كل حشرة تقترب من العين كالذباب وغيره؛ فإنه من أعظم

الأسباب لنقل أنواع الرمد، ويجب اتقاء التراب إذا ثارت الريح بوضع نظارات

لوقاية العين منه، ومما يقي الطفل شر الرمد الصديدي أن يُغْسَل عيناه عقب الولادة

مباشرة بمحلول السليماني (1 في 5000) ويوضع فيها نقط من محلول نترات

الفضة (2 في 100) .

***

النبذة الثانية

في التشريح ووظائف الأعضاء وما يلزمها من القواعد الصحية

التشريح نوعان: نوع تُدْرَك فيه أعضاء الجسم بالعين المجردة، ويسمى

بالتشريح العادي، ونوع تستعمل فيه الميكروسكوب (المنظار الدقيق) لإدراك

جميع دقائق الجسم، ويسمى هذا النوع بالهستولوجيا (التشريح الدقيق) .

فلنبدأ الآن بالكلام على النوع الأول:

يتركب الجسم الإنساني أولاً من العظام فهي كالأساس الذي تبنى عليه جميع

الأجزاء الرخوة والأحشاء؛ ولذلك يسمى مجموع هذه العظام بالهيكل

الإنساني.

***

العظام

العظام نوعان:

(النوع الأول) : العظام الصلبة كعظام الأطراف، وصلابتها كصلابة

العاج، وهي جوفاء تمر في وسطها قناة ممتلئة بمادة كالدهن تسمى (نقو العظام) أو

(نقيه)، وأما (النوع الثاني) : فيسمى بالإسفنجي، كفقرات الظهر والضلوع،

وهو أيضًا مغطى بطبقة رقيقة من العظم الصلب، وبداخله تجاويف عديدة صغيرة

غير منتظمة تشبه الإسفنج، وهذه التجاويف ممتلئة أيضًا بنقي يميل إلى الحمرة،

وهو أعظم مكان تتولد فيه كريات الدم الحمراء خصوصًا التي تخرج من نقي

الضلوع.

أما عظام الهيكل الإنساني فهي كثيرة وإليك عددها:

(1)

الجمجمة (مجموعة عظام الرأس والوجه) : وهي مركبة من 22

عظمًا منها 14 للوجه، و8 للرأس.

(2)

الفقرات: وهي المسماة بالصلب، وعند العامة سلسلة الظهر، وهي

مركبة من 33 قطعة كل منها تسمى فقرة وفقارة: منها سبع 7 فقرات للعنق، و12

للظهر، و5 للقطن، و5 للعجز، و4 للعصعص المسمى بعجب الذنب.

(3)

الضلوع: وهي عادة في الذكر [6] والأنثى 12 في كل جانب، وهي

متصلة من الخلف بالفقرات، ومن الأمام بالقص (عظم الصدر) .

(4)

القص: مركب من ثلاث قطع، وكيفية اتصال الضلوع به كما يأتي:

سبع ضلوع متصل كل منها به بغضروف على حدة، وتسمى بالضلوع الصادقة،

أما الثلاث التي بعدها فمتصلة معًا بغضاريف تتصل بغضروف الضلع السابعة،

وأما الاثنتان الباقيتان فهما غير متصلتين من الأمام بشيء مطلقًا، ويسميان

بالضلعين العائمتين، وهذه الضلوع الخمس الأخيرة تسمى بالضلوع الكاذبة.

(5)

عظام الأطراف العليا: ويتركب كل طرف من عظم العضد ثم الساعد

(وهو مركب من عظمين: الكعبرة وهي العظم الخارجي، والزند وهو العظم

الداخلي) ، ثم رسغ اليد وهو مركب من ثمانية عظام صغيرة، ثم عظام المشط

وهي خمسة لكل أصبع عظم يحملها، ثم عظام الأصابع الخمس وهي ثلاث لكل

أصبع، ما عدا الإبهام فله عظمان.

(6)

عظام الأطراف السفلى: وكل منها مركب من عظم الفخذ، ثم الساق

وهو مركب أيضًا من عظمين: الشظية من الخارج والقصبة من الداخل، ثم عظام

رسغ القدم وهي مركبة من سبعة عظام صغيرة أيضًا، ثم عظام المشط وهي خمس

لكل أصبع واحدة تحملها، ثم عظام الأصابع، وهي ثلاث لكل منها ما عدا إبهام

القدم فله عظمان فقط

ومن العظام أيضًا غير ما تقدم:

(1)

التراقي: وهما عظمان كل منهما يسمى ترقوة موضوعان في أعلى

الصدر من الأمام.

(2)

اللوحان: وهما عظمان عريضان موضوعان بأعلى الصدر من

الخلف.

(3)

الداغصتان: وهما الموضوعتان أمام الركبتين، ويسميها بعض

الأطباء المحدثين بالرضفتين؛ ولكن ما اخترناه هنا هو الأصح لغة.

(4)

عظما الحوض: وهما اثنان يكونان مع العجز والعصعص تجويفًا

كالطسث يوجد فيه المستقيم والمثانة في الذكر، والرحم والمبيضان وغيرها في

الأنثى، ويوجد غير ذلك عظام أخرى صغيرة جدًّا كما بين بعض عظام الرأس وفي

الأذن وعظام صغيرة توجد بقرب بعض المفاصل تسمى (السمسية) ، والعظم

اللامي للعنق، والأسنان.

أما الأسنان فهي في الطفل عشرون في كل فك عشر، ويبتدئ ظهورها من

الشهر السادس إلى الرابع والعشرين، ولذلك كانت مدة الرضاع الكاملة حولين

كاملين، وفي الكبير اثنتان وثلاثون سنًّا يبتدئ ظهورها من السنة السادسة، ويتم في

الخامسة والعشرين على الأغلب بظهور أربعة أضراس في آخرها تسمى أضراس

العقل؛ لأن بظهورها يتم بلوغ الإنسان رشده، وهي النواجذ أو أضراس

الحلم.

والفرق بين منسوج العظام وغيرها من الأجزاء الأخرى للجسم من الوجهة

الكيماوية؛ إنما هو في وجود أملاح عديدة في المادة التي بين خلاياها مثل فوسفات

الكلسيوم، وكربونات الكلسيوم، وفوسفات المغنسيوم، وهذه الأملاح جميعًا يوجد

منها كمية كبيرة في العظام، وهي السبب في يبسها؛ فإذا أذيبت من العظم ببعض

الحوامض صار العظم رخوًا طريًّا.

المفاصل:

وجميع هذه العظام متصل بعضها ببعض بالمفاصل، والمفاصل ثلاثة أنواع:

(1)

مفاصل متحركة حركة تامة كالكتف و (2) مفاصل غير متحركة كما

بين عظام الجمجمة و (3) مفاصل بين بين أي أن حركاتها متوسطة فلا هي

معدومة بالمرة، ولا هي متحركة حركة كبيرة، وذلك كالمفاصل التي بين الفقرات.

والفرق بين المفاصل المتحركة حركة كاملة (وهي الأولى) وبين غيرها أنها

عبارة عن تجويف محاط بمنسوج ليفي، وبعض أربطة أخرى، وهي مبطنة بغشاء

أملس يفرز مادة مصفرة قليلاً تشبه زلال البيض، والغرض منها تسهيل الحركات،

فهي كالزيت للآلات الحديدية (فسبحان الخالق الحكيم) .

وجميع العظام مغطاة [7] بغشاء ملتصق بها التصاقًا شديدًا، وفيه أوعية الدم،

ومنه تتغذى بحيث إذا أُتلف هذا الغشاء، أو أًزيل بمرض، أو غير مرض يموت

العظم الذي تحته، وهذا الغشاء يسمى بالسمحاق، وموت العظم يسمى النخر، أو

التآكل، وهو المسمى عند العامة بالتسويس، والفرق بينهما أن الأول (النخر)

تموت فيه قطع كبيرة من العظم بجملتها، والثاني - التآكل - تموت فيه أجزاء

صغيرة تنفصل عن باقي الجسم شيئًا فشيئًا.

العضلات:

جميع حركات الجسم تكون بالعضلات، وهي المسماة باللحم

وبعض هذه العضلات أبيض اللون، كما في بعض الحيوانات مثل السمك والأرانب،

وبعضها لونه أحمر، كما في الإنسان وغيره من الحيوانات؛ والسبب في حمرتها

اشتمالها على جزء في منسوجها من حمرة الدم المسماة بالهيموجلوبين ومن غيرها؛

ولذلك كان اللحم الأحمر أكثر تغذية من اللحم الأبيض؛ ولكنه أعسر هضمًا

والعضلات تأتي عملها في تحريك الجسم بالانقباض، وهي ثلاثة أنواع:

(1)

العضلات الاختيارية: وهي الموجودة حول عظام الهيكل كله،

وأكثرها يوصل بين عظمين فأكثر، وينتهي غالبًا بما يسمى بالأوتار، وهي منسوج

ليفي أبيض اللون متين جدًّا يشبه الحبال ويندغم في العظام المتحركة، فإذا قصرت

العضلة، أو انقبضت انثنت العظام بعضها على بعض، وحركة هذه العضلات هي

باختيار الحيوان، وهي التي قسمناها إلى بيضاء وحمراء، والبيضاء أرقى شكلاً

وأسرع عملاً

(2)

العضلات غير الاختيارية: وهي التي توجد في جدر الأمعاء،

وأوعية الدم وغيرها كالحالب [8] ، ويختلف شكلها عن القسم الأول - إذا نظرت

بالمجهر " الميكروسكوب " - اختلافًا كبيرًا، وحركتها ليست بإرادة الحيوان؛ ولكن

للأعصاب تأثيرًا فيها ما دامت مرتبطة بها؛ فإذا انفصلت عنها استقلت بعملها

كالأمعاء بعد قطع جميع أعصابها فإن الطعام كافٍ لتنبيهها.

وكل انقباض للعضلات اختيارية كانت أو غير اختيارية لا يحصل إلا بمنبه.

وأنواع المنبهات خمسة (1) المواد الكيماوية (2) الحرارة (3) الأفعال الآلية

(الميكانيكية) كالضرب على العضلات أو القَرْص (4) الكهرباء (5) التيار

العصبي، فالأربعة الأولى ممكن حصولها خارج الجسم بعد ذبح الحيوان. أما

المنبه العصبي فإن كان منشؤه من المخ كان فعلاً اختياريًّا، وإلا كان غير اختياري.

ومصدر التنبيه العصبي سواء أكان من المخ أم من النخاع هو من الخارج

أيضًا كما يرى الآن جمهور الفسيولوجيين - ويرى بعض الناس أن المخ يمكنه أن

يبدأ التنبيه من ذاته، وإذا وصل التنبيه الخارجي إلى المراكز العصبية ومنها إلى

الأعضاء أو العضلات فحركها سُمِّي ذلك (بالفعل المنعكس)

(3)

عضلة القلب: وهذه العضلة تختلف أيضًا في شكلها الميكروسكوبي

عن النوعين السابقين، وهي غير خاضعة للتنبيه العصبي إلا من حيث الكثرة، أو

القلة، أو الضعف، أو القوة، أو نحو ذلك. وأما انقباضها فيحصل بقوة فيها

خاصة بها ليست ناشئة عن منبه خارجي.

وعليه فالفرق بين هذه الأنواع الثلاثة يلخص في الكلمات الآتية:

تنقبض العضلات الاختيارية بعلم المخ وتأثيره، وغير الاختيارية بدون

علمه؛ ولكنها خاضعة للأعصاب ما دامت في الجسم، ولا بد من تنبيهها بشيء

ولو غير عصبي، وإلا لما انقبضت، وأما القلب فينقبض بنفسه بدون سبب

خارجي، وسواء اتصلت به أعصاب أم لم تتصل، وإنما يمكن للأعصاب أن

تزيد في ضرباته، أو تنقص منها، أو نحو ذلك، أما منشأ الحركة فلا علاقة لها

به ولا يعلمه إلا الله تعالى.

الأعصاب:

مراكز الإحساس والحركة في الجسم الإنساني محصورة في المخ والنخاع

وحوله. فالمخ عبارة عن جسم كبير موضوع في الجمجمة، وهو مركب من فصين

عظيمين متصل أحدهما بالآخر من أسفلهما، وفي كل فص من الفصين تجويف

ممتلئ بجزء من سائل، ويسمى هذا التجويف بالبطين، والمخ مغطى بثلاثة أغشية

تسمى جميعها السحايا وكل منها يسمى الأم.

وجوهر المخ نوعان:

(النوع الأول: السنجابي) وهو المغطى سطحه، وهو مركب من خلايا

عصبية لها وظائف مختلفة. ويُقَسَّم سطح المخ إلى عدة أقسام، فمنه جزء للإبصار،

وهو في الخلف، وجزء للحركات الاختيارية، وهو في جانبيه، وجزء للكلام وهو

في الجهة اليسرى الجانبية، وجزء للسمع وغير ذلك. وكل جانب من المخ

متصل بالجانب المخالف له من الجسم، فحركات العضلات التي في الأطراف

اليسرى متصلة بالجانب الأيمن من المخ وبالعكس، ما عدا قوة الكلام فإنها في

الجانب الأيسر في غالب الأشخاص. أما العُسْر وهم الذين يعملون بشمائلهم فيوجد

مركز الكلام عندهم في الجهة اليمنى من المخ.

(النوع الثاني: الأبيض) ومكانه تحت القشرة السنجابية، وهو عبارة عن

ألياف عصبية تُوصِل أجزاء المخ بعضها مع بعض، وتُوصِله بالنخاع.

المخيخ: موضعه مؤخر الجمجمة في أسفل المخ، وهو أيضًا مركب من

فصين صغيرين ليس بهما تجويف بخلاف فصي المخ، وبينهما جسم كالدودة

يربطهما وهو أهم منهما ووظيفته حفظ التوازن في الجسم.

النخاع: يبتدئ من الجمجمة إلى الحافة السفلى للفقرة الأولى القطنية، وذلك

في الكهول، وأما في الأجنة فإنه يملأ القناة الفقرية كلها إلى الشهر الثالث. وهو

جسم أسطواني مغطى أيضًا بثلاثة أغشية كأغشية المخ من كل وجه، ويتركب من

جوهرين أيضًا أبيض وسنجابي؛ ولكن الجوهر الأبيض منه في الخارج والجوهر

السنجابي في الداخل، والأبيض عبارة عن ألياف عصبية كما في المخ، والسنجابي

عبارة عن خلايا عصبية كما في المخ أيضًا.

والجزء السنجابي مركب من هلالين تحديبهما إنسيّ وقرنا كل منهما إلى الأمام

والخلف، ويجمع بين الهلالين عند جزئهما المحدب، وفي مجمعها قناة صغيرة

دقيقة تمتد في طول النخاع كله وتتصل في أعلاها بتجاويف المخ (البطينات) .

يتصل بالمخ اثنا عشر زوجًا من الأعصاب لها وظائف عديدة: فمنها ما

يحرك بعض العضلات في الوجه وغيره، ومنها ما يحصل به الإحساس، ومنها ما

هو خاص بنوع من الإحساس كالعصب البصري الذي يحصل به إدراك المرئيات،

وكعصب السمع وغيرهما.

ويتصل بالنخاع 31 زوجًا من الأعصاب: 8 منها تخرج من بين فقرات

العنق، و12 من بين فقرات الظهر، و5 من بين فقرات القَطَن، و5 من بين

فقرات العَجُز، و1 من العُصْعُص. وهذه الأعصاب يتركب كل فرد منها من

قسمين: أمامي وخلفي، فالأمامي لحركة العضلات، والخلفي للإحساس. أما

الخلايا التي يصدر منها الجزء الأمامي فتوجد في القرون الأمامية للمادة السنجابية

في النخاع، وأما خلايا الجزء الخلفي فتوجد خارج النخاع، ويتكون منها عقد

صغيرة موضع أكثرها في الثقوب التي بين الفقرات؛ ولكنها خارج سحايا النخاع.

وبعد هذه العقد مباشرة يتحد الجزء الأمامي المحرك مع الجزء الخلفي الحساس

فيتكون منها عصب واحد فيه الوظيفتان، ثم ينقسم هذا العصب إلى قسمين أيضًا:

قسم أمامي للحس والحركة، وقسم خلفي لهما أيضا، فالألياف الخاصة بالحركة في

القسمين (التي أصلها من القرون الأمامية للنخاع) تنتهي بالعضلات وهي التي

تحدث فيها الحركة (أي تسبب انقباضها) ، والألياف الخاصة بالحس (وهي الآتية

من العقد التي خارج النخاع) وتنتهي بالجلد وغيره، وهي التي يحصل بها

الإحساس في الحيوان عند مس أي شيء.

وجميع هذه الأعصاب تُرى في الجسم الإنساني عند تشريحه كحبال بيضاء

منها الدقيق ومنها الغليظ، وأغلظها عصب عظيم يوجد داخل الورك ويُوَزَّع على

الساق كلها، وهذا العصب إذا أصابه مرض ما يحدث عنه ألم شديد في الفخذ يسمى

بعِرْق النَّسا.

ويوجد مجموعة أخرى من الأعصاب تسمى الأعصاب السمباتوية، وهي

مركبة من عقد وألياف أيضًا، وموزعة على جميع الأحشاء، وعلى جميع أوعية

الدم، ومتصلة أيضًا بالمجموعة الأولى المركبة من المخ والنخاع، وللأعصاب

السمباتوية وظيفة هامة جدًّا في عمل جميع الأحشاء، وحركة عضلات جدر

الشرايين في انقباضها وانبساطها إلا أنها ليست مستقلة في وظيفتها عن المجموعة

الأولى. ومعنى (سمباتيا) المشاركة في الشعور أو الإحساس، وهي لفظ يوناني،

وسُميت بذلك لأن بها ترتبط الأحشاء بعضها مع بعض، ومع الأوعية الدموية فكأن

كلا منها يشعر بالآخر، وعليه فيمكننا تسميتها بلغتنا العربية (مجموعة الارتباط

العصبي) .

((يتبع بمقال تالٍ))

_________

(1)

كلمة يونانية معناها " الفوَّاح " لوجود رائحة له خاصة، وهو يتولد من أكسجين الهواء بسبب الكهرباء، وهو مما يطهر الهواء من العفونات.

(2)

تعيش في الهواء مُددًا مختلفة بحسب ما تجده فيه من الغذاء؛ فإنها تعلق بذرات مخاطية، أو خلايا بشرية، أو نحو ذلك، وبحسب قوة مقاومتها للعوامل الطبيعية كنور الشمس وغير ذلك وبعد المطر الشديد تقل كثيرًا من الهواء لأنه يغسله منها.

(3)

المراد ما يطبع منه على حدة.

(4)

المغناطيس كلمة يونانية مأخوذة من اسم مغنيسيا Magnesia في ليديا بآسية الصغرى، حيث وجدت بكثرة أول قطع من الحديد لها هذه القوة؛ ولكنها وجدت فيما بعد كثيرًا في النرويج، والسويد، وبعض بلاد أمريكا وغيرها.

(5)

فتو كلمة يونانية معناها النور، وغراف يونانية أيضًا معناها الرسم فمعناهما " رسم النور " أو التصوير الشمسي.

(6)

أما خلق حواء من أحد أضلاع آدم فالظاهر أنها خرافة يهودية، وإن كان لها مغزى عظيم.

(7)

ما عدا أطرافها الغضروفية.

(8)

مجرى البول الواصل من الكلية إلى المثانة.

ص: 33

الكاتب: ملن شيتهام

جعل مصر سلطنة تحت حماية إنكلترا

كان أول عواقب دخول الدولة العثمانية في الحرب الأوربية أن أعلنت إنكلترا

إزالة سيادتها الرسمية عن مصر، وجعلها تحت الحماية البريطانية، وتسميتها

سلطنة، وتسمية الأمير حسين كامل باشا أرشد أسرة محمد علي باشا سلطانًا عليها.

في 19 ديسمبر الماضي ذهب المستر ملن شيتهام متولي أعمال الوكالة

البريطانية، والمستر ستورس سكرتيرها الشرقي إلى القصر الذي يقيم فيه الأمير

حسين كامل باشا، وقدما إليه بلاغ الحكومة البريطانية المؤذن بجعل القطر

المصري تحت حمايتها، وبجعله سلطانًا مِنْ قِبَلِهَا لمصر، وهذه ترجمته بالعربية

كما نشر في الجرائد:

البلاغ البريطاني

يا صاحب السمو! كلفني جناب ناظر الخارجية لدى جلالة ملك بريطانية

العظمى أن أخبر سموكم بالظروف التي سببت نشوب الحرب بين جلالته وبين

سلطان تركية، وبما نتج عن هذه الحرب من التغيير في مركز مصر.

كان في الوزارة العثمانية حزبان أحدهما معتدل لم يبرح عن باله ما كانت

بريطانيا العظمى تبذله من العطف والمساعدة لكل مجهود نحو الإصلاح في تركيا،

ومقتنع بأن الحرب التي دخل فيها جلالته لا تمس مصالح تركيا في شيء، ومرتاح

لما صرح به جلالته وحلفاؤه من أن هذه الحرب لن تكون وسيلة للإضرار بتلك

المصالح لا في مصر ولا في سواها، وأما الحزب الآخر فشرذمة جنديين أفاقين لا

ضمير لهم أرادوا إثارة حرب عدوانية بالاتفاق مع أعداء جلالته معللين أنفسهم أنهم

بذلك يتلافون ما جروه على بلادهم من المصائب المالية والاقتصادية. أما جلالته

وحلفاؤه فمع انتهاك حرمة حقوقهم قد ظلوا إلى آخر لحظة وهم يأملون أن تتغلب

النصائح الرشيدة على هذا الحزب؛ لذلك امتنعوا عن مقابلة العدوان بمثله حتى

أُرْغِمُوا على ذلك بسبب اجتياز عصابات مسلحة للحدود المصرية، ومهاجمة

الأسطول التركي - بقيادة ضباط ألمانيين - ثغورًا روسية غير محصنة.

ولدى حكومة جلالة الملك أدلة وافرة على أن سمو عباس حلمي باشا خديوي

مصر السابق قد انضم انضمامًا قطعيًّا إلى أعداء جلالته منذ أول نشوب الحرب مع

ألمانيا.

وبذلك تكون الحقوق التي كانت لسلطان تركية، وللخديوي السابق على بلاد

مصر قد سقطت عنهما وآلت إلى جلالته.

ولما كان قد سبق لحكومة جلالته أنها أعلنت بلسان قائد جيوش جلالته في بلاد

مصر أنها أخذت على عاتقها وحدها مسئولية الدفاع عن القطر المصري في الحرب

الحاضرة، فقد أصبح من الضروري الآن وضع شكل للحكومة التي ستحكم البلاد

بعد تحريرها، كما ذكر من حقوق السيادة، وجميع الحقوق الأخرى التي كانت

تدعيها الحكومة العثمانية.

فحكومة جلالة الملك تعتبر وديعة تحت يدها لسكان القطر المصري جميع

الحقوق التي آلت إليها بالصفة المذكورة، وكذلك جميع الحقوق التي استعملتها في

البلاد مدة سني الإصلاح الثلاثين الماضية، ولذا رأت حكومة جلالته أن أفضل

وسيلة لقيام بريطانية العظمى بالمسئولية التي عليها نحو مصر، أن تعلن الحماية

البريطانية إعلانًا صريحًا، وأن تكون حكومة البلاد تحت هذه الحماية بيد أمير من

أمراء العائلة الخديوية طبقًا لنظام وراثي يُقَرر فيما بعد.

بناء عليه قد كلفتني حكومة جلالة الملك أن أبلغ سموكم أنه بالنظر لسن

سموكم، وخبرتكم قد رُئِي في سموكم أكثر الأمراء من سلالة محمد علي أهلية لتقلد

منصب الخديوية مع لقب (سلطان مصر) ، وإنني مكلف بأن أؤكد لسموكم صراحة

عند عرضي على سموكم قبول عبء هذا المنصب أن بريطانية العظمى أخذت على

عاتقها وحدها كل المسئولية في دفع أي تعد على الأراضي التي تحت حكم سموكم

مهما كان مصدره. وقد فوضت إليّ حكومة جلالته أن أصرح بأنه بعد إعلان

الحماية البريطانية؛ يكون لجميع الرعايا المصريين أينما كانوا الحق في أن يكونوا

مشمولين بحماية حكومة جلالة الملك.

وبزوال السيادة العثمانية تزول أيضًا القيود التي كانت موضوعة بمقتضى

الفرمانات العثمانية لعدد جيش سموكم، وللحق الذي لسموكم في الإنعام بالرُّتب

والنياشين.

أما فيما يختص بالعلاقات الخارجية فترى حكومة جلالته أن المسؤولية الحديثة

التي أخذتها بريطانية العظمى على نفسها تستدعي أن تكون المخابرات منذ الآن بين

حكومة سموكم، وبين وكلاء الدول الأجنبية بواسطة وكيل جلالته في مصر.

وقد سبق لحكومة جلالته أنها صرحت مرارًا بأن المعاهدات الدولية المعروفة

بالامتيازات الأجنبية المقيدة بها حكومة سموكم لم تعد ملائمة لتقدم البلاد؛ ولكن من

رأي حكومة جلالته أن يُؤَجَّل النظر في تعديل هذه المعاهدات إلى ما بعد انتهاء

الحرب.

وفيما يختص بإدارة البلاد الداخلية عليّ أن أُذَكِّر سموكم أن حكومة جلالته

طبقًا لتقاليد السياسة البريطانية قد دأبت على الجد بالاتحاد مع حكومة البلاد

وبواسطتها في ضمان الحرية الشخصية، وترقية التعليم، ونشره، وإنماء مصادر

ثروة البلاد الطبيعية، والتدرج في إشراك المحكومين في الحكم بمقدار ما تسمح به

حالة الأمة من الرقي السياسي. وفي عزم حكومة جلالته المُحافَظَةُ على هذه التقاليد

بل إنها موقنة بأن تحديد مركز بريطانيا العظمى في هذه البلاد تحديدًا صريحًا يؤدي

إلى سرعة التقدم في سبيل الحكم الذاتي.

وستُحْتَرم عقائد المصريين الدينية احترامًا تامًّا، كما تُحْتَرم الآن عقائد نفس

رعايا جلالته على اختلاف مذاهبهم. ولا أرى لزومًا لأن أؤكد لسموكم أن تحرير

حكومة جلالته لمصر من رِبْقَة أولئك الذين اغتصبوا السلطة السياسية في الآستانة

لم يكن ناتجًا عن أي عداء للخلافة، فإن تاريخ مصر السابق يدل في الواقع على أن

إخلاص المسلمين المصريين للخلافة لا علاقة له البتة بالروابط السياسة التي بين

مصر والآستانة، وأن تأييد الهيئات النظامية الإسلامية في مصر والسير بها في

سبيل التقدم هو بالطبع من الأمور التي تهتم بها حكومة جلالة الملك مزيد الاهتمام،

وستلقى من جانب سموكم عناية خاصة، ولسموكم أن تعتمدوا في إجراء ما يلزم

لذلك من الإصلاحات على كل انعطاف وتأييد من جانب الحكومة البريطانية. وعليَّ

أن أزيد - على ما تقدم - أن حكومة جلالة الملك تُعَوِّل بكل اطمئنان على إخلاص

المصريين، ورويتهم، واعتدالهم في تسهيل المهمة الموكولة إلى قائد جيوش جلالته

المكلف بحفظ الأمن في داخل البلاد، وبمنع كل عون للعدو وإني أنتهز هذه

الفرصة فأقدم لسموكم أجل تعظيماتي.

...

...

... تحريرًا في 19 ديسمبر سنة 1914

...

...

...

...

...

...

ملن شيتهام

_________

ص: 53

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌الاحتفال بنصب الأمير حسين كامل

سلطانًا لمصر

جرى هذا الاحتفال في يوم الأحد ثالث شهر صفر الماضي الموافق 20

ديسمبر، وكانت معداته مهيئة قبل ذلك بأيام، أو أسابيع، ورقاع الدعوة إليه قد

وزعت في جميع أرجاء القطر، وهذا مقدمة نص البلاغ الرسمي الصادر من قصر

عابدين في ذلك:

(برح صاحب العظمة مولانا السلطان في منتصف الساعة العاشرة في يوم

الأحد 20 ديسمبر سنة 1914 سراي دولة الأمير كمال الدين باشا في موكب فخيم

محفوظًا بحراسه، ومن ورائه أصحاب السعادة الوزراء تقلهم مركبتان من مركبات

المعية السنية، فأطلقت مدافع القلعة واحدًا وعشرين مدفعًا إيذانًا، وأدت طلبة

المدرسة الحربية والجند التحية، وكان الشعب يهتف لعظمته طول الطريق هتافًا

متواصلاً، ولما أقبل عظمته على ميدان عابدين ضج له جماهير المدعوين

الموجودين بالصيوان المنصوب أمام السراية، وهم مندوبو المديريات، وكبار

موظفي الحكومة، وحضرات العلماء، والرؤساء الروحانيين وكبار ضباط الجيش

الإنكليزي والمصري، ولما وصلت المركبة السلطانية إلى باب السراي استقبله كل

من أصحاب الدولة أمراء العائلة السلطانية، وصاحبي الفضيلة شيخ الإسلام،

ومفتي الديار المصرية، وحضرات رئيس ووكيل الجمعية التشريعية،

والمستشارين، ووكلاء الوزارات، ورئيس محكمة الاستئناف الأهلية والمختلطة،

والنائبين العموميين لدى المحاكم الأهلية والمختلطة ومحافظين وكبار رجال المعية)

وتلا ذلك بيان كيفية المقابلات، وما تخللها من الخطب والمخاطبات.

_________

ص: 56

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌ترجمة برقيات التهاني بين لندرة ومصر

البرقية الأولى من ملك الإنكليز

تهنئة

إلى صاحب العظمة السلطانية سلطان مصر بالقاهرة

في الوقت الذي ترتقي فيه عظمتكم السلطانية منصبها السامي أرغب أن أقدم

إلى عظمتكم السلطانية عواطف الوداد المنبعثة عن أكمل إخلاص، مع تأكيدي لكم

بأنني لا أنفك عن تأييدكم في سبيل المحافظة على كيان مصر، وضمان رفاهيتها

في المستقبل وسعادتها، ولقد دعيتم عظمتكم السلطانية إلى تحمل مسؤولية منصبكم

السامي إبان أزمة خطيرة في الحياة الأهلية بمصر، وإني على يقين أنه بمعاونة

وزرائكم، وبحماية بريطانية العظمى يتسنى لكم التغلب على كل المؤثرات التي

يراد بها العبث باستقلال مصر، وبرفاهة أهاليها، وحريتهم، وسعادتهم.

...

...

...

...

... جورج

...

...

...

...

ملك وإمبراطور

***

البرقية الثانية من سلطان مصر

شكر

أقدم لجلالتكم فائق الامتنان على ما تفضلتم به من شعائر الوداد التي

شرفتموني بها، وعلى ما أكدتموه لي من نفيس التعضيد للمحافظة على كيان مصر

واستقلالها، ولما كنت على علم تام بالمسؤولية التي أخذتها على عاتقي، وقد عقدت

النية على تخصيص كل ما في وسعي لتقدم أمتي، وسعادتها سالكًا مع الحماية في

ذلك سبيل الوئام؛ فإنني أعتبر من حسن حظي أن يتاح إليَّ الاعتماد في القيام بهذا

العبء على جميل عواطف جلالتكم، وعلى معاونة حكومتها.

...

...

...

...

... حسين كامل

***

البرقية الثالثة من لورد كتشنر

تهنئة

إلى صاحب العظمة السلطانية سلطان مصر بالقاهرة

أتشرف بتقديم أَجَلّ مراسم التهاني والاحترام إلى مقام عظمتكم السلطانية بمناسبة

ارتقائكم عرش سلطنة مصر، وأسأله تعالى أن يوفق مصر في ظل عظمتكم

السلطانية، وبمعاونة ونصائح أصدقائها إلى جعل مستقبلها مقرونًا بالطمأنينة

والسعادة.

...

...

...

...

... كتشنر

***

البرقية الرابعة من سلطان مصر

شكر

إلى لورد كتشنر- لندن

كان لتهانئكم الودية - بمناسبة ارتقائي عرش السلطنة - أجمل وقع في فؤادي

فأشكركم شكرًا جزيلاً على ما أبديتموه من العواطف والأماني نحو بلادي، وإن ما

أعلمه من عظيم اهتمامكم بمصر يجعلني على يقين بأنه يتسنى لها الاعتماد عليكم

كما تعتمد على خير أصدقائها.

... حسين كامل

***

البرقية الخامسة

أمنية

من اللورد كتشنر إلى رئيس الوزارة حسين رشدي باشا

أبادر بإبلاغ عطوفتكم أمانيّ المنبعثة من أكمل عواطف الإخلاص، والوداد نحو

مستقبل النظام الذي انفتح عصره في هذا الصباح، وإن ثقتي بحكمة عطوفتكم،

وبوطنيتكم تجعل لي الأمل الوطيد باستمرار مصر في طريق السعادة والتقدم.

***

البرقية السادسة من رئيس الوزارة

شكر واغتباط

أشكر جنابكم على جميل تلغرافكم، وأنا على يقين مثلكم بأن مصر في عهد

نظامها الجديد ستتابع خطاها في طريق النظام، والارتقاء.

وإني لمرتاح إلى ما عندي من الأمل بإمكاني الاعتماد على مودتكم الثمينة

أثناء قيامي بأعباء وظيفتي.

_________

ص: 57

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌تهاني الشعراء

نظم أشهر شعراء مصر القصائد في التهاني السلطانية، وفي مقدمتهم

إسماعيل باشا صبري وأحمد شوقي بك ومحمد حافظ بك إبراهيم، وامتازت

قصيدة شوقي بأنها لم تكن مدحًا وثناء مجردًا كغيرها؛ بل تمثيلاً لشعوره ووجدانه

الخاص من حيث هو ربيب بيت الخديوي إسماعيل باشا، وغرس نعمته، ووجدانه

العام من حيث هو مسلم مصري، ويشاركه في هذا جمهور المصريين؛ فإذا

أثبتناها بنصها أثرًا تاريخيًّا لا نخرج عن سنة المنار في عدم نشر المدائح الشخصية

وها هي ذه:

الملك فيكم آل إسماعيلا

لا زال بَيْتُكُمُو يُظِل النيلا

لطف القضاء فلم يمل لوليكم

ركن ولم يشف لحسود غليلا

هذى أصولكمو وتلك فروعكم

جاء الصميم من الصميم بديلا

المُلك بين قصوركم في داره

من ذا يريد عن الديار رحيلا [1]

(عابدين) شرف يا ابن رافع ركنه

عزًّا على النجم الرفيع وطولا

ما دام مغناكم [2] فليس بسائل

أحوى فروعًا أم أقل أصولا

أنتم بنو المجد المؤثل والندى

لكمو السيادة صبية وكهولا

النيل إن أحصى لكم حسناتكم

ملأ الزمان محاسنا والجيلا

أحيا أبوكم شاطئيه وابتنى

مجدًا لمصر على الزمان أثيلا

نشر الحضارة فوق مصر وسوريا

وامتد ظلاًّ للحجاز ظليلا

وأعاد للعرب الكرام بيانهم

وحمى إلى البيت الحرام سبيلا

***

حفظ الإله على (الكنانة) عرشها

وأدام منكم للهلال كفيلا

بنيان (عمرو) أَمَّنَتْهُ عناية

من أن يزعزع ركنه ويميلا

وتدارك الباري لواء محمد

فرعى له غررًا وصان حجولا

في برهة يذر الأسرة نحسها

مثل النجوم طوالعا وأفولا

الله أدركه بكم وبأمة

كالمسلمين الأولين عقولا

حلفاؤنا الأحرارُ إلا أنهم

أرقى الشعوب عواطفا وميولا

أعلى من الرومان ذكرًا في الورى

وأعز سلطانًا وأمنع غيلا

لما خلا وجه البلاد لسيفهم

ساروا سماحا في البلاد عدولا

وأتوا بكابرها وشيخ ملوكها

ملكًا عليها صالحًا مأمولا

تاجان زانهما المشيب بثالث

وَجَدَ الهدى والحقُّ فيه مقيلا

***

سبحان من لا عز إلا عزه

يبقى ولم يك ملكه ليزولا

لا تستطيع النفس في ملكوته

إلا رضا بقضائه وقبولا

الخير فيما اختاره لعباده

لا يظلم الله العباد فتيلا

يا ليت شعري هل يحطم سيفه

للبغي سيفًا في الورى مسلولا

سلب البرية سلمها وهناءها

ورمى النفوس بألف عزرائيلا

زال الشباب عن الدسار وخَلَّفُوا

للباكيات الثكل والترميلا

طاحوا فطاح العلم تحت لوائهم

وغدا التفوق والنبوغ قتيلا

الله يشهد ما كفرت صنيعة

في ذا المقام ولا جحدت جميلا

وهو العليم بأن قلبي موجع

وجعًا كداء الثاكلات دخيلا

مما أصاب الخلق في أبنائهم

ودهى الهلال ممالكا وقبيلا

أأخون إسماعيل في أبنائه

ولقد ولدت بباب إسماعيلا

ولبست نعمته ونعمة بيته

فلبست جزلاً وارتديت جميلا

ووجدت آبائي على صدق الهوى

وكفى بآباء الرجال دليلا

رؤيا (عليّ) يا حسين تأولت

ما أصدق الأحلام والتأويلا

وإذا بناة المجد راموا خطة

جعلوا الزمان مُحَقَّقًا ومُنِيلا

القوم حين دها القضاء عقولهم

كسروا بأيديهم لمصر غلولا

هدموا بِوادي النيل ركن سيادة

لهمو كركن العنكبوت ضئيلا

ارَقْه [3] سرير أبيك والبس تاجه

واكْرُمْ على (القصر المشيد) نزيلا

مرت أويقات عليه موحشًا

كالرمس لا خلوًا ولا مأهولا

ليست معالي الأمر شيئًا غائبًا

عنكم وليس مكانكم مجهولا

كم سستموه في الشبيبة مضلعًا

وحملتموه في المشيب ثقيلا

وحميتمو زرع البلاد وضرعها

وهززتمو للمكرمات بخيلا

يا أكرم الأعمام حسبك أن ترى

للعَبرتين بوجنتيك مسيلا

من عثرة ابن أخيك تبكي رحمة

ومن الخشوع لمن حباك جزيلا

ولو استطعت إقالة لعثاره

من صدمة الأقدار كنت مقيلا

***

يا أهل مصر كِلُوا الأمور لربكم

فالله خير موئلاً ووكيلا

جرت الأمور مع القضاء لغاية

وأقرّها من يملك التحويلا

أَخَذَتْ عنانًا منه غير عنانها

سبحانه متصرفا ومديلا

هل كان ذاك العهد إلا موقفًا

للسلطتين وللبلاد وبيلا

يعتز كل ذليل أقوام به

وعزيزكم يُلْقِي القياد ذليلا

دفعت بنافيه الحوادث وانقضت

إلا نتائج بعدها وذيولا

وانفضّ ملعبها وشَاهِدُه على

أن الرواية لم تتم فصولا

فأدمتمو الشحناء فيما بينكم

ولبثتمو في المضحكات طويلا

كل يؤيد حزبه وفريقه

ويرى وجود الآخرين فضولا

حتى انطوت تلك السنون كملعب

وفرغتمو من أهلها تمثيلا

وإذا أراد الله أمرًا لم تجد

لقضائه ردًّا ولا تبديلا

_________

(1)

قيل أنه أشار إلى نفي ما أُشيع من خبر نفيه من مصر.

(2)

أي ما دام قصر عابدين مقامُا لكم يا آل إسماعيل.

(3)

كُتبت الكلمة في بعض الجرائد (ارقأ) وهو غلط لأنه أمر رقى الناقص لا رقأ المهموز، ولعل سببه كتابتها في الأصل بالألف فجعلوها همزة، والمقام هنا مقام وصل الفعل بهاء السكت كما فعلنا.

ص: 59

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌أثارة تاريخية

من مقدمات الحرب المدنية الأوربية

وهي البرقيات التي تبودلت بين

العاهلين العظيمين قيصر الألمان وقيصر الروس [1]

(1)

من الإمبراطور ولهلم إلى الإمبراطور نقولا

28 يوليو 1914 (الساعة 10 والدقيقة 45 مساء)

لقد علمت بمزيد القلق خبر الوقوع الذي وقعه زحف الجنود النمساوية على

سربية في إمبراطوريتكم. إن التحريض العظيم الذي توالى في سربية منذ سنوات

أفضى إلى جناية فظيعة اغْتِيلَ فيها الأرشدوق فرنس فردينند، فالروح الذي حمل

السربيين على اغتيال ملكهم وقرينته لا يزال سائداً تلك البلاد، ولا ريب في أنكم

توافقونني أننا - أي أنت وأنا - كسائر الملوك لنا مصلحة مشتركة في الإصرار

على معاقبة مرتكبي جناية القتل هذه العقاب الذي يستحقونه.

على أنني أعلم أيضًا أنه يصعب جدًّا عليكم، وعلى حكومتكم مقاومة

مظاهرات الرأي العام، فأنا - تذكارًا للصداقة القلبية التي بيني وبينكم منذ زمان

طويل - أبذل كل نفوذي في إقناع النمسا بالاتفاق مع سربية، وإني أعتمد على

تأييدكم في مساعيَّ لإزالة جميع الصعوبات التي يُحْتَمَل أن تنشأ.

...

...

...

صديقكم المخلص وابن عمكم

...

...

...

...

ولهلم

(2)

من الإمبراطور نقولا إلى الإمبراطور ولهلم

قصر بترهوف في 29 يوليو 1914 (الساعة واحدة بعد الظهر)

سرني خبر عودتكم إلى ألمانيا، وإني أطلب مساعدتكم في هذه الآونة الحرجة

، فقد أُعلنت حرب معيبة على أمة ضعيفة، وأنا أشاطر روسيا سخطها العظيم،

وإني أرى أنني سأعجز قريبًا عن دفع الضغط الواقع عليَّ، وأضطر إلى اتخاذ

تدابير تؤدي إلى الحرب.

فاجتنابًا لنكبة حرب أوربية أرجو منكم باسم صداقتنا القديمة أن تُفْرِغُوا كل

جهدكم في منع حليفتكم من الإفراط في الخطة التي سارت عليها.

...

...

...

...

...

نقولا

(3)

من الإمبراطور ولهلم إلى الإمبراطور نقولا

29 يوليو 1914 (الساعة 6 والدقيقة 30 مساء)

تلقيت برقيتكم وأنا أشاطركم الرغبة في حفظ السلام

ولكن لا أرى أن زحف النمسا على سربية حرب معيبة كما قلت في تلغرافي

الأول، فقد علمت النمسا - بالاختبار - أنه يستحيل تصديق مواعيد سربية ما

دامت محصورة في الكتابة على الورق.

وعندي أنه ينبغي النظر إلى ما تفعله النمسا كأنه سعي للحصول على الضمان

الكافي بأن سربية تقوم بمواعيدها، وقد تأيد اعتقادي بما صرحت به النمسا من أنها

لا تبغي الاستيلاء على شيء من أملاك سربية.

ولذلك أرى أن روسية تستطيع أن تقف موقف المتفرج، فلا تجر أوربا إلى

أعظم حرب رآها العالم.

وأعتقد أن الاتفاق بين حكومتكم وفِينَّة مستطاع ومرغوب فيه لاسيما وأن

حكومتي باذلة الجهد للتوصل إلى هذا الاتفاق كما أخبرتكم في تلغرافي السابق.

ولا يخفى أن اتخاذ روسية لتدابير حربية تعدها النمسة تهديدًا لها يعجل وقوع

النكبة التي نحاول كلانا اجتنابها، ويحول دون قيامي بمهمة الوسيط التي قبلتها بلا

تردد لَمَّا استجرت بصداقتي ومعونتي.

...

...

...

...

...

ولهلم

(4)

من الإمبراطور ولهلم إلى الإمبراطور نقولا

30 يوليو 1914 (الساعة 1 صباحا)

صدرت التعليمات إلى سفيري أن يوجه نظر حكومتكم إلى الأخطار والعواقب

الوخيمة التي تنشأ عن تعبئة الجيش، وهذا الذي قلته لكم في تلغرافي الأخير.

إن النمسة عبأت جيشها ضد سربية فقط، ولم تعبئ سوى جانب من جيشها؛

فإذا عبأت روسية جيشها ضد النمسا كما يتضح من برقيتكم، وبلاغ حكومتكم تعذر

عليَّ القيام بمهمة الوسيط بل استحال، وهي المهمة التي نطتموها بي بروح

المودة وقبلتها بناء على طلبكم المعجل.

فعبء البت في الأمر واقع على عاتقكم، وأنتم تتحملون عبء تبعة الحرب

أو السلم.

...

...

...

...

...

ولهلم

(5)

من الإمبراطور نقولا إلى الإمبراطور ولهلم

قصر بيترهوف في 30 يوليو 1914 (الساعة 1 والدقيقة 20 بعد الظهر)

أشكركم من صميم الفؤاد على جوابكم السريع، وإني مرسل تاتيشف اليوم

مساء مزودًا بالتعليمات. أما التدابير الحربية التي تُتخذ الآن فقد قر القرار عليها

منذ خمسة أيام لمقابلة استعداد النمسا.

وإني أتمنى من صميم الفؤاد أن لا تؤثر هذه التدابير في قيامكم بمهمة الوسيط

وهي المهمة التي أقدرها حق قدرها؛ فإننا نحتاج إلى توسطكم بالحزم مع النمسا

لحملها على الاتفاق معنا.

... نقولا

(6)

من الإمبراطور نقولا إلى الإمبراطور ولهلم

31 يوليو1914

أشكركم من صميم الفؤاد على ما تبدونه من النية التي تدل على وجود بارقة

أمل بأن الأمور تنتهي على ما يرام. أما توقيف استعدادنا الحربي فغير مستطاع

فنيًّا، وقد اضطرتنا تعبئة النمسا إلى هذا الاستعداد.

إننا أبعد الناس عن الرغبة في الحرب، وما دامت المفاوضات في موضوع

سربية دائرة مع النمسا فجنودي لا تُقْدِم على عمل ما من أعمال التحرش، وأؤكد

لكم ذلك بشرفي

إنى موقن تمام الإيقان بنعمة الله، وأثق بأن توسطكم في فِينَّا يُكلل بالنجاح

لخير بلدينا، وسِلْم أوربا.

...

...

...

...

...

نقولا

(7)

من الإمبراطور ولهلم إلى الإمبراطور نقولا

31 يوليو 1914 (الساعة 2 بعد الظهر)

لَمَّا استجرتم بصداقتي، وطلبتم معونتي قبلت أن أتوسط بين حكومتكم

وحكومة النمسا، وبينما كنت قائمًا بهذا العمل عبأتم جيوشكم ضد حليفتي النمسا

فأحبطتم الرجاء بنجاح توسطي، ومع ذلك فإنني ظللت متابعًا له.

وقد تلقيت - الساعة - علمًا من مصدر جدير بالثقة بأنكم شرعتم تتخذون

تدابير حربية عظيمة على حدودي الشرقية، ولما كنت مسئولاً عن سلامة

إمبراطوريتي فإني مضطر أن أتخذ تدابير مماثلة دفاعًا عنها.

ولقد بذلت أقصى ما يستطاع سعيًا لحفظ السِلْم؛ فإذا وقعت النكبة الهائلة التي

تهدد عالم المدنية بأسره؛ فإن تبعتها لا تقع عليَّ.

ولا يزال منع وقوع النكبة في يدكم، إذ لا أحد يهدد شرف روسية، وقوتها،

وكان في طاقة روسية أن تنتظر نتيجة توسطي. إن صداقتي لكم ولإمبراطوريتكم

التي أورثنيها جدي على فراش الموت ظلت مقدسة عندي، وقد كنت أمينًا لروسية

في محنها، ولا سيما في الحرب الأخيرة. فسِلْم أوربا محفوظ حتى الآن إذا قر

قرار روسية على الكف عن التدابير الحربية التي تهدد بها ألمانية والنمسا.

...

...

...

...

ولهلم

(8)

من الإمبراطور نقولا إلى الإمبراطور ولهلم

1 أغسطس 1914 (الساعة 2 بعد الظهر)

جائتني برقيتكم، وإني أعلم أنكم مضطرون إلى التعبئة؛ ولكني أطلب منكم

الضمان الذي أعطيتكم إياه، وهو أن هذه التدابير لا تنذر بوقوع الحرب، وأننا

نظل متابعين مفاوضاتنا لخير البلدين، ومصلحة السِلْم العام العزيز على قلوبنا.

إن صداقتنا القديمة العهد، والوطيدة الأركان يجب بمساعدة الله أن تفوز بمنع

إراقة الدم، فأنا أنتظر جوابكم بملء الثقة.

...

...

...

...

...

نقولا

(9)

من الإمبراطور ولهلم إلى الإمبراطور نقولا

برلين في 1 أغسطس 1914

أشكركم على برقيتكم، وقد دللت حكومتكم أمس على الطريق الوحيد لاجتناب

الحرب.

ومع أني طلبت أن يأتيني الجواب الظهر فلم يأتني حتى الساعة برقية من

سفيري تتضمن جواب حكومتكم، لذلك اضطررت إلى تعبئة جيشي.

فالطريق الوحيد لمنع وقوع نكبة لا تُوصَف هي ورود جواب صريح جلي من

حكومتكم. ولا يسعني أن أهتم بموضوع تلغرافكم قبل أن يأتيني هذا الجواب،

وإني مضطر أن أطلب بالاختصار أن تصدروا أوامركم إلى جنودكم بلا إبطاء بأن

لا تهجم أقل هجوم على حدودنا.

...

...

...

...

... ولهلم

_________

(1)

نُقلت من ملحقات الكتاب الأصفر الفرنسي الرسمي.

ص: 62

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌فصل الإحصاء من باب التاريخ

(مساحة المملكة العثمانية وعدد سكانها)

أصدرت الحكومة العثمانية في العام الماضي إحصاء لأملاكها، وعدد سكانها نشرته جريدة " الأهرام " قائلة إنها أخذته عن خريطة أركان الحرب العثمانية وهو كما ترى في الجدول الآتي:

اسم الولاية

...

كيلو متر

...

... نفس

إستامبول

...

7.000

...

1.136.000

خداوندكار

... 73.800

...

1.626.900

آيدين

...

54.000

...

1.396.500

قونيه

...

102.800

...

1.088.000

أطنة

...

37.200

...

... 403.400

أنقرة

...

67.500

...

... 892.900

قسطموني

... 49.700

...

1.018.900

سيواس

...

62.800

...

1.086.500

طرابزون

...

30.700

...

1.047.700

أرضروم

... 51.000

...

... 597.000

معمورة العزيز

34.300

...

... 575.300

بتليس

...

26.800

...

... 398.600

ديار بكر

... 35.500

...

471.500

وان

...

40.200

...

... 430.000

حلب

...

78.600

...

... 995.800

بيروت

...

30.500

...

533.800

سوريا

...

61.700

...

955.700

بغداد

... 141.200

...

... 850.000

الموصل

... 75.700

...

... 700.300

البصرة

... 42.700

...

... 300.000

الحجاز

... 250.000

...

... 300.000

اليمن

... 200.000

...

... 750.000

جزائر البحر الأبيض 7.108

...

... 325.900

أزميد

...

11.200

...

... 222.800

بيغا

...

6.800

...

... 129.400

الزور

... 85.100

...

... 100.000

لبنان

... 6.500

...

... 399.500

القدس

... 21.300

...

... 333.000

سيسام

...

468

...

... 52.800

قبرص

... 9.600

...

221.800

المجموع

... 1701777

...

19.340.000

(قالت الأهرام) فعدد الأهالي العثمانيين - إذن - هو 18 مليونًا و839 ألف

و800 نفس يخرج منهم أهالي قبرص، وهم حسب الإحصاء 221800، وسيسام

وهم 52800، ولبنان وهم 39950، والحجاز وهم 300 ألف، واليمن وهم

750 ألفًا، وجزر البحر الأبيض وهم 325900؛ لأن هذه البلاد إما أنها لا تُكَلَّف

بالتجنيد، وإما أنها غير خاضعة لحكم الدولة كالجزر، وعدد أهاليها مليونان 741

ألفًا فيكون الباقي 16765700، فإذا أخرجنا منهم الكرد، واليزيدية، والطوائف

التي تدفع البدل، والتي تُعْفَى يكون الأهالي الذين يُجَنَّدُون نحو 14 مليونًا على

الأكثر، فإذا حسبنا أن الذين يُجَنَّدُون هم 6 بالمائة يكون عدد الجيش الممكن جمعه

من الأمة العثمانية 840 ألف مقاتل في وقت الحرب. اهـ.

إحصاء جزيرة العرب والولايات العربية

(المنار)

كنا رأينا هذا الإحصاء في الأهرام، ثم نقلناه عن جريدة أخرى نقلته عنها؛

ولكن رأينا الجمع غير صحيح، فأرسلنا الجدول إلى رئيس تحرير الأهرام فصححه

فلم يكن الجمع بعد تصحيحه صحيحًا أيضًا، بل بلغ عدد النفوس 19 مليونًا

و340 ألف نفس.

إن الدولة لم تحص سكان بلادها إحصاء دقيقًا إلى اليوم، وهي تعني بهذا

الإحصاء أهالي البلاد الحضرية الخاضعين لقوانينها كلها، أو بعضها إلا ما يستثنى

كقبرص. أي ما تيسر لها معرفة عدده منهم، ولذلك لم تَذْكُر بلاد نجد مع أنها تعدها

تحت سيادتها، وجعلت أهل اليمن ثلاثة أرباع المليون على أن بعض وزرائها الذين

تولوا اليمن كحسين حلمي باشا كانوا يقولون: إن أهلها ستة ملايين أو يزيدون،

ورأيت بعض أهل اليمن يعتقدون أن سكان بلادهم، وبلاد حضرموت أكثر من

سكان القطر المصري.

هذا وإن سكان الولايات، والمتصرفيات العربية، وهي 12 ولاية ومتصرفية

بلغوا بحسب هذا الإحصاء 6.692.000 فإذا كان في ديار بكر، والموصل،

وحلب زهاء مائتي ألف من غير العرب كالترك، والكرد، والأرمن يكون مجموع

العرب الخاضعين للدولة فعلاً نحوًا من ستة ملايين ونصف أو أقل، وهذا العدد أقل

من ثلث مجموع العرب في جزيرتهم وحدها دع ملحقاتها من العراق وما بين

النهرين وسوريا وفلسطين، ويمكن أن يعيش في هذه البلاد أكثر من مائة ألف

ألف بالسعة، فإن مساحتها أوسع من مساحة الهند الإنكليزية التي يعيش فيها أكثر

من ثلاث مائة ألف ألف. بل مساحة جزيرة العرب وحدها تقرب من مساحة الهند

إذ كل منهما تزيد على ثلاثة ملايين كيلو متر.

وقد قَدَّر صاحب (النخبة الأزهرية في تخطيط الكرة الأرضية) سكان جزيرة

العرب وحدها باثني عشر مليون نفس، وهو إنما يعتمد على كتب التقويم الأوربية

القديمة التي تعتمد على قاعدة البناء على الأقل، وحسبك نموذجًا من ذلك أنه يقول

إن سكان دمشق الشام ستون ألفًا، والمشهور أنهم أكثر من مائتي ألف، وإن سكان

طرابلس الشام 13 ألفًا وهم أكثر من تسعة وعشرين.

ويمكننا أن نقول إن عرب الولايات، والمتصرفيات العربية ما عدا اليمن،

والحجاز لا تقل عن خمسة ملايين ونصف بحسب إحصاء الدولة، وإذا قيل إن عدد

الأعاجم فيها أكثر مما قدرنا بنصف مليون قلنا إن البدو فيها لا يقلون عما نفرضه

من زيادة هؤلاء.

فإذا أضفنا إلى البدو المكتومين من الحضر زاد عدد العرب في تلك الولايات

على ستة ملايين، وقد نُشِر في عدد الأهرام الذي صدر في 3 نوفمبر إحصاء آخر

لأحد المحررين فيها (ا. س. ن) عَدَّ فيه أهل ولاية بيروت 700.500

وبغداد 950.000 والبصرة 250.000 والقدس 550.000 ولبنان 500.000

وهذه زيادة تبلغ زهاء نصف مليون. فإذا فرضنا بعد ذلك أن سكان الجزيرة 12

مليونًا فقط كما يقول صاحب النخبة الأزهرية على سبيل التقريب كان عدد العرب

وحدهم في هذه البلاد كلها كعدد سكان المملكة العثمانية من جميع الأجناس كما

رأيت في الجدول.

ويقدر كثير من العارفين عدد العرب في تلك البلاد بعشرين مليونًا؛ ولكنهم

يستثنون من ذلك أهل حضرموت ونجد وعمان.

إحصاء شعوب الهند الإنكليزية

نشرت الحكومة الإنكليزية خلاصة إحصاء شعوب الهند في عام 1914.

ويؤخذ من هذا الإحصاء أن عدد أهالي الهند الإنكليزية 315.156.396 وهم

5.

78 بالمائة من الهنود، و 5.22 من رعايا الإمارات الهندية.

ومساحة بلاد الهند تعادل مساحة أوربا كلها ما عدا روسيا؛ ولكن عدد أهالي

الهند يزيد على أهالي أوربة ما عدا روسية، وهو يعادل ثلاثة أضعاف أهالي

الولايات المتحدة.

ومنذ 39 سنة إلى اليوم زاد عدد أهالي الهند 50 مليونًا. أما الذين يدينون

بدين الهند الأصليين (؟) فعددهم 217.586.892 وعدد المسيحيين 2.778.204

والباقون من المسلمين.

(المنار)

نشرت هذا الإحصاء جريدة الأهرام في أثناء السنة الماضية، وتلك عبارتها

نقلناها بنصها. وإذا نحن طرحنا عدد الوثنيين، والنصارى من المجموع بقي

94.

692.300 وهو عدد المسلمين، وقد كنا سمعنا - من بعض كبراء الهند في أثناء

سياحتنا فيها عام 1330 (1912م) - أن عدد المسلمين فيها تسعون مليونًا ونيف؛

ولكنني لا أزال أسمع الناس يقولون ويكتبون أن عددهم سبعون مليونًا، حتى أن

مثل هذا القول يُنْقَل عن بعض رجال السياسة من الإنكليز أنفسهم، ولما جاء هذا

الإحصاء مطابقًا لما سمعناه من أهل المعرفة في الهند تَرَجَّحَ عندنا أن هذه الأقوال

إما مبنية على إحصاء قديم علق بأذهان أولئك القائلين، وإما أن الإنكليز منهم

يستثنون بعض الإمارات المستقلة عند ذكر رعاياهم من مسلمي الهند، وغيرُهم يقلدهم

في أقوالهم.

_________

ص: 66

الكاتب: عن جريدة الزمان العربية

‌خرافات وأوهام في قصور الملوك [*]

يعتقد القراء أن الخرافات والأوهام التي تتخوف منها الطبقة العامة في سوريا،

وغيرها من بلدان الممالك المتمدنة (؟) كوجود الجان، وظهور الأرواح

والأشباح لا أثر لها في عقول الطبقة المتمدنة من الشعب الأوربي، والحقيقة أن

هذه الأوهام التي لا يُسَلِّم بها من العلماء غير شيعة الروحانيين (مناجاة الأرواح) ،

وأتباعهم مالئة قصور الملوك، ولها في كل رأس من رءوس سكان القصور ثغرة

واسعة. وها نحن (أولاء) مُورِدُون شيئًا عن الاعتقادات الشائعة بالجان والأرواح

في قصور ملوك أوربة.

تعتقد عائلة (هوهنزولرن) المالكة في ألمانيا أن لها جِنِّيَّتَيْنِ إحداهما بيضاء،

والثانية سوداء وإليهما تشير الراية الألمانية، بمعنى أن البيضاء هي جنية الشر،

والسوداء جنية الخير.

ففي عام 1806 - على ما تفيد الكتب والأوراق القديمة - ظهرت الجنية

البيضاء في إحدى نوافذ القصر الملكي، وما كادت تختفي حتى ورد إلى

الإمبراطور نبأ يُفيد انكسار الجيش الألماني في (أورستاد) .

وقد ظهرت أيضا عام 1884 قبل وقوع تلك الحوادث المشئومة في ألمانية -

في حديقة القصر الملكي في برلين.

وظهرت أيضا ثلاث مرات في (إنتردنليدن) وفي كل مرة كانوا يحاولون

اغتيال غليوم الأول.

ولما مات الإمبراطور الشيخ شبعانا من السنين، وكان قد بلغ من المجد حظًّا

كبيرًا ظهرت الجنية البيضاء في أحد أروقة القصر الملكي، وما كادت تختفي حتى

جاءت الأنباء مفيدة ما قاساه فردريك الثالث من أنواع العذاب، وأصناف البلايا

والمحن.

وبعد ثلاثة أشهر وقفت في القصر الملكي مكشوفة اليدين، وأنبأت عن موت

فردريك الثالث ابن غليوم الأول في (شارلو تبنورغ) بعد توليه الحكم بثلاثة أشهر.

وأما الجنية السوداء فقد ظهرت للإمبراطور الحالي في (برانبرغ) في أيام

غليوم الأول، وقالت له (ستكون إمبراطورًا قبل أن تتم الثلاثين ربيعًا) وهكذا كان.

وفي قصر إنكلترا الملكي جنية بيضاء وظيفتها نقل أخبار الموت فقط (ناعية)

ففي عام 1901 عندما ماتت الملكة فكتوريا الشهيرة أخذت (الجنية) تصيح -

بشهادة بعض أشخاص موثوق بصدقهم - في داخل القصر الملكي.

ويوجد مثل هذه الأرواح والجنيات في القصور التاريخية القديمة، وكثيرًا ما

امتنع الملوك والأمراء والأشراف عن سكناها خوفًا من تلك الأرواح الخبيثة الهائلة

ففي قصر (باري يوماروي) توجد هذه الأرواح بكثرة، وطالما أعلنت

المصائب قبل وقوعها، وعدد كبير من سكان هذا القصر أنبأتهم هذه الأرواح عن

انقضاء آجالهم.

وبهذه المناسبة نذكر الحادثة التالية التي جرت في القصر المذكور من مضي

مائة سنة.

كان الدكتور " ولتر " يطبب زوجة مدير القصر، وفي أحد الأيام سأل المدير

المذكور عن تلك المرأة الجميلة الحسنة الملابس التي تلوح على مُحياها أمائر

الحزن، والتي رآها عند دخوله إلى القصر، فبُغِتَ الرجل وصاح لا لا. لا أريد

أن تموت امرأتي، فعجب الدكتور مما ظهر له واستوضحه عن العلاقة بين المرأة

وموت زوجة المدير المذكور، فأطلعه على حقيقة هذه السيدة البيضاء الجميلة،

ومع أنه لم يكن يرى في مرض زوجة مدير القصر خطرًا على حياتها، فقد ماتت

في ذلك اليوم.

هذا ما رأينا أن ننقله تفكهة للقراء. ولا يمكننا نفي هذه الحوادث وغيرها مما

نطالعه يوميًّا على استحضار الأرواح، وأفعال الأرواح، ولا تصديقه، لأن بين

المعتقدين جماعة من العلماء الأعلام كالمستر ستيد وغيره، وبين المكذبين العلماء

الطبيعيون على الإطلاق، وغيرهم من المشاهير، ولا تزال لجان العلماء والفلاسفة

في أميركا ولندن وباريس وغيرها تبحث بحثًا دقيقًا متواصلاً توصلاً للحقيقة.

_________

(*) منقول من جريدة الزمان العربية التي تصدر في بونس أيرس (الأرجنتين) .

ص: 71

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌الإسلام في إنكلترة

فضيلة.... [1] صاحب (المنار) الأغر:

يسرني جدًّا أن أبلغ سيادتكم أن مساعي إخواننا المسلمين المبشرين في إنكلترا

سائرة في طريق النجاح بدرجة فوق المأمول، ولقد تعود معظمنا إغفال الدعوة إلى

الدين الحنيف، بل أهملنا حتى في مقاومة دعاة المسيحية في نفس بلادنا، حتى أني

أتخيل أن ذكر وجود مبشرين مسلمين في إنكلترا كافٍ وحده لدهشة غير قليل من

القراء، ولا شك في أنه يدهشهم (دهشًا) أكثر أن يعلموا أن هؤلاء المبشرين على

قلة عددهم قد نجحوا في نشر نور الإسلام بين عدد ليس بالضئيل من خيرة السيدات،

والرجال الإنجليز.

يوجد في (ووكنج woking) إحدى ضواحي مدنية لندن جامع صغير يمثل

المركز الرئيسي للجالية الإسلامية في بريطانيا العظمى، ويُصْدِر إمام ذلك الجامع

مجلة شهرية تُدْعَى (المجلة الإسلامية والهند المسلمة) ، ومع أني لست ممن

يرتاحون إلى هذه المجلة نظرًا لخلطها في كثير من الأحايين الدين بالسياسة، فإنه

لا يسعني إلا الاعتراف بالخدمة الإسلامية الجليلة التي قامت بها في زمن لا يتجاوز

ثلاث سنوات والفضل كل الفضل يرجع إلى حضرة رئيس تحريرها إمام الجامع

المشار إليه وإلى أعوانه.

ولقد تلقيت العدد الأخير منها (عدد يناير سنة 1915) فوجدت فيه الخبر

المفرح الآتي:

(في يوم الأحد الماضي 20 ديسمبر 1914 عقدت الجمعية الإسلامية

البريطانية اجتماعًا خطب فيه رئيسها سيف الرحمن اللورد هدلي، وقد اعتنقت

الإسلام سيدة أخرى وهي السيدة إلينور أني ساكسبي، ومنذ الأسبوع الماضي قد

أضفنا إلى قائمة الأخوة الإسلامية النامية باستمرار أسماء ثلاثة أشخاص من

الإنجليز) .

وفي (هذا) العدد نفسه كتابان عن اعتناق الدين الإسلامي أحدهما من سيدة

إنجليزية تُدْعَى آن بامغورد، والآخر من أحد أفاضل الإنجليز وهو المستر إرنست

أوتن، وكلاهما ممتلئ بعبارات تستحق التأمل والدرس وخصوصًا من سادتنا

المتفرنجين الذين ينسون تعاليم دينهم العالية بمجرد امتزاجهم بالإفرنج، ونظرًا

لضيق نطاق المنار الأغر، ولعدم سعة وقتي أكتفي بترجمة كتاب السيدة المشار

إليها.

وهذا تعريبه:

(سيدي محرر صحيفة المجلة الإسلامية والهند المسلمة.

لقد صرت في العهد الأخير بفضل مودة صديق مسلم أقرأ بانتظام أهم

المؤلفات الإسلامية، وأذكر بينها الكتب الشائقة التي وضعها السيد أمير علي

وخصوصًا نشرته عن حقوق النساء في الإسلام فإنها ذات قيمة كبيرة عندي.

ومما يستحق الذكر من المؤلفات الأخرى الممتعة التي شاقتني كثيرًا كتاب

(الهلال والصليب) تأليف خليل بك خالد، وكتاب (أسرار مصر والإسلام الخفية)

تأليف المستر ليدر، وكذلك فصل (البطل كنبي)[2] من قلم كارليل.

فكانت صفوة ونتيجة دراستي الدقيقة هذه أني امتلأت إعجابًا بمحمد - صلى

الله عليه وسلم - باعتباره نبيًّا ومصلحًا عظيمًا، وبديانته الديمقراطية السمحة التي

يهنيني ويريحني الآن اعتناقها.

هذا وإني أعترف بأن الديانة المسيحية المهذبة ديانة جليلة، إلا أني مع ذلك

لا يمكنني بأية حال أن أتجاهل أن الإسلام لا يعلم الناس أَسْمَى مبادئ المسيحية فقط

بل هو يمتاز أيضًا بدون أدنى شك بمزايا عظيمة لا توجد في المسيحية، وذلك في

مراميه الفلسفية، ومبادئه النفسية العالية، وفي القواعد الموضوعة لنظام اجتماعي

أدق وأصح.

لقد خطر في بالي أن أبعث بهذا الكتاب إلى جنابكم عسى أن لا يخلو علمكم

وعلم قراء مجلتكم الغراء بذلك من الفائدة.

وختامًا أتشرف بالإمضاء باسمي الإسلامي

...

...

...

...

أمينة

...

...

...

... (الآنسة أ. بامغورلا)

كم كانت تكون هذه النتيجة السارة مضاعفة يا سيدي الأستاذ لو تم مشروع

الجامع الكبير المَنْوِي بناؤه في عاصمة الإمبراطورية الإنجليزية التي تضم تحت

رايتها الملايين من المسلمين في عدة من أنحاء العالم، ولست أدري لأي سبب

ضعفت همم المسلمين في مصر والهند وغيرهما من الأقطار الإسلامية عن مواصلة

التبرع لهذا المشروع الجليل؛ حتى يمكن تحقيقه في المستقبل العاجل.

وكم تكون النتيجة مضاعفة إذا وجد بين سراتنا من يعضد " دار الدعوة

والإرشاد " التعضيد اللائق بكلية عظيمة المقصد كهذه؛ حتى يتيسر لكم إرسال

الدعاة إلى هذه البلاد، وبفضل علمهم ومعرفتهم بالإنجليزية يرجى لهم حينئذ نجاح

كبير هنا، وخصوصًا إذا تيسر لهم إنشاء مجلة بالإنجليزية تشمل صفوة ترجمة ما

يصدر في كل عدد من (المنار) الزاهر.

وكم تكون النتيجة مضاعفة إذا هزت الأريحية الدينية أحد أمراء أو أغنياء

المسلمين فوهب نحوًا من خمسمائة جنيه أو أكثر في سبيل نقل " تفسير المنار " إلى

الإنجليزية، فإنه مما يؤسف له جدًّا أن تنتشر بهذه اللغة المؤلفات العديدة ضد

الإسلام، ولا ينقل إليها كتاب جليل هو دائرة معارف إسلامية مثل تفسير المنار

وما هذا بعزيز على أمراء المسلمين الذين نراهم من أجل الحرب الحاضرة يجودون

بمئات آلاف من الجنيهات، أفلا يوجد بينهم من يجود بجزء من مائة من ذلك في

سبيل نشر نور السِلْم والإسلام؟

إن من المغالطة أن يقال: إن الإنجليز مثلاً يمنعون أمراء الهند من عمل كهذا،

فإن إنكلترا معروفة بمنحها الحرية الدينية الكاملة لجميع رعاياها، وهذا ما لا ينكره

نفس أعدائها، بل كان هذا من جملة أسباب ولاء مسلمي الهند لها، فلا يُعْقَل أن

يتدخل رجال السلطة من الإنجليز في الهند في شأن ديني محض كهذا، أو يمنعوا

أميرًا هنديًّا مسلمًا من التبرع إذا شاء لما فيه صالح دينه.

وكذلك لا يُعْقَل أن يفعلوا ذلك في مصر، أو في غيرها من الممالك الإسلامية

التي لإنكلترا علاقة بها، وعلمنا وخبرتنا الماضية تؤكد ذلك.

إني أوافق فضيلتكم على أن تعلم العربية واجب على كل مسلم، وأن من

الحكمة جعل تعليمها إجباريًّا في جميع المدارس، والكليات، والجامعات الإسلامية

في كل قطر، حتى يتيسر لكل مسلم أن يعرف دينه من منبعه الأصلي، بغض

النظر عن العلم بآداب اللغة العربية الشريفة التي هي لغة القرآن الكريم؛ ولكن إذا

تأملنا في المسألة من وجهة التبشير فإننا نجد أن من الضروري أن يُنْقَل إلى اللغات

الأجنبية خبرة المؤلفات الإسلامية، وخصوصًا تفاسير القرآن الجليلة المشهودة

بسعة العلم، والدقة فيها، فإن هذا عماد المبشر المسلم في نشر دينه بين الإفرنج،

ومن العبث أن يقول المبشر الذي يريد اجتذاب القوم إليه: تعلموا يا قوم العربية أولاً

وبعدها أُطْلِعُكُم على القرآن، وأذكر لكم أصول الدين الإسلامي.

أما نقل القرآن الشريف إلى الإنجليزية، أو غيرها من اللغات الأوربية، فإني

أعده جُرْمًا من حيث إن ذلك يؤدي إلى إخفاء ما في لغة القرآن الشائقة من إعجاز

البيان، فضلاً عن أن الترجمة تظهر بشكل مشوه غريب يجعل الأوربي - الذي لا

يعرف آداب العربية - يعجب من كوننا نعتقد أن القرآن هو كلام الله جل شأنه! !

وإن أي مسلم يطلع على ترجمة القرآن لا يسعه إلا الضحك مع الأسف على الوقت

الذي أُنْفِقَ هباء في هذه الترجمة التي لا تؤدي إلى شيء ما من مرامي القرآن

العالية الحكيمة.

إني أعتقد أن الرجل المحسن الذي يهب مبلغًا كافيًا لترجمة تفسير عصري

مثل تفسير (المنار) - ويعلم الله أني لا أقول هذا مجاملة لكم، فإني لست من يخلط

الخصوصيات بالعموميات - الذي هو خلاصة كل علم راجح من دماغي إمامين

كبيرين، إنما يؤدي خدمة إسلامية وإنسانية فوق كل تقدير، ويَعْلَم أن هذا أمر

حيوي ماس كلُّ ذي علم بالمجتمع الأوربي، وكل من عنده غيرة على نشر الدين

القويم الداعي إلى المساواة، والإصلاح، وأسمى المبادئ الإنسانية.

وإني أُعِدّ من الاعتراضات الغريبة أن يقول قائل: إن نتيجة التبشير الإسلامي

ليست بنتيجة مرضية؛ لأن كثيرين ممن يعتنقون الإسلام لا يعتنون بالصلاة، أو

الصوم مثلاً، وهما من فراض الإسلام، ويفوت المعترض أن ذلك الأجنبي الذي

اعتنق الإسلام قد يجهل العربية، وربما لا يجد من يعلمه تعاليم دينه تفصيليًّا، وقد

يكون إسلامه مبنيًّا على نتيجة مطالعته وبحثه كما هو الغالب، أو قد يكون الباعث

له على التهاون في أداء فريضة الصلاة أو الصوم هو نفس الباعث للمسلم الأصلي

على إغفال ذلك، على أن بياني هذا ليس معناه أني أبرر ذلك التهاون.

هذا وإني على كل حال أعتقد أن الإيمان بمبادئ الإسلام - وإن تهاون المؤمن

في بعض الفرائض - ليس بخسارة للإسلام [3] ، وبعبارة أخرى إننا إذا استطعنا

إغراء الأجانب بالإقناع والدليل (وحملهم) على اعتناق الدين الإسلامي، ووجدنا

منهم إيمانًا كليًّا بمبادئه، وسيرًا على فرائضه، ورأينا منهم بعد ذلك إهمالاً في أداء

بعض الفرائض كما نرى من كثيرين من المسلمين الأصليين أنفسهم، فلسنا مع ذلك

إلا رابحين فلا ينبغي أن يحملنا هذا على الاستياء المتناهي لدرجة أن يقول قائل: إن

نتيجة كهذه للتبشير الإسلامي غير مرضية أو لا فائدة منها....!

إن رجال الإصلاح كثيرون وفضيلتكم في مقدمتهم، وقد بسطت لكم فيما تقدم

بعض آراء لا أشك في أنه يشاركني فيها جميع أعضاء الجالية الإسلامية في إنكلترا

ولكن إنفاذكم وإنفاذ غيركم من المصلحين لها يحتاج إلى " المال "، فهل نعيش نحن

المسلمين إلى الأبد نعلل أنفسنا بالنجاح والخير حينما نكتشف بابًا جديدًا لذلك، ثم

نفشل لأننا لا نجد مفتاحه، وهو غيرة وكرم أمرائنا وسراتنا؟ ؟

لقد صحت الحكمة القائلة: (إن الله لا يساعد الذين لا يساعدون أنفسهم) ولو

وضعها كل مسلم نصب عينيه، وعمل بها لكان لنا من المنعة والعز ما نحسد عليه،

ولعل كلمتي هذه تصادف آذانًا واعية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

...

...

...

لندن في 15 يناير سنة 1915

...

...

...

...

... مسلم غير متفرنج

(المنار)

نشكر للكاتب غيرته على دينه، وحسن ظنه بنا، ونوافقه على آرائه في

جملتها، ولكن مسألة الإيمان والعمل تحتاج إلى تفصيل وتمحيص، وأرى أن مسلمي

الهند أرجى لخدمة الإسلام من مسلمي مصر، وإن كان يظن بعض الناس أن

الإسلام في مصر أقوى منه في الهند علمًا وعملاً، فمسلمو الهند يعملون لنشر الدين

وخدمته، ويتعاون العلماء والأغنياء منهم على ذلك على ضعف فيه يُرجى أن

يقوى مع الزمان، ولم يوجد في مصر غني بذل مالاً لخدمة دينية محضة، ولا وُجد

عالم تصدى لخدمة دينية محضة جديدة إلا شيخنا الأستاذ الإمام في تصديه

لإصلاح التعليم في الأزهر وملحقاته إلى أن قام من قام بتأسيس الدعوة والإرشاد

وقد لقي هذا المشروع العظيم في مصر أشد المقاومة، وكانت مصلحة الأوقاف

الإسلامية قد نفحته بإعانة قليلة 550 جنيهًا في السنة، مع الوعد بمضاعفتها؛

ولكن وزارة الأوقاف الجديدة قد قطعت هذه الإعانة في هذا العام بعد أن منعت

نصف ما كان مقررًا للعام الماضي، ويظن كثير من المسلمين أن هذا بإيعاز من

الإنجليز، وأنا لا أظن هذا، بل أنا على رأيي القديم في الإنجليز، وهو أن المسلم

يستطيع أن يخدم دينه في بلادهم ومستعمراتهم بحرية قلما يجد مثلها عند غيرهم،

وما آفة الإسلام إلا منافقو أهله وجبناؤهم، وسيفضح ما نكتبه في تاريخ مشروع

الدعوة والإرشاد كثيرًا من هؤلاء المنافقين، ومنهم الذين لا يزالون يكيدون في الخفاء

لِيَحولوا دون مساعدة القصر له، وسيرى مسلمو العالم وغيرهم في هذا التاريخ

الذي هو تاريخ الإصلاح الإسلامي في هذا العصر مقارنة غريبة بين باشوات

الآستانة وباشوات مصر.

أما اقتراحكم ترجمة تفسير المنار بالإنجليزية فيقل في المسلمين من يبذل

المال له؛ لأن أكثر الأغنياء المسلمين أغبياء أخساء، وإنما يبذل بعضهم المال في

المشروعات العامة لأجل الجاه عند الحكام والأمراء، ولا يكاد هؤلاء يلتمسون في

مثل هذا العصر جاهًا، والأفراد العقلاء النبهاء منهم كثرت عليهم طرق البذل في

هذا العصر، ولعل هذا المشروع يُنَفَّذ في الهند يومًا ما، وإني أكاد أجزم بأن هذا

الاقتراح لو عرض على مثل الأمير الجوَّاد الشهير النواب محمد علي راجا محمود

آباد ممن يثق هو بقوله في بيان مكانة التفسير لأَنْفَذَه حالاً، وكيف لا وهو يهب

المدارس بالألوف من الجنيهات، أما أنا فلا أسعى إلى هذا الاقتراح؛ لأن التفسير

لي ولو كان لغيري لسعيت.

ولا أذهب بك بعيدا فهذا مولوي محمد إنشاء الله صاحب جريدة (وطن)

الهندية قد تبرع بمائة مجلد من كل جزء من هذا التفسير لِتُوَزَّع على المساجد في

البلاد العربية، فإذا أعان الله على إتمام التفسير، وإنفاذ تبرعه كانت قيمة ما يدفعه

زهاء ما اقترحت للترجمة، والله الموفق وبيده ملكوت كل شيء.

_________

(1)

حذفنا من مكان النقط لقب " الأستاذ الإمام " الذي صار كالعلم لشيخنا رحمه الله تعالى، وإن كنا جرينا على نشر الرسائل والأسئلة بنصها لأسباب تاريخية وغير تاريخية.

(2)

المراد من هذه العبارة: البطل النبي، أو البطل بصفة النبي أو من حيث هو نبي.

(3)

يريد الكاتب أن ترك المهتدِي إلى الإسلام لبعض العبادات وإن كانت فرائض ليس بخسارة إذا كان صحيح الإيمان بعقائد الإسلام وأصوله.

ص: 73

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌مصاب الهند والعالم الإسلامي

بالشيخ شبلي النعماني

نعى إلينا بريد الهند أشهر علمائها، وأبعدهم شهرة وصيتًا صديقنا الشيخ شبلي

النعماني الملقب بشمس العلماء، صاحب المصنفات النافعة، واليد البيضاء في

الإصلاح، ختم الله تعالى حياته السعيدة في خاتمة العام الماضي (28 ذي الحجة)

وله من العمر 58 سنة، على ما يؤخذ من ترجمته في بعض الجرائد، فإن صح

هذا فقد مات في مثل سن الأستاذ الإمام التي مات فيها، إلا أنه كان لنحافة بدنه

وشيبته يظن أنه من أبناء السبعين، ولم يكن يظهر على الأستاذ الإمام مثل هذا

الكبر وإن عاجله الشيب في سن الشباب، ولعل رائيه كان يظن أنه لم يتجاوز

الخمسين، على أن كلاًّ من الشيخين اللذين تساويا في العمر مات وهو شاب في

علو الهمة، وقوة العزيمة والنشاط في السعي إلى الإصلاح.

كان الشيخ شبلي عالمًا مستقلاًّ لا عالمًا رسميًّا مقلدًا، وكان كأكثر العلماء

المستقلين، والحكماء المصلحين، أستاذ نفسه، وتلميذ همته، تلقى قليلاً عن

الأساتذة؛ ولكنه بجده واجتهاده صار أشهر نوابغ علماء الهند في هذا العصر. نعم

إن فيهم من يُعَدُّون أوسع منه علمًا واطلاعًا في علوم الحديث والفقه والأصول؛

ولكن قلما يوجد من يماثله أو يقاربه في القدرة على نفع الناس بتعليم هذه العلوم أو

التأليف فيها، ولا نعرف له ثَم ضريبًا في إتقان اللغة العربية، وطول الباع،

وحسن الذوق في فهم منثورها ومنظومها، والقدرة على الكتابة في الموضوعات

المختلفة فيها، فأكثر علماء الهند وغيرها من الأعاجم المتأخرين لا يقدرون على

الكتابة العربية الفصيحة إلا قليلاً، وإنما قصارى ما يأتي منهم أن يكتبوا شرحًا أو

حاشية لبعض الكتب المشهورة، أو يؤلفوا رسالة أو كتابًا جديدًا في بعض العلوم

التي يكثرون مدارستها كالفقه والأصول والمنطق والحديث، بحيث يكون جُل ما

يكتبونه مقولاً بنصه من الكتب المؤلفة في ذلك، ومن تجاوز ذلك منهم إلى منظوم

أو منثور كثر غلطه وتكلفه وجاء بالغَثّ الذي لا يكاد يُفْهَم، وأما الشيخ شبلي فقد

كان من نوادر المجيدين منهم: كان قادرًا على الكتابة العربية السليمة من كلفة

العجمة في العلوم والفنون والأدب والتاريخ، كما يُعْلَم من نقده تاريخ التمدن

الإسلامي وغيره.

كان رحمه الله تعالى أمة وسطًا بين أولي التفريط الجامدين على التقاليد

القديمة، وبين أهل الإفراط من المفتونين بالتقاليد الحديثة، إذ كان صاحب مشاركة

صالحة في العلوم الإسلامية تمكنه من التدريس والتأليف فيها بطريقة استقلالية إذا

شاء، وصاحب مشاركة في العلوم الكونية من رياضية وطبيعية واجتماعية عَرَفَ

بها حال هذا العصر، وما يحتاج إليه المسلمون فيه، وقد أتقن علم التاريخ إتقانًا

لعله لا يوجد في العالم الإسلامي كله من يساويه فيه الآن، وقد دخل في أعمال

الحكومة ثم تركها، واشتغل بالتعليم في مدرسة العلوم الكلية في عليكره على عهد

مؤسسها السيد أحمد خان الشهير، وكان من أصدقائه، واشتغل بأمر الجمعيات

العلمية، وساح في الممالك والأقطار، فكان بعلومه وأعماله، وسعة تجاربه

واختباره، وبما أوتيه قبل ذلك من ذكاء الذهن، وعلو الهمة، ومضاء العزيمة،

جديرًا بأن يكون من زعماء الإصلاح، وأن يقوم في وجهه من الخصوم من ينبزه

بلقب الإفساد، ويرميه بالكفر والإلحاد، كما هي سنة الله تعالى في العباد،

وسيعرف أهل وطنه من قيمته بعد وفاته، ما لم يعرفوه له أو يعترفوا به في حال

حياته، وسنذكر في الجزء الثاني ما وصل إلينا من ترجمته، وما يعن لنا من

البحث فيها، والاعتبار بها، رحمه الله تعالى وأحسن عزاء البلاد الهندية والأمة

الإسلامية عنه.

_________

ص: 79

الكاتب: ابن القيم الجوزية

كتاب مدارج السالكين

كلام الصوفية في الوقت

من الجزء الثالث من كتاب مدارج السالكين

قال: ومنها الوقت. قال صاحب المنازل (باب الوقت)

قال الله تعالى {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} (طه: 40)

الوقت اسم لظرف الكون، وهو اسم في هذا الباب لثلاثة معانٍ على ثلاث

درجات [1] : المعنى الأول [2] حين وجد [3] صادق لإيناس ضياء فضل جذبه صفاء

رجاء أو [4] لعصمة جذبها صدق خوف، أو لتلهب شوق جذبه اشتعال محبة) وجه

استشهاده بالآية أن الله سبحانه قدر مجيء موسى أحوج ما كان الوقت إليه، فإن

العرب تقول: جاء فلان على قَدَر. إذا جاء وقت الحاجة إليه، قال جرير:

نال الخلافة إذ كانت على قَدَر

كما أتى ربَّه موسى على قَدَر

وقال مجاهد: على موعد، وهذا فيه نظر لأنه لم يسبق بين الله سبحانه

وبين موسى موعد للمجيء؛ حتى يقال إنه أتى على ذلك الموعد؛ ولكن وجه هذا

أن المعنى جئت على الموعد الذي وعدناه أن ننجزه، والقدر الذي قدرناه أن يكون

في وقته، وهذا كقوله تعالى: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن

قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ

رَبِّنَا لَمَفْعُولاً} (الإسراء: 107-108) لأن الله سبحانه وتعالى وعد بإرسال

نبي في آخر الزمان يملأ الأرض نورًا وهدى، فلما سمعوا القرآن علموا أن الله

أنجز ذلك الوعد الذي وعد به، واستشهاده بهذه الآية يدل على محله من العلم،

لأن الشيء إذا وقع في وقته الذي هو أليق الأوقات بوقوعه فيه كان أحسن وأنفع

وأجدر، كما إذا وقع الغيث في أحوج الأوقات إليه، وكما إذا وقع الفَرَج في وقته

الذي يليق به.

ومن تأمل أقدار الرب تعالى، وجريانها في الخلق علم أنها واقعة في أليق

الأوقات بها، فَبَعَث الله سبحانه موسى أحوج ما كان الناس إلى بعثته، وبعث

عيسى كذلك، وبعث محمدًا صلى الله (عليه وعليهم أجمعين) أحوج ما كان أهل

الأرض إلى إرساله، فهكذا وقت العبد مع الله يعمره بأنفع الأشياء له أحوج ما كان

إلى عمارته.

قوله: (الوقت ظرف الكون) الوقت عبارة عن مقارنة حادث لحادث عند

المتكلمين، فهو نسبة بين حادثين، فقوله ظرف الكون أي وعاء التكوين فهو

الوعاء الزماني الذي يقع فيه التكوين، كما أن ظرف المكان هو الوعاء المكاني

الذي يحصل فيه الجسم؛ ولكن الوقت في اصطلاح القوم أخص من ذلك. قال أبو

علي الدقاق: الوقت ما أنت فيه، فإن كنت في الدنيا، فوقتك الدنيا، وإن كنت

بالعقبى، فوقتك العقبى، وإن كنت بالسرور، فوقتك سرور، وإن كنت بالحزن،

فوقتك الحزن. يريد أن الوقت ما كان الغالب على الإنسان من حاله، وقد يريد أن

الوقت ما بين الزمانين الماضي والمستقبل، وهو اصطلاح أكثر الطائفة، ولهذا

يقولون: الصوفي والفقير ابن وقته. يريدون أن همته لا تتعدى وظيفة عمارته بما

هو أولى الأشياء به، وأنفعها له، فهو قائم بما هو مطالب به في الحين والساعة

الراهنة، فهو لا يهتم بماضي وقته وآتيه، بل بوقته الذي هو فيه، فإن الاشتغال

بالوقت الماضي والمستقبل يضيع الحاضر، وكلما حضر وقت انشغل عنه

بالطرفين فتصير أوقاته كلها فواتًا.

قال الشافعي رضي الله عنه : صحبت الصوفية فما انتفعت منهم إلا

بكلمتين: سمعتهم يقولون: الوقت سيف فإن قطعته وإلا قطعك، ونفسك إن لم

تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل، قلت: يا لهما كلمتين ما أنفعهما، وأجمعهما،

وأدلهما على علو همة قائلهما ويقظته! ويكفي هذا ثناء من الشافعي على طائفة هذا

قدر كلماتهم.

وقد يريدون بالوقت ما هو أخص من هذا كله، وهو ما يصادفهم في تصريف

الحق لهم دون ما يختارونه لأنفسهم. ويقولون: فلان بحكم الوقت. أي مستسلم لما

يأتي من عند الله من غير اختيار، وهذا يحسن في حال، ويَحْرُم في حال،

وينقص صاحبه في حال، فيحسن في كل موضع ليس لله على العبد فيه أمر ولا

نهي، بل في موضع جريان الحكم الكوني الذي لا يتعلق به أمر ولا نهي كالفقر،

والمرض، والغربة، والجوع، والألم، والحر، والبرد، ونحو ذلك، ويَحْرُم في

الحال التي يجري عليه فيها الأمر، والنهي، والقيام بحقوق الشرع، فإن التضييع

لذلك، والاستسلام، والاسترسال مع القدر انسلاخ من الدين بالكلية، وينقص

صاحبه في حال تقتضي قيامًا بالنوافل، وأنواع البر، والطاعة، وإذا أراد الله

بالعبد خيرًا أعانه بالوقت، وجعل وقته مساعدًا له، وإذا أراد به شرًّا جعل وقته

عليه، وناكده وقته فكلما أراد التأهب للمسير لم يساعده [5] الوقت، والأول كلما

همت نفسه بالقعود أقامه الوقت وساعده.

وقد قسم بعضهم الصوفية أربعة أقسام: أصحاب السوابق، وأصحاب

العواقب، وأصحاب الوقت وأصحاب الحق، قال:

(فأما أصحاب السوابق) فقلوبهم أبدًا فيما سبق لهم من الله، لعلمهم أن

الحكم الأزلي لا يتغير باكتساب العبد، ويقولون: مَن أقصته السوابق لم تدنه

الوسائل ففكرهم في هذا أبدًا، ومع ذلك فهم يجدون في القيام بالأوامر، واجتناب

النواهي، والتقرب إلى الله بأنواع القرب غير واثقين بها ولا ملتفتين إليها، يقول

قائلهم:

من أين أرضيك إلا أن توفقني

هيهات هيهات ما التوفيق من قِبَلي

إن لم يكن لي في المقدور سابقة

فليس ينفع ما قدمت من عملي

وأما (أصحاب العواقب) فهم متفكرون فيما يختم به أمرهم، فإن الأمور

بأواخرها، والأعمال بخواتيمها، والعاقبة مستورة كما قيل:

لا يغرنك صفا الأوقات

فإن تحتها [6] غوامض الآفات

فكم من ربيع نورت أشجاره، وظهرت أزهاره، وزهت ثماره، لم يلبث أن

أصابته جائحة سماوية فصار كما قال الله عز وجل {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ

زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا} (يونس: 24) إلى قوله:

{يَتَفَكَّرُونَ} (يونس: 24) فكم من مريد كَبَا بِهِ جواد عزمه (فخر صريعًا لليدين

والفم) وقيل لبعضهم وقد شوهد منه خلاف ما كان يعهد عليه: ما الذي أصابك فقال

حجاب وقع، وأنشد:

أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت

ولم تخف سوء ما يأتي به القدر

وسالمتك الليالي فاغتررت بها

وعند صفو الليالي يحدث الكدر

ليس العجب ممن هلك كيف هلك إنما العجب ممن نجا كيف نجا؟

تعجبين من سقمي

صحتي هي العجب

الناكصون على أعقابهم أضعاف أضعاف من اقتحم العقبة:

خذ من الألف واحدًا

واطرح الكل بعده

وأما (أصحاب الوقت) فلم يشغلوا [7] في السوابق، ولا في العواقب بل

اشتغلوا بمراعاة الوقت، وما يلزمهم من أحكامه، وقالوا: العارف ابن وقته [8] لا

ماضي له، ولا مستقبل، ورأى بعضهم الصديق رضي الله عنه في منامه، فقال:

أوصني، فقال له: كن ابن وقتك.

وأما (أصحاب الحق) فهم مع صاحب الوقت، والأزمان، ومالكهما،

ومدبرهما، مأخوذون بشهوده عن مشاهدة الأوقات، ولا يتفرغون لمراعاة وقت

وزمان كما قيل:

لست أدري أطال ليلي أم لا

كيف يدري بذاك من يتقلى

لو تفرغت لاستطالة ليلي

ولرعي النجوم كنت مخلَّى

إن للعاشقين عن قصر لليل

وعن طوله من العشق شغلا

قال الجنيد: دخلت على السري يومًا فقلت له كيف أصبحت فأنشأ يقول:

ما في النهار ولا في الليل لي فرج

ولا أطال الليل أو قصر

ثم قال: ليس عند ربكم ليل ولا نهار. يشير إلى أنه غير متطلع إلى الأوقات، بل هو مع الذي يقدر الليل والنهار.

***

فصل

قال صاحب المنازل: (الوقت اسم في هذا الباب لثلاثة معان: المعنى الأول

حين وَجْد صادق) أي وقت وجد صادق. أي زمن وجد يقوم بقلبه وهو صادق

فيه غير متكلف له ولا متعمل في تحصيله (يكون متعلقه إيناس ضياء فضل) أي

رؤية ذلك، والإيناس الرؤية قال الله تعالى {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بَأَهْلِهِ

آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً} (القصص: 29)

وليس هو مجرد الرؤية، بل رؤية ما يأنس به القلب ويسكن إليه، ولا يقال لمن

رأى عدوه أو مخوفًا " آنسه "، ومقصوده أن هذا الوقت وقت وجد صاحبه صادق

فيه لرؤية ضياء فضل الله ومَنِّه عليه، والفضل هو العطاء الذي لا يستحقه المعطى

أو يعطى فوق استحقاقه، فإذا آنس هذا الفضل، وطالعه بقلبه أثار ذلك [9] فيه وجدًا

آخر باعثًا على محبة صاحب الفضل، والشوق إلى لقائه، فإن النفوس مجبولة

على حب من أحسن إليها، ودخلت يومًا على بعض أصحابنا وقد حصل له وجد

أبكاه فسألته عنه فقال: ذكرت ما مَنَّ الله به عليّ من السنة ومعرفتها، والتخلص

من شُبَه القوم، وقواعدهم الباطلة، وموافقة العقل الصريح، والفطرة السليمة لما

جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فسرني ذلك حتى أبكاني. فهذا الوجد

أثاره إيناس فضل الله ومَنِّه.

قوله: (جذبه صفاء رجاء) أي جذب [10] ذلك الوجد، أو الإيناس، أو

الفضل رجاء صافٍ غير مكدر، والرجاء الصافي هو الذي لا كدر يشوبه [11] بوهم

معاوضة منك، وأن عملك هو الذي بعثك على الرجاء، فصفاء الرجاء يخرجه [12]

من ذلك بل يكون رجاء محضًا لمن هو مبتدئ بالنعم من غير استحقاق، والفضل

كله له ومنه، وفي يده أسبابه، وغاياته، ووسائله، وشروطه، وصرف موانعه.

كل بيد الله لا يستطيع العبد أن ينال منه شيئًا بدون توفيقه وإذنه ومشيئته.

ويلخص ذلك أن الوقت في هذه الدرجة الأولى عبارة عن وجد صادق سببه

رؤية فضل الله على عبده، لأن رجاءه كان صافيًا من الأكدار.

قوله: (أو لعصمة جذبها صدق خوف) اللام في قوله أو لعصمة معطوف

على اللام في قوله أو لإيناس ضياء فضل، أي وجد لعصمة جذبها صدق خوف،

فاللام ليست للتعليل بل هي على حدها في قولك: ذوق لكذا، ورؤية لكذا. فمتعلق

الوجد عصمة، وهي منعة وحفظ ظاهر وباطن جذبها صدق خوف من الرب

سبحانه، والفرق بين الوجد في هذه الدرجة والتي قبلها أن الوجد في الأولى جذبه

صدق الرجاء، وفي الثانية جذبه صدق الخوف، وفي الثالثة التي تذكر جذبه صدق

الحب، فهو معنى قوله:(أو لتلهب شوق جذبه اشتعال محبة) ، وخدمته التورية

في اللهيب، والاشتعال، والمحبة متى قويت اشتعلت نارها في القلب فحدث عنها

لهيب الاشتياق إلى لقاء الحبيب، وهذه الثلاثة التي تضمنتها هذه الدرجة، وهى

الحب، والخوف، والرجاء، هي التي تبعث على عمارة الوقت بما هو الأَوْلَى

لصاحبه، والأنفع له، وهي أساس السلوك، والسير إلى الله، وقد جمع الله سبحانه

الثلاثة في قوله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ

وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} (الإسراء: 57)

وهذه الثلاثة هي قطب رحى العبودية، وعليها دارت رحى الأعمال، والله أعلم.

***

فصل

قال: (والمعنى الثاني [13] اسم لطريق سالك يسير بين تمكن وتلون؛ لكنه إلى

التمكن ما هو يسلك الحال، ويلتفت إلى العلم، فالعلم يشغله [14] في حين، والحال

يحمله في حين، فبلاؤه بينهما يذيقه شهودًا طورًا ويكسوه عبرة طورًا، ويريه غيرة

تفرق طورًا) هذا المعنى هو المعنى الثاني من المعاني الثلاثة من معاني الوقت

عنده، قوله:(اسم لطريق سالك) هو على الإضافة أي لطريق عبد سالك، قوله:

(يسير بين تمكن وتلون) أي ذلك العبد يسير بين تمكن وتلون، والتمكن هو الانقياد

إلى أحكام العبودية بالشهود والحال، والتلون في هذا الموضع خاصة هو الانقياد

إلى أحكام العبودية بالعلم، فالحال يجمعه بقوته وسلطانه، فيعطيه تمكينًا، والعلم

يلونه بحسب متعلقاته، وأحكامه، قوله: (لكنه إلى التمكن ما هو يسلك الحال،

ويلتفت إلى العلم) يعني أن هذا العبد هو سالك إلى التمكن ما دام يسلك الحال،

ويلتفت إلى العلم [15] ، فأما إن سلك العلم والتفت إلى الحال لم يكن سالكًا إلى التمكن،

فالسالكون ضربان: سالكون على الحال ملتفتون إلى العلم، وهم إلى التمكن أقرب،

وسالكون على العلم ملتفتون إلى الحال وهم إلى التلون أقرب، هذا حاصل

كلامه.

وهذه الثلاثة هي المفرقة بين أهل العلم، وأهل الحال، حتى كأنهما غيران

وحزبان، وكل فرقة منهما لا تأنس بالأخرى، ولا تعاشرها إلا على إغماض،

ونوع استكراه، وهذا من تقصير الفريقين، حيث ضعف أحدهما عن السير في

العلم، وضعف الآخر عن الحال في العلم، فلم يتمكن كل منهما من الجمع بين

الحال والعلم، فأخذ هؤلاء العلم، وسعته، ونوره، ورجحوه، وأخذ هؤلاء الحال،

وسلطانه، وتمكينه، ورجحوه، وصار الصادق الضعيف من الفريقين يسير

بأحدهما ملتفتًا إلى الآخر، فهذا مطيع للحال [16] ، وهذا مطيع للعلم؛ لكن المطيع

للحال متى عصى به العلم كان منقطعًا محجوبًا، وإن كان له من الحال ما عساه أن

يكون، والمطيع للعلم متى أعرض به عن الحال كان مضيعًا منقوصًا مشتغلاً

بالوسيلة عن الغاية، وصاحب التمكين يتصرف علمه في حاله، ويحكم عليه،

فينقاد لحكمه، ويتصرف حاله في علمه فلا بد أن يقف معه، بل يدعوه إلى غاية

العلم فيجيبه ويلبي دعوته، فهذه حال الكُمَّل من هذه الأمة.

ومن استقرأ أحوال الصحابة وجدها كذلك، فلما فرق المتأخرون بين الحال

والعلم دخل عليهم النقص، والخلل، والله المستعان {يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ

لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} (الشورى: 49-50) فكذلك يهب لمن يشاء علمًا، ولمن يشاء حالاً، ويجمع

بينهما لمن يشاء، ويخلي من يشاء منهما.

قوله: (فالعلم يشغله في حين) أي يشغله عن السلوك إلى تمكن الحال؛ لأن

العلم متنوع التعلقات فهو يُفَرِّق، والحال يُجَمِّع، فإنه يدعوه إلى الفناء، وهناك

سلطان الحال، قوله:" والحال يحمله في حين " أي يغلب عليه الحال تارة فيصير

محمولاً بقوة الحال وسلطانه على السلوك فيشتد [17] سيره بحكم الحال، يعني وإذا

غلبه العلم شغله عن السلوك، وهذا هو المعهود من طريقة المتأخرين (إن العلم

يشغل عن السلوك) ، ولهذا يعدون السالك من سلك على الحال ملتفتًا إلى العلم،

وأما على ما قررناه من أن العلم يعين على السلوك، ويحمل عليه، ويكون صاحبه

سالكًا به، وفيه فلا يشغله العلم عن سلوكه، وإن أضعف سيره على درب الفناء،

فلا ريب أن العلم لا يجامع الفناء، فالفناء ليس هو غاية السالكين إلى الله، بل ولا

هو لازم من لوازم الطريق، وإن كان عارضًا من عوارضها يعرض لغير الكُمَّل -

كما تقدم تقرير ذلك - فبينا أن الفناء الكامل الذي هو الغاية المطلوبة، الفناء عن

محبة ما سوى الله وإرادته، فيفنى بمحبة الله عن محبة ما سواه، وبإرادته،

ورجائه، والخوف منه، والتوكل عليه، والإنابة إليه عن إرادة ما سواه، وخوفه،

ورجائه، والتوكل عليه، وهذا الفناء لا ينافي العلم بحال، ولا يشغل عن العلم ولا

يحول بين العبد وبينه، بل قد يكون في أغلب الأحوال من أعظم أعوانه، وهذا

أمر غفل عنه أكثر المتأخرين بحيث لم يعرفوه ولم يسلكوه؛ ولكن لم يُخل الله

الأرض من قائم به، داعٍ إليه.

قوله: (فبلاؤه بينهما) أي عذابه وألمه بين داعي الحال، وداعي العلم،

فإيمانه يحمله على إجابة داعي العلم، ووارده يحمله على إجابة داعي الحال،

فيصير كالغريم بين مطالبين، كل منهما يطالبه بحقه وليس بيده إلا ما يقضي

أحدهما، وقد عرفت أن هذا من الضيق، وإلا فمع السعة يوفي كلا منهما حقه.

قوله: (يذيقه شهودًا طورًا) أي ذلك البلاء الحاصل بين الداعيين يذيقه

شهوده طورًا، وهو الطور الذي يكون الحاكم عليه فيه هو العلم.

قوله: (ويكسوه عبرة طورًا) الظاهر أنه عِبْرَة بالباء الموحدة والعين، أي

اعتبارًا بأفعاله، واستدلالاً عليه بها، فإنه سبحانه دل على نفسه بأفعاله، فالعلم

يكسو صاحبه اعتبارا، واستدلالاً على الرب بأفعاله.

ويصح أن يكون عيرة بالعين المهملة [18] ، والياء المثناة من تحت ومعناه أن

العلم يكسوه عيرة [19] من حجابه عن مقام صاحب الحال، فيعار من [20] احتجابه

عن الحال بالعلم، وعن العيان بالاستدلال، وعن الشهود الذي هو مقام الإحسان

بالإيمان الذي هو إيمان بالغيب.

قوله: (ويريه غيرة تفرق طورًا) هذا بالغين المعجمة ليس إلا، أي ويريه

العلم غيرة تفرق في أوديته، فَيُفَرِّق بين أحكام الحال، وأحكام العلم، وهو حال

صحو وتمييز، وكأن الشيخ رحمه الله يشير إلى أن صاحب هذا المقام يغار

تفرقه [21] من جمعيته على الله، فنفسه تفر من الجمعية على الله إلى تفرق العلم،

فإنه لا أشق على النفوس من جمعيتها على الله، فهي تهرب من الله إلى الحال تارة

وإلى العمل تارة، وإلى العلم تارة، هذه نفوس السالكين الصادقين، وأما من ليس

من أهل هذا الشأن فنفوسهم تفر من الله إلى الشهوات والراحات، فأشق ما على

النفوس جمعيتها على الله، وهي تناشد صاحبها أن لا يوصلها إليه، وأن يشغلها بما

دونه، فإن حبس النفس على الله شديد، وأشد منه حبسها على أوامره، وحبسها

عن نواهيه، فهي دائمًا ترضيك بالعلم عن العمل، وبالعمل عن الحال، وبالحال

عن الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر لا يعرفه إلا من شد مئزر سيره إلى الله، وعلم

أن كل ما سواه فهو قاطع عنه.

وقد تضمن كلامه في هذه الدرجة ثلاث درجات - كما أشار إليه -: درجة

الحال، ودرجة العلم، ودرجة التفرقة بين الحال والعلم، وهذه الثلاث درجات [22]

هي المختصة بالمعنى الثاني من معاني الوقت، والله أعلم.

***

فصل

قال: والمعنى الثالث [23] قالوا: الوقت الحق أرادوا به استغراق رسم الوقت

في وجود الحق، وهذا المعنى يسبق على هذا الاسم عندي لكنه اسم [24] في هذا

المعنى الثالث لحين تتلاشى فيه الرسوم كشفًا لا وجودًا محضًا، وهو فوق البرق

والوجد، وهو يفارق [25] مقام الجمع لو دام وبقي، ولا يبلغ وادي الوجود؛ لكنه

يلقي [26] مؤنة المعاملة، ويصفي عين المسامرة، ويشم روائح الوجود.

هذا المعنى الثالث من معاني الوقت أخص مما قبله، وأصعب تصورًا

وحصولاً، فإن الأول وقت سلوك يتلون، وهذا وقت كشف يتمكن، ولذلك أطلقوا

عليه اسم الحق لغلبة حكمه على قلب صاحبه، فلا يحس برسم الوقت بل يتلاشى

ذكر وقته من قلبه لما قهره من نور الكشف.

فقوله: (قالوا الوقت هو الحق) يعني أن بعضهم أطلق اسم الحق على الوقت،

ثم فسر مرادهم بذلك، وأنهم عنوا به استغراق رسم الوقت في وجود الحق،

ومعنى هذا أن السالك بهذا المعنى الثالث إذا شهد استغراق وقته في وجود الحق

يتلاشى عنه وقته بالكلية، وتقريب هذا إلى الفهم أنه إذا شهد استغراق وقته

الحاضر في ماهية الزمان فقد استغرق الزمان رسم الوقت إلى ما هو جزء يسير

جدًّا من أجزائه، وانغمر فيه كما تنغمر القطرة في البحر، ثم إن الزمان المحدود

الطرفين يستغرق رسمه في وجود الدهر، وهو ما بين الأزل والأبد، ثم إن الدهر

يستغرق رسمه في دوام الرب جل جلاله، وذلك الدوام هو صفة الرب، فهناك

يضمحل الدهر، والزمان، والوقت ولا يبقى له نسبة إلى دوام الرب جل جلاله

البتة، فاضمحل الزمان، والدهر، والوقت في الدوام الإلهي، كما تضمحل الأنوار

المخلوقة في نوره، كما يضمحل علم الخلق في علمه، وقدرهم في قدرته،

وجمالهم في جماله، وكلامهم في كلامه [27] بحيث لا يبقى للمخلوق نسبة ما إلى

صفات الرب جل جلاله.

والقوم إذا أطلق أهل الاستقامة منهم (ما في الوجود إلا الله) أو (ما ثم

موجود على الحقيقة إلا الله) أو (هناك يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل)

ونحو ذلك من العبارات، فهذا مرادهم لا سيما إذا حصل هذا الاستغراق في الشهود

كما هو في الوجود، وغلب سلطانه على سلطان العلم، وكان العلم [28] مغمورًا

بوارده، وفي قوة التمييز ضعف، وقد توارى العلم بالشهود، وحكم الحال، فهناك

يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، وتزل أقدام كثيرة إلى الحضيض الأدنى، ولا

ريب أن وجود الحق سبحانه ودوامه يستغرق وجود كل ما سواه، ووقته، وزمانه،

بحيث يصير كأنه لا وجود له، ومن هنا غلط القائلون بوحدة الوجود، وظنوا أنه

ليس لغيره وجود البتة، وغرهم كلمات مشتبهات جرت على ألسنة أهل الاستقامة

من الطائفة فجعلوها عمدة لكفرهم وضلالهم، وظنوا أن السالكين سيرجعون إليهم،

وتصير طريقة الناس واحدة {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَاّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ} (التوبة: 32) .

وقوله: (وهذا المعنى يسبق على هذا الاسم عندي) يريد أن الحق سابق [29]

على الاسم [30] الذي هو الوقت، أي هو منزه عن أن يُسمى بالوقت، فلا ينبغي

إطلاقه عليه، لأن الأوقات حادثة.

قوله: لكنه اسم في هذا المعنى الثالث لحين تتلاشى فيه الرسوم كشفًا لا

وجودًا محضًا تلاشي الرسوم اضمحلالها وفناؤها، والرسوم عندهم ما سوى الله،

وقد صرح الشيخ أنها إنما تتلاشى في الكشف، لا في الوجود العيني الخارجي،

فإن تلاشيها في الوجود خلاف الحس والعيان، وإنما تتلاشى في وجود العبد الكشفي

بحيث لا يبقى فيه سعة للإحساس بها لما استغرقه من الكشف، فهذه عقيدة أهل

الاستقامة من القوم.

وأما الملاحدة أهل وحدة الوجود، فعندهم أنها لم تزل متلاشية في عين وجود

الحق، بل وجودها هو نفس وجوده، وإنما كان الحس بين الوجودين فلما غاب عن

حسه بكشفه تبين أن وجودها هو عين وجود الحق؛ ولكن الشيخ كأنه عَبَّر بالكشف

والوجود عن المقامين اللذين ذكرهما في كتابه، والكشف هو دون الوجود عنده،

فإن الكشف يكون مع بقاء بعض رسوم صاحبه فليس معه استغراق في الفناء

والوجود لا يكون معه رسم باقٍ، ولذلك قال (لا وجودًا محضًا) فإن الوجود

المحض عنده يُفني الرسوم، وبكل حال فهو يفنيها [31] من وجود الواجد لا يفنيها في

الخارج.

وسر المسألة الواصل إلى هذا المقام يصير له وجود آخر غير وجوده الطبيعي

المشترك بين الموجودات، ويصير له نشأة أخرى لقلبه وروحه نسبة النشأة

الحيوانية إليها كنسبة النشأة في بطن الأم إلى هذه النشأة المُشَاهَدَة في العالم،

وكنسبة هذه النشأة الأخرى.

فللعبد أربع نشآت: نشأة في الرحم حيث لا بصر يدركه، ولا يد تناله،

ونشأة في الدنيا، ونشأة في البرزخ، ونشأة في المعاد الثاني [32] ، وكل نشأة أعظم

من التي قبلها، وهذه النشأة للروح والقلب أصلاً، وللبدن تبعًا، فللروح في هذا

العالم نشأتان: (إحداهما) الطبيعية المشتركة (والثانية) نشأة قلبية روحانية يُولَد

لها قلبه، وينفصل من مشيمة طبعه، وكما وُلد بدنه، وانفصل من مشيمة البطن،

ومن لم يصدق بهذا، فليُضرب عن هذا صفحًا، وليشتغل بغيره. وفي كتاب الزهد

للإمام أحمد أن المسيح عليه السلام قال للحواريين: إنكم لن تلجوا ملكوت

السماء حتى تُولَدُوا مرتين، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول:

هي ولادة الأرواح، والقلوب من الأبدان، وخروجها من عالم الطبيعة كما وُلِدَت

الأبدان من البدن، وخرجت منه، والولادة الأخرى هي الولادة المعروفة، والله

أعلم.

قوله: (وهو فوق البرق والوجد) يعني أن هذا الكشف الذي تلاشت فيه

الرسوم فوق منزلتي البرق والوجد؛ فإنه أثبت وأدوم، والوجود فوقه لأنه يشعر

بالدوام، قوله:(وهو يشارف مقام الجمع لو دام) أي لو دام هذا الوقت لشارف

مقام الجمع، وهو ذهاب شعور القلب بغير الحق سبحانه شُغلاً به عن غيره، فهو

جمع في الشهود، وعند الملاحدة هو جمع في الوجود، ومقصوده أنه لو دام الوقت

بهذا المعنى الثالث لشارف حضرة الجمع لكنه لا يدوم.

قوله: (ولا يبلغ وادي الوجود) يعني أن الوقت المذكور لا يبلغ السالك فيه

وادي الوجود حتى يقطعه، ووادي الوجود هو حضرة الجمع، قوله: (لكنه يلقي

مؤنة المعاملة) يعني أن الوقت المذكور، وهو الكشف المشارف لحضرة الجمع

يخفف عن العامل أثقال المعاملة من قيامه بها أتم القيام، بحيث تصير هي الحاملة،

فإنه كان يعمل على الخبر فصار يعمل على العين، هذا مراد الشيخ، وعند الملحد

أنه يفنى عن المعاملات الجسمانية، ويَرُدّ صاحبه إلى المعاملات القلبية، وقد تقدم

إشباع هذا المعنى.

قوله: (ويصفي عن المسامرة) المسامرة عند القوم هي الخطاب القلبي

الروحي بين العبد وربه، وقد تقدم أن تسميتها بالمناجاة أولى، فهذا الكشف يخلص

عن المسامرة من ذكر غير الحق سبحانه ومناجاته.

وقوله: (ويشم رائحة الوجود) أي صاحب مقام هذا الوقت الخاص يشم

روائح الوجود وهو حضرة الجمع؛ فإنهم يسمونها بالجمع والوجود، ويعنون بذلك

ظهور وجود الحق سبحانه وفناء وجود ما سواه. وقد عرفت أن فناء وجود ما

سواءه بأحد اعتبارين: إما فناؤه من شهود العبد فلا يشهده، وإما اضمحلاله

وتلاشيه بالنسبة إلى وجود الرب، ولا تلتفت إلى غير هذين المعنيين فهو إلحاد

وكفر والله المستعان.

((يتبع بمقال تالٍ))

_________

(1)

قال في المتن (وهو على ثلاث درجات) .

(2)

وقال فيه: الدرجة الأولى.

(3)

وفيه (وجد وجه) إلخ.

(4)

سقطت هذه الجملة من نسخة المتن.

(5)

سقط من قوله (وإذا أراد به شرا) إلى هنا - فنقلناه من ب.

(6)

لعل الأصل (فتحتها) فَبِهِ يستقيم الوزن، أو أن كلمة صفاء ممدودة، وربما كانت العبارة سجعًا؛ ولكنها كتبت في ب كما يكتب الشعر.

(7)

قال في ب بالفكر في السوابق.

(8)

وفيها (الفقر لا ماضي له) إلخ.

(9)

في ب (بذلك) .

(10)

وفيها (جذبه) .

(11)

كانت العبارة عندنا ناقصة فصُححت على ب.

(12)

في ب (يخلصه) .

(13)

في المتن (الدرجة الثانية) .

(14)

في ب (يستعمله) .

(15)

سقطت هذه الجملة من ن فأثبتناه من ب.

(16)

في ن (إلى الحال) وهو غلط.

(17)

وفيها (فيشتمل) .

(18)

في ب زيادة (بالغين المعجمة) .

(19)

وفيها (غيرة) .

(20)

وفيها (فيعار حتمًا احتجابه) إلخ.

(21)

وفيها (تفرقته) .

(22)

كان الظاهر أن يقال: الثلاث الدرجات.

(23)

وفي المتن (الدرجة الثالثة) .

(24)

وفيه (لكنه هو اسم) .

(25)

وفيه وفي ب وفيه (يشارف) وهو الصواب.

(26)

وفيها وفيه (يكفي) .

(27)

لعل الأصل: وكمالهم في كماله.

(28)

في ب (وكان القلب) .

(29)

وفيها (سبحانه) بدل (سابق) وهو غلط.

(30)

وفيها (هذا اسم) إلخ.

(31)

وفيها (ينشيها) وهو غلط.

(32)

كلمة الثاني من زيادة ب.

ص: 108

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌استفتاء أدباء العصر

في بيت من الشعر

ذهب ذاهب، بل كتب كاتب يقول في البيت المشهور الجامع لعيوب الخطيب

في أول كتاب البيان والتبيين للجاحظ:

مليء ببُهرٍ والتفاتٍ وسعلةٍ

ومسحة عُثنون وفَتْل الأصابع

إن ضبط التفات، وما عطف عليه بالجر غلط، صوابه الرفع فيها كلها على أن

(التفات) مبتدأ حُذِف خبره، وما بعده معطوف عليه، فإن كان يوجد أحد يجيز فهمه

وذوقه للغة هذا الضبط فليتفضل ببيان ذلك لنا.

_________

ص: 120

الكاتب: محمد توفيق صدقي

مدرسة دار الدعوة والإرشاد

دروس سنن الكائنات

محاضرات علمية طبية إسلامية للدكتور محمد توفيق صدقي

(4)

والحق أن الأعصاب كلها تربط أجزاء الجسم بعضها ببعض، كما تربط

أسلاك التلغراف بعض الممالك بالبعض الآخر.

تذييل لما تقدم

في الإرادة والروح والقوى العقلية

قلنا إن سبب حركة القلب لا يعلمه أحد إلا الله تعالى، فهي من الخواص التي

وهبها له، وكذلك وهب مثل هذه الحركة الذاتية للخلايا ذات الأهداب المبطنة

لبعض الأغشية كالشعب الرئوية، وللخلايا المتحركة ككريات الدم البيضاء وغيرها،

ولكن هناك فرقًا بين حركة هذه وتلك؛ فإن حركة الكريات لا نظام لها بخلاف

حركة الأهداب فإنها في غاية النظام، وسريعة جدًّا، وهي في انتظامها تشبه انتظام

ضربات القلب، فكل هذه الخلايا تتحرك حركة ذاتية لا يعلم لها سبب مطلقًا، وإن

كان للبيئة تأثير فيها بمثل الزيادة أو النقصان، ولكن نفس الحركة كأنها بإرادة هذه

الخلايا الحية، والحق أنها من أعظم مظاهر إرادتها وحياتها، وهي عامة في كل

الخلايا، نباتية كانت أو حيوانية؛ ولكنها تكون أظهر في بعضها من البعض الآخر

أو تكون كامنة فيه، وهي أدل على إرادة بعضها من بعضها.

ومعنى كون هذه الحركة بإرادة الخلية أنها من عملها الذاتي الذي لا يظهر أن

للبيئة تأثيرًا في إيجاده وإنشائه، فمثلاً تشاهد الكريات البيضاء أو بعض

الميكروبات تتحرك في السائل الواحد، ثم تسكن، ثم تتحرك بدون أي سبب

خارجي، وأحيانًا تتجه إلى جهة ثم تعدل عنها إلى غيرها وهكذا، أي أن عملها

يختلف في البيئة الواحدة، ولا معنى للإرادة سوى هذا.

وكذلك المخ قد يبدأ العمل، ثم يتركه بدون أي سبب خارجي، لا في الحال

ولا في الماضي بحسب ما نعلم، بل بمحض الإرادة والاختيار، وإن عارض ذلك

كثير من الفسيولوجيين.

فالحق أن الإرادة وحرية العمل، هي أكبر خواص الأحياء، وهي أعظم ما

يميزها عن الجماد، وأما زعم بعضهم أن الأعمال كلها ليست إلا أفعالاً منعكسة فهو

لا يمكن إثباته، وما هذا الزعم إلا أثر من آثار التعاليم المادية في نفوسهم.

هذا ولما كانت حياة الجسم كله متوقفة على حياة القلب، فلا يبعد أن تكون

الروح شيئًا مستقرًّا فيه، ولا يبعد أن تكون من عالم الأثير، وبموت القلب تنفصل

عنه، ولا نقول إن الخلايا الأخرى حية بغير شيء كهذا، بل نقول إن حياة القلب

أو روحه هي أكبرها وأعظمها؛ ولذلك قلنا إن روحه هي روح الإنسان؛ لأن عليها

مدار حياته، فهي الروح الرئيسة وغيرها تابع لها.

واعلم أن القشرة السنجابية للمخ هي مركز الشعور العام والإدارة والتعقل،

وإن كان لكل الخلايا الحية مثل هذه الصفات، إلا أنها فيها في الحالة الأثرية، كما

أن الانقباض هو من خواص الخلايا الحية كلها؛ ولكنه في خلايا العضلات أظهر

منه في غيرها، وهكذا يقال في سائر الخواص الأخرى للحياة.

وهناك علاقة كبرى بين قوة المخ فيما ذكر وبين حجمه، وإذا قارنَّا وزنه

بوزن الجسم كله وجدنا أن مخ الإنسان أكبرها بالنسبة إلى جسمه، أما أكبر الأمخاخ

على الإطلاق فهو مخ الفيل والحوت.

ثم إنك تجد أن مخ الذكي أثقل من مخ البليد والأبله، ومخ الرجل أثقل من مخ

المرأة، وقل مثل ذلك في الراقي في العلم والأدب مع المنحط، إلا ما يستثنى من

ذلك.

وكذلك كثرة التلافيف في القشرة السنجابية، وتعقد تعاريجها، وعمق

الميازيب التي بينها كلها أشياء تختلف باختلاف القوى العقلية، فهي تكثر في

الإنسان وتقل أو تنعدم في الحيوانات التي هي دونه رقيًّا، وعند ولادة الطفل يكاد

المخ يكون غفلاً منها، ثم تكثر إلى زمن الشباب والكهولة، وبعده تقل تدريجيًّا حتى

تقارب في أرذل العمر شكل مخ الأطفال.

ويلي مخ الإنسان في كثرة التلافيف وتعقدها مخ بعض أنواع القردة.

ففي المخ روح الإدراك والشعور، وفي القلب روح الحياة ولا يبعد أنهما

أجزاء من روح واحدة، وهذه روح الأحياء ذات الخلية الواحدة (وتسمى الأولى) ،

موزعة على جميع أجزائها بالتساوي، وكلما ارتقينا في سلم الأحياء وجدنا أنها

موزعة على الجسم بدرجات متفاوتة، كما ترى في الإنسان، والله أعلم، {وَمَا

أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلَاّ قَلِيلاً} (الإسراء: 85) .

***

المجموع الدوري للدم

ليس الدم في أجسام الحيوانات واقفًا، بل هو دائر فيها، ولله في ذلك حكمتان

رئيستان، عليهما مدار حياة الحيوان:

(أولهما) توزيع المواد الغذائية وغيرها كالأدوية على جميع أجزاء

الجسم، وكذلك توزيع الأكسجين الذي هو ضرورة للاحتراق الداخلي (التفاعل

الحيوي) .

(وثانيهما) حمل جميع المواد المتخلفة عن التفاعل الحيوي إلى

الأعضاء المختصة بإخراجها من الجسم لضررها عن طريق الكليتين، ومن ذلك

أيضًا حمل ثاني أكسيد الفحم إلى الرئتين لإخراجه إلى الهواء.

والأعضاء المختصة بحركة الدم هي القلب والشرايين والأوعية الشعرية

والأوردة.

أما القلب فهو جسم مخروطي الشكل موضوع في الصدر بين الرئتين أعلى

الحجاب الحاجز وقاعدته إلى الجانب الأعلى الأيمن، وقمته إلى الأسفل الأيسر وهو

محاط بغلاف مصليّ يسمى الشغاف ويسميه الأطباء المتأخرون من العرب

بالتامور.

وفي القلب أربع غرف اثنتان علويتان واثنتان سفليتان، فالأوليان تسميان

أذينين والأخريان تسميان بطينين.

أما الأذين الأيمن ففيه ينفتح (الأجوف الأعلى) و (الأجوف الأسفل) وهما وريدان

عظيمان يجتمع فيهما الدم من الجسم كله ومن البطين الأيمن يخرج شريان كبير

يحمل الدم إلى الرئتين.

وفي جُدُر الأذين الأيسر أربع فتحات لأربعة أوردة: اثنان منها آتيان من

الرئة اليمنى، واثنان من الرئة اليسرى.

ومن البطين الأيسر يخرج شريان عظيم يسمى بالإفرنجية Aorta (أورطى)

وبالعربية الأبهر، وهو أكبر شريان في الجسم يحمل الدم في فروعه إلى جميع

أجزاء الجسم.

وبين الأذين الأيمن والبطين الأيمن فتحة لها صمام (غطاء) يسمح بمرور

الدم من الأولى إلى الثانية، ولا يسمح بالعكس.

وبين الأذين الأيسر والبطين الأيسر فتحة لها صمام أيضًا؛ ولكنها أصغر من

الفتحة المتقدمة ووظيفتها كوظيفة تلك.

وكل من الشريان الرئوي والأبهر له ثلاثة صمامات تسمح بمرور الدم من

القلب إلى الشريان، ولا تسمح بالعكس.

وأعظم أمراض القلب هي التي ينشأ عنها تلف هذه الفتحات بحيث تضيق عن

المعتاد، أو تسمح برجوع الدم إلى عكس المجرى الطبيعي.

والقلب ينقبض من أعلى إلى أسفل؛ فينقبض أولاً الأذينان؛ فيندفع الدم منهما

إلى البطينين، ثم ينقبض البطينان؛ فيندفع الدم منهما إلى الشريان الرئوي من

الجهة اليمنى للقلب، ويندفع الدم إلى الأبهر من الجهة اليسرى للقلب.

وإذا اجتمع الدم الفاسد في الأوردة سار إلى الأجوف الأعلى، والأجوف

الأسفل، وانصب في الأذين الأيمن، ومنه إلى البطين الأيمن، ومنه إلى الشريان

الرئوي، فالرئتين لينصلح هناك (بخروج ثاني أكسيد الفحم منه، ودخول أكسجين

فيه من الهواء) ثم يعود الدم من الرئتين في الأوردة الأربعة التي تصب في الأذين

الأيسر، ومن الأذين الأيسر يندفع الدم إلى البطين الأيسر، ومنه إلى الأبهر

(الأورطى) ومن الأبهر يوزع على جميع أجزاء الجسم كافة، فيحمل إليها دمًا

صالحًا، وتنتهي جميع فروع الأبهر بعروق دقيقة جدًّا يتصل بعضها ببعض كشبكة

وهذه العروق هي المسماة بالشعرية تشبيهًا لها بالشعر، وينشأ منها أوردة صغيرة

(وهي العروق التي يتجمع فيها الدم بعد مروره على جميع أجزاء الجسم ولونه أسود)

وهذه الأوردة الصغيرة يجتمع بعضها ببعض؛ فيتألف منها أوردة أكبر فأكبر حتى

تنتهي إلى الأجوف الأعلى والأجوف الأسفل، وهما أعظم وريدين في الجسم.

ومن ذلك يُعلم أن الشريان هو العرق الحامل للدم الصالح، والوريد هو العرق

الحامل للدم الفاسد، وهذه التسمية صحيحة في الجسم كله ماعدا الشريان الرئوي

فإنه يحمل دمًا فاسدًا، وما عدا الأوردة الأربعة الرئوية؛ فإنها تحمل دمًا صالحًا،

ولذا رأى المشرحون تعريفًا آخر أصح، وهو أن الشريان هو كل عرق يحمل الدم

الخارج من القلب، والوريد كل عرق يحمل الدم الذاهب إلى القلب بقطع النظر عن

صلاحه أو فساده.

ومما تقدم يُعلم أن الدم في دورته في الجسم كله لا يخرج مطلقًا عن العروق

(الشرايين والأوعية الشعرية والأوردة) إلا إذا أصابها حادث تمزقت بسببه فيخرج

إذًا منها، وينسكب حولها، ويسمى ذلك بالرض أو الكدم [1] ، وهو الزرقة التي

تشاهد في الجسم عند ضربه أو اصطدامه بجسم صلب.

ويستثنى من ذلك موضعان ليس فيهما أوعية شعرية، فيسير الدم من

الشرايين إلى تجاويف فيهما، ومنها إلى الأوردة وهما الذكر والطحال، وانصباب

الدم في هذه التجاويف بكثرة في الذكر تُحْدِث انتصابه.

أما الأشياء الصالحة التي في الدم فتخرج مع مائية الدم من خلال جدر

الأوعية الشعرية لتعذية جميع خلايا الجسم.

وأما الكريات الدموية فهي التي تبقى دائمًا في داخل العروق، إلا في الأحوال

الالتهابية، والمواد المائية الخارجة من الأوعية الشعرية تفعل ذلك بطريقة الإسموز

الذي سبق بيانه في علم الطبيعة.

عدد ضربات القلب والنبض:

انقباضات قلب الإنسان تبلغ في الدقيقة الواحدة نحو 70 أو 72 مرة في الذكر

ونحو 80 في الأنثى، وهي في الأجنة والأطفال أكثر منها في غيرهم، وتقل في

الشيوخ، وقد تزيد هذه الانقباضات في كثير من الأحوال، كما في الخوف الشديد

وفي الحميات وغير ذلك، وقد تكون هذه الانقباضات أو الضربات قليلة في بعض

الأشخاص بدون مرض، وهي تضعف في بعض الأمراض وخصوصًا قبيل الموت،

والدورة الدموية تتم في أقل من نصف دقيقة.

وكلما انقبض القلب اندفع الدم منه إلى الشرايين؛ فيحدث فيها امتلاء فجائيًّا

وهو المسمى بالنبض، وهو الذي يجسه الأطباء فوق الرسغ وغيره لمعرفة حالة

ضربات القلب، والنبض لا يُشْعَر به عادة في الأوردة؛ لأن قوة الضغط إذا

وصلت إلى الأوعية الشعرية التي بين الشرايين والأوردة تكون قد قلت، حتى لا

يشعر الإنسان في الأوردة بضغط جديد متكرر كما في الشرايين، وعدد مرات

النبض في الشرايين تعادل تمامًا مرات ضربات القلب وتحدث بعدها مباشرة، إلا

أنها في الشرايين البعيدة تتأخر فترة قصيرة جدًّا عن ضربات القلب.

الدم:

يوجد في جسم الإنسان عادة 1/13 من وزن جسمه دماء، فيكون القدر الذي

في جسم الكهل المعتاد 5 إلى 6 لترات من الدم، وهو سائل أحمر اللون غليظ

يتركب ميكروسكوبيًّا من قسمين الأول الكريات، والثاني ماء الدم وهو المسمى

بالإفرنجية (plasma) .

أما الكريات فهي نوعان: كريات حمراء وهي عبارة عن غشاء رقيق ممتلئ

بمادة حمراء زلالية فيها جزء من الحديد تسمى (الهيموجلبين) ، ويختلف شكل هذه

الكريات الحمراء باختلاف الحيوانات، ففي ذوات الثدي تكون أقراصًا مستديرة

مقعرة من الجانبين ولا نواة لها، ما عدا الجمال فإن كراتها محدبة من الجانبين،

وهو الفرق الوحيد بينها وبين الحيوانات الأخرى الثديية.

أما في الطيور والزواحف والأسماك وذوات الحياتين، وهي التي تعيش في

الهواء والماء [2] ، كالضفادع فكرياتها جميعًا بيضاوية الشكل محدبة من الجانبين،

ولها نواة وحجم هذه الكريات كلها يختلف باختلاف الحيوانات، وأعظم منشأ

للكريات الحمراء هو العظام الإسفنجية كما سبق، وخصوصًا عظام الضلوع وهي

أهم مصدر لها.

وأما الكريات البيضاء، فهي خلايا حيوية ولها نواة واحدة أو أكثر وحركة

ذاتية، بحيث يمكن أن تنتقل من مكان إلى مكان بنفسها، وهي تنشأ من الغدد

اللمفاوية ونحوها كالطحال، وأعظم وظيفة لها أنها تقتل الميكروبات، وتأكلها فتنقي

الدم منها، فإذا أصاب جزءًا من الجسم عارض أحدث فيه التهابًا، ودخل فيه بعض

الميكروبات أسرعت هذه الكريات البيضاء إليها؛ فالتقمتها وقتلتها فإن تغلب

الميكروبات مرض الجسم، وإن نجحت الكريات في قتالها وقت الجسم من شر هذه

الميكروبات، وما يموت منها في أثناء هذا القتال يتجمع في موضع الالتهاب

مختلطًا بغيره، ويسمى بالمِدّة أو الصديد، فأكثر كريات المدة عبارة عن شهداء

هذي الحرب، أي كرات بيضاء ميتة.

أما عدد الكريات الحمراء في الجسم، فهو 5 ملايين كُرية في كل ملليمتر

مكعب من الدم تقريبًا، وأما البيضاء فهي من سبعة آلاف إلى عشرة، وسيأتي في

فصل التنفس الكلام على وظيفة الكريات الحمراء.

وإذا خرج الدم من العروق تجمد، وتجمده يحصل هكذا:

ينفصل من مائية الدم مادة تسمى (الفبرين) أو (الليفين) لأنها كخيوط

الليف؛ فتحيط هذه الألياف بالكريات البيضاء والحمراء، وتنقبض عليها وتكوِّن

الجزء المتجمد الذي يسمى بالعربية العلقة [3](clot) ، وما بقي من ماء الدم

يسمى المصل.

وفي الدم مواد زلالية وسكر (جلوكوز) وأملاح عديدة، ومواد دهنية، وماء

وغير ذلك أما مائية الدم إذا خففت بماء أكثر أو قلَّ، زلالها فتسمى اللمف.

ومما تقدم يُعلم أن الدم في دورته يحمل معه جميع المواد المغذية التي يحتاجها

الجسم، وكذلك يأخذ معه من الجسم المواد التالفة التي تخلفت عن الاحتراق

الجثماني؛ ليوزعها على الأعضاء المختصة بإخراجها من الجسم كالجلد والكُليتين،

وأهم هذه المواد التالفة البولينا، وحامض البوليك والكرياتينين وغير ذلك.

حكم تحريم شرب الدم في الشرائع الإلهية:

(أولها) : أن الدم عسر الهضم جدًّا، حتى أنه إذا انصب جزء منه في

المعدة تقيأه الإنسان، أو يخرج مع البراز بدون هضم على صورة مادة لزجة سوداء،

والسبب في عسر هضمه هذا هو وجود المادة الحمراء الحديدية التي فيه، وفي

أثناء مرور الدم في القناة الهضمية يتحلل ويتعفن؛ وبذلك يضر الجسم أيضًا ومسألة

عسر هضمه المذكورة هنا مشاهدة كثيرًا كلما انصب دم في المعدة بسبب جرح أو

غيره.

(ثانيها) : أن الدم - كما سبق - يحمل كثيرًا من المواد المتخلفة عن الجسم

وهي فضلات له، فلا يصح إعادتها إليه، مع أن الطبيعة اقتضت خروجها منه،

نعم قيل إن البولينا نافعة في السل الرئوي؛ ولكن ذلك لم يثبت إلى الآن، وهي

ليست موجودة وحدها، بل معه أشياء أخرى ضارة.

ولعله إذا ثبت أن البولينا نافعة يكون ذلك أحد أسباب شرب العرب بول

الإبل، وهو يختلف بعض الاختلاف عن بول الحيوانات آكلة اللحم؛ فلهذا ربما

كان نافعًا في بعض الأمراض كما ورد في بعض الأخبار النبوية.

وأعظم اختلاف بين هذا البول وبين الأبوال الأخرى أنه هو وغيره من أبوال

آكلات النباتات قلوي التأثير، مشتمل على كثير من الكربونات، وهي لا شك نافعة

للمعدة وغيرها، مدرة للبول.

(ثالثها) : أنه في كثير من الأمراض العفنة المعدية يوجد في الدم ميكروبات

ضارة جدًّا، وكذا سمومها القتالة؛ فإنها تدور في الدم، فإن قيل لم لا يطبخ الدم

ويؤكل بعد قتل هذه الميكروبات بالغلي، قلت:

1-

إن الغلي يجمد جميع المواد الزلالية التي في الدم؛ وبذلك تصير أشد عسرًا

مما كانت.

2-

إن من هذه السموم ما لا يتغير بالغلي تغيرًا يجعلها صالحة للجسم.

3-

إن بعض الميكروبات إذا تجمد ما حولها من المواد الزلالية التي في الدم

وقتها من فعل النار؛ لأنها موصلة رديئة للحرارة، وأيضًا فإن حبيبات (أي

بزور) الميكروبات تقاوم درجة الغليان بضع دقائق، فإذا لم تمت نمت في جسم

آكل الدم وأمرضته.

أما حقن دم الحيوان في وريد الإنسان، ففيه أنه قد ينقل المرض إليه، أو

يجمد الدم في عروقه، فإن اتقينا هذا وذاك بالطرق العلمية انحلت كريات الدم

الحمراء لاختلاف كثافة الدمين ولغير ذلك ونزلت حمرة الدم في البول وذلك ضياع

له.

ولذلك لا يحقن الأطباء الآن الدم، ويحقنون عادة محلول ملح الطعام، على

أن حقن الدم خارج عن موضوع التحريم.

اللمف والأوعية اللمفاوية:

إذا خرجت مائية الدم من الأوعية إلى أنسجة الجسم عادت إلى الدم ثانية

بطريق الأوعية اللمفاوية، وهذه الأوعية عبارة عن قنوات دقيقة شعرية منتشرة في

جميع أجزاء الجسم، وفيها صمامات عديدة؛ فتحمل جميع مائية الدم التي خرجت

منه وتعيدها إليه.

أما هذه المائية المخففة [4] والمالئة لجميع أجزاء الجسم، فهي المسماة (بالمادة

اللمفاوية) و (لمفا) كلمة لاتينية معناها الماء.

وجميع الأوعية اللمفاوية التي في الذراع الأيمن، ونصف الصدر الأيمن وما

حوى، ونصف الرأس والعنق الأيمن، وأعلى سطح الكبد كلها تجتمع وتصب في

قناة واحدة تسمى (القناة اللمفاوية اليمنى) وهذه تصب في أحد الأوردة التي في

داخل الصدر من أعلى الجانب الأيمن.

أما الأوعية اللمفاوية الباقية فتصب في قناة أخرى عظيمة تسمى (القناة

الصدرية) ، وهي أيضًا تصب في أحد الأوردة في أعلى الصدر من الجهة اليسرى.

ويوجد في طريق جميع هذه الأوعية اللمفاوية غدد من مادة مخصوصة تسمى

(الغدد اللمفاوية) ، ووظيفتها تكوين كريات بيضاء للدم وتصفية جميع المادة

اللمفاوية المارة بها من كل ما فيها من الميكروبات وغيرها، فإذا أصاب أحد أصابع

اليد جرح مثلاً فسد؛ بسبب وجود ميكروبات فيه أحس الإنسان بانتفاخ وألم في

إبطه، وذلك ناشىء من كبر حجم هذه الغدد وانفعالها انفعالاً شديدًا لقتل الميكروبات

الواصلة إليها، فإن تغلبت عليها وإلا تحولت إلى خُرَّاج بسبب موت كثير من

الكريات البيضاء التي فيها من عراكها مع الميكروبات كما سبق.

وهذه المادة اللمفاوية تندفع نحو القلب بسبب ضغط المواد اللمفاوية المتجددة

خلفها، وبسبب حركات العضلات، وأيضًا بسبب انقباض بعض هذه الأوعية

اللمفاوية على ما فيها وغير ذلك، ويمنع رجوع هذه المادة إلى الأنسجة ما في هذه

الأوعية من الصمامات العديدة.

ويوجد في بعض الحيوانات التي تحت رتبة الإنسان (وهي الواطئة)

كالضفادع مثلاً قلوب لتحريك هذه المادة اللمفاوية كقلب الدم الموجود في الإنسان

وغيره.

دم الحيض:

ينشأ دم الحيض من تمزق في أوعية الدم الموجودة في الغشاء المخاطي

المبطن للرحم في كل شهر قمري مرة على الغالب، ويختلط هذا الدم في أثناء

نزوله بمواد مخاطية وأحماض وغير ذلك من مفرزات الرحم وغيره، ولا يعلم

سبب هذا التمزق الشهري إلى الآن، ومن ذلك يُفْهَم أنه ليس دمًا صافيًا نقيًّا، بل

مختلطًا بمفرزات الرحم والمبيضين وغيرهما، وتأثيره في ورق عباد الشمس يدل

على حموضته؛ وإنما حُرِّم الجماع في زمن الحيض للأسباب الآتية:

1-

إن تهييج أعضاء الأنثى بالجماع في هذا الوقت قد يحدث احتقانًا،

فالتهابات رحمية أو مبيضية أو حوضية تضر بصحتها ضررًا بليغًا، وربما نشأ

عن هذا الالتهاب تلف في المبيضين أو مجاري البيوضة يؤدي إلى العقم، وأيضًا فإن

تعريض الأنثى للهواء في هذا الوقت يضر بأعضائها الداخلية وقد يحدث فيها التهابًا.

2-

إن دخول مواد الحيض في مجرى قضيب الرجل قد يحدث فيه التهابًا

صديديًّا في بعض الأحيان، وهذا الالتهاب يشبه السيلان، وقد يمتد إلى الخصيتين

فيؤذيهما وربما نشأ عن ذلك أيضًا عقم الرجل.

فجملة القول: أن الجماع في المحيض قد يُحْدِث عقمًا في الذكر والأنثى،

ويؤدي إلى التهاب أعضائهما الذي يفسد صحتهما، وكفى بذلك ضررًا؛ ولذلك تجد

أطباء العالم المتمدن الآن ينهون عن الجماع في ذلك الوقت، كما نهى القرآن عنه،

فإنه لا شك أذى للرجل والأنثى.

النزف والنزيف:

النزف معناه: خروج الدم من أوعيته (الشرايين والأوعية الشعرية والأوردة)

والنزيف: هو الدم المنزوف، والنزف ثلاثة أنواع:

1-

نزف إلى خارج الجسم كأن ينصب الدم على الأرض مثلاً.

2-

نزف في تجاويف الجسم كأن ينصب في البطن.

3-

نزف في داخل الأنسجة كأن ينصب تحت الجلد، أو في العضلات وهذا

النوع الأخير هو المسمى بالرض، أو الكدم كما سبق.

وسبب النزف هو تمزق العروق بسبب ما كحادث يقطع العرق، أو مرض

يفجره كالدرن أو الزهري أو مرض القلب.

أما النزيف الذي يكون خارج الجسم، أو في تجويفه فالغالب أنه ينتهي

بالموت إذا كان غزيرًا، بشرط أن لا يعوقه عائق يسد العرق الذي يخرج منه الدم،

ففي هذه الحالة لا يموت الشخص، وإنما يصاب بدوار شديد واصفرار، وبعد ذلك

تعود إليه صحته شيئًا فشيئًا كلما تجدد دم بدل الجزء المفقود.

وأما النوع الثالث وهو الذي ينسكب في أنسجة الجسم، فهذا في الغالب لا

يورث ضررًا كبيرًا؛ لأن كمية الدم تكون عادة قليلة بسبب ممانعة أنسجة الجسم

للنزيف، وقد يحدث في مكان الدم خُرّاج.

أما في الحالة الأولى والثانية؛ فإذا فُقِدَ دم كثير من الجسم اشتد الدوار

والاصفرار كما قلنا، ويصاب الإنسان بما يسمى في علم الطب بالهبوط (أو الهمود)

فيغمى عليه، ويضعف نبضه، ويصاب الجسم بعرق بارد، وتبرد الأطراف،

وبعد ذلك يموت الشخص، وقد يتشنج جسمه قبيل الموت.

وأما في النزف داخل الأنسجة؛ فيزرق الجلد إذا كان الدم المنسكب قريبًا منه،

وبعد بضعة أيام تأخذ هذه الزرقة في التلاشي تدريجيًّا، حتى يعود الجسم كما كان

ذلك بأن يمتص الدم المنسكب شيئًا فشيئًا، حتى يعود إلى العروق، وإن كان منحلاًّ

إلا أنه يتركب مرة أخرى في البنية فإن عناصره لم تفقد.

المعالجة:

إذا قُطع عرق انكمش بسبب مرونته، وانقبض فمه بسبب الألياف العضلية

الموجودة في جداره، فيمتنع بذلك النزف إذا كان العرق المقطوع صغيرًا، أما إذا

كان عظيمًا فلا بد من عمل الإنسان لإيقاف النزيف، وإلا هلك الشخص.

ويوجد عدة طرق لإيقاف النزيف بعضها مؤقتة، وبعضها دائمة.

أما المؤقتة فتنحصر في الضغط على المكان الذي يخرج منه الدم، أو ربط

العضو ربطًا شديدًا، مثال ذلك أنا إذا رأينا رجلاً طُعن بسكين في ذراعه، وشاهدنا

دمًا كثيرًا ينزف منه وجب علينا في الحال أن نبحث في الجرح عن مكان خروج

هذا الدم، ونضغط عليه ضغطًا شديدًا بأصابعنا أو بيدنا أو نربط الذراع فوق الجرح.

ولا يترك الضغط أو الربط حتى يحضر الطبيب لإيقاف النزيف بالطرق

العلمية، ولا ضرر إذا استمر الضغط بضع ساعات؛ فإن العضو لا يموت من

الضغط إلا إذا امتنع عنه الدم فوق أربع أو ست ساعات.

وأما الطرق العلمية لإيقاف النزيف فأعظمها، وأهمها ما يأتي:

1-

أن يمسك العرق المفتوح بجفت مخصوص لذلك (أي مقبض)[5] ، ويربط العرق بخيط من حرير أو نحوه مطهرًا تطهيرًا تامًّا بالغلي في الماء.

2-

أن يمسك العرق بالجفت، ثم يلوى الجفت عدة مرات، حتى ينقطع العرق

وبهذه الوسيلة يقف النزيف ما لم يكن الشريان عظيمًا فيفضل ربطه.

3-

أن يمسك العرق إن كان صغيرًا بالجفت، ويترك عليه بضع دقائق، ثم

يرفع الجفت؛ فيقف أيضًا النزيف.

4-

وما يُستعمل في الأوعية الشعرية أو الصغيرة جدًّا هو أن يوضع على

مكان النزف قطعة من الثلج أو شيء آخر بارد؛ فتنكمش الأنسجة، والعروق

فيبطل النزيف.

5-

أن يوضع على مكان النزف ماء حميم (شديد الحرارة) أو يكوى بشيء

محمي بالنار، وقد كان القدماء يوقفون النزيف في الأعضاء المبتورة بوضعها في

الزفت حينما يغلي، ولكنها طريقة وحشية.

6-

أن يحشى المكان الذي ينبعث منه الدم حشوًا جيدًا بقطن أو قماش،

ويربط ربطًا شديدًا، وهذه الطريقة تستعمل كثيرًا في إيقاف الأنزفة من الأعضاء

الغائرة التي لا يمكن ربط عروقها كالرحم مثلاًَ.

7-

أن يوضع على الجرح مواد قابضة، إما مسحوقة، أو محلولة بالماء

أو بغيره كالشب، والقرض، ومغلي الشاي، ومغلي الرمان، والعفص، وماء

الجير وأملاح المعادن كالحديد والنحاس، وغير هذا كثير، وهذه الطريقة قَلَّ أن

تستعمل الآن إلا في الأوعية الصغيرة أو الشعرية.

8-

إذا كان النزف من داخل الأحشاء كالرئة أو المعدة، يجب أن يستلقي

المريض على ظهره، ويمتنع عن كل حركة حتى الكلام، ويوضع الثلج على

العضو الذي ينزف منه الدم، ثم يستدعى الطبيب في الحال.

وأحسن ما يعطيه الطبيب في مثل هذه الأحوال هو مركبات الأفيون

والجويدار (وهو مادة فطرية تسلقية تنمو على نوع من الشعير يسمى الشيلم)

وكلوريد الكلسيوم وغيرها، وهذه الأدوية توقف النزيف، إما بإضعاف ضربات

القلب، أو بقبض أوعية الدم، أو بجعل الدم أقرب إلى التجمد مما كان.

أما النزف في داخل تجاويف الجسم كالبطن مثلاً إذا تمزق عضو فيه؛

فيعرف ذلك بحصول هبوط شديد عقب الإصابة مباشرة أو بعدها بقليل، واصفرار

زائد في جميع الجسم، وصغر في النبض، ومعنى ذلك أن يشعر الإنسان المتمرن

بأن الأوعية الدموية ليست بممتلئة بالدم كالمعتاد، وإذا جس البطن في مكان

الإصابة وجد فيه انتفاخًا وألمًا وأصمية يعرفها الطبيب عند القرع، وإذا كانت

المعدة أو الأمعاء هي المصابة تقيأ الشخص دمًا أو وجد في برازه؛ وإذا كانت

الإصابة في الكُلية وما يتبعها بال الشخص دمًا.

فهذه العلامات وأمثالها تدلنا على النزيف الداخلي، فالإسعاف الواجب في مثل

هذه الحالة أن يُلقى الشخص على الأرض، وترفع كل الوسائد من تحت رأسه

وتدفأ أطرافه السفلى، ويؤمر بالامتناع عن كل حركة حتى الكلام، ولا بأس من

وضع شيء بارد على البطن إذا كانت الإصابة فيه.

ثم يستدعى الطبيب في الحال، ولا حيلة للطبيب في مثل هذه الحالة إلا عمل

عملية عظمى بأسرع ما يمكن، وفيه يفتح البطن وتربط الأوعية النازفة، وتخاط

جميع الجروح، وينظف البطن من الدم الذي انسكب فيه.

أما علاج النزف تحت الجلد، أو في العضلات فيكون بوضع أشياء مبردة

على موضع الإصابة؛ فإنها تقبض الأوعية، وتعوق النزف أو تمنعه، وإذا لم

توجد هذه الأشياء المبردة، فالأحسن ربط العضو فإن ذلك أيضًا يوقف النزف

بسبب الضغط، ويجب إراحة العضو المرضوض كمال الراحة.

ومن الخطأ وضع الأشياء الدافئة على المكان المرضوض والدلك في أول

الأمر؛ فإن ذلك مما يزيد في النزف، ولا بأس من وضع الأشياء الدافئة بعد مضي

عدة أيام لمساعدة امتصاص الدم المنسكب.

أما علاج البنية بعد إيقاف النزيف فيكون كما يأتي:

يوضع الشخص بحيث يكون الرأس منخفضًا عن باقي الجسم، ويدفأ تدفئة

تامة، وتدلك أطرافه، ويستحسن أن تلف بلفائف من أسفل إلى أعلى، والغرض

من ذلك كله دفع الدم إلى الدماغ، ثم يُعطى كميات كبيرة من المرق أو اللبن أو

الماء ليشربه، وتعطى له أيضًا بعض المنعشات، وأحسنها الخمر والقهوة والشاي

أو محلول النوشادر المخفف (من 10 إلى 20 نقطة) أو الأثير (من 10 إلى 30

نقطة) ويحترس من تصاعد الأثير في الهواء؛ فإنه إذا وصلت إليه النار أحدث

فرقعة عظيمة خطرة، وكذلك إذا استنشقه شخص بمقدار عظيم تحصل له غيبوبة

تامة.

وللطبيب في هذه الحالة أن يحقن المصاب تحت الجلد بمادة الإستركنين

(بمقدار مليجرام إلى ثلاثة) أو بسترات القهوين أو البنين (بمقدار ربع أو نصف

جرام) ويحقن أيضًا بمحلول ملح الطعام بنسبة سبعة جرامات ونصف في كل لتر

(أي قدر ملعقتين صغيرتين في رطلين من الماء تقريبًا) ، ويحقن برطلين إلى ثلاثة

فأكثر من هذا المحلول تحت الجلد، أو في الشرج أو في الأوردة، والغرض من

هذا الحقن ملء أوعية الدم بسائل بدل الدم المنزوف؛ ليستمر القلب في عمله،

وليتغذى الدماغ بما بقي من الدم في الجسم، ويسمى ذلك المحلول بمحلول الملح

الطبيعي أو بالمصل الصناعي.

ويجب الاحتراس من عمل هذه الأدوية المنعشة، والحقن المالئة للعروق قبل

إيقاف النزيف بالطرق العلمية السابقة، وإلا فإن النزف يعود ثانية إذا امتلأت

العروق بالسوائل وانتعش القلب، ويكون في هذه الحالة أشد خطرًا على الشخص.

ويقسم النزف باعتبار وقت حصوله إلى ثلاثة أقسام:

1-

ابتدائي: وهو الذي يحصل من الإصابة نفسها.

2-

انتعاشي: وهو الذي يحدث بعد انتعاش الجسم إذا لم تربط الأوعية.

3-

ثانوي: وهو الذي يحصل بعد مضي 24 ساعة من حصول الإصابة؛

بسبب أن الطرق التي أجريت لإيقاف النزيف لم تكن محكمة، أو كانت عفنة، أو

كان الشخص مصابًا بالزهري أو غيره، فيُفَك الخيط الذي رُبط به الشريان أو

يسقط، أو يتقرح الشريان المربوط بسبب عدم تطهير الخيط، أو يحدث غير ذلك

غالبًا، ولا يتدفق النزف الشرياني، ولون الدمين مختلف، فالشرياني أحمر،

والوريدي يميل إلى السواد، ويعالج قبل حضور الطبيب بربط العضو من أسفل

الجرح، لا من أعلاه، وباقي العلاج هو كما في النزف الشرياني.

الرعاف:

الرعاف نزف يحصل من باطن الأنف وأسبابه عديدة تنحصر في نوعين:

1-

أسباب عرضية: وهي التي تحدث من إصابة الأنف بصدمة أو غيرها تجرحها أو تكسر عظامها.

2-

أسباب مرضية: وهي أيضًا نوعان:

أ- موضعية وهي إصابة الأنف نفسه بمرض كالزهري أو الدرن أو التهاب

غشائها المخاطي التهابًا حادًّا شديدًا (وهو المسمى بالزكام) .

ب - عمومية: وهي كثيرة منها أمراض الدم كالإسكربوط [6] والأرجوانية

(الفرفورة)[7] والصفار (الأنيميا) وبعض الحميات العفنة (مثل الحمى الراجعة)

وكأمراض القلب والكبد والكُلى.

وقد يحصل الرعاف في الأطفال والفتيات والفتيان، ولا يُعلم له سبب سوى

رقة أنسجة أجسامهم، فكثيرًا ما تشاهد بعض البنات في سن البلوغ يحصل لها

رعاف كثير، ويتكرر ذلك عدة سنين حتى إذا كبرت زال من نفسه.

وفي جميع تلك الأحوال السابقة سواء أكانت موضعية أم عامة يحصل النزف

بتمزق شريان، أو وريد صغير في غشاء الأنف المبطن له، ويكثر تمزيق عرق

صغير يُشاهد في الجزء الأمامي الأسفل الحاجز بين المنخرين.

المعالجة:

تختلف باختلاف سبب النزيف - ففي الرعاف العادي للأطفال والشبان يجلس

الشخص، وتُرفع ذراعاه حتى تكون أعلى من رأسه، ويوضع الثلج على قفاه،

ويستنشق الماء البارد، أو أي محلول قابض كالشب أو مغلي الشاي باردًا وغير

ذلك كثير، فإن تعاص الرعاف بعد ذلك يحقن الراعف بشيء قليل من خلاصة

الجويدار تحت الجلد، أو يحشى الأنف حشوًا جيدًا بالموصلي (الشاش) المغموس

في شيء قابض كالدّرمتول [8] أو الشب وغيره، وإذا لم يوجد شيء من ذلك، وكان

النزف من جزء قريب أمكن إيقافه بالضغط على الأنف نفسه، أو بإدخال قطعة من

القطن بجفت أو نحوه والضغط بها على العرق النازف.

***

جهاز التنفس

الغرض من التنفس دخول هواء صالح إلى الرئتين ليتحد أكسجينه بالدم فيهما؛

فينصلح بذلك، وبخروج بعض أشياء ضارة منه أهمها غاز ثاني أكسيد الفحم.

فإذا دار الدم في الجسم حمل إليه هذا الأكسجين؛ فإنه ضروري جدًّا للاحتراق

اللازم لحياة الجسم.

ومجاري الهواء هي الأنف، ثم الحلق، ثم الحنجرة، ثم القصبة الهوائية، ثم

الشعبتين، ثم الشعب الكبيرة، ثم الشعب الصغيرة، ثم التجاويف القمعية، فالخلايا

الهوائية، أو الحويصلات الرئوية.

وإنما بدأنا بالأنف؛ لأنه هو المسلك الطبيعي للتنفس لا الفم، وذلك لأن في

الأنف شعرًا ينقي الهواء من بعض قاذوراته، وميكروباته، وفيه أيضًا أجزاء

مخصوصة ممتلئة بالدم؛ فتسخن الهواء قبل وصوله إلى الرئتين، وأما إذا كان

التنفس من الفم؛ فإن الهواء يكون حاملاً لكثير من الميكروبات والقاذورات الضارة

بالرئتين وبالجسم كله، ولا يسخن الهواء بمروره من الفم كسخونته إذا مر بالأنف

فيكون أبرد؛ فيحدث سعالاً إذا وصل إلى الرئتين، أو التهابًا في الحنجرة أو

الشعب الرئوية.

ولذلك يجب حتمًا تعويد الناس عدم التنفس إلا من الأنف خصوصًا وقت

نومهم في الليل.

أما الحلق أو الحلقوم: فهو تجويف متصل بالأنف والفم والحنجرة والمريء

(البلعوم) وموضعه خلف تجويف الفم، ويمر به الطعام والشراب وهواء التنفس.

وأما الحنجرة فهي جهاز الصوت، وموضعها في أسفل الحلقوم وفي الجزء

الأمامي من العنق، وهي محاطة بغضاريف تحمل حبلين يسميان (الحبلين

الصوتيين) وهما أقصر في النساء منهما في الرجال، وبينهما فتحة ضيقة لمرور

الهواء منها، وفي أعلاها قطعة كاللسان تشبه الغطاء تسمى (لسان المزمار) تساعد

على منع دخول أي شيء في الحنجرة أثناء البلع.

والحبلان المذكوران هما اللذان يُحْدِثان الصوت؛ بسبب اهتزازهما إذا اندفع

الهواء من بينهما، ويتنوع الصوت بمروره في تجويف الحلق والفم والأنف،

والكلام عبارة عن تقطيع هذا الصوت المتولد من اهتزازهما؛ فيتقطع بالشفتين

واللسان وغيرهما، وهذا الاهتزاز يحدث تماوجًا في الهواء [9] يتصل إلى طبلة

الأذن فيسمعه الإنسان.

ونجد في أسفل الحنجرة القصبة الهوائية، وهي منفصلة عن المريء انفصالاً

تامًّا، وتمتد من الفقرة الخامسة العنقية إلى نقطة أمام الفقرة الثالثة الظهرية، وهناك

تنقسم إلى قسمين لكل رئة قسم، وهما الشعبتان.

وكل شعبة منهما تمتد إلى الرئة، وتنقسم إلى عدة أقسام، وكل قسم إلى أقسام

أخرى كالشجرة، إلى أن تنتهي بشعب صغيرة جدًّا، وهذه الشعب الصغيرة تنتهي

بتجاويف صغيرة قمعية الشكل، وهي المسماة بالتجاويف القمعية، وفي حيطان هذه

التجاويف أبواب للخلايا الهوائية، أو الحويصلات الرئوية، ومن هذه الأبواب ما

يوصل إلى خلية واحدة، ومنها ما يوصل إلى عدة خلايا مجتمعة معًا وهو الأكثر.

وجميع المجاري التنفسية مبطنة بغشاء مخاطي لخلاياه السطحية أهداب (ما

عدا الحويصلات والتجاويف القمعية) تتحرك من أسفل إلى أعلى، ووظيفتها طرد

ذرات التراب وغيره إلى الخارج، ومن التجاويف القمعية تتكون فصيصات الرئة.

وصف الرئتين:

الرئة اليسرى مكونة من جزأَيْنِ عظميين يسميان الفصين، واليمنى مكونة من

ثلاثة فصوص كبيرة، وهذه الفصوص مركبة من الفصيصات المذكورة.

وكل رئة مغطاة بغشاء مصلي يسمى (البليورا) كأنه كيس مختوم من جميع

جهاته انبعج بدخول الرئة فيه؛ ولذلك يغطى سطحها بطبقة منه، والطبقة الأخرى

تغطي الضلوع، والبليورا كلمة يونانية معناها الجنب.

أما الدم فيصل إلى الرئتين بواسطة الشريان الرئوي الذي سبق ذكره، وهناك

ينقسم الشريان إلى عدة فروع، حتى تصير شعرية، وهذه الأوعية الشعرية منتشرة

في حيطان جميع الحويصلات الرئوية والتجاويف القمعية، وليست متصلة بالهواء،

وإنما يصل إليها الأكسجين، ويخرج منها غاز ثاني أكسيد الفحم وغيرهما بطريقة

الإندوسموز، والإكسوسموز، وقد سبق تفصيلهما (في صفحة 24من هذا الكتاب)[**]

فإذا انقطع ما بين الدم الذي في هذه الأوعية الشعرية والهواء حدث نزف رئوي.

واعلم أن الرئتين في الصدر كأنهما في صندوق مغلق من جميع جهاته ما عدا

فتحة واحدة وهي الحنجرة المتصلة بالفم والأنف، ولبيان كيفية حصول التنفس

نقول:

إذا فرض أن هذا الصندوق كان كيسًا من جلد أو نحوه، وشُدَّت جوانب هذا

الكيس حتى اتسع تجويفه دخل الهواء بقوة الضغط الجوي؛ ليملأ هذا التجويف

المستجد، فإذا حال بينه وبين إتمام غرضه شيء آخر تمدد أمام الهواء، وإلا انفجر،

وهذا هو عين ما يحصل في الصدر؛ فإنه يتسع فيدخل الهواء إلى الرئتين

فيمددهما في أثناء الزفير (وهو جذب الهواء إلى الصدر) فإذا انتهت حركة الزفير

عادت الرئة إلى حجمها الأصلي بسبب مرونتها فخرج الهواء منها، ويسمى

خروجه منها بالشهيق.

كيفية تمدد الصدر واتساعه:

اعلم أن الضلوع متصلة بالعمود الفقري من الخلف، ومتجه كل منها إلى

الأمام والأسفل، فإذا انقبض ما بينها من العضلات ارتفعت هي والقفص؛ فاتسع

بذلك تجويف الصدر من جميع جوانبه.

وهناك عضلة شهيرة تفصل الصدر عن البطن تسمى (بالحجاب الحاجز)

وهي مقعرة من أسفلها ومحدبة من أعلاها كالقبة.

فإذا انقبضت هذه العضلة تحول تقعيرها إلى مسطح، ونزلت إلى البطن

فضغطت على الأحشاء كالكبد والطحال والمعدة، وبذلك يتسع الصدر في قطره

الرأسي.

ومما تقدم يُفْهَم أن الصدر في التنفس يتسع من جميع جهاته بارتفاع الضلوع

وبانخفاض الحجاب الحاجز فيضغط الهواء - كما قلنا - على الرئتين فيتسعان أمامه.

فترى من هذا أن الرئتين لا تتسعان بنفسهما، بل بحركة الصدر، فإذا فُرض

أن الصدر اخترق من أحد الجنبين مثلاً، بطل عمل رئة هذه الجهة لدخول الهواء

من الخرق، فإذا اخترق الجنبان مات الشخص في الحال بانطباق الرئتين، وبطلان

التنفس.

وحركة التنفس هذه وإن كانت تابعة للإرادة، إلا أن لها أعصابًا تفعلها بدون

إرادة الإنسان أو علمه، ومركز هذه الأعصاب هي (البصلة أو النخاع المستطيل)

وهي الجزء الذي بين النخاع الشوكي والمخ، ويسمى هذا المركز بمركز الحياة،

وتنبعث إليه منبهات في هذا المركز فتجري في الأعصاب المحركة لعضلات

الصدر، ولذلك نرى أنه إذا صُب الماء البارد على الجسم اشتدت حركة التنفس،

وكذلك إذا مس الهواء جسم الطفل المولود ابتدأ تنفسه.

أما الذي يحمل مركز التنفس على العمل الدائم في الحالة الطبيعية فأمران:

1-

حالة الدم، فإذا كثر أكسجينه استراح المركز من العمل، وإذا زاد في الدم

غاز ثاني أكسيد الفحم تهيج المركز للعمل، وقيل: إن الذي يهيجه هو نقص الأكسجين

من الدم، وهذا القول الأخير هو الراجح الآن عند علماء الفسيولوجيا.

2-

تمدد الرئتين بالهواء يحمل هذا المركز على إيقاف عمله؛ فترتخي

العضلات، وارتخاء العضلات الذي يتبعه هبوط الرئتين يحمل المركز على العمل؛

فتنقبض عضلات التنفس وهلم جرّا.

وهذا وما قبله هو السبب في حصول التنفس، ولو كان الإنسان نائمًا أو

مخدرًا بالكلوروفورم أو غيره.

ومما تقدم يُفهم معنى الحديث القائل: (ما ملأ ابن آدم وعاء شرًّا من بطنه،

بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلاً، فثلث لطعامه وثلث

لشرابه، وثلث لنَفَسه) .

فإن امتلاء المعدة يعوق نزول الحجاب الحاجز، ويضغط عليه، وعلى القلب

وبذلك يحصل عسر في التنفس، وضيق في الصدر، وخفقان في القلب.

أما عدد مرات التنفس في الدقيقة الواحدة فيختلف من 14 إلى 18 مرة في

الشبان، وحركة التنفس تختلف في الأطفال عنها في الرجال وفي النساء، ففي

الأطفال يحصل تنفسهم على الأكثر بنزول الحجاب الحاجز؛ فيضغط على الأحشاء؛

وبذلك يرتفع البطن، ويسمى هذا الضرب من التنفس (بالتنفس البطني) ، أما

في الرجال فأكثر حركة التنفس تُشاهد في الجزء الأسفل من الصدر مع بروز البطن

أيضًا، وفي النساء تشاهد الحركة على الأكثر في الجزء العلوي من صدرهن.

ويختلف أيضًا عدد مرات التنفس باختلاف الأعمار وبالراحة والتعب

وبالصحة والمرض، فيكون في الصغار، وفي الحميات وغيرها أكثر، وكذا بعد

التعب الجسماني أو الانفعال النفساني.

(يتبع)

((يتبع بمقال تالٍ))

_________

(1)

الرض: لغة الدق، والكدم: العض، وفي اصطلاح أطباء هذا العصر يطلق الأول على النزف تحت الجلد من الأوعية الكبيرة، والثاني عليه من الأوعية الصغيرة.

(2)

تسمى باليونانية وغيرها amphibia ومعنى amphi (كلتا) و bios (حياة) وهي تعيش

في البر والبحر.

(3)

يسمى أول طور من أطوار الجنين أيضًا بالعلقة؛ لأنه مركب من عدة خلايا (كريات) ناشئة من انقسام البويضة، وتكون قطعة جامدة كعلقة الدم.

(4)

نظرًا لعسر مرور المواد الزلالية خلال الأغشية بطريق الإسموز - كما سبق بيانه - كانت هذه المائية مخففة لقلة الزلال فيها لذلك السبب.

(5)

أرى أن الأحسن تسمية مثل هذا المقبض بالحاسم؛ لأنه يقطع الدم.

(6)

الإسكربوط مرض يحصل من عدم أكل النباتات والخضروات، أو أكل الأشياء المتعفنة، وأعراضه ضعف وتقرح في اللثة، ونزف من أجزاء كثيرة من الجسم، وفي منسوجها.

(7)

مرض يشبه الإسكربوط ويختلف عنه بعدم تقرح اللثة، وقلة فساد الصحة وبسببه وغير ذلك.

(8)

مادة مطهرة قابضة صفراء، وهي تحت عفصات البزموت، والكلمة يونانية معناها الجلد لنفع هذه المادة في بعض أمراضه.

(9)

لا بد لانتقال الصوت من وسط مادي غير الأثير يجري فيه، ولذلك لا يسمع الصوت في الفراغ فلا ينتقل من كوكب إلى كوكب كالنور، وهو أسرع سيرًا في الجامد منه في السائل، وفي السائل منه في الغاز.

(*) أي ما يطبع منه على حدة.

ص: 121

الكاتب: عن جريدة الأفكار العربية

‌الحق والقوة [*]

وبحث فلسفي عنهما بمناسبة الحرب الحاضرة

أو: درس ضروري لنا نحن السوريين خصوصًا

والشرقيين عمومًا

الجنرال فون برنهاردي قائد مجرب، له مكانة سامية في الجيش الألماني،

كما أنه عالم طبيعي شهير له مصنفات شتى في علم الأحياء (بيولوجيا) يُرْجَع

إليها، ويُسْتَقَى منها، وقد أصدر هذا الجنرال كتابًا في سنة 1913 دعاه (المنطق

والمبادئ في الحروب) ضمنه آراءه في الحرب، ووجوب الالتجاء إليها عادًّا إياها

فضيلة، فكان هذا المؤلَّف موضوع الأحاديث في الأندية العلمية والسياسية في

العالم بأسره، وزادت أهميته بعد إعلان الحرب الكبرى الحاضرة؛ لأن كثيرًا

من الأعمال الألمانية فيها أتت مصداقًا لما ورد في ذلك الكتاب - كأن أركان حرب

ألمانية كلهم هم الذين أنشأوه لا فردًا واحدًا من قوادهم.

ولما أكثرت المجلات العلمية والسياسية من البحث في هذا الكتاب، وتعاليمه

تصدت مجلة القرن التاسع عشر الشهيرة لنقده، فنشرت مقالة بليغة مسهبة في

عددها الأخير عنوانها " الحق والقوة " أردنا تعريبها والتعليق عليها؛ لأننا نحن

الشرقيين صرنا أحوج أمم الأرض إلى تعاليم الجنرال فون برنهاردي، وأشدهم

افتقارًا إلى من يذيعها بيننا، بعد أن شبعنا من التعاليم الأكليريكية، والمبادئ

الخيالية التي أذلتنا، وغيرنا عزَّ، وأفقرتنا، وغيرنا اغتنى، وأضعفتنا، وغيرنا

قوي وأفلح.

قالت مجلة القرن التاسع عشر:

اشتهر كتاب الجنرال فون برنهاردي الأخير لأنه لم يتضمن أبحاثًا سياسية

فقط، بل تضمن أيضًا أبحاثا فلسفية، وعمرانية، واجتماعية، تشهد له بالجرأة،

وطول الباع، وإننا في نقدنا فلسفةَ الاجتماع، ومبادئها الواردة في ذلك الكتاب

نحصر كلامنا فيما له علاقة بالحرب الحاضرة من تلك المبادئ، وأيضًا لما نحن

بصدده الآن ننشر أولاً أهم تلك التعاليم التي نرى برنهاردي يبشر بها وهي

مقتطفات من كتابه الآنف الذكر:

1-

تنازع البقاء:

قال: إن التنازع لأجل البقاء هو الناموس الأولي الذي لا مفر منه،لا في المجتمع الإنساني فقط، بل في العالم الحيواني بأسره، وبموجب هذا الناموس لا

يمكن إحراز النجاح والارتقاء من دون استئصال العضو الضعيف من المجتمع

فالضعيف - إذن - يجب أن يهلك ويفنى. بيد أن المجتمع البشري يختلف عن

غيره من المجتمعات الحيوانية في أن الإنسان له حياة فردية، وحياة عمومية معًا،

وهذه الأخيرة مرتبطة بالوطن الذي ينتمي الفرد إليه، ولذلك فإن ناموس تنازع

البقاء وبقاء الأنسب لا ينطبق تمام الانطباق على الإنسان، كما ينطبق على الحيوان؛

لأن الواحد من الحيوان لا ينظر إلا إلى مصلحته الخاصة فقط، أما الفرد البشري

- المرتبط بمجموع الأمة المنتمي هو إليها - فعليه نوع من المسؤولية نحو تلك

الأمة من حيث هي مجموع منتظم، والأمة - وهي مجموع أفراد - لا حياة لها إلا

بالتنازع أيضًا؛ ولكنها في هذا الجهاد يجب أن تلتجئ إلى نظام موافق، أو شريعة

عادلة تسري على الكل من دون تمييز، حتى إذا تعارضت مصلحة الفرد ومصلحة

الأمة، كان على الفرد أن يضحي بمصلحته الخاصة إذا اقتضت المصلحة العمومية

تضحيتها [1] أي أن المنفعة الشخصية يجب أن تضحي على مذبح المنفعة العمومية

عند الحاجة، وفي الهيئات الراقية المنظمة.

2-

القوة المحسوسة واجبة لحفظ المجتمع:

هذا من النظرة الشخصية الفردية، أما من النظرة العمومية فالمسألة فيها نظر

لأن الأمة الواحدة في أثناء معاملاتها مع سائر الأمم لا يجوز لها أن تسير بموجب

المبدأ الآنف الذكر، أي مبدأ تضحية الواحد لأجل الخير العام عند الحاجة إلى ذلك

بل يجب على الأمة كمجموع منظم أن تفسر الحق والعدالة تفسيرًا آخر يلائم

مصلحتها كما سترى.

لا يمكن تنظيم أمة ما لم يجتمع عدد كبير من أفراد تلك الأمة تحت لواء

المصلحة المشتركة بينهم، ومن العبث اجتماع البشر كلهم في أمة واحدة تحت نظام

واحد؛ لأن هذه النظرية لا يمكن تطبيقها. وتأليف أمم صغيرة ضعيفة غير

مستحيل غير أن حالة مثل هذه الأمم الصغيرة تستوجب الشفقة؛ لأن وجودها

مخالف للناموس الطبيعي، أي أن ليس لها حق الوجود، ودونك البرهان الحسي

العملي المعقول:

المقدمة المنطقية الأولى: إن البشر مضطرون بحكم نمو عددهم المضطرد

إلى تأليف جماعات طبقًا لناموس التعاون؛ ولكن هذه الجماعات تكون متباينة لا في

الكمية فقط، بل في الكيفية أيضًا.

المقدمة المنطقية الثانية: إن اختلاف العناصر، وعوامل الإقليم، والمناخ

وجدت منذ الأزل، وسوف تبقى بحكم الطبع إلى الأبد.

النتيجة المنطقية الثابتة: لذلك وجب تباين الأمم بعددها، وأنواعها؛ بسبب

تباين الأجناس، والألوان، والأخلاق، والعوامل الطبيعية من جيوغرافية وغيرها

من العوامل الخارجية، أي أنه وجب وجود أمم ضعيفة بين أمم قوية بحكم الطبع.

ولما كان ناموس تنازع البقاء - وهو ناموس طبيعي ثابت - يجبر الأمم على

حفظ كيانها، وعلى تقوية ذلك الكيان على حساب الضعيف من جيرانها [2] ، كان

من الضروري وجود ذلك التنازع بين الأمم الضعيفة، والأمم القوية، لذلك قلت

إن الأمم الضعيفة تستوجب الشفقة؛ لأنه لا حق لها بالوجود - ومن المستحيل

دوام وجودها، وهي عرضة لخطر الاضمحلال في كل حين بسبب التنازع

الطبيعي بينها، وبين القوي من جيرانها، ولا بد للقوي من استعمال قوته، وهذا

الاستعمال هو الحرب بأبسط معانيه، وأقول - بعبارة أوضح -: إن كل أمة يجب

أن تعتمد على القوة، على القوة وحدها، في أثناء معاملاتها العمومية مع سائر

الأمم، وإلا كانت أمة ضعيفة عرضة للفناء في كل حين.

انتقد الفيلسوف التلياني ماشيافللي مثل هذا التعليم بحجة أنه يرمي إلى اعتبار

القوة غاية الوجود لا واسطته؛ ولكن غاية الوجود (هي حماية مصالح الفرد،

وترقيتها حتى يصل إلى الدرجة المطلوبة من السعادة، والكمال) وهذه لا يمكن

الحصول عليها من دون مساعدة الأمة، والأمة لا يمكن أن تقوم بالحماية والترقية

ما لم تكن قوية، وقوتها لا تأتي إلا من حصر محبة بنيها لها وحدها أولاً، وإلا

فإنني لا أفهم كيف أن زيدا يحب خير العالم أجمع، وهو لا يحب خير أمته،

ووطنه، وجنسه، وعائلاته أولاً. فالواجب الإنساني إذن يقضي على المرء بمحبة

جنسه أولاً.

إذن أرى أن الناموس المسيحي القائل بالمحبة، والإحسان، والغيرية هو

أشرف ناموس في الكون؛ لكنه وُضِعَ لأجل العلاقات الفردية في الأمة الواحدة فقط

ولا يمكن تعميمه على الإنسان والإنسانية؛ لأن التعميم مخالف للنواميس الطبيعية

الثابتة، والتخصيص أولى، إذ إن الذي لا يحب أخاه القريب، لا يقدر على أن

يحب البعيد الغريب، وعلى هذا الرسول بولس ذاته فيلسوف الكنيسة المسيحية،

وواضع أهم تعاليمها.

3 -

فلسفة العدالة في المعاهدات والحروب:

ليست الحرب مقتصرة على اقتتال الجيوش فقط، بل الحرب اصطلاح

سياسي يعني وجود أمة تنازع أمة أخرى، سواء كان باستخدام السلاح، أو

باستخدام السياسة، والحروب السياسية تعنى مضايقة فريق لفريق آخر بواسطة

المعاهدات التجارية، أو المعاملات الاقتصادية من صناعية، وتجارية، وزراعية،

وما أشبه. وإذا لم يذعن أحد الفريقين للآخر بحرب السياسة يصير الالتجاء إلى

السلاح أمرًا لازمًا، غير أن مسؤولية رجال الحكومة في أثناء الحروب السياسية

تقضي عليهم بالمحافظة على مصالح الشعب، وإنماء ثروته، هذه هي الغاية الأولى

لهم. أما الواسطة فخاضعة لحكم الظروف، فإذا كانت الظروف تحوجهم إلى

إطراح المبادئ النظرية الأدبية جانبًا، فلهم ذلك لأنهم بهذا الانحراف يخدمون

المصلحة العمومية لا المصلحة الفردية، وإذا رأوا الخطر محدقًا بالشعب فعليهم

مباغتة العدو، والغدر به قبل أن يتم معداته حتى يقضوا على قواه الهجومية

والدفاعية، ويأمنوا شر تَنَازُعِه إياهم منافع البلاد، وثمار أراضيها، ومعاملها،

وهذا لا يأتي إلا بإنماء القوة المحسوسة وازديادها، ولذلك كانت القوة مظهرًا من

مظاهر العدالة؛ لأن الحروب عدل، وبها وحدها تَثْبُت العدالة على أساس متين.

وبرهانًا لذلك أقول:

لنفرض أن أمة إبان ضعفها خضعت بحكم السيف إلى جارها القوي، وسلمت

معه بشروط مكتتبة على ورق سموها معاهدة، ولنفرض أن تلك الأمة الصغيرة

صارت قوية على تمادي السنين فرأت أن تلك الشروط التي كانت قد رضيت بها

أولاً في أيام ضعفها صارت ثقيلة عليها، تضر بمصالح الشعب في أيام قوتها.

فالشعب في هذه الحالة الأخيرة صار يرى ذاته مغدورًا مغبونًا، وإذا هب

إلى تمزيق المعاهدة الأولى المجحفة بحقوقه فعمله هذا هو العدل بعينه، ولا يمكن

أن ترضى العدالة المجردة بغبن شعب كامل وغدره، ليس ذلك فقط بل إننا لا نقدر

أن ندعو الإذعان لشروط مجحفة عدالة وفضيلة، بل إن العدالة تقضي بتمزيق

المعاهدة المضرة الجائرة بواسطة المفاوضات السياسية أولاً التي أدعوها حربًا بطيئة

كامنة؛ فإذا نجحت فيه، وإلا فاستعمال السيف، والمدفع يصبح أمرًا واجبًا - ولا

يمكن أن يوجد الحق ويثبت ما لم يكن مُؤَيَّدًا بالسيف، ومدعومًا بالمدفع وقوة الساعد،

ولذلك كانت الحرب فضيلة. أي أن الحرب أمر ضروري للمجتمع الإنساني؛ لأنه

رمز العدالة، ومنشئ الشجاعة والجرأة في الأمة، ورفيق الحق والمطالبين به،

وإذا تُرِكَت الحرب تجبن الأمة عن المطالبة بحقوقها؛ فتبقى مغبونة مقهورة

ذليلة، ومثلها لا يثبت في ميدان تنازع البقاء؛ لأن ناموس بقاء الأنسب يقضي

عليها إن عاجلاً أو آجلاً، والأنسب هو الأقوى في كل حال.

هذه هي زبدة تعاليم الجنرال فون برنهاردي المدونة في كتابه الجديد (المنطق

والمبادئ في الحروب) ودونك مجمل الانتقاد العلمي الفلسفي البديع الذي نشرته

مجلة القرن التاسع عشر الطائرة الصيت في عددها الأخير قالت:

تعليق مجلة القرن الـ 19 على الكتاب الألماني:

ليس الجنرال فون برنهاردي وحده القائل هذا القول، ولا هو من وضع هذه

الفلسفة، أي فلسفة القوة والاعتماد عليها وحدها لأجل تثبيت الحق والعدالة، بل إننا

إذا أمعنا النظر، نرى أن معظم علماء الألمان وفلاسفتهم قالوا بهذا الرأي ونشروا

مثل هذه التعاليم من أرنست هكل العالم الطبيعي المعروف زميل شارلس دارون إلى

نياتش المادي الشهير، وغيرهما كثير، وليس من العدل والإنصاف أن نقلل من

أهمية هذه التعاليم لمجرد أنها صادرة عن أعدائنا؛ فإن (العلم مشاع بين جميع الأمم

وليس لوطنه حدود) فلندرس إذا مبادئ الجنرال برنهاردي، وتعاليمه بكل نزاهة

ولنمحصها في بوتقة التحري بقطع النظر عن قائلها.

قال أرسطو الفيلسوف اليوناني القديم: إن الفضيلة هي الوسط بين متضادين،

أي أن الشجاعة مثلاً هي فضيلة لأنها وسط بين الجبن والتهور، فالجبن رذيلة

لأنه دليل الذل، وصغر النفس، والتهور رذيلة أيضًا؛ لأنه دليل الحماقة والكبرياء

وكل هذه العيوب الأخلاقية تدل على وجود مرض بعقل المصابين بها،

وخصوصًا الغرور والكبرياء [3] ، وقس على ذلك الصدق، والكذب، والحق،

والباطل، وما أشبه ذلك من المتضادات.

وكم ضل أفاضل من الرجال سواء السبيل؛ لأنهم اتخذوا التطرف ديدنًا لهم

فكانوا بإهمالهم الصدق مثلاً يكذبون، وهم لا يدرون، وبتطرفهم بالتمسك بالحق -

حسب اعتقادهم - يخدمون الباطل وهم لا يقصدون، والحقيقة أن تعاليم الجنرال

برنهاردي مطابقة تمام المطابقة لتعاليم أرسطوطاليس كبير الفلاسفة، لولا ما بها من

تجسيم يبلغ حد الغلو أحيانًا فضلاً عن خلوها من رابط متين يربط الحق بالقوة كما

سترى.

***

(2)

إن الأساس الذي بنى عليه الجنرال برنهاردي كتابه هو التعليم القديم القائل إن

(الحق للقوة) ، والدعامة التي دعم بها ذلك الأساس هو تعليمه القائل بأن كل الآراء

المتعلقة بالحياة الاجتماعية والسياسية تكون آراء مضرة إذا تجاهلت كون الحق للقوة؛

لأنها أي الآراء ليست في هذا التجاهل سوى رياء وتضليل.

وبموجب تعاليم برنهاردي يكون الاشتراكيون مرائين، ويكون الراديكاليون

المتطرفون أكثر رياء وخداعًا، ليس ذلك فقط بل إن كل الفلاسفة الذين يخالفون

مذهب دارون القائل ببقاء الأنسب بعد التنازع لأجل البقاء، قد أضروا الهيئة

الاجتماعية؛ لأنهم دلوها على التواكل والاستسلام، وعلموها الحيلة والرياء،

وأبعدوها عن القوة - وهي الفضيلة المقدسة التي هي أساس كل الفضائل.

وللجنرال برنهاردي فضل عظيم في أنه شرح هذه التعاليم العملية، وحاول

تطبيقها على حالة أوربا السياسية الحاضرة، ولا شك في أنه صادق فيما يقول عن

القوة وتقديسها - تلك القوة التي صار الشعب الإنكليزي - تذكر أن الكاتب عالم

إنكليزي - يستخف بها، وينسبها إلى قبائل الزولوس المتوحشة حتى أنه أصبح في

الآونة الأخيرة يبالغ في تحقيرها وتحقير كل أمة تعتمد عليها؛ ولكن لما نشبت

الحرب الحاضرة أدرك الشعب خطأه وعلم أن من دون الاعتماد على القوة خطر

الغزوة الألمانية، وبالتالي خطر فناء إنكلترة من العائلة السياسية الكبرى.

ولا جدال في أن القوي تغلب يومًا على الضعيف جاره، واحتفظ بمركزه

المتفوق بالقوة الوحشية، وهذا ينطبق على الأمم كما على الأفراد، ولا جدال أيضًا

في أن كل حكومة راقية تضمن لأبنائها المتفردين بالقوة أفضل المراكز ولو على

حساب المجموع؛ لأن مجموع الأمة يستفيد منهم، وكما أن الأم يجب أن تكون قوية

جدًّا، حتى تتمكن من الاعتناء بطفلها الضعيف، كذلك يجب على رَجُلها أن يضمن

لها التقوية محافظة عليها، وعلى صغيرها. هذا الشطر الأول من كتاب برنهاردي،

وأظن أن الأندية العلمية والسياسية عندنا سَلَّمت بصحته فورًا.

أما الشطر الثاني الذي أقام العلماء وأقعدها، فهو كلام ذلك الجنرال الألماني

عن علاقة الأمة الواحدة بغيرها من الأمم الأخرى؛ فإن ذلك الكلام يقرر أن أفراد

الأمة الواحدة يجب عليهم التضامن، والتكاتف، وتبادل الصدق، والولاء،

والعطف، والمحبة بعضهم مع بعض فقط حسبما ورد في مثل الزوج والزوجة

ومسؤوليتهما نحو طفلهما الضعيف، أما في علاقة الشعب بغيره من الشعوب

القريبة فالجنرال برنهاردي يقول بصراحة: إن لا رحمة، ولا شفقة، بل ويل

للضعيف في تنازع البقاء؛ لأن القوة وحدها هي الحَكَم الأخير في العلاقات

العمومية، وبقاء الأنسب يقضي بانقراض الضعيف، إن لم يكن اليوم فغدًا.

وبجملة أوضح أقول: إن أركان حرب ألمانية يقولون بالحق، والعدالة،

والرحمة بين أبناء العائلة السياسية الواحدة؛ ولكن يقولون بمعاملة الغريب على

قاعدة بقاء الأنسب - أي على قاعدة الحق للقوة، وعند درس هذا المذهب بنزاهة

وإنصاف نرى أنه ليس مذهبًا جديدًا، ولا مخالفًا لما نراه جاريًا في الكون، سواء

أردنا ذلك أم لم نرده، إذن لا أرى أن الذين خطَّئُوا برنهاردي هم من القوم

المصيبين المنصفين [4] .

نعم إن عندنا شرائع تضمن العدالة، وتجبر الحكومة على إجرائها حفظًا

لحقوق الضعيف من جاره القوي؛ ولكن هذه الشرائع، وتلك العدالة تسري على

أبناء الأمة الواحدة فقط، أما على غيرنا من الأمم والحكومات فمن ينكر أننا لا

نعاملهم بما يعامل به بعضنا بعضًا، إن نكران هذا الأمر هو الرياء بعينه، وهذا

هو مبدأ برنهاردي أيضًا، وهاك نص إحدى عباراته حرفيًّا بهذا الصدد قال:

(لا يوجد في الكون حكومة تُجْرِي على غيرها من الحكومات ذات القوانين

وذات النوع من العدالة الذي تجريه على أفرادها هي، كذلك ليس من الواجب على

أي حكومة أن تعتني بالغريب، وتعطف عليه وتساعده؛ لكن من أوجب الواجب

عليها الإعتناء بأولادها، وتقوية الضعفاء منهم فقط، وإجراء العدالة بتمام النزاهة

والتدقيق بين المتخاصمين منهم وحدهم، وإذا قلنا: إن محكمة دولية عمومية يجب أن

تنشأ لأجل فض الخلافات بين الدول على مبدأ الحق والعدالة المجردة، نعود

ونرجع إلى القوة الوحشية المحسوسة لأجل تأييدها، وإليك البرهان:

(هب أن خلافًا نشب بين أمتين، أو أكثر، ورُفِعَ أمره إلى تلك المحكمة

الدولية العمومية العليا (الموهومة) ، وهذه بموجب الحق، والعدالة المجردة

أصدرت حكمها ضد الأمة القوية المتعدية، ورفضت تلك الأمة القوية أن تخضع

لحكم المحكمة العادل، فماذا علينا أن نفعل؟ علينا أن نلتجئ إلى جيش قوي جدًّا

يرغم تلك الأمة القوية على قبول حكم المحكمة العليا وتنفيذه، وإلا كانت العدالة،

والحق، والحكم حبرًا على ورق من الوجهة العملية، ولما لم يكن تنظيم جيش

عمومي ممكنا، كان من المستحيل - إذن - إجراء الحق بين الأمم المتباينة في

العدد والقوة إجراء فعليًّا، كما يجري في الأمة الواحدة التي لها من قوة جندها ما

يجعل الحق نافذًا، والعدالة المجردة ممكنة - ولكن بين أفرادها فقط، ومجمل القول

أن الناموس الطبيعي المعقول هكذا يأمر، أي أن العدالة المجردة يجب أن تجري؛

ولكن بين أبناء الأمة الواحدة فقط؛ لأن ذلك ضروري لحفظ كيانها ولتقويتها، أما

مع الأمم الأخرى فالحق للقوة في كل حال، وويل للضعيف والمستضعف [5] .

***

الاستعمار

تنازع ألمانية وإنكلترة بسببه

بعد هذا يوضح الجنرال برنهاردي مسألة الاستعمار بقوله: إن كل أمة قوية

لا بد لها يومًا من طلب التوسع في أملاكها؛ لأن أفرادها المتزايد عددهم يحتاجون

أولاً إلى المواد الغذائية، وثانيًا إلى المواد الأصلية في الصناعة حاجة تزيد بالنسبة

إلى عددهم المتكاثر، وهذه لا يجدونها إلا في الخارج، وإذا زادت مصنوعاتهم

تراهم يضطرون إلى إيجاد أسواق جديدة لأجل تصريفها - أي إلى إيجاد مستعمرات،

فالمستعمرات - إذن - من لوازم الأمم الراقية.

والاستعمار يتم بطرق ثلاث:

(1)

المهاجرة واختلاط المهاجرين تدريجًا مع السكان الأصليين، والامتزاج

بهم امتزاجًا سلميَّا، حتى يتغلبوا عليهم بفضل تفوقهم على الوطنيين بالقوى

البدنية، والعقلية، والأخلاقية.

(2)

بإنشاء مستعمرات منظمة في بلاد أهلها من نصف المتمدنين، أو من

غير المتمدنين، وامتلاك مثل هذه المستعمرات غير صعب البتة.

(3)

بالحرب، واغتصاب المستعمرات من أيدي أهليها عنوة، إذا كان

أولئك الأهلون على جانب من المنعة، والتمدن، وهذه الطرق الثلاث تُدْعَى

المهاجرة، والاستعمار، والاغتصاب، وهي لا تتم إلا باستعمال القوة في إحدى

مظاهرها، وبمعاملة سكان البلاد الأصليين حسب ناموس تنازع البقاء، لا حسب

الحق، والعدالة.

والحق كل الحق مع الجنرال برنهاردي في هذا التصريح، لأن كل أمة قوية

استملكت بلادها وبلاد غيرها بقوة السيف يومًا، لم تعامل الأهلين الأصليين قط

بالمساواة، والعدالة، كما يَدَّعُون، وليس في هذه التعاليم شيء جديد كما قلت آنفًا؛

ولكن الذي زادها أهمية هو اشتباك ألمانيا منفذة هذه المبادئ بحرب كبرى مع

غيرها من الأمم، ووجود حزب قوي عندنا (أي في إنكلترا) شعاره (السلم مهما

كلفه الأمر) ، ومذهبه هو أن الذي يأخذ بالسيف بالسيف يؤخذ، وسها عن بال هذا

الحزب المتخنث أن الذي لا سيف عنده يكون أول من يسقط بسيف الغير، وخصوصًا

في هذه الأيام، أيام المنازعات، والمناظرات، والمسابقات الهائلة.

ولا أصدق من كلام الجنرال برنهاردي عن السوسياليست والراديكاليين

(الاشتراكيين والمتطرفين) الذين يزعمون أن الحكومة ليست سوى شركة ضمانة

عملها توزيع المنافع، والمرافق بالسواء - أن هذه الآراء لا يمكن العمل بموجبها

أبدًا؛ لأنها آراء نظرية بحتة، وكل أمة تسير بموجبها تضعف؛ فتنحط وتفنى على

تمادي الأجيال، والشواهد العديدة التي اقتبسها برنهاردي من دارون وكنت وهكل

وفشت وشلر وغوث تؤيد هذا المذهب، وحبذا لو أنه ذكر اسم كروب ومدافعه

أيضًا، حتى يصير الاقتباس تامًّا؛ لأن كروب واختراعاته لا تقل أهمية عن تعاليم

أولئك الفلاسفة.

***

فضائل الحرب

نقد برنهاردي

إنني من المعجبين بتصريح برنهاردي القائل: إن للحرب فضيلتين هما

الشجاعة والعدالة، فالشجاعة فضيلة لأنها رائد الاستقلال، والعدالة فضيلة لأنها رائد

الصدق، والصدق رفيق القوي دائمًا؛ ولكن العدالة والصدق يجب أن ينحصرا مع

الغرباء، وبين الأمم الأخرى، فللقوة المركز الأول دائمًا، وكل من يقول بخلاف

ذلك فهو خادع أو مخدوع.

إلى هنا انتهى إعجابي بالتعاليم العملية التي دونها الجنرال برنهاردي في كتابه

الأخير؛ ولكن موضوعًا اجتماعيًّا فلسفيًّا كهذا لا يخلو من التعقيد والصعوبة لذلك لا

ألوم برنهاردي إذا رأيته يناقض نفسه في بعض الأحايين، ويخلط في تدوين

المبادئ وشرحها في البعض الآخر.

فمن جملة المتناقضات في تعاليمه عدم شفقته على الأمم الضعيفة حالة كونه لم

يضمن لنا طريقة ثابتة بها تبقى الأمة القوية قوية إلى ما شاء الله - وهذا من أهم

الاعتراضات أيضًا على مذهب دارون القائل ببقاء الأنسب، ومن جملة مواضع

الخلط والخبط في شرح مبادئه عدم جمعه بين العدالة والقوة جمعًا علميًّا ترتاح

النفس إليه، بل أراه أبقى هوَّة عميقة بين القوة الوحشية التي عبر عنها بالحرب،

وبين العدالة المجردة التي لا يجوز لها أن تخضع للقوة.

ليس ذلك فقط، بل إن الجنرال برنهاردي اعتمد على علم الأحياء (بيولوجيا)

في مصنفه الأخير، وهو مولع بهذا العلم؛ لكنه تجاهل وجود ناموس التعاون

والتضامن في النوع الواحد، ونسي أو تناسى أن الإنسان مهما تعددت أممه،

وأجناسه، وعناصره، وألوانه لم يخرج عن كونه نوعًا واحدًا من أنواع الأحياء،

هو نوع الإنسان يتطلب كيانه ناموس التعاون، والتضامن، ولو بأحد أشكاله

البسيطة.

ويحوجني الوقت والمجال؛ لأُبيِّن أن العلاقة بين الحق والقوة هي علاقة

شديدة موجودة فعلاً، وهي مثل الارتباط المتين الموجود بين الحرية والمسؤولية،

وبين الحق والواجب، فكما أن الحرية تُوجِد المسؤولية والحق يوجد الواجب،

والعكس بالعكس، كذلك أرى أن ناموس الحق للقوة - الذي ينادي به الجنرال

برنهاردي، وأركان حرب ألمانيا عمومًا - يقتضي وجود علاقة متينة بين الحق

والقوة لم يشر إليها برنهاردي، ولا عَرَضًا في سياق كلامه، لذلك نرى أن ألمانيا

في هذه الحرب مغمضة عين الحق في بعض تصرفاتها المخالفة، ومجسمة فضيلة

القوة الوحشية المحسوسة في سائر إجراءاتها مما جعلها عرضة للنقد العادل.

أما ما خلا هذه النقط القليلة القابلة الانتقاد، فكلام الجنرال برنهاردي صحيح

لا غبار عليه، ويجدر بالحزب السلمي في إنجلترا أن يدرسه بمزيد التدقيق

والتروي، عله يُقْلِع عن تعاليمه النظرية الضارة، ويساعد القائلين منا بوجوب

تنظيم جيش قوي دائم، وتعويد الأمة على تربية رجال أشداء أقوياء البدن، وعلى

غاية من النشاط والبسالة. اهـ.

(المنار)

نقلنا ما تقدم عن جريدة الأفكار البرازيلية بنصه، مع تصحيح لفظي قليل،

والقارئ يرى أن غرض صاحب مجلة القرن التاسع عشر الإنكليزية من تلخيص ما

لخصه من الكتاب الألماني هو إقناع قومه بأن يحذوا حذو الألمان في شدة العناية بالقوة

الحربية، ومنه جعل الخدمة العسكرية إجبارية، والظاهر أن شر عاقبة لهذه الحرب

هو زيادة عناية الأمم الأوربية كلها بالاستعداد للحرب، وإن كان بعض الناس يظنون

أنها سترجع إلى رشدها بما تقاسي من خسارة الأنفس والأموال.

_________

(*) نقل عن جريدة الأفكار التي تصدر في البرازيل (عدد 902) .

(1)

الأفكار: كما تمنينا مرة أن يُطْبَع خطاب روزفلت في " الأخلاق "، ويُوَزَّع منه مليون نسخة في سورية والآستانة، كذلك نتمنى الآن أن يُتَرْجَم كتاب برنهاردي هذا، ويُوَزَّع على جميع العثمانيين، وعموم الشرقيين؛ لأن الشرق كله بحاجة ماسة إلى مبادئ هذا الكتاب العملية دون المبادئ النظرية التي كانت علة انحطاطه.

(2)

المنار: يعني أن سُنَّة تنازع البقاء تدفع الأمم بما يشبه الإجبار إلى حفظ وجودها الأمي، وتنميته مما تسلبه من الأمم الضعيفة المجاورة لها.

(3)

الأفكار: اتفق ونحن نقرأ هذه المقالة البديعة أن وصلتنا الصفاء الغراء فوجدنا فيها ما يأتي: - قال أحدهم: المتكبر أجدر الناس بالشفقة؛ لأن الكبرياء مرض في العقل، أي أن صاحب الصفاء يتأمل من كثرة ما يرى من المتكبرين حوله، وقد تذكرنا خطبة مطبوعة باللغة الإنكليزية عندنا للدكتور دانيال بلس رئيسنا العلامة الكبير قالها أمام صف المنتهين مرة فراجعناها، وإذا في إحدى صفحاتها ما يأتي:" وإنني أوصيكم بالاعتدال في كل شيء؛ لأن الاعتدال من أهم الأخلاق التي يحتاج إليها الشرق، ومن أعظم المصاعب أمام عملنا - نحن المربين والمُهَذِّبين في هذه البلاد - أننا نرى أفرادًا بين السوريين هم متهذبون بكل معنى الكلمة تمام التهذيب - وبالأصل gentleman، وأفرادًا غيرهم على غاية من التأخر، والانحطاط، والحلقة الوسطى بينهم تكاد تكون مفقودة، وبينما نرى الكرم لحد التبذير في البعض نرى أيضًا البخل لحد الشح في البعض الآخر، وكذلك بينما نرى الذل والجبن في طبقة، نرى الغرور فاشيًا، والكبرياء لحد الادعاء الممقوت في طبقة ثانية، وإذا قدرت هذه المدرسة " أي المدرسة الكلية " على إيجاد حلقة وسطى تُوجِد الاعتدال في مشارب السوريين، وأخلاقهم نكون قد عملنا عملاً تهذيبيًّا عظيمًا ".

(4)

الأفكار: إن قائل هذا الكلام هو مستر مالوك من علماء الإنكليز أعداء الألمان الألداء، وكلام الخصم حجة.

(5)

المنار: حقًّا أنه لم توجد شريعة تأمر بالمساواة والعدل العام غير الإسلام؛ ولكن كانت الدول الأوربية تراعي العدل فيما بينها في الجملة، حتى جاءت هذه الفلسفة الجديدة بهذه الحرب العامة التي لا بد أن تعود عليها بالنقض ولو بعد حين.

ص: 141

الكاتب: عن جريدة الأفكار البرازيلية

‌بين روسيا وألمانيا [*]

وفيه وصية غليوم الأول لحفيده غليوم الثاني

يذكر قراء (الأفكار) ما عرّبناه من مدة من تلغراف الإمبراطور غليوم إلى

القيصر نقولا، إذ قال له يومئذ: إنه موصى - على فراش موت جده - بالمحافظة

على صداقة روسيا. وقد قرأنا مؤخرًا تلك الوصية المشهورة التي أوصى بها

الإمبراطور غليوم الأول حفيده إمبراطور ألمانيا الحالي في الساعات الأخيرة من

حياته، إذ استدعاه، وزوده بنصائحه، ووصاياه، وما يفرض عليه عمله،

والسياسة التي يجب عليه اتِّباعُها إذا تبوأ العرش، وهذا ملخص نص الوصية:

إذا كتب لك الحق سبحانه وتعالى أن تملك على عرش أجدادك

القياصرة فاعتنق الحق والعدل، وبثهما في الرعية، واعتن بالجيش مزيد العناية،

واجهد في اكتساب ميل العامة، وحب الشعب الألماني بأسره، واسْعَ في تقرير

السلام العسكري والسياسي في داخل المملكة وخارجها، مع مراعاة قوانينها،

وشرائعها، وساعد الضعيف، وأعضد العاجز، وساو كليهما بالقوي، حتى لا

يكون امتياز ولا حيف، و (حتى) تكون حرية مطلقة في جميع الأديان والمذاهب،

تودد إلى الأمم الغربية على إخلاف نزعاتها، وحافظ على اتحاد أوستريا والمجر

حليفة جرمانيا الأمينة؛ لأن في هذا الاتحاد موازنة للسياسة الأوربية، ورابطًا بين

الدولتين من قديم التاريخ، ولا تحرم البلاد من فوائد السلم وثماره الطيبة المذاق،

إذا لم تكن الحرب أمرًا واجبًا فيما لو تعدت على ألمانيا دولة ورامت مهاجمتها أو

مهاجمة حليفتها، ولا تستخدم قوة ألمانيا لإثارة حرب عدائية تكون أنت البادئ فيها؛

فإن ألمانيا ليست في حاجة إلى مجد عسكري جديد، ولا إلى افتتاح حديث، حاذر

الحرب قدر استطاعتك وإياك، ودولة الشمال، ثابر على اتِّباع خطة المودة الوطيدة

نحو قيصر روسيا إسكندر الثالث، ودع ألمانيا أن تسير على خطة السلام والوفاق

الحبي مع روسيا، وابذل كل نفيس في سبيل مرضاتها، واستمالة ودها إليك، وأيد

الصلات السلمية التي كانت لنا في مدة المائة سنة الماضية في مملكة روسيا جارتنا،

فهذه كانت حاساتي (؟) الشخصية التي تنطبق على مصالح ألمانيا) . انتهى

هذا بعض ما وقفنا عليه من وصايا الإمبراطور غليوم الأول إلى حفيده

الإمبراطور غليوم الثاني، الذي بذل جهده في اتِّباع وتحقيق أماني جده من توثيق

عرى الصلات مع جاراته، والممالك المتحالفة معه، حتى تبقى العلائق الودية على

سابق حالها غير واهية ولا منفصمة.

وقد عرف العالم أجمع ما كان لروسيا من الشأن المهم في حربي عام 1866

مع النمسا، وعام 1870 مع فرنسا، والخدمة الجليلة التي قام بها إسكندر الثاني

قيصر روسيا في تسهيل الوحدة الألمانية، وقد عرف ذلك غليوم الأول، كما عرفه

وزيره البرنس بسمارك، ولهذا أوصى حفيده غليوم الثاني بتحسين صلاته مع

روسيا، ولا يزال العالم يذكر تلغراف غليوم الأول إلى القيصر إسكندر الثاني سنة

1870، إذ قال له (أعترف بأن جل الفضل في فوزي ونجاحي عائد إليك) فضلاً

عما كان من أعمال بسمارك في حياة غليوم الأول وفردريك الثالث في تسهيل

التقرب إلى روسيا بالرغم من التحالف الثلاثي، ومن مبادئ أوستريا وسياستها

البلقانية. وقد كان بسمارك لا يطيب له عيش إلا يوم يأمن نفوذ روسيا،

والإمبراطور غليوم الثاني ذاته - بعد قبضه على صولجان الإمبراطورية - زار

القيصر الروسي قبل أن يزور حليفتيه النمسا وإيطاليا، كما زار جده غليوم الأول

قيصر روسيا يوم تبوأ عرش أجداده، وعمل على تأييد التحالف الشمالي، واهتم

في زيادة التقرب من روسيا لتحسين صلات الدولتين، إذ لم يشأ أن يبتعد عنها لما

بين الأسرتين المالكتين في روسيا وألمانيا من صلة القربى، فضلاً عن ضرورة

الاحترام للوصية السابقة الذكر.

ولكن دلكاسه الداهية وزير خارجية فرنسا حالاً مشهور بعدواته لألمانيا، فعين

منذ سنة ونصف سفيرًا لدولته في بطرسبرج، واستطاع بدهائه الغريب أن يُفْهِم

روسيا أن النمسا ليست بالعدوة الرهيبة لو لم تكن تعضدها ألمانيا، وأن خير طريقة

لكسر شوكة النمسا هي إضعاف ألمانيا وساعدته الظروف، والحنكة السياسية،

فأبان لروسيا مطامع ألمانيا، وما صنعته مع روسيا في معاهدة برلين وغيرها، وقد

نجح دلكاسه في سياسته نجاحًا باهرًا، إذ أضاف إلى الحقد الكامن في قلوب الشعب

حقد الحكومة الروسية، فتراخت العلائق بين الحكومتين، وسعى القيصر للتملص

من ربقة نفوذ إمبراطور ألمانيا عليه، وخصصت حكومته عشرة مليارات ليرة

لنظارة الحربية لسنة 1913، واشترت بتسعة وعشرين مليونًا من الليرات

أوتوموبيلات حربية وأضافت عددًا عظيمًا إلى جيشها الهائل، وجعلت الخدمة

العسكرية في بعض الفرق أربع سنوات، وأرادت تغيير المعاهدة التجارية بينها

وبين ألمانيا، وضربت رسمًا باهظًا على القمح الوارد من ألمانيا إلى فنلندا،

وأطلقت سراح الصحافة؛ فأثارت على حكومة برلين عواطف السلافيين، ومكنت

الحقد بين الشعبين، وكان المسيو دلكاسه العامل في كل ذلك الذي وصل إلى هذه

النتيجة.

وكانت الأمة الروسية قد رأت خيلاء الأمة الألمانية؛ فهالها أمرها لاسيما

وهي تنظر إليها نظرة جار يود ضرر الآخر، تجارة، وصناعة، وسياسة. أضف

إليه الحقد المتولد في قلوب السلافيين ضد الجرمانيين، وتصرف بسمارك نحو

روسيا في معاهدة برلين كما قلنا بعد أن كان حليفها سنة 1878، وقلما ترى الآن

في روسيا من يحب ألمانيا، حتى من أولئك الذين يجري في عروقهم الدم الألماني

أو النمساوي كالبولونيين في بوزين، وفرسوفيا والتشك في برات، والصرب

والكروات في إغرام وبلغراد، حتى في طيات قلوب البلغاريين في صوفيا، وهذا

الحق المنفجر في جميع جوارح السلافيين أرغم حكومة بطرسبرج على الانتصار

للصربيين، وشهر الحرب على النمسا، وقد أرادت حكومة القيصر أولاً أن تتخذ

من السلافيين حقدهم لرشق نباله في صدور النمساويين فقط، وذلك لأن ألمانيا قد

لعبت دورًا مهما في بلاط روسيا لوجود عدد عظيم من الدوقات الألمانيات في

القصر الإمبراطوري - كماريا بافلوفنا قرينة الغراندوق فالديمير وإليزابت

فيودوروفنا شقيقة القيصر، ورئيسة دير كبير الراهبات، ودوقيات أولدنبرغ

وليستنبرغ، والإمبراطورة ألكسندرا - وعدد عظيم من القواد، والضباط، وولاة

الأمور الألمانيي الأصل الذين يشتغلون بجميع قواهم لزيادة متانة العلاقات بين

روسيا وألمانيا، عدا عن العلائق الوطيدة الشخصية بين القيصر والإمبراطور،

ولأن حربًا عوانًا تقع بين ألمانيا وروسيا لا تفيد الثانية كثيرًا.

أما حقد حكومة القيصر على النمسا فكان ولا يزال هائلاً جدًّا؛ لأن فيها إلا

أقل من 16 مليونًا من السلافيين تابعين لخمسة عشر مليونًا من الجرمانيين، لذلك

ليس من الصعب على حكومة بطرسبورج الضرب على وتر نصرتهم الجنسية،

فضلاً عن أن النمسا ما زالت تعرقل سياسة روسيا في البلقان، وكانت الحرب بينها

بين روسيا أمرًا طبيعيًّا لا مفر منه. اهـ.

_________

(*) منقولة عن جريدة الأفكار البرازيلية.

ص: 153

الكاتب: حبيب الرحمن خان الشرواني

‌ترجمة الشيخ شبلي النعماني

بقلم الشيخ حبيب الرحمن خان الشرواني

مترجمة من جريدة (عليكدة إنستيتيوت غازت) بقلم عبد الرزاق من تلاميذ

دار الدعوة والإرشاد.

انتهت السنة الثانية والثلاثون الهجرية على حادثة فجائية ستُذْكَر في تاريخنا

إلى زمن بعيد: أذيع خبر وفاة الشيخ شمس العلماء شبلي النعماني في صبيحة 28

ذي الحجة، أي في الوقت الذي تنير فيه الشمس العالم، ولكن وآسفاه غربت فيه

شمس العلم، وأظلم العالم العلمي.

(ثم بين الكاتب مجد المسلمين القدماء، وكثرة وجود العلماء والنابغين فيهم

الذين كانوا يخلفون السلف، وانحطاط المسلمين الآن، وفقدان الرجال الذين يحلون

محل موتاهم، قال:

إن في سيرة الشيخ عبرًا ودروسًا للطبقتين: طبقة النابتة الحديثة، وطبقة

العلماء، فلو كُتب تاريخه لكان نافعًا للمسلمين، وتوخيًا للفائدة نلمح إلى تاريخه

فنقول:

الشيخ شبلي النعماني من بلدة أعظم كدة الشهيرة، وهو من أسرة كبيرة،

وابن رجل عظيم، لا أعلم سنة ولادته؛ ولكني قرأت ما كُتب في الجرائد من أنه

ولد سنة 1857 أي سنة الثورة، وكان من أسباب تقدمه العلمي ذهنه الثاقب،

وطبعه السليم، وحرص والده على تثقيفه وتربيته، ووجود أستاذ كامل له كمحمد

الفاروق، الذي كان ماهرًا في العلوم العربية والآداب الهندية، أخذ الشيخ شبلي علم

الحديث عن العلامة أحمد علي الشهير، وبعد فراغه من التحصيل دخل خدمة

الحكومة، ولكنه لم يلبث أن تركها من تلقاء نفسه، ثم قُرر معلمًا للغة العربية في

كلية علي كرة، فاتخذ له بيتًا بجوار السيد أحمد خان رئيس الكلية، وكان السيد

يبحث في العلوم المختلفة، فاقتبس منه ومن المعلم آرنلد الأستاذ في الكلية معلومات

في الفلسفة والعلوم الحديثة، وهو الذي علم الأستاذ المذكور عليه كثيرًا من العلوم

الإسلامية واللغة العربية، لهذا كان في تأليف كتاب (الدعوة الإسلامية preachig

Islam of) للأستاذ آرنلد يد كبيرة للشيخ.

وخرج من الكلية سنة 1898 بعد أن توفي السيد أحمد، وذهب إلى حيدرآباد،

وهنالك كانت قد أسست الجمعية العلمية المسماة (السلسلة الآصفية) فتوظف فيها

براتب 200 روبية في الشهر (والآن قد زيد فيها مائة فصارت 300 روبية)

وألف بضعة كتب باسمها، ثم رتب مشروع كلية حيدرآباد.

ولما رجع من حيدرآباد طلبه محسن الملك رئيس الكلية لها ولكنه لم يقبل،

ورجح ندوة العلماء عليها، وأقام في مدينة لكهنؤ، فكان فيها عضوًا كبيرًا عاملاً،

وفهم مقاصدها حق الفهم، وأراد أن يثمرها فنظم شؤونها، وأصدر مجلة كبيرة

باسمها كانت من أشهر المجلات الهندية وأرقاها، وهي لا تزال فخرًا في اللغة

الهندية؛ ولكنه لما انتخب رئيسًا للجمعية بعد اعتزال رئيسها الشيخ محمد علي لم

يقدر على استخدام الأعضاء كلهم كما استخدمهم سلفه؛ لأنه اشتهر بحرية الرأي

والاجتهاد في كل شيء، فخالفه العلماء وظنوا به الظنون، حتى قال بعضهم: إنه

دهري ويريد إفساد الجمعية، فلم ينجح في عمله هذا كما ينبغي؛ ولكنه استطاع

تنفيذ كثير من مقاصدها.

وساح في البلاد الإسلامية في زمن إقامته في الكلية للاستعانة على تأليف

تاريخ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمطالعة الكتب التي لا توجد في الهند،

فكان الكتاب من أحسن الكتب التاريخية على طريقة حديثة، وسيكون فخرًا له إلى

الأبد، وبعد رجوعه من السفر ذهب إلى رستميد، فمرض هناك مرضًا شديدًا ذهب

بصحته الجيدة، فلم تعد إلى الموت.

ومن الحوادث المؤلمات في حياته إصابة رجله بالرصاص؛ وسبب ذلك أنه

كان جالسًا في حرمه والبندقية في يد زوجة ابنه، فسقطت على الأرض فأصابت

ساقه. وآخر حياته مملوءة بمخالفة العلماء له في الندوة؛ ولكنه مع هذا كله ما زال

مشغولاً بتأليف تاريخ النبي صلى الله عليه وسلم وأرسل إليّ خطابًا قبل

وفاته بقليل وصف فيه تأثير موت أخيه في نفسه، ثم قال: أريد تأسيس دار

للمصنفين، ودار لتكميل العلوم أدرس فيها بنفسي التفسير والحديث ويدرس فيها

غيري من العلماء الآخرون لعلي أنجح في هذا بعد العجز عن العمل في الندوة التي

أضعت وقتي فيها، ولكن جاءت المنية قبل تحقق رجائه، جزاه الله خير الجزاء

لأعماله النافعة للمسلمين.

***

ترجمة الشيخ شبلي النعماني

بقلم عبد الرزاق

أحد طلبة دار الدعوة والإرشاد

كان الشيخ شبلي النعماني من أكبر علماء الهند قدرًا، وأوسعهم علمًا،

وأشدهم غيرة على الدين والأمة، خدم المسلمين زمنًا طويلاً، بدون تعب ولا نصب

ولا مبالاة بحوادث الدهر، ومن مزاياه الكثيرة أنه كان نابغًا في علوم عديدة،

مجتهدًا في الدين والعلوم العقلية، ماهرًا في تاريخ الشرق والغرب، أديبًا بارعًا في

اللغة العربية والفارسية، ينشد الشعر بالفارسية مثل أعظم شعراء العجم، وهو يعد

من أئمة اللغة الهندية، وأفصح كتابها، له كتب كثيرة جدًّا في الفلسفة والتاريخ

وآداب اللغتين الفارسية والهندية، وفي علوم شتى، وآخر كتاب كان يعنى بتأليفه

هو (سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يكد يتمم جزءًا منه حتى عاجلته منيته،

وهو ابن خمس وستين سنة تقريبًا، هذا الكتاب ليس مثل سائر الكتب التاريخية،

بل أراد رحمه الله أن يكتب باستقصاء لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من آثار النبي،

وأقوال المتخرسين (؟) إلا أحصاها، وبحث فيها بحثًا فلسفيًّا ليس من ورائه بحث،

وكان من اهتمامه بالكتاب المذكور أنه قبل الاشتغال فيه أعلن في الجرائد الهندية

أنه يحتاج إلى خمسين ألف روبية (3325 جنيهًا) ليسافر إلى الممالك الإسلامية

والإفرنجية، ويطالع في مكاتبها الكتب المؤلفة في سيرة النبي - صلى الله عليه

وسلم -، وتساءل عمن يساعده بذلك؟ فأجابت طلبه (أميرة بهوبال) التي اشتهرت

بالأعمال الخيرية والعلمية، غير أنها لم تأذنه بالسفر لكبر سنه، وما أصابه من

المرض، بل وعدت بأن تطلب له جميع الكتب المحتاج إليها، وتعطي 200 روبية

شهريًّا لمترجمي الكتب الإفرنجية منها (لأن الشيخ لم يكن عالمًا بلغات العرب)

فاشتغل الشيخ بالكتاب ثلاث سنوات، وكمل منه جزء واحد كما ذكر آنفًا.

وكان ينتهز الفرص لينفع المسلمين، ومن مآثره أنه نجح في مسألة الوقف

على الأولاد عند الحكومة، فأجازته بعد أن كانت أبطلته.

ربما يظن ظان أن هذا الشيخ الجليل كان من متخرجي المدارس العالية، ومن

أصحاب الشهادات العليا، وليس الأمر كذلك؛ فإنه لم يتعلم في مدرسة ما قط، بل

كان يتلقن بعض العلوم المتروكة القديمة في بيوت بعض العلماء، ولم يكن يعلم

شيئًا من أحوال العالم المدني، ولكن علامات الذكاء كانت تنطق على سِيمَاه بعظيم

مستقبله.

ولما كمَّل دروسه غير المنظمة، انتظم في سلك المعلمين في كلية علي كرة

الشهيرة، وهنالك ظهر له أنه يوجد عالم غير عالمه، وعلوم غير الفقه والكلام

والفلسفة اليونانية، فأخذ يطالع العلوم حتى عُدَّ من أكبر علماء الهند، وفي هذه

الأثناء ساح في البلاد الإسلامية كلها ليعرف داء المسلمين ودواءه، وبعد رجوعه إلى

وطنه ابتدأ دوره الذهبي؛ لأنه ترك الوظيفة، ولم يعمل شيئًا بعد إلا لإصلاح

المسلمين، ولهذا الغرض أخذ على عاتقه مشروع ندوة العلماء، وهي لم تكن

شيئًا يذكر قبله، وبهمته العالية ترقت في مدة قصيرة حتى سُمع صوتها في العالم

المدني، وتخرَّج فيها العلماء والمربون، وكانت له أماني كثيرة حالت منيته دونها

إذا وافته بعد أن مرض نصف شهر، فسقطت بذلك حلقة كبيرة في سلسلة

المصلحين، وانطفأ مصباح الهند، فليحزن على فقده المصلحون، والهنود

المسلمون، إنا لله وإنا إليه راجعون.

(المنار)

فقدنا الأستاذ النعماني في عهد هذه الحرب التي حرمتنا رؤيته، ما عدا جريدة

عليكدة من جرائد الهند، فلم نقف على شيء من تأبينها وترجمتها له، والشيخ

حبيب الرحمن الذي كتب تلك النبذة الوجيزة في جريدة عليكده من أهل العلم والدين،

وحزب المصلحين المعتدلين، ولكنه أوجز واختصر حتى أنه لم يذكر لنا

مصنفات الشيخ، ولعل أهل مصر وغيرها من البلاد العربية لا يعرفون منها إلا

رده الوجيز على كتاب تاريخ التمدن الإسلامي، وما هو إلا عجالة جعلها نموذجًا

لبيان ما أنكره من ذلك الكتاب، ولم يرد به الاستقصاء، وكنت رأيت له رسالة في

الجزية نشرت بعضها في المجلد الأول من المنار، وهي تدل على اجتهاد في

التاريخ وعلوم الدين، ومن سوء حظ المسلمين أن يقوم حزب الجمود في وجوه

هؤلاء الأفراد من المصلحين كالشيخ النعماني، ويحولوا بينهم وبين خدمتهم لملتهم

وأمتهم، ويضعف أنصار الإصلاح عن إحباط أعمالهم، ومما يذكر بالإعجاب في

ترجمته أنه لم يوجد في أمراء الهند وعظمائها رجل عرف قيمة هذا الأستاذ الكبير

المصلح، كما عرفته أميرة بهوبال فضلى نساء تلك الأقطار وأقيالها.

وسننشر في الجزء التالي كلمة وجيزة من صلة المودة بيننا، وبين الفقيد

وكتابًا منه يعلم منه شيء من صلته العلمية الدينية بصاحبة بهوبال، أدام الله النفع

بها.

((يتبع بمقال تالٍ))

_________

ص: 156

الكاتب: محمد رشيد رضا

‌السر محمد سلطان آغا خان

زار مصر في أوائل هذه السنة السر محمد سلطان آغا خان زعيم طائفة

الإسماعيلية أقدم طوائف الباطنية، بل إمامهم ومعبودهم، جاءها عائدًا من لندرة

عاصمة إنكلترة - حيث يقيم معظم سنته - إلى وطنه بمبي أول ثغور الهند، حيث

يقيم مدة فصل الشتاء عادة، وقد نزل ضيفًا على الجنرال غرانفيل مكسويل القائد

العام للجيوش البريطانية بمصر، فلقي من الحفاوة والإكرام من الحكومة المصرية،

وكبراء الإنكليز ما يليق بمقامه ومكانه من ثقة الدولة البريطانية به، وإخلاصه في

خدمته لها.

وقد اجتمعت به في دار (مستر ستورس السكرتير الشرقي لدار الحماية

الإنكليزية) وتحدثنا أكثر من ساعة في الشؤون المصرية، وأحوال المسلمين في

مصر، وفي غيرها من الأقطار، وكان أكثر الحديث أسئلة منه وأجوبة مني،

وكنت أحب أن أسأله عن أمور فلم يتسع الوقت لذلك، وتحدثنا بتمني اجتماع آخر،

فلم يتيسر؛ ولعل من أسباب ذلك كثرة تنقله في البلاد المصرية، وعدم لبثه في

القاهرة بعد ذلك إلا قليلاً.

وقد كان أول حديثه الشكوى من قلة عناية المسلمين بالعلم، وسألني عن سبب

ذلك، فشرحت له رأيي فيه، ومما ذكرته له في ذلك أن العلم لا يرتقي وترتقي الأمم

به إلا بالعمل، ولا سيما العلوم الطبيعية والآلية (الميكانية) التي يشعر عقلاء

المسلمين بشدة حاجاتهم إليها، وتوقف مجاراتهم للإفرنج عليها، وأن أسبابا سياسية،

واجتماعية حالت دون السير في هذه العلوم على الطريقة العملية التي تتوقف على

إيجاد المعامل، ودور الصناعة في البلاد، وأن الحكومات هي ذات الشأن الأول في

إيجاد ذلك، وأكثر حكام المسلمين ليسوا منهم، وأما الحكومات الإسلامية المستقلة،

فقد كانت الدولة العثمانية، والإمارة المصرية - وهما أقربهن إلى الحضارة - شرعتا

في اقتباس العلوم والفنون الأوربية منذ مائة سنة أو أكثر، أي قبل شروع اليابان

في ذلك؛ ولكن حال دون استمرارهما على الطريقة العملية ما لا سعة في الوقت

لشرحه؛ فزالت المعامل ودور الصناعة التي شرع فيها محمد علي باشا كما اضمحل

ما أنشئ من ذلك في الآستانة، مع كون الحاجة إليها أشد، والقدرة عليها أتم، واكتفى

الترك والمصريون باقتباس المبادئ الناقصة من هذه العلوم والفنون، وإنما يتوسع

قليل منهم بما هم أقل حاجة إليه من غيره كالقوانين، وتاريخ الأمم الأوربية،

ولغاتها، مع جهلهم بشريعتهم، وتاريخ ملتهم، وآدابها، ولأجل هذا كان ضرر

أكثر المتعلمين أكبر من نفعه، ولما كان الطب لا يكون إلا عمليًّا كان هو أنفع ما

اقتبسناه من العلم الحديث، ففي مصر والبلاد العثمانية كثير من الأطباء الذين يخدمون

البلاد أَجَلّ خدمة، وكذلك الهندسة فإنها قد أفادت بقدر الحاجة إليها في الأعمال

كالري، وسكك الحديد، فالمهندسون المصريون لا يقصرون عن الأوربيين الذين

يعملون معهم في هذه البلاد.

أما حديثنا عن حالة مصر، ومسألة الحماية الإنكليزية الجديدة فلا يجوز نشره

الآن.

_________

ص: 159