المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

مسلم في حديث جابر انه صلى الله عليه وسلم جعل - التفسير المظهري - جـ ٦

[المظهري، محمد ثناء الله]

الفصل: مسلم في حديث جابر انه صلى الله عليه وسلم جعل

مسلم في حديث جابر انه صلى الله عليه وسلم جعل المقام بينه وبين البيت وصلى ركعتين قرأ فيهما قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثم رجع الى الركن الأسود فاستلمه

‌ذلك

خبر مبتدا محذوف او مبتدا خبره محذوف- او فاعل لفعل محذوف او منصوب بفعل محذوف يعني الأمر ذلك او ذلك ثابت واجب الامتثال او وجب ذلك او عرفت ذلك او احفظ ذلك- وذلك اشارة الى ما سبق من الاحكام وهو وأمثاله يطلق المفصل بين كلامين.

وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ يعنى معاصى الله ومنهى عنه وتعظيمها ان يشق عليه اقترابها- فان المؤمن يرى خطيئته صدرت منه كمثل حبل على رأسه يخاف ان يقع عليه- وان المنافق يرى خطيئته كمثل ذباب على انفه فعل بيده هكذا فطارت كذا وقع في الحديث- وقال اللبث حرمات الله مالا يحل انتهاكها يعنى أوامر الله ونواهيه- وقال الزجاج الحرمة ما وحب القيام به وحرم التفريط فيه وذهب قوم الى ان معنى حرمات الله المناسك- وقال ابن زيد الحرمات هاهنا البلد الحرام والبيت الحرام والشهر الحرام فَهُوَ يعنى تعظيم الحرمات خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ثوابا وأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ تحريمه حيث قال حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ الاية يعنى فلم تحرمون منها البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى- وهذه جملة معترضة فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ اى الرجس الّذي هو الأوثان سماه رجسا اى قذرا لان العقول والطباع السليمة يتنفر عنها كما يتنفر المرء عن القاذورات- فهو غاية المبالغة في النهى عن تعظيمها والتنفير عن عبادتها- وقيل هو بمعنى الرجز وهو العذاب سماه رجسا لانه سبب للتعذيب وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) يعنى الكذب مشتق من الزّور بفتح الزاء بمعنى الانحراف كما ان الافك من الافك بمعنى الصرف- فان الكذب منحرف مصروف عن الواقع- والمراد هاهنا قولهم الملائكة بنات الله والأوثان شفعاؤنا عند الله وقولهم في تلبيتهم لبّيك لا شريك لك الا شريكا تملكه وما ملكه- واللفظ عام يعم جميع انواع الكذب في الحكايات والمعاملات

ص: 317

روى احمد وابو داود وابن ماجة والطبراني وابن المنذر وغيرهم عن خريم بن فاتك؟؟؟

الأسدي قال صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوة الصبح فلما انصرف قام قائدا فقال عدلت شهادة الزور بالاشراك بالله ثلاث مرات- ثم قرأ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ. قال قتادة كانوا في الشرك يحجون ويمنعون البنات والأمهات والأخوات وكانوا ليسمون أنفسهم حنفاء والحليف عند العرب من كان على دين ابراهيم عليه السلام فنزلت هذه الاية يعنى اجتنبوا الشرك وقول الزور حتى تكونوا على دين ابراهيم.

حُنَفاءَ لِلَّهِ اى مخلصين له الدين من الحنف محركة وهو الاستقامة كذا في القاموس والاستقامة على الحق هو الإخلاص لله والاعراض عما سواه غَيْرَ مُشْرِكِينَ به في العبادة ولا في اثبات وجوب الوجود والالوهية- يعنى من أشرك لا يكون حنيفا ولا على ابراهيم فانه لم يك من المشركين- قوله تعالى فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مع ما عطف عليه معلوف على قوله وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ متفرع عليه وهو خير لفظا لكنه امر معنى فان معناه عظموا حرمات واجتنبوا الأوثان لان عبادة الأوثان من أعظم المحرمات وأشدها فعلا- والقول بما كان المشركون يقولونها ندبا أعظمها وأشدها قولا وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ غيره فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ يعنى ان عبادة الله تعالى كمال ورفعة لا رفعة فوقه- فيوفوق كل شيء كمن هو مستو على السماء فهو فوق كل شيء في الحس ولا يعد له غيره في الارتفاع- ثم إذا عبد مع الله غيره من الممكنات فكانّما سقط من السماء الى الحضيض- إذ لا مذلّة فوق من اذلّ نفسه حتى عبد حمكنا مثله بل دونه من الحجارة وأمثالها فَتَخْطَفُهُ قرا نافع بفتح الخاء وشديد الطاء من التفعيل للمبالغة والباقون بإسكان الخاء وتخفيف الظاء من المجرد الطَّيْرُ استعارة بالكناية أراد بالطير الاهوية المردية فانها تخطفه اى تسلبه وتوزع أفكاره أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ استعارة مثله أراد بالريح الشيطان فانه يهوى ويطرح به فِي مَكانٍ من الضلالة سَحِيقٍ (21)

ص: 318

بعيد من الحق يعنى من أشرك استولى عليه النفس او الشيطان وكلمة او لمنع الخلو دون الجمع- وقال البيضاوي او للتنويع فان من المشركين من لا خلاص له أصلا فكانما اختطفه الطير فلم يبق من جسده شيء- ومنهم من يمكن خلاصه بالتوبة كمن أوقعه الريح في مكان بعيد يمكن ان يأتى من هناك الى مأواه- والظاهر انه من التشبيهات المركبة والمعنى انه من يشرك بالله فهو كمن سقط من السماء فانه لا يملك لنفسه حيلة ويهلك لا محالة اما باستلاب الطيران واما بسقوطه في مكان سحيق- قال الحسن شبه اعمال الكفار بهذا الحال في انها تذهب وتبطل فلا يقدرون على شيء منها وعن البراء بن عازب في حديث طويل ذكرنا بعضه في سورة الأعراف في تفسير قوله تعالى لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ قوله صلى الله عليه وسلم في ذكر موت العبد الكافران الملائكة يصعدون بروحه حتى ينتهى بها الى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له ثم قرا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ الاية فيقول الله اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى فيطرح روحه طرحا ثم قرا رسول الله صلى الله عليه وسلم وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ الاية.

ذلِكَ تفسيره مثل ما سبق وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ قال ابن عباس شعائر الله البدن والهدى وأصلها من الاشعار وهو اعلامها ليعرف انها هدى وتعظيمها استسمانها- وقد صح انه صلى الله عليه وسلم اهدى مائة بدنة- وروى ابو داود ان عمر رضى الله عنه اهدى نجيبة طلبت منه بثلاث مائة دينار فَإِنَّها اى تعظيمها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) اى من افعال ذوى تقوى القلوب فحذف هذه المضافات- وذكر القلوب لانها منشأ التقوى والفجور والآمرة بهما.

لَكُمْ فِيها مَنافِعُ يعنى لكم في تلك الشعائر اى البدن والهدى منافع يعنى جاز لكم الانتفاع بها بركوبها والحمل عليها وشرب لبنها غير مضربها إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى اى وقت معلوم يعنى الى ان تنحروها كذا قال عطاء بن رباح وبه قال مالك والشافعي واحمد وإسحاق انه جاز ركوب الهدى والحمل عليها وشرب لبنها غير

ص: 319

مضربها. ويؤيده حديث ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم راى رجلا يسوق بدنة فقال اركبها فقال انها بدنة قال اركبها قال انها بدنة قال اركبها ويلك في الثانية او الثالثة متفق عليه وحديث انس نحوه رواه البخاري وحديث ابن عمر رأى رجلا يسوق بدنة فقال اركبها وما أنت مستنّ سنة أهدى من سنة محمد صلى الله عليه وسلم رواه الطحاوي وقال ابو حنيفة لا يجوز ركوبها ولا الحمل عليها ولا شرب لبنها الا لضرورة لانه لمّا جعلها كلها لله تعالى فلا ينبغى ان يصرف منها شيئا لمنفعة نفسه وهذا المعنى يقتضى المنع مطلقا سواء كان به ضرورة اولا- ويؤيده قوله تعالى وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ولا شك ان الركوب والحمل ينافى التعظيم والاستسمان لكن لما ثبت بالأحاديث جواز الركوب قلنا بالجواز في حالة الضرورة حملا للاحاديث المذكورة على تلك الحالة كيلا يلزم ترك العمل بالسنة ويدل على اشتراط الضرورة ما روى الطحاوي بسندين عن حميد الطويل عن انس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم راى رجلا يسوق بدنة وقد جهد قال اركبها قال يا رسول الله انها بدنة قال اركبها وفي رواية قال اركبها وان كانت- وروى ايضا عن ابن عمر انه كان يقول في الرجل إذا ساق بدنة فاعيى ركبها وما أنتم بمستن سنة هى اهدى من سنة محمّد صلى الله عليه وسلم وروى مسلم عن ابى الزبير قال سمعت جابر بن عبد الله يسئل عن ركوب البدن قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول اركبها بالمعروف إذا الجأت إليها حتى تجد ظهرا- والمراد بالمنافع في الاية عندنا دفع الضرورة عند الإلجاء وقال مجاهد وقتادة والضحاك معنى الاية لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى اى الى ان تسميها وتوجبها «1» هديا فاذا فعل ذلك لم يكن شيء من منافعها ثُمَّ مَحِلُّها اى موضع حلول أجلها يعنى منحرها وقيل معناه وقت نحرها وحلول أجلها ومحلها معطوف على منافعها وكلمة ثم يحتمل التراخي في الوقت فان وقت الانتفاع قبل وقت النحر- او التراخي في الرتبة لان المراد بالمنافع النافع الدنيوية ونحرها

(1) الاولى تسموها وتوجبوها إلخ الفقير الدهلوي [.....]

ص: 320

للثواب وهو من المنافع الاخروية يعنى لكم فيها منافع دنيوية ثم لكم فيها محلها يعنى نحرها وهو مما ينتفع به في الاخرة إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33) حال من محلها وهو فاعل للظرف المستقر بواسطة حرف العطف يعنى لكم محلها كائنا الى البيت العتيق- وجاز ان يكون محلها مبتدأ محذوف الخبر والظرف حال منه على طريقة ضربى زيدا قائما يعنى محلها كائن منتهيا الى البيت العتيق- وجاز ان يكون محلّها مبتدا والظرف خبره والجملة معطوفة على جملة سابقة- والمراد بالبيت العتيق الحرم كله إذ هو في حكم البيت في كونه عتيقا غير مملوك لاحد وهو حريم البيت ويقال في العرف بلغت البلد إذا بلغت فناءه وجاز ان يكون التقدير ثمّ محلّها الحرم من أقصى أطرافه الى البيت العتيق وهذه الاية حجة على جواز النحر في اىّ موضع شاء من الحرم- وقال مالك لا ينحر الحاج الّا بمنى ولا المعتمر الا بمروة لان النبي صلى الله عليه وسلم فعل هكذا- قلنا نحر النبي صلى الله عليه وسلم في الحج بمنى لا ينفى جواز النحر في غيره إذا ثبت بالكتاب والسنة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم منى كلها منحر وكل فجاج مكة طريق ومنحر وكل عرفة وكل المزدلفة موقف- رواه ابو داود وابن ماجة من حديث جابر- وقيل شعائر الله اعلام دينه ولا شك ان تعظيمها من افعال اهل التقوى- وعلى هذا التأويل قوله تعالى لَكُمْ فِيها مَنافِعُ متصل بقوله تعالى وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ولَكُمْ فِيها اى في الانعام منافع دنيوية تنتفعون بها الى أجل مسمّى وهو الموت ثم محلها منتهية «1» الى البيت الّذي يرفع اليه الأعمال او يكون فيه ثوابها- وقليل شعائر الله فرائض الحج ومشاهد مكة لكم فيها منافع دنيوية بالتجارة في الأسواق الى أجل مسمّى الى وقت المراجعة والخروج من مكة ومنافع اخروية بالأجر والثواب في قضاء المناسك الى أجل مسمى اى الى انقضاء ايام الحج ثم محلها اى محل الناس فيها من إحرامهم منتهى الى البيت العتيق ان يطوفوا فيه طواف الزيادة يوم النحر-.

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ اى جماعة مؤمنة سلفت منكم جَعَلْنا مَنْسَكاً قرأ حمزة والكسائي بكسر السين هاهنا وفي اخر السورة يعنى موضع نسك اى

(1) هكذا في الأصل ولعل الصواب سنة فتامل- الفقير الدهلوي

ص: 321

متعبد والباقون بفتح السين بمعنى الموضع او المصدر اى اراقة الدعاء وذبح القرايين او قربانا يتقربون به الى الله لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ دون غيره ويجعلوا نسيلهم لوجهه علّل الجعل به تنبيها على ان المقصود من جعل المناسك تذكّر المعبود وفيه دليل على كون الذكر شرطا للذبح عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ عند نحرها وذبحها سماها بهيمة لانها لا تتكلم وقيدها بالانعام لان من البهائم ما ليس من الانعام كالخيل والبغال والحمير ولا يجوز ذبح شيء منها في القرابين الا الانعام بل الاهلية منها اجماعا- وهذه الجملة معترضة لتحريض امة محمّد صلى الله عليه وسلم على التاسّى بمن سبق فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ يعنى سموا على الذبائح اسم الله وحده إذ لا اله لكم غيره جملة معللة يعنى جعلنا لكل امة متعبدا ليذكروا الله وحده لان اله كلهم واحد وان كانوا امما شتى فَلَهُ دون غيره أَسْلِمُوا انقادوا واطبعوا يعنى أخلصوا التقرب او الذكر ولا تشوبوه بالاشراك وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) عطف على قوله وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ان كان خطابا لنبينا صلى الله عليه وسلم والا فعلى وَإِذْ بَوَّأْنا يعنى اذكر وقت تبويتنا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ- الخبيت الشيء الحقير يعنى من خشع وعدّ نفسه حقيرا يقال اخبت إذا خشع وتواضع كذا في القاموس ومن هاهنا قال ابن عباس وقتادة معناه المتواضعين وقال الأخفش الخاشعين وقيل الخبت المكان المطمئن من الأرض ومن هاهنا قال مجاهد المطمئنين الى الله وقال النخعي المخلصين فان الاطمئنان هو الإخلاص- وقال الكلبي هم الرقيقة قلوبهم- وقال عمرو بن أوس هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا.

الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ هيبة منه لاشراق أشعة جلاله عليها وعرفان عظمته وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ من المصائب وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ فى أوقاتها وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (35) عطف على صلة اللام الموصول يعنى بشر الذين يقيمون الصّلوة وينفقون مما رزقنهم.

وَالْبُدْنَ جمع بدنة كخشب وخشبة قال الجزري في النهاية البدنة يقع على الجمل والناقة والبقرة وهى

ص: 322

بالإبل أشبه وسميت بدنة لعظمها وسمنها- وقال في القاموس البدنة محركة من الإبل والبقر وبه قال ابو حنيفة رحمه الله وقال عطاء والسدى البدن الإبل والبقر واما الغنم لا يسمى بدنة- وقال الشافعي هو من الإبل خاصة قال البيضاوي انما سميت بها الإبل لعظم بدنها ماخوذة من بدن بدانة وقال البغوي سميت بدنة لعظمها وضخامها يريد الإبل العظام الضخام الأجسام يقال بدن الرجل بدنا وبدانة إذا ضخم- واما إذا اسنّ واسترخى يقال بدّن تبدينا واحتج القائلون بانها من الإبل خاصة بحديث جابر قال نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البقر عن سبعة والبدنة عن سبعة- رواه الترمذي وقال هذا حديث صحيح- قلنا روى مسلم عن جابر بلفظ قدمنا مكة فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن معه هدى فليحلل وأمرنا ان نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منافى بدنة قوله والبدن مفعول أول منصوب بفعل مضمر يفسره جَعَلْناها لَكُمْ مفعول ثان مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ اى كائنا من اعلام دينه الّتي شرعها الله- حال من المفعول الاول قيل سميت شعائر لانها تشعر اى يطعن بحديدة في سنامها ليعلم انها هدى لَكُمْ فِيها خَيْرٌ منافع دينية ودنيوية فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها روى الحاكم في المستدرك عن بن عباس موقوفا انه قال ان كانت بدنة فليقمها ثم ليقل الله اكبر الله اكبر الله اكبر اللهم منك ولك ثم ليسم الله ثم لينحر- وروى ابو داود وابن ماجة والحاكم في المستدرك عن جابر مرفوعا انه صلى الله عليه وسلم كان يقول إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ على «1» ملة ابراهيم حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ

إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا من المسلمين اللهم منك ولك بسم الله والله اكبر صَوافَّ اى مصفوفة قال في القاموس فواعل بمعنى مفاعل اى قياما على ثلاثة قوائم قد صفت رجليها واحدى يديها

و

(1) قوله على ملة ابراهيم ثابت في الحديث الصحيح ولكن ليس من القران الحكيم وقوله الآتي وانا من المسلمين صحيح ثابت في دعائه صلى الله عليه وسلم ولكنه في القران المجيد وانا أول المسلمين- وهذا التنبيه لدفع الالتباس فتنبه- الفقير الدهلوي.

ص: 323

يدها اليسرى معقولة فينحرها كذلك- روى البخاري عن ابن عمر انه اتى على رجل قد أناخ بدنة ينحرها فقال ابعثها قياما مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم واخرج عبد بن حميد وابن ابى الدنيا في الأضاحي وابن المنذر وابن ابى حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابى ظبيان قال سالت ابن عباس عن قوله فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ قال إذا أردت ان تنحر البدنة فاقمها على ثلاث قوائم معقولة ثم قل بسم الله والله اكبر اللهم منك ولك- وعلق البخاري قول ابن عباس صَوافَّ اى قياما وذكره سفيان بن عيينة في تفسيره عن عبيد الله بن يزيد وأخرجه سعيد بن منصور وقال مجاهد (الصوافّ) إذا عقلت رجله اليسرى وقامت على ثلاث قوائم وقرأ ابن مسعود صوافن وهو ان يعقل منها يد وينحر على ثلاث قوائم- وقرأ أبيّ والحسن ومجاهد صوافى بالياء اى خوالص لوجه الله- فَإِذا وَجَبَتْ اى سقطت على الأرض جُنُوبُها اى ماتت فَكُلُوا مِنْها امر اباحة وقد مر مسئلة جواز الاكل من الهدايا فيما سبق- الجملة الشرطية معطوفة على فاذكروا يعنى فاذكروا اسم الله عليها فكلوا منها إذا وجبت جنوبها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ قال عكرمة وابراهيم وقتادة القانع الجالس في بيته المتعفف يقنع بما يعطى ولا يسئل والمعتر الّذي يسئل- وروى العوفى عن ابن عباس القانع الّذي لا يتعرض ولا يسئل والمعتر الّذي يريك نفسه ويتعرض ولا يسئل- فعلى هذين التأويلين يكون القانع من القناعة يقال قنع قناعة إذا رضى بما قسم له- وقال سعيد بن جبير والحسن والكلبي القانع الّذي يسئل والمعتر الّذي يتعرض ولا يسئل فيكون القانع من قنع يقنع قنوعا إذا سأل- وقرأ الحسن والمعترى وهو مثل المعتر يقال عرّه واعترّه وعراه واعتراه إذا أتاه يطلب معروفه اما سوالا واما تعرضا- وقال ابن زيد القانع المسكين والمعتر الّذي ليس بمسكين ولا يكون له ذبيحة يجيء الى القوم فيتعرض لهم لاجل لحمهم كَذلِكَ اى تسخيرا مثل تسخير وصفناه من نحرها قياما سَخَّرْناها لَكُمْ مع عظمها وقوتها منقادة

ص: 324

وتجنسونها؟؟؟ صافة قوائمها ثم تطعنون في لبّاتها لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) إنعامنا عليكم بالتقرب والإخلاص- اخرج ابن ابى حاتم وابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال كان اهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الإبل ودمائها فقال اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنحن أحق ان ننضح فانزل الله تعالى.

لَنْ يَنالَ اللَّهَ الاية- واخرج ابن المنذر وابن مردوية عن ابن عباس قال كان المشركون إذا ذبحوا استقبلوا الكعبة بالدماء فينتضحون بها نحو الكعبة- فاراد المسلمون ان يفعلوا ذلك فانزل الله تعالى لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها قال مقاتل اى لن يرفع الله لحومها ولا دماؤها وَلكِنْ يَنالُهُ قرأ يعقوب لن تنال وتناله بالتاء المثناة من فوق فيهما والباقون بالياء المثناة من تحت اى ولكن يرفع الله التَّقْوى مِنْكُمْ يعنى الأعمال الصالحة المترتبة على التقوى والإخلاص المراد بها وجه الله كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ كرره تذكيرا للنعمة وتعليلا له بقوله لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ لتعرفوا عظمته باقتداره على مالا يقدر غيره فتوحدوه بالكبرياء شكرا عَلى ما هَداكُمْ أرشدكم الى معالم دينه ومناسك حجه والى طريق تسخيرها وكيفية التقرب بها- وما مصدرية او موصولة وعلى متعلقة بتكبر والتضمنه معنى الشكر- وقيل المراد التكبير عند الاحلال والذبح على انعام هداكم الله الى تسخيرها وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) قال ابن عباس يعنى الموحدين عطف على بشّر المخبتين.

إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ «1» عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا قرأ ابن كثير وابو عمرو يدفع بفتح الياء والفاء واسكان الدال والمفعول محذوف- اى يدفع غائلة المشركين عن المؤمنين ويمنعهم من المؤمنين والباقون يدافع من المفاعلة اى يبالغ في الدفع مبالغة من يغالب فيه إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ اى يبغض كُلَّ خَوَّانٍ في امانة الله كَفُورٍ (38) لنعمته قال ابن عباس خانوا الله يعنى كفار

(1) وقوله إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ تمهيد للاذن بالقتال- يعنى لمّا كان دفع الكفار با المؤمنين سنة مستمرّة من الله تعالى اذن بالقتال وهذا يتضمن الوعد بالنصر حتى يحصل الدفع 12 منه رح.

ص: 325

مكة فجعلوا معه شريكا وكفروا نعمته- وقال الزجاج من تقرب الى الأصنام بذبيحته وذكر عليه اسم غير الله فهو خوّان كفور- ولهذه الجملة في مقام التعليل للدفع اخرج احمد والترمذي والسدى والحاكم وصححه عن ابن عباس قال لما اخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر اخرجوا نبيهم ليهلكنّ فانزل الله تعالى.

أُذِنَ قرأ نافع وعاصم وابو عمرو على البناء للمفعول والباقون على البناء للفاعل اى اذن الله ورخّص في القتال لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ قرأ نافع وابن عامر وحفص بفتح التاء على البناء للمفعول يعنى للمؤمنين الذين يقاتلهم المشركون والباقون بكسر التاء على البناء للفاعل يعنى للمؤمنين الذين اذن لهم في الجهاد وان يقاتلوا الكفار- قال البغوي قال المفسرون كان مشركوا مكة يؤذون اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يزالون يجيئون بين مضروب ومشجوج ويشكون ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول لهم اصبروا فانى لم اومر بالقتال فنزلت هذه الاية بالمدينة- واخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردوية والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس انها أول اية نزلت في القتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين اية- وأخرجه ابن ابى حاتم عن عروة بن الزبير- وأخرجه عبد الرزاق وابن المنذر عن الزهري وقال البغوي قال مجاهد نزلت هذه الاية في قوم بأعيانهم خرجوا مهاجرين من مكة الى المدينة فكانوا يمنعون فاذن الله لهم في قتال الكفار والذين يمنعونهم من الهجرة بِأَنَّهُمْ اى أذنوا في القتال بسبب انهم ظُلِمُوا اى اعتدوا عليهم «1» بالإيذاء

(1) وعن محمد بن سيرين قال اشرف عليهم عثمان من القصر وقال ايتوني برجل تالى كتاب الله فاتوه بصعصعة بن صوحان- فتكلم بكلام فقال أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ- فقال له عثمان كذبت ليس لك ولا لاضحاك ولكنها لى ولاصحابى 12 ازالة الخفاء منه رح.

ص: 326

ومن هاهنا لا يجوز قتل نساء اهل الحرب بالإجماع الا ان يكون ذوات رأى او مال تعنّ الكفار باموالهنّ على قتال المسلمين- ولا يجوز قتل الشيخ الفاني ولا الرهبان ولا العميان ولا الزمنى خلافا لاحد قولى الشافعي الا ان يكون لهم رأى وتدبير فيجوز قتلهم اتفاقا- ولا يجوز عند ابى حنيفة رحمه الله قتل المرتدة بل تحبس ابدا حتى تموت او تتوب وقال مالك والشافعي واحمد الرجل والمرأة في حكم الردة سواء لنا حديث عبد الله بن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان- متفق عليه وحديث رباح بن الربيع قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فراى الناس مجتمعين على شيء فبعث رجلا فقال انظروا على ما اجتمع هؤلاء فجاء فقال على امراة قتيل فقال ما كانت هذه تقاتل وعلى المقدمة خالد بن الوليد فبعث رجلا فقال قل لخالد لا تقتل امراة ولا عسيفا «1» - رواه ابو داود وعن انس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال انطلقوا بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امراة الحديث- رواه ابو داود والمرأة في تلك الأحاديث مطلقة تحت النفي تعم الكافرة الاصلية والمرتدة وعلل في النص عدم قتلها بعدم حرابها- قالت الحنفية الأصل في الاجزية ان تتاخر الى دار الجزاء وهى الدار الاخرة- واما دار الدنيا فهى دار التكليف والابتلاء قال الله تعالى لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ- فكل ما شرع جزاء في هذه الدار انما هو لمصالح تعود إلينا في هذه الدار كالقصاص وحد الشرب والقذف والزنى والسرقة فانها شرعت لحفظ النفوس والاعراض والعقول والأنساب والأموال- فالقتل بالردة لا يجب الا لدفع شر حرابه لا جزاء على كفره لان جزاء الكفر أعظم من ذلك عند الله فيختص القتل بمن يتاتى منه الحراب وهو الرجل- ولو كان جزاء للكفر لما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل نساء اهل الحرب ولو كان جزاء للكفر لزم تطهيره بالقتل كما في القصاص والحدود

(1) العسيف الأجير وقيل هو الشيخ الفاني- وقيل العبد- 12 نهاية جزرى منه رح.

ص: 327

احتجوا على وجوب قتل المرتدة بعموم قوله صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه- رواه البخاري من حديث ابن عباس وفي الباب عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده في معجم «1» الكبير للطبرانى وعن عائشة في الأوسط وأجاب الحنفية بانا خصصنا النساء عن عموم كلمة من لما ذكرنا من أحاديث النهى عن قتل النساء بعد ان عمومه مخصص بمن بدل دينه من الكفر الى الإسلام او من اليهودية الى النصرانية قلت لكن حديث ابن عباس رواه الحاكم وصححه بلفظ من بدل دينه من المسلمين فاقتلوه- قال الحافظ هو من طريق حفص بن عمر العدني وهو مختلف فيه واحتجوا ايضا بحديث جابر ان امراة يقال لها أم مروان ارتدت فامر النبي صلى الله عليه وسلم ان يعرض عليها الإسلام فان تابت والا قتلت- رواه الدار قطنى من طريقين ولا في أحدهما فابت ان تسلم فقتلت- قال الحافظ اسنادا هما ضعيفان قال ابن همام الاول مضعف بعمر بن رواحة والثاني بعبد الله بن أذينة قال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج به وروى حديث اخر عن عائشة ارتدت امراة يوم أحد فامر النبي صلى الله عليه وسلم ان تستتاب والا قتلت وفي سنده محمد بن عبد الملك قالوا فيه يضع الحديث- ثم هذه الأحاديث معارضة بأحاديث اخر مثلها منها ما أخرجه الدار قطنى عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتل المرأة إذا ارتدت- وفيه عبد الله بن عليس الجزري قال الدار قطنى كذاب يضع الحديث وعن ابى هريرة اخرج ابن عدى في الكامل ان امراة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت فلم يقتلها وضعفه بحفص بن سليمان واخرج الطبراني في معجمه عن معاذ بن جبل ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه الى اليمن قال أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فان تاب فاقبل منه وان لم يتب فاضرب عنقه وأيما امراة ارتدت عن الإسلام فادعها فان تابت فاقبل منها وان أبت فاستتبها- وروى ابو يوسف عن ابى حنيفة عن عاصم بن ابى النجود عن ابى رزين عن ابن عباس لا تقتل النساء إذا هن ارتددن عن الإسلام ولكن

(1) هكذا في الأصل ولعل الاولى المعجم- الفقير الدهلوي.

ص: 328

ولكن يحبسن ويدعين الى الإسلام ويجبرن عليه- وفي بلاغات محمد عن ابن عباس نحوه وروى عبد الرزاق اثر عمر انّ امراة تنصرت فامر ان تباع في ارض ذات مؤنة عليها ولاتباع في اهل ديتها فبيعت في دومة الجندل وروى الدار قطنى اثر علىّ المرأة تستتاب ولا تقتل وضعّف بجلاس (مسئلة) لو امر الامام بقتل بعض من نساء اهل الحرب مرتدة كانت او غيرها لمصلحة فلا بأس به وقد ذكرنا في تفسير سورة الفتح ان رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد الى امرائه من المسلمين يوم الفتح حين أمرهم ان يدخلوا مكة ان لا تقتلوا أحدا الا من قاتلهم الا نفرا سماهم فامرهم بقتلهم وان وجدوا تحت أستار الكعبة وذكرنا هناك أسماءهم منهم نساء منهن قينتان لعبد الله بن خطل قرنة وقرينة فقتلت قرينة وأسلمت قرنة وكانتا مرتدتين ومنهن سارة مولاة عمر بن هاشم وهند امراة ابى سفيان كانتا كافرتين اصليتين اسلمتا يوم الفتح والله اعلم وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) وعدلهم بالنصر كما وعد بدفع أذى الكفار عنهم.

الَّذِينَ «1» أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ الّتي كانت لهم بمكة الموصول مجرور بدل من الموصول في أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ او منصوب بتقديرا عنى او امدح او مرفوع بتقدير المبتدا اى هم الذين اخرجوا «2» وعلى جميع التقادير المال واحد بِغَيْرِ حَقٍّ استحقوا به الجلاء إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ان مع صلته في محل الجر بدل من الحق استثناء منه واطلاق الحق عليه مبنىّ على زعمهم الباطل- والفرض منه التنبيه على وضوح ظلمهم وكونهم على الباطل حيث زعموا ما هو بديهىّ البطلان وهو استحقاق الإخراج بالتوحيد حقّا وهذا نظير قوله فلان لا خير فيه الا انه يسئ بمن يحسن اليه يعنى انه يزعم الاساءة

(1) وعن عثمان بن عفان قال فينا نزلت هذه الاية الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ ثم مكّنّا في الأرض فاقمنا الصلاة واتينا الزكوة وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر فهى لى ولاصحابى 12 ازالة الخفا منه رح

(2)

الى المدينة يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه كذا قال ابن عباس- ازالة الخفاء منه رح.

ص: 329

الى من احسن اليه خيرا فكيف يكون فيه خير فهو بمنزلة الدعوى مع البرهان ونظيره قوله تعالى وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا ونظيره قول الشاعر

وبلدة ليس بها أنيس

الا اليعافير والا العيس

وقيل هذا استثناء منقطع بمعنى لكنهم اخرجوا بسبب قولهم ربّنا الله وهذا القول حق فالاخراج به إخراج بغير حق- وجاز ان يكون استثناء من كلام محذوف تقديره ما اخرجوا الشيء الا بان قالوا ربّنا الله وهذا القول حق فالاخراج به إخراج بغير حق فهو في مقام التعليل لما سبق وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ «1» النَّاسَ بَعْضَهُمْ بدل من الناس بِبَعْضٍ اى ببعضهم بتسليط المؤمنين منهم على الكافرين- قرأ نافع لولا دفاع الله بكسر الدال والف بعد الفاء بمعنى المدافعة للمبالغة والباقون بفتح الدال واسكان الفاء من غير الف لَهُدِّمَتْ قرأ نافع وابن كثير بتخفيف الدال والباقون بتشديدها صَوامِعُ ادغم حمزة والكسائي وابو عمرو وابن ذكوان تاء هدمت في الصاد ولم يدغم غيرهم «2» قال مجاهد والضحاك يعنى صوامع الرهبان وقال قتادة صوامع الصابئين وَبِيَعٌ جمع بيعة وهى كنيسة النصارى وَصَلَواتٌ وهى كيائس اليهود يسمونها بالعبرانية صلوة وَمَساجِدُ المسلمين من امة محمّد صلى الله عليه وسلم ومعنى الاية لولا دفع الله الناس لهدمت في كل شريعة نبي مكان عبادتهم فهدمت في زمن موسى الكنائس وفي زمن عيسى البيع والصوامع وفي زمن محمد صلى الله عليه وسلم المساجد يُذْكَرُ فِيهَا اى في المساجد او في جميع الاربعة اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً صفة لمصدر محذوف اى ذكرا كثيرا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ اى ينصر دينه جواب قسم محذوف والجملة معترضة للوعد- إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ على نصرهم عَزِيزٌ (40) لا يمكن ممانعته تأكيد للوعد

(1) عن ثابت بن عرفجة الحضري قال حدثنى سبعة وعشرون من اصحاب على وعبد الله ان عليّا قال انما نزلت هذه الاية لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ الاية قال لولا دفع الله باصحاب محمد من التابعين لهدّمت صوامع 12 منه رح.

(2)

وفي الأصل غيره.

.

ص: 330

الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ ان هاهنا بمعنى إذا بدليل ما سبق من الوعد بالدفع والنصر فهو اخبار ووعد بالتمكين فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وصف للذين اخرجوا وهو ثناء قبل بلاء وهو برهان على صحة امر الخلفاء الراشدين إذ لم يحصل المكنة في الأرض لغيرهم من المهاجرين- واما معاوية رضى الله عنه فلم يكن من الذين اخرجوا- وقيل الموصول بدل ممن ينصره والمعنى لينصرن الله من يكون هذا صفته ولا شك ان الله تعالى نصر الخلفاء الراشدين وأنجز وعده- حتى سلّطهم على صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرتهم وأورث المسلمين على عهدهم ارض الكفار وديارهم وأموالهم وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) فان مرجعها الى حكمه وفيه تأكيد لما وعده.

وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ يا محمد يعنى كفار مكة فَقَدْ كَذَّبَتْ تعليل لجزاء محذوف لشرط مذكور تقديره فان كذبوك فلا تحزن لانه ليس بامر مبدع فقد كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ جملة معترضة لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم وَكُذِّبَ مُوسى غيّر فيه النظم وبنى للمفعول لان قومه بنى إسرائيل لم يكذبوه وانما كذبه القبط ولان تكذيبه كان اشنع لكون آياته أعظم واشيع فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ اى أمهلتهم وأخرت عقوبتهم عطف على كذبت ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ بالعذاب عاقبة أمرهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (44) اثبت الياء ورش في الوصل حيث وقعت والباقون حذفوها- يعنى كيف كان إنكاري عليهم بتغيير النعمة محنة والحيوة هلاكا والعمارة خرابا استفهام للتعجيب او التهويل او التقرير اى هو واقع موقعه.

فَكَأَيِّنْ فكم مِنْ قَرْيَةٍ كلمة كاين مرفوع بالابتداء او منصوب بإضمار فعل يفسره أَهْلَكْناها قرأ ابو عمرو ويعقوب أهلكتها بتاء مضمومة على صيغة المتكلم المتوحد والباقون بنون مفتوحة والف بعدها على التعظيم- يعنى أهلكنا أهلها حذف المضاف

ص: 331

وأقيم المضاف اليه مقامه وكذا في قوله وَهِيَ يعنى وأهلها ظالِمَةٌ اى واضعة للعبادة في غير موضعها كافرة بالله مؤمنة بالطواغيت فَهِيَ اى حيطانها خاوِيَةٌ اى ساقطة عَلى عُرُوشِها اى سقوفها يعنى تهدمت عمرانها فسقطت السقوف اولا ثم وقعت عليها الجدران فالظرف لغو متعلق بخاوية- او المعنى خاوية اى خالية على عروشها يعنى كائنة على عروشها اى مع بقاء عروشها وسلامتها وعلى هذا التأويل الظرف المستقر اما منصوب على الحال او مرفوع خبر بعد خبر اى هى خالية وهى معطلة على عروشها بان سقطت وبقيت الحيطان مائلة مشرفة عليها- والجملة معطوفة على أهلكناها لا على وهى ظالمة فانها حال والإهلاك ليس خال خوائها- وعلى تقدير نصب كايّن لا محل لهذه الجملة من الاعراب وَبِئْرٍ كانت في القرى أهلكنا اهل تلك الآبار فصارت كبئر «1» مُعَطَّلَةٍ متروكة لا تسقى عطف على قرية اى وكم من بئر معطلة وَكم من قَصْرٍ مَشِيدٍ (45) أهلكنا أهلها يعنى كم من قرية ساقطة عمر ان بعضها بعد خرابها ومرفوعة مشيدة عمران بعضها أهلكنا أهلها- قال قتادة والضحاك ومقاتل معنى مشيد رفيع طويل من قولهم شاد بناه إذا رفعه- وقال سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد اى مجصص من الشّيد وهو الجص- وجملة فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ بدل من قوله فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ومن ثم عطف بالفاء- قال البغوي قيل ان البئر المعطلة والقصر المشيد باليمن اما القصر فعلى قلة جبل والبئر في صفحه ولكل واحد منهما قوم في نعمة فكفروا فاهلكهم الله وبقي القصر والبئر خاليين وروى ابو روق عن الضحاك انه كان هذه البئر بحضر موت في بلدة يقال لها حاصورا وذلك ان اربعة آلاف نفر ممن أمن بصالح عليه السلام نجوا من العذاب فاتوا بحضر موت ومعهم صالح فلمّا حضروه مات صالح عليه السلام فسمى حضر موت لان صالحا لما حضره مات فبنوا حاصورا وقعدوا على هذه البئر وامّروا عليهم رجلا فاقاموا

(1) وفي الأصل فصارت معطلة إلخ وانما زدنا لفظة كبئر لان معطلة مجرورة لا تصلح ان تقع خيرا لصارت وتغيير الاعراب غير جائز فلا بد من تقدير والله اعلم الفقير الدهلوي

ص: 332

دهرا وتناسلوا حتى كثروا- ثم ان اخلافهم عبدوا الأصنام وكفروا فارسل الله إليهم نبيّا يقال له حنظلة بن صفوان وكان حمالا فيهم فقتلوه في السوق فاهلكهم الله وعطلت بئرهم وخربت قصورهم.

أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ عطف على محذوف تقديره الم يخرجوا من بيوتهم فلم يسيروا في الأرض فَتَكُونَ منصوب بتقدير ان معطوف على مصدر مدلول تضمنا لقوله أَفَلَمْ يَسِيرُوا- يعنى الم يحصل منهم خروجهم من بيوتهم وسير في الأرض لان تكون لَهُمْ قُلُوبٌ وتكون اما تامة ولهم حال من فاعله- واما بمعنى تصير والظرف خبره وبعده اسمه يَعْقِلُونَ بِها صفة لقلوب والمفعول محذوف والمعنى يعقلون بها ما يجب تعقله من التوحيد بما حصل لهم من الاستبصار والاستدلال أَوْ آذانٌ عطف على قلوب يَسْمَعُونَ بِها الاستفهام للانكار والإنكار راجع الى كون قلوبهم عاقلة بعد السير وآذانهم سامعة للحق وفيه حثّ على التعقل والاستماع فَإِنَّها الضمير للقصة او مبهم يفسره الابصار في قوله تعالى لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وفي تعمى ضمير راجع الى الابصار المقدم رتبة او الظاهر أقيم مقامه- والفاء للتعليل اى تعليل استعقاب السير كون قلوبهم عاقلة وآذانهم سامعة- يعنى ليست أبصارهم عامية حتى لا يروا مشاهد الآثار الأمم الخالية بعد السير ولمّا كان حال الكفار من عدم الاعتبار بعد ظهور الآيات ومشاهدة الآثار شاهدا على ونهم عميانا وموجبا لانكار السامع لابصارهم أكد هذه الجملة بانّ وضمير القصة او الضمير المبهم المفسر بما بعده انزالا للسامع منزلة المنكر لنفى العمى- ثم قال استدراكا لدفع توهم نفى العمى عنهم مطلقا وازاحة لشبهة حارت عقول العقلاء في انهم يرون آيات التوحيد ولا يعتقدون به ويسمعون براهين التحقيق ولا يصغون إليها وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) ذكر الصدور للتأكيد ونفى احتمال التجوّز كما في قوله تعالى طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ وفيه تنبيه على ان العمى الحقيقي ليس المتعارف الّذي يخص البصر- قال قتادة البصر الظاهر بلغة ومتعة وبصر القلب هو البصر النافع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شر العمى عمى القلب رواه البيهقي

ص: 333

فى الدلائل وابن عساكر عن عقبة بن عامر الجهني وابو نصر السنجري في الإبانة عن ابى الدرداء ورواه الشافعي عن ابن مسعود موقوفا- وذكر في الاية عمى القلب وأراد سلب المشاعر كلها عن قلوبهم كانّه قال ولكن تعمى وتصم القلوب الّتي في الصدور- قال البيضاوي قيل لما نزلت وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى قال ابن أم مكتوم يا رسول الله انا في الدنيا أعمى أفأكون في الاخرة أعمى فنزلت هذه الاية- قلت وهذا ما اخرج ابن ابى حاتم عن قتادة قوله ذكر لنا انها نزلت في عبد الله بن زائدة يعنى ابن أم مكتوم.

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ المتوعد به هذه الاية في مقام الاستشهاد على عمى قلوبهم فان استعجال العذاب دليل على العمى قال البغوي نزلت في النضر بن الحارث حيث قال إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ

وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ لامتناع الخلف في خبره فيصيبهم ما أوعدهم به البتة ولو بعد حين لكونه صبورا لا يعجل بالعقوبة وانجر الله الوعد يوم بدر والجملة حال او معترضة وكذا قوله وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ حال او معترضة كانّه قال لم تستعجلونه وهو لا يجوز فواته وهذه الاية تدل على انه كما لا يجوز الخلف في وعده لا يجوز التخلف في وعيده ايضا- وذالا ينافى المغفرة فان آيات الوعيد مخصوصة بالنصوص والإجماع بمن لا يتداركه المغفرة وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي يعدّون بالياء التحتانية هاهنا لقوله ويستعجلونك- وقرأ الباقون بالتاء الفوقانية لانه أعم لانه خطاب للمستعجلين والمؤمنين جميعا- قال ابن عباس في رواية عطاء معنى الاية ان يوما عنده تعالى والف سنة في الامهال سواء- لانه قادر متى شاء أخذهم لا يفوته شيء بالتأخير فيستوى في قدرته وقوع ما يستعجلون به من العذاب وتأخيره وقيل معناه ان يوما من ايام العذاب الّذي استعجلوه في الثقل والاستطالة والشدة كالف سنة مما تعدون فكيف يستعجلونه- وهذا كما يقال ايام الهموم طوال وايام السرور قصار- وقيل انه

ص: 334

بيان لتناهى صبره يعنى ان الله لا يخلف وعده لكنه قد يؤخر العذاب الى يوم هو عند ربك كالف سنة- قال مجاهد وعكرمة يعنى يوما من ايام الاخرة والدليل علمه ما روى عن ابى سعيد الخدري رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل اغنياء؟؟؟

الناس بنصف يوم وانّ يوما عند ربك كالف سنة- رواه احمد والترمذي وحسنه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمس مائة عام ونصف يوم رواه الترمذي.

وَكَأَيِّنْ اى وكم مِنْ قَرْيَةٍ اى من اهل قرية حذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه في الاعراب وإرجاع الضمائر والاحكام مبالغة في التعميم- وأورد هذه الجملة معطوفة بالواو على قوله يَسْتَعْجِلُونَكَ

وَلَنْ يُخْلِفَ لانه في مقام الاستشهاد لعدم التخلف وبيان ان المتوعد به واقع لا محالة- والتأخير مبنى على عادة الله سبحانه فان كثير من القرى أَمْلَيْتُ اى أمهلت لَها كما امهلتكم وَهِيَ ظالِمَةٌ مثلكم حال من القرية ثُمَّ أَخَذْتُها بالعذاب وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48) يعنى الى حكمى مرجع الجميع-.

قُلْ يا محمّد لكفار مكة يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ يعنى لست بقادر على إتيان العذاب مُبِينٌ (49) أوضح لكم ما أنذركم به ولمّا كان الخطاب مع المشركين المستعجلين بالعذاب وانما كان ذكر المؤمنين وثوابهم زيادة في غيظهم اقتصر على ذكر الانذار- ويمكن ان يقال ان الانذار مقدم على الابشار وعام للفريقين والابشار يخص بمن أطاعه بعد ما أطاعه ولذلك اقتصر عليه روى الشيخان في الصحيحين عن ابى موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انما مثلى ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل اتى قوما فقال يا قوم انى رايت الجيش بعيني وانّى انا النذير العريان فالنجا النجا فاطاعه طائفة من قومه فادلجوا «1» وانطلقوا على

(1) الدلجة هو سير الليل يقال ادبح بالتخفيف إذا سار من أول الليل وادّلج بالتشديد إذا سار آخره- 12 نهاية منه رح.

ص: 335

مهلهم فنجوا- وكذبت طائفة منهم فاصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فاهلكهم واجتاحهم «1» - فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ومثل من عصانى وكذّب ما جئت به من الحق.

فَالَّذِينَ آمَنُوا بما جئت به وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ على حسب ما امرتهم لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لما سلف منهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الإسلام يهدم ما كان قبله- رواه مسلم عن عمرو بن العاص وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) اى الجنة.

وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا بالرد والابطال مُعاجِزِينَ حال من فاعل سعوا قرأ ابن كثير وابو عمرو معجّزين بالتشديد من التفعيل هاهنا وفي سورة سبا اى مثبطين الناس عن الايمان ينسبونهم الى العجز والباقون بالألف من المفاعلة اى معاندين مشاقين قال قتادة معنى معجزين ظانّين مقدرين انهم يعجزوننا بزعمهم ان لا بعث ولا نشر ولا جنة ولا نار او معنى يعجزوننا اى يفوتوننا فلا نقدر عليهم- وقيل معنى معاجزين مغالبين يريدون ان يظهروا عجزنا عن ادراكهم- قلت يمكن ان يكون معناه معاجزين الرسول فانه يمنعهم عن دخول النار وهم يقتحمون فيها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (51) روى الشيخان في الصحيحين عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلى كمثل رجل استوقد نارا فلمّا أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب الّتي تقع في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها فانا أخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها- واللفظ للبخارى ولمسلم نحوه قال البغوي قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما من المفسرين انه لما راى رسول الله صلى الله عليه وسلم تولّى قومه عنه وشق عليه ما راى من مباعدتهم عما جاء به من الله عز وجل تمنى في نفسه ان يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه لحرصه على ايمانهم فكان يوما في مجلس لقريش فانزل الله سورة النجم فقراها رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1) احتاجهم اى من الجائحة وهى الآفة الّتي تهلك 12 منه رح.

ص: 336

حتّى بلغ قوله أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى - القى الشيطان على لسانه لما كان يحدث به في نفسه ويتمنى تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجى- فلمّا سمعت قريش ذلك فرحوا به ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته فقرأ السورة كلها وسجد في اخر السورة فسجد المسلمون بسجوده وسجد جميع من في المسجد من المشركين فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر الا سجد الا الوليد بن المغيرة وسعيد بن العاص فانهما أخذا حفنة من البطحاء ورفعاها الى جبهتهما وسجدا عليه لانهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا من ذكر الهتهم يقولون قد ذكر محمد الهتنا بأحسن الذكر وقالوا قد عرفنا ان الله يحيى ويميت ويخلق ويرزق ولكن الهتنا هذه تشفع لنا عنده فاذا جعل لها محمد نصيبا فنحن معه- فلما امسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبرئيل فقال يا محمد ماذا صنعت لقد تلوت على الناس مالم آتك به عن الله عز وجل فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا وخاف من الله خوفا كثيرا فانزل الله تعالى.

وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ الاية يعزيه وكان به رحيما- وسمع من كان بحبشة من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغهم سجود قريش وقيل أسلمت قريش واهل مكة فرجع أكثرهم الى عشائرهم وقالوا هم أحب إلينا حتى إذا دنوا من مكة بلغهم ان الّذي كانوا تحدثوا به من اسلام اهل مكة كان باطلا فلم يدخل أحد الا بجوار او مستخفيا مِنْ رَسُولٍ من زائدة للتعميم قال البغوي الرسول هو الّذي يأتيه جبرئيل عيانا وَلا نَبِيٍّ هو الّذي يكون نبوته إلهاما او مناعا وقيل الرسول من بعثه الله بشريعة مجددة يدعو الناس إليها والنبي يعمه ومن بعثه لتقرير شرع سابق كانبياء بنى إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى فكل رسول نبى وليس كل نبى رسولا- عن ابى ذر قال قلت يا رسول الله اىّ الأنبياء كان اوّل قال آدم قلت يا رسول الله ونبى كان قال نعم نبى مكلّم قلت يا رسول الله كم المرسلون قال ثلاثمائة وبضعة عشر جمّا غفيرا- وفي رواية عن ابى امامة

ص: 337

قال أبو ذر قلت يا رسول الله كم وفاء عدة الأنبياء قال مائة الف واربعة وعشرون الفا الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمّا غفيرا رواه احمد وابن راهويه في مسنديهما وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك صحّح رواية ابى امامة إِلَّا إِذا تَمَنَّى قال بعض المفسرين معناه إذا أحب شيئا واشتهاه وحدث به نفسه مالم يؤمر به- استثناء مفزغ من رسول ونبى على الحال تقديره ما أرسلنا من رّسول ولا نبىّ في حال من الأحوال الا مقدرا في شأنه انه إذا تمنى أَلْقَى الشَّيْطانُ اى وسوس اليه ووجد اليه سبيلا والقى في مراده- وما من نبى الا إذا تمنى ان يؤمن قومه ولم يتمن ذلك نبىّ الا القى الشيطان فِي أُمْنِيَّتِهِ عليه ما يرضى قومه وقال البيضاوي إذا زور نفسه ما يهويه القى الشيطان فيما يشتهيه ما يوجب اشتغاله بالدنيا فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ اى يبطله ويذهبه بعصمته عن الركون ويرشده الى ما يزيحه ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ الداعية الى الاستغراق في امر الاخرة وقال اكثر المفسرين معنى قوله الا إذا تمنى اى قرا كتاب الله القى الشيطان في امنيّة اى في قراءته قال الشاعر في عثمان رضى الله عنه حين قتل شعر

تمنى كتاب الله اوّل ليلة

وآخرها لاقى حمام المقادر

فان قيل كيف يجوز الغلط في التلاوة على النبي صلى الله عليه وسلم وكان معصوما من الغلط في اصل الدين وقال الله تعالى لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ يعنى إبليس- ومن هاهنا قال البيضاوي هو يعنى ما ذكر في شأن نزول الاية وإلقاء الشيطان في قراءة سورة النجم مردود عند المحققين- لكن قال الشيخ جلال الدين السيوطي هذه القصة رواها البزار وابن مردوية والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس- قلت يعنى عن سعيد بن جبير عنه قلت قال البزار لا يروى متصلا الا بهذا الاسناد تفرد بوصله امية بن خالد وهو ثقة مشهور وقد اخرج ابن ابى حاتم وابن جرير وابن المنذر بسند صحيح عن سعيد بن جبير مرسلا قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة والنجم فلمّا بلغ أفرأيتم اللّات والعزّى ومنوة الثّالثة

ص: 338

الاخرى القى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى ان شفاعتهن لترتجى فقال المشركون ما ذكر الهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا فنزلت وما أرسلنا من قبلك الاية وأخرجه النحاس عن ابن عباس متصلا بسند فيه الواقدي وأخرجه ابن مردوية من طريق الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس وابن جرير من طريق العوفى عن ابن عباس وأورد ابن إسحاق في السيرة عن محمد بن كعب وموسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب وابن جرير عن محمّد بن كعب ومحمّد بن قيس وابن ابى حاتم عن السدىّ كلهم بمعنى واحد وكلها اما ضعيفة او منقطعة سوى طريق سعيد بن جبير الاول الّذي ذكره البزار وابن مردوية والطبراني- وقال الحافظ ابن حجر لكن كثرة الطرق تدل على ان للقصة أصلا مع ان لها طريقين صحيحين مرسلين رجالهما على شرط الصحيحين أحدهما ما أخرجه الطبراني من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب الزهري حدثنى أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام

- وثانيهما ما أخرجه ايضا من طريق المقيم بن سليمان وحماد بن سلمة عن داود عن ابى هند عن ابى العالية- قلنا اختلف العلماء في الجواب عن الاشكال فقال بعضهم ان الرسول لم يقرأه ولا سمع منه أصحابه ولكن الشيطان القى ذلك بين قراءته في اسماع المشركين فظن المشركون ان الرسول صلى الله عليه وسلم قرأه- وقال قتادة أغفى النبي صلى الله عليه وسلم إغفاء فجرى على لسانه بإلقاء الشيطان على سبيل السهو والنسيان فلم يلبث حتى نبهه الله عليه «1» - قيل ان شيطانا يقال له ابيض عمل هذا العمل وكان ذلك

(1) قال القاضي عياض في الشفاء لم يخرجه أحد من العلماء اهل الصحة ولا رواه ثقة سليم متصل وانما اولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المؤلقون بكل غريب المتلفقون من الصحف كل صحيح وسقيم- وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال لقد تلى الناس ببعض اهل الأهواء والتفسير وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف نقلبة واضطراب رواياته وانقطاع أسانيده واختلاف كلماته- فقائل يقول انه في الصلاة واخر يقول قالها في نادى قومه حين أنزلت عليه سورة النجم واخر يقول بل حدث نفسه فسهى واخر يقول قالها وقد أصابته سنة واخر يقول ان الشيطان قالها على لسانه وان النبي صلى الله عليه وسلم لما عرضها على جبرئيل قال ما هكذا قرأتك واخر يقول بل أعلمهم الشيطان ان النبي صلى الله عليه وسلم قراها فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قال والله ما هكذا نزلت الى غير ذلك من اختلاف الرواة وممن حكيت هذه الحكاية من المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها الى صاحب.... واكثر الطرق عنهم ضعيفة واهية- والمرفوع فيه في حديث سعيد عن ابى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال فيما احسب الشك في الحديث ان النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة- قال أبو بكر البزار هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره الا هذا- ولم يسنده عن سعيد الا امية بن خالد وغيره مرسلة عن سعيد بن جبير- وانما يعرف عن الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس- وقد بين ذلك أبو بكر انه لا يعرف من طريق يجوز ذكرة الا هذا وفيه من الضعف ما فيه عليه مع وقوع الشك فيه وأحاديث الكلبي مما لا يجوز الرواية عنه ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه منه رح.

قال الخفاجي في سليم الرياض ص 86- 470 اى الى صحابى من اصحاب الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم قالها وقيل المعنى لم يعزها لصاحب لها قد قالها انتهى (الفقير الدهلوي) . [.....]

ص: 339

فتنة ومحنة والله يمتحن عباده بما يشاء- فان قيل كلا التقدير ان سواء قرأ الشيطان وحسب الناس ان النبي صلى الله عليه وسلم قرأه او جرى على لسانه في حالة اغفائه يخل بالوثوق بالقرآن- قلنا قد تكفل الله تعالى الوثوق بقوله فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ اى يبطله ويذهبه ويظهر على الناس انه من إلقاء الشيطان ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ المنزلة اى يثبتها ويحفظها من لحوق الزيادة من الشيطان- فان قيل هذه الاية حينئذ ايضا يحتمله قلنا إذا ضمت هذه الاية بالبرهان العقلي المستدعى صحة رسالة الرسل وعصمتهم عن الخطاء والزلل في اصول الدين يفيد يقينا في قوة البداهة ان هذه الاية وكلما أثبته الله وأحكمه من الآيات والشرائع والاحكام انما أثبته وأحكمه الله لِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ- قال الله تعالى فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ

وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوال الناس واستعداداتهم فيفعل بكل ما يستحقه من الهداية او الإضلال حَكِيمٌ (52) فيما

ص: 340

يفعله لا يسع لاحد الاعتراض عليه- او عليم بما اوحى الى نبيه وبقصد الشيطان حكيم لا يدعه حتى يكشفه ويزيله.

لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ عليه بتمكين الشيطان منه فِتْنَةً اى محنة وبلاء لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك ونفاق وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ اى المشركين وَإِنَّ الظَّالِمِينَ يعنى اهل النفاق والشرك وضع الظاهر موضع ضميرهم قضاء عليهم بالظلم لَفِي شِقاقٍ خلاف عن الحق او عن الرسول والمؤمنين بَعِيدٍ (53) قال البغوي لما نزلت هذه الاية قالت قريش ندم محمد على ما ذكر من منزلة الهتنا عند الله فغيّر ذلك وكان الحرفان الذان القى الشيطان في امنيّته صلى الله عليه وسلم قد وقع في فم كل مشرك فازدادوا شرّا الى ما كانوا عليه وشدة على من اسلم.

وَلِيَعْلَمَ عطف على ليجعل واللام متعلق بمقدر يعنى فعلنا تمكين الشيطان على الإلقاء ونسخ ما يلقى الشيطان لامرين لنجعل ما يلقى الشيطان الى آخره وليعلم- وجاز ان يكون اللام متعلقا بقوله أَلْقَى الشَّيْطانُ وحينئذ يكون اللام في ليجعل وليعلم للعاقبة كما في قوله تعالى فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً

الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ بالله وأحكامه وقال السدى اى التصديق بنسخ الله أَنَّهُ اى الّذي أحكمه الله من آيات القرآن هو الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ النازل من عنده او انّه اى تمكين الشيطان حق لانه جرت به عادة الله في جنس الإنسان من لدن آدم عليه السلام فَيُؤْمِنُوا بِهِ اى بالقرآن ويعتقدوا انه من الله او بالله تعالى وعطف يؤمنوا على يعلم بالفاء دليل على ان مجرد العلم ليس بايمان بل هو امر وهبى مترتب على العلم غالبا بجرى العادة فَتُخْبِتَ اى تخشع لَهُ قُلُوبُهُمْ بالانقياد والخشية وتطمئن عنده وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا فيما أشكل عليهم إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) اى اعتقاد صحيح وطريق قويم وهو الإسلام.

وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ اى شك مِنْهُ اى ناشية من القرآن او الرسول او الذين أمنوا او مما القى الشيطان في امنيّته ما باله ذكرها بخير

ص: 341

ثم ارتد عنه حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ اى وقت الموت بَغْتَةً اى اتيانا فجاءة أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55) قال عكرمة والضحاك عذاب يوم لا ليلة له وهو يوم القيامة وقيل المراد بالساعة يوم القيامة وبيوم عقيم يوم بدر إذ لم يكن للكافرين في ذلك اليوم خير والعقيم في اللغة المنع ومنه الريح العقيم- وجاز ان يكون المراد بالساعة وبيوم عقيم واحدا وهو يوم القيامة فيكون الثاني وضع الظاهر موضع المضمر للتهويل.

الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ يوم تزول مريتهم لِلَّهِ وحده ظرف مستقر يَحْكُمُ الله بَيْنَهُمْ بالمجازاة جملة مستأنفة او في محل النصب على الحال والضمير يعم المؤمنين والكافرين لتفصيله بقوله فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (57) إدخال الفاء في خبر الثاني دون الاوّل تنبيه على ان اثابة المؤمنين بالجنات تفضل من الله تعالى وعقاب الكافرين مسبب بأعمالهم ولذلك قال لهم عذاب ولم يقل هم في عذاب- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لن ينجى أحدا عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا انا الا ان يتغمدنى الله برحمة منه وفضل- رواه الشيخان في الصحيحين ورويا فيهما عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سددوا وقاربوا وابشروا فانه لا يدخل الجنة أحدا عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا انا الا ان يتغمدنى بمغفرة ورحمة- ولمسلم من حديث جابر نحوه وقد ورد نحوه من حديث ابى سعيد عند احمد وابن ابى موسى وشريك بن طارق واسامة بن شريك والسد بن كون عند الطبراني واما قوله تعالى ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فمحمول على ان للجنة منازل تنال بالأعمال واما اصل دخولها والخلود فيها فبفضل الله المتعال اخرج هناد في الزهد عن ابن مسعود قال تجوزون الصراط بعفو الله وتدخلون الجنة برحمة الله وتقسمون المنازل بأعمالكم- واخرج ابو نعيم عن عون بن عبد الله مثله.

ص: 342

وَالَّذِينَ هاجَرُوا فارقوا الأوطان والعشائر فِي سَبِيلِ اللَّهِ فى طلب مرضاته ثُمَّ قُتِلُوا فى الجهاد قرأ ابن عامر قتّلوا بالتشديد من التفعيل للتكثير والمبالغة والباقون بالتخفيف أَوْ ماتُوا حتف أنوفهم لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ اى والله ليرزقنهم الله في الجنة رِزْقاً حَسَناً اى نعيمها الّتي لا تنقطع فلا مثل لها وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) فانه يرزق بغير حساب.

لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ اى الجنة فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر ببال البشر وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ بأحوالهم واحوال معانديهم حَلِيمٌ (59) لا يعاجل في العقوبة.

ذلِكَ اى الأمر ذلك او ذلك حق او تحقق ذلك او عرفت ذلك الّذي قصصنا عليك وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ اى جازى الظالم بمثل ما ظلم به عليه اطلق لفظ العقاب الّذي هو الجزاء على ابتداء الظلم للازدواج او للمشاكلة ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ بالمعاودة على الظلم لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ لا محالة إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60) للمنتصر حيث اتبع هواه في الانتقام واعرض عما ندب الله اليه بقوله ولمن صبر وغفر ان ذلك لمن عزم الأمور- وفيه تعريض بالحث على المغفرة فانه تعالى مع كمال قدرته وعلو شأنه لما كان يعفو ويغفر فغيره بذلك اولى وتنبيه على انه قادر على العقوبة إذ لا يوصف بالعفو الا القادر على العقوبة- قال البغوي قال الحسن قوله تعالى وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ معناه قاتل المشركين كما قاتلوه ثم بغى عليه اى ظلم بإخراجه من منزله وقيل نزلت الآية في قوم من المشركين أتوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم فكره المسلمون قتالهم وسألوهم ان يكفوا من القتال من أجل الشهر الحرام فابى المشركون وقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم وثبت المسلمون فنصروا عليهم- قلت فعلى هذا قوله إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ عن المؤمنين غَفُورٌ لهم في قتالهم في الشهر الحرام واخرج ابن ابى حاتم عن مقاتل نحوه.

ذلِكَ النصر بِأَنَّ اللَّهَ قادر على كل شيء وقد جرى عادته

ص: 343

على المداولة بين الأشياء المتعاندة ومن ذلك انه يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ يعنى يزيد في أحد الملوين ما ينقص من الاخر او يحصل ظلمة الليل مكان ضوء النهار بمغيب الشمس وعكس ذاك بطلوعها وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ يسمع اقوال المعاقب والمعاقب او سميع دعاء المؤمنين فيجيبهم بَصِيرٌ (61) يرى افعالهما فلا يهملهما.

ذلِكَ الاتصاف بكمال العلم والقدرة والسمع والبصر بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الثابت في نفسه الواجب لذاته وحده لان وجوب وجوده ووحدته يقتضيان ان يكون مبدأ لكل ما يوجد سواه عالم بذاته وبما عداه متصف بجميع صفات الكمال- إذ من ثبت ألوهيته لا يمكن الا ان يكون قادرا عالما سميعا بصيرا وَأَنَّ ما يَدْعُونَ قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو بكر هنا وفي لقمان في الموضعين بالتاء الفوقانية خطابا للمشركين والباقون بالياء التحتانية اى ما يدعونه اى المشركون مِنْ دُونِهِ الها هُوَ الْباطِلُ اى المعدوم الممتنع وجوده في حد ذاته او باطل الالوهية وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ المتعالي من ان يكون له شريك الْكَبِيرُ (62) العظيم الّذي ليس كمثله شيء.

أَلَمْ تَرَ اى الم تبصر او الم تعلم والاستفهام للانكار يعنى تعلم وتبصر أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً يعنى أصبحت مخضرة بالنبات أورد لفظ المضارع للماضى لاستحضار صورة ما مضى وللدلالة على بقاء اثر المطر زمانا بعد زمان- والجملة دليل اخر على كمال علمه وقدرته إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ يصل علمه او لطفه الى كل ما دقّ وجلّ خَبِيرٌ (63) بالتدابير الظاهرة والباطنة وبأحوال عباده وما احتاجوا اليه من الأرزاق.

لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ في ذاته عن كل شيء الْحَمِيدُ (64) المستوجب للحمد بصفاته وأفعاله او المحمود في ذاته وان لم يوجد حامد غيره.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ اى جعلها مذلّلة لكم معدة لمنافعكم-

ص: 344

وَالْفُلْكَ بالنصب عطف على ما او على اسم انّ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ طال منها او استيناف وقيل معناه سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ من الدواب لتركبوها في البر وسخر لكم الفلك لتركبوه في البحر وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ يعنى من ان تقع على الأرض ومن هذا يظهر ان الأجسام الفلكية مثل الأجسام الارضية في الميل الى ما تحته وانما أمسكها الله تعالى بقدرته- وقال البيضاوي أمسكها بان خلقها على صور متداعية الى الاستمساك إِلَّا بِإِذْنِهِ استثناء من مضمون قوله يُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ يعنى لا تقع على الأرض في حال من الأحوال الا متلبسا باذنه اى بمشيئة قال البيضاوي وذلك يوم القيامة- قلت ولم نعلم وقوع السماء على الأرض يوم القيامة بل الانشقاق والانفطار وكونه كالمهل ووردة كالدهان وطيّه كطىّ السجل- فالاولى ان يقال الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا وذلك لا يقتضى وجود المستثنى- فمعنى الاية لا يقع السماء على الأرض بغير اذنه ولا يقتضى ذلك الاذن بالوقوع في وقت من الأوقات ولا لا «1» وقوعها والله اعلم إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (65) حيث جعل لهم اسباب الاستدلال وفتح عليهم أبواب المنافع ودفع عنهم انواع المصائب.

وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ بنفخ الأرواح في أجسادكم بعد ان كنتم جمادا عناصر ونطفا وعلقا ومضغا وأجسادا لا روح فيها ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انقضاء اجالكم بنزع الأرواح من أجسادكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ فى الاخرة باعادة الأجسام ونفخ الأرواح فيها إِنَّ الْإِنْسانَ المشرك لَكَفُورٌ (66) لجحود للنعم بعد ظهورها لا يعرف نعمة الإنشاء المبدئ للوجود ولا الافناء المقرب الى الموعود ولا الاحياء الموصل الى المقصود او المعنى كفور بربّه مع قيام البراهين القاطعة على وجوده ووحدته وصفاته الكاملة.

لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا لم يذكر هاهنا بالواو للعطف كما ذكر فيما سبق لان هناك وقعت الاية مع ما يناسبها من الاى الواردة في النسائك فعطفت على أخواتها

(1) وفي الأصل ولا وقوعها- الفقير الدهلوي.

ص: 345

وهذه وقعت مع التباعد عن معناها فلم يعطف مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ قال ابن عباس يعنى شريعة عاملون بها وروى انه قال عيدا وقال مجاهد وقتادة قربان يذبحون فيه وقيل موضع عبادة وقيل مألفا يألفونه والمنسك في كلام العرب الموضع المعتاد لعمل خيرا وشر ومنه مناسك الحج لتردد الناس الى أماكن الحج- وفي القاموس النساء العبادة وأرنا مناسكنا متعبداتنا ونفس النسك وموضع يذبح فيه والنسيكة اى الذبيحة والنسك المكان المألوف والمنسك المقعد فَلا يُنازِعُنَّكَ سائر ارباب الملل فِي الْأَمْرِ اى في امر الدين او النسائك لانهم اما جهال او اهل عناد ولو لم يعاند اهل العلم منهم فلا سبيل لهم الى منازعتك لان امر دينك اظهر من ان يقبل النزاع- قال البغوي نزلت في بديل بن ورقا وبشر بن سفيان ويزيد بن خنيس قالوا لاصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم مالكم تأكلون مما تقتلون بايديكم ولا تأكلون مما قتله الله- قال الزجاج معنى قوله فَلا يُنازِعُنَّكَ لا تنازعهم أنت كما يقال لا يخاصمنّك فلان اى لا تخاصمه وهذا جائز فيما يكون بين اثنين فلا يجوز لا يضربنك زيد تريد لا تضربه وجاز لا يضاربنك زيد بمعنى لا تضربه وذلك لان المنازعة والمخاصمة لاتتم الا باثنين فاذا ترك أحدهما ذهبت المخاصمة وَادْعُ الناس إِلى رَبِّكَ الى توحيده وعبادته قلت بل الى ذاته والوصول اليه بلا كيف إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (67) طريق سوى الى الحق ومدارج القرب.

وَإِنْ جادَلُوكَ بعد ظهور الحق ولزوم الحجة فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (68) من المجادلة الباطلة وغيرها فمجازيكم عليها الجملة الشرطية معطوفة على قوله فلا ينازعنّك- وفي هذه الجملة وعيد مع رفق وكان ذلك قبل الأمر بالقتال.

اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ اى يقضى بين المؤمنين منكم والكافرين فيظهر الحق من الباطل بإثابة المؤمنين وعقاب الكافرين يوم القيامة كما فصل بينهم في الدنيا بالحجج والآيات فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) من امر الدين الاختلاف ذهاب كل واحد من الخصمين الى خلاف ما ذهب اليه الاخر.

ص: 346

أَلَمْ تَعْلَمْ استفهام تقرير أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا يخفى عليه شيء إِنَّ ذلِكَ كله فِي كِتابٍ يعنى اللوح المحفوظ الّذي كتب الله فيه قبل خلق السموات والأرض ما كان وما يكون فلا يهمنك أمرهم مع علمنا به وحفظنا له إِنَّ ذلِكَ اى الإحاطة به او إثباته في اللوح او المحكم بينكم عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70) لان علمه مقتضى ذاته ونسبة المعلومات كلها الى علمه سواء.

وَيَعْبُدُونَ عطف على مضمون ما سبق من الآيات الدالة على وحدانيته تعالى وكمال قدرته يعنى أتعلمون تلك الدلائل الواضحة والبراهين القاطعة في التوحيد والالوهية وهم مع ذلك يعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ الله بِهِ سُلْطاناً اى حجة تدل على جواز عبادته وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ حصل لهم من ضرورة العقل او استدلاله او بالنقل الصحيح المفيد للعلم من المخبر الصادق الّذي دل على صدقه برهان او المتواتر المنتهى الى احدى الحواس الخمس وَما لِلظَّالِمِينَ اى المشركين الذين ارتكبوا مثل هذا الظلم مِنْ نَصِيرٍ (71) يمنعهم من عذاب الله.

وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ الشرط مع الجزاء معطوف على يعبدون آياتُنا من القرآن بَيِّناتٍ واضحات اتيانا من الله تعالى او واضحات الدلالة على العقائد الحقة والاحكام الالهية تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ اى الإنكار يعنى يظهر في وجوههم اثار الإنكار من العبوس والغيظ وضع المظهر موضع الضمير للدلالة على ان الباعث على الإنكار انما هو شدة كفرهم لا غير ذلك- او المراد بالمنكر ما يقصدونه بالمؤمنين من الشر يَكادُونَ حال من الذين كفروا يَسْطُونَ اى يبطشون او يبسطون إليهم أيديهم بالسوء وأصله من سطا الفرس يسطو إذا قام على رجليه رافعا يديه اما مرحا اى أشرا واما نزوا على الأنثى- وفي القاموس سطا عليه وبه سطوا وسطوة صال او قهر بالبطش بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا يعنى بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه قُلْ لهم يا محمد أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ

ص: 347

لكم واكره إليكم مِنْ ذلِكُمُ اى من هذا القرآن او من غيظكم على التالين ومن سطوكم عليهم او مما أصابكم من الضجر بسبب ما تلوا عليكم النَّارُ اى هو النار كانّه جواب سائل ما هو ويجوز ان يكون مبتدا خبره وَعَدَهَا اللَّهُ اى وعدها «1» الله الَّذِينَ كَفَرُوا بان مصيرهم إليها وعلى الاول هذه جملة مستأنفة وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72) النار.

يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ اى بين لكم حال مستغرب او قصة عجيبة فَاسْتَمِعُوا لَهُ اى للمثل استماع تدبر وتفكر- وقيل معنى الاية جعل لى مثل يعنى جعل الكفار لله سبحانه مثلا مماثلا في استحقاق العبادة وهى الأصنام فاستمعوا حالها ثم احكموا هل يجوز به التمثيل له تعالى ثم بين ذلك فقال إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ قرآ يعقوب بالياء التحتانية والضمير راجع الى الكفار والباقون بالتاء على الخطاب للكفار والراجع الى الموصول محذوف يعنى انّ الّذين تدعونها ايها الكفار الهة كائنة مِنْ دُونِ اللَّهِ وهى الأصنام لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً اى لا يقدرون على خلق ذباب واحد مع صغره وقلته وخسته- لان لن بما فيها من تأكيد النفي دالّة على منافاة ما بين المنفي والمنفي عنه والذباب مشتق من الذب لانه يذب وجمعه اذبة للقلة ذبّان للكثرة كغراب وأغربة وغربان وَلَوِ اجْتَمَعُوا اى الأصنام لَهُ اى لخلق الذباب وهو بجوابه المقدر في موضع الحال جىء بها للمبالغة اى لا يقدرون على خلقه مجتمعين له متقاونين عليه فكيف إذا كانوا منفردين قالوا وحينئذ للحال- وقيل للعطف على معطوف محذوف تقديره مستو حالهم في عدم القدرة على الخلق لو لم يجتمعوا لخلقه ولو اجتمعوا له اى لا يقدرون عليه في شيء من الأحوال وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ كانوا يطلون الأصنام بالزعفران ويضعون

(1) تكرار محض ولعل منشأة توهم عدم الضمير الراجع الى النار في هذه الاية ولذلك لم يكتبه المفسر العلام رحمه الله تعالى في نسخته الّتي بايدينا فقال وعد الله اى وعدها الله فالبيان عين المبين- الفقير الدهلوي.

ص: 348

بين يديها الطعام وكانت الذباب تقع عليه وتسلب منه فقال الله سبحانه ان يسلب الذباب شيئا منهم لا يقدرون على استنقاذه ولا يقوون على مقاومته فضلا من ان يخلقوه- جهّل الله سبحانه الكفار غاية التجهيل حيث أشركوا بالله القادر على الممكنات كلها المتفرد بايجاد الموجودات بأسرها أعجز الأشياء الّذي لا يقدر على خلق اقل الاحياء وأذلها ولو اجتمعوا له بل لا يقوى على مقاومة هذا الأقل الأذل- ويعجز عن دفعه عن نفسها واستنقاذ ما يتخطفه منها ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) قال ابن عباس الطالب الذباب يطلب ما يسلب من الطيب عن الصنم والمطلوب الصنم يطلب الذباب منه السلب ولا شك ان الطالب ضعيف والمطلوب أضعف منه- وقيل على العكس الطالب طالب الاستنقاذ تقديرا والمطلوب الذباب وقال الضحاك الطالب عابد الصنم والمطلوب الصنم.

ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ اى ما عظّموه حق تعظيمه وما عرفوه حق معرفته وما وصفوه حق توصيفه حيث أشركوا به ما لا يمتنع من الذباب ولا ينتصف منه إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ على خلق الممكنات بأسرها عَزِيزٌ (74) لا يغلبه شيء والهتهم عجزة عن أقلّها مقهورة من اذلّها.

اللَّهُ يَصْطَفِي اى يختار مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا يتوسطون بينه وبين الأنبياء بالوحى وبين الناس بقبض الأرواح وإيصال الأرزاق وغير ذلك- قال البغوي هم جبرئيل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل وغيرهم وَمِنَ النَّاسِ اى ويختار من الناس رسلا يدعون سائرهم الى الحق ويبلّغونهم ما نزل عليهم من الله تعالى اوّلهم آدم وآخرهم محمّد صلى الله عليهم وسلم- قال البغوي نزلت حين قال المشركون أنزل عليه الذّكر من بيننا- فاخبر ان الاختيار الى الله تعالى يختار من يشاء من خلقه وقال البيضاوي لمّا قرّر وحدانيته ونفى ان يشاركه غيره في الالوهية وصفاتها بين ان له عبادا مصطفين للرسالة يتوسل بإجابتهم والاقتداء به

ص: 349

الى عبادته سبحانه وهو أعلى المراتب ومنتهى الدرجات لمن عداه من الموجودات تقريرا للنبوة وتزييفا لقولهم ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى والملائكة بنات الله ونحو ذلك إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) مدرك للاشياء كلها.

يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ قال ابن عباس يعنى ما قدموا وما خلفوا- وقال الحسن ما عملوا وما هم عاملون بعد- وقيل الضمير راجع الى الرسل اى يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ اى الرسل اى ما قبل خلقهم وما خلفهم اى ما هو كائن بعد فنائهم وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (76) اى اليه مرجع الأمور كلها لانه مالكها بالذات لا يسئل عما يفعل من الاصطفاء وغيره وهم يسئلون.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا اى صلوا عبر عن الصلاة بالركوع والسجود لانهما ركنان لها لا زمان لا تنفك عنهما بخلاف غيرهما من الأركان فان القراءة تسقط عن الأخرس والقيام عمن لا يستطيعه- واما الركوع والسجود فلا يسقطان ابدا عند ابى حنيفة رحمه الله حيث قال من لم يقدر على الإيماء برأسه للركوع والسجود يتاخر عنه الصلاة ولا يتادى بالإيماء بالحاجب او القلب وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ بكل ما يصلح كونه عبادة له تعالى وَافْعَلُوا الْخَيْرَ قال ابن عباس هو صلة الرحم ومكارم الأخلاق والظاهر انه يعم الافعال كلها يعنى اختاروا ما هو خير وأصلح فيما تأتون به وما تذرونه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) الجملة في محل النصب على الحال اى افعلوا هذه كلها وأنتم راجون الفلاح غير متيقنين له ولا واثقين بأعمالكم- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اوحى الى نبى من أنبياء بنى إسرائيل قل لاهل طاعتى من أمتك لا يتكلوا على أعمالهم فانى لا اناصب عبد الحساب «1» يوم القيامة أشاء ان أعذبه الا عذبته وقل لاهل معصيتى من أمتك لا يلقوا بايديهم فانى اغفر الذنوب العظيمة ولا أبالي رواه ابو نعيم عن على عليه السلام واخرج البزار عن انس عن النبي صلى الله عليه وسلم

(1) وفي الأصل عند الحساب-

ص: 350

يخرج لابن آدم ثلاثة دواوين ديوان فيه العمل الصالح وديوان فيه ذنوبه وديوان فيه النعم من الله تعالى يقول الله لاصغر نعمه في ديوان النعم خذى منك من العمل الصّالح فتستوعب العمل الصّالح فيقول وعزتك استوعبت ويبقى الذنوب وقد ذهب العمل الصالح كله- فاذا أراد الله ان يرحم عبدا قال يا عبدى قد ضاعفت لك حسناتك وتجاوزت عن سيئاتك ووهبت لك نعمتى- (مسئلة) اختلف اهل العلم في سجود التلاوة عند هذه الاية فقال ابو حنيفة ومالك وسفيان الثوري وغيرهم انه لا سجود هاهنا لان المراد بالسجود هاهنا السجود الصلاتى بدليل كونه مقرونا بالركوع والمعهود في مثله من القرآن ما هو ركن الصلاة بالاستقراء نحو اسجدي واركعى مع الرّكعين- وقال ابن المبارك والشافعي واحمد وإسحاق وغيرهم لا بد هاهنا ان يسجد للتلاوة لحديث عقبة بن عامر قال قلت يا رسول الله أفضّلت سورة الحج بان فيها سجدتين قال نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما- رواه احمد وابو داود والترمذي (واللفظ له) والدار قطنى والبيهقي والحاكم وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف قال الترمذي اسناده ليس بالقوى وقال ابن الجوزي قال ابن وهب ابن لهيعة صدوق يعنى انما ضعفه لاجل حفظه وقال الحاكم عبد الله بن لهيعة أحد الائمة وانما نقم اختلاطه في اخر عمره وقد تفرد به وروى ابو داود في المراسيل عنه صلى الله عليه وسلم قال فضلت سورة الحج بسجدتين قال وقد أسند هذا ولا يصح وحديث عمرو بن العاص ان النبي صلى الله عليه وسلم اقرأه خمس عشرة اية سجدة في القران منها ثلاث في المفصل وفي الحج سجدتان- رواه ابو داود وابن ماجة والدار قطنى والحاكم وحسنه المنذرى والنووي وضعفه عبد الحق وابن القطان وفيه عبد الله بن منين الكلالى وهو مجهول والراوي عنه الحارث بن سعيد الثقفي المصري وهو لا يعرف ايضا- وقال ابن ماكولا ليس له غير هذا الحديث وأكّد الحاكم حديث عقبة بن عامر بان الرواية صحت فيه من قول عمر وابنه وابن مسعود

ص: 351

وابن عباس وابى الدرداء وابى موسى وعمار ثم ساقها موقوفة عليهم وأكده البيهقي بما رواه في المعرفة من طريق خالد بن معدان مرسلا وقال البغوي وهو قول عمر وعلى وابن مسعود وابن عمر- قلت الموقوف في الباب له حكم المرفوع وقد ذكرنا مسائل سجود التلاوة في سورة الانشقاق.

وَجاهِدُوا الجهد بالضم الوسع والطاقة وبالفتح المشقة وقيل المبالغة والغاية وقيل هما لغتان في الوسع والطاقة واما في المشقة والغاية فالفتح لا غير والجهاد والمجاهدة مفاعلة منه- ولما كان بناؤه للاشتراك بين اثنين استعمل في المحاربة مع الأعداء فان فيه تحمل المشقة من الجانبين واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول او فعل والمبالغة فيه الى غاية فِي اللَّهِ اى في سبيله وإعلاء دينه وقضاء أحكامه وقيل معناه لله حَقَّ جِهادِهِ «1» منصوب على المصدرية ومعناه جهادا فيه حقّا خالصا- اى حق ذلك الجهاد حقا وخلص خلوصا لوجهه الكريم- فعكس وأضيف الحق الى الجهاد مبالغة كقولك هو حق عالم وأضيف الجهاد الى الضمير اتساعا- او لانه مختص بالله من حيث انه مفعول لوجه الله- ومن اجله قال ابن عباس هو استفراغ الطاقة فيه وان لا يخافوا في الله لومة لائم فهو حق الجهاد- وقال الضحاك ومقاتل اعملوا لله حق عمله واعبدوه حق عبادته وقال اكثر المفسرين حق الجهاد ان يكون نيته خالصة لله عز وجل وقال السدى ان يطاع فلا يعصى- وقال عبد الله بن المبارك هو مجاهدة النفس والهوى وهو الجهاد الأكبر وهو حق الجهاد قال البغوي وقد روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك قال رجعنا من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر- قال البغوي أراد بالجهاد الأصغر الجهاد مع الكفار

و

(1) عن عبد الرحمن بن عوف قال قال لى عمر السنا كنا نقرا فيما نقرا وجاهدوا في الله حقّ جهاده في اخر الزّمان كما جاهدتم في اوّله- قلت بلى فمتى هذا يا امير المؤمنين- قال إذا كانت بنو امية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء- 12 ازالة الخفا- منه رحمه الله-

ص: 352

بالجهاد الأكبر الجهاد مع النفس واخرج البيهقي في الزهد عن جابر رضى الله عنه قال قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم غزاة فقال قد متم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر- قيل وما الجهاد الأكبر قال مجاهدة العبد لهواه قال البيهقي هذا اسناد فيه ضعف- قلت ليس المراد بالجهاد في هذه الاية المحاربة مع الكفار خاصة لانه يأبى عنه سياق الآية لان في نسق الاية ارتقاء من الأخص الى الأعم في كل عطف حيث ذكر الصلاة اولا بقوله ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا لكونها أهم العبادات ثم عطف عليه واعبدوا ربّكم وهو يشتمل العبادات كلها الصّلوة وغيرها ثم قال وافعلوا الخير وهو يشتمل أداء حقوق الله تعالى كلها من العبادات والعقوبات وغيرها ومحاربة الكفار وأداء حقوق الناس ومكارم الأخلاق وغير ذلك وإتيان السنن والمستحيات كلها- ثم قال وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ فلا وجه لحمله على محاربة الكفار خاصة بل المراد منه الإخلاص في الأقوال والأعمال والأحوال كلها ويحصل ذلك بالجهاد مع النفس ومخالفة الهوى- فان الإخلاص انما يحصل بصفاء القلب وفناء النفس- وهما بالجهاد مع النفس الامارة بالسوء ومخالفة الهوى مع اقتباس أنوار النبوة وذلك في اصطلاح القوم يعبّر بالسلوك والجذب- وذلك الإخلاص هو المعنى من اقوال أوائل المفسرين المذكورة فان الصوفي إذا صار من المخلصين بعد فناء النفس وصفاء القلب لا يخاف في الله لومة لائم ويعبد الله حق عبادته بلا رياء وسمعة ينية خالصة لله عز وجل ويطيع الله ولا يعصيه ولا شك ان ذلك هو الجهاد الأكبر- واما الجهاد الأصغر يعنى المحاربة مع الكفار فهو صورة الجهاد ولا يعتدبه ولا بشيء من العبادات ما لم يكن خالصا لوجه الله- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انما الأعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله ومن كانت هجرته الى دنيا يصيبها «1» او امراة ينكحها فهجرته الى ما

(1) وفي الأصل الى الدنيا ليصبها إلخ الفقير الدهلوي.

ص: 353

هاجر اليه- متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى انا اغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معى غيرى فانا منه برىء هو للذى عمله- رواه مسلم- (فائدة) قوله صلى الله عليه وسلم قد متم خير مقدم من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر يفيد ان الجهاد الأكبر يعنى المجاهدة مع النفس انما يتاتى للمريد بمصاحبة الشيخ الكامل المكمل- فانهم لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم بعد المحاربة مع الكفار اكتسبوا ببركة صحبته وانعكاس أشعة أنواره صفاء في القلب وفناء في النفس- وقوله رجعنا من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر الضمير للمتكلم مع الغير والمراد منه اسناد الرجوع الى من معه من الصحابة فانهم كانوا في حالة الجهاد مشغولين بمحاربة الكفار وان كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مصاحبته لكن كان غالب هممهم مدافعة الكفار ثم إذا صاروا في المدينة مقيمين مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن حينئذ همهم الا الاقتباس لانواره- والاقتفاء بمعالم اثاره وأخذ العلوم الظاهرة والباطنة من جنابه صلى الله عليه وسلم هُوَ اجْتَباكُمْ اى اختاركم من بين الخلائق لمصاحبة نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله اختارني واختار لى أصحابا واختار لى منهم اصهارا وأنصارا «1» وعن واثلة بن اسقع قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول انّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بنى هاشم واصطفاني من بنى هاشم- رواه مسلم وفي رواية للترمذى ان الله اصطفى من ولد ابراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل بنى كنانة وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ اى ضيق وتكليف يشتد القيام به عليكم قيل معناه ان المؤمن لا يبتلى بشيء من الذنوب الا جعل الله له منه

(1) هكذا بياض في الأصل.

ص: 354

مخرجا بعضها بالتوبة وبعضها برد المظالم والقصاص وبعضها بانواع الكفارات فليس في دين الإسلام ما لا يجد العبد سبيلا الى الخلاص من العقاب وكان فيما سبق من الأمم من الذنوب مالا توبة لها- وقيل معناه ليس عليكم من ضيق في اوقات فروضكم مثل هلال شهر رمضان والفطر ووقت الحج إذا التبس عليكم وسع ذلك عليكم حتى تتيقنوا- وقال مقاتل يعنى الرخص عند الضرورات كقصر الصلاة في السفر والتيمم والإفطار في السفر والمرض وأكل الميتة عند الضرورة والصلاة قاعدا او مستلقيا عند العجز وهو قول الكلبي وذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم- وروى عن ابن عباس انه قال الحرج ما كان على بنى إسرائيل من الاصار الّتي كانت عليهم وضعها الله عز وجل عن هذه الامة- قلت ويمكن ان يقال معنى قوله تعالى ما جَعَلَ الله «1» عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ انه تعالى رفع عنكم كلفة التكاليف الشرعية حتى صارت التكاليف الشرعية ارغب إليكم من المرغوبات الطبعية- وذلك من لوازم الاجتباء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت قرة عينى في الصلاة- رواه احمد والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي عن انس مِلَّةَ أَبِيكُمْ منصوب على الإغراء اى عليكم ملة أبيكم او على الاختصاص اى اعنى بالدّين ملة أبيكم- او على المصدر بفعل دل عليه مضمون ما قبلها بحذف المضاف اى وسع دينكم توسعة ملة أبيكم إِبْراهِيمَ عطف بيان والظاهر انه خطاب للمؤمنين من قريش إذ السورة مكية ثم الناس تبع لهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم- متفق عليه من حديث ابى هريرة وفي رواية لمسلم عن جابر انه صلى الله عليه وسلم قال الناس تبع لقريش في الخير والشر- وقيل خطاب للعرب وكانوا من نسل ابراهيم وقيل خطاب لجميع المسلمين وابراهيم كان أبا

(1) هكذا في الأصل وليس في الاية المفسرة لفظ الجلالة فتامل والفقير الدهلوي.

ص: 355

لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كالاب لامته فانه سبب لحياتهم الابدية ووجودهم على الوجه المعتد به في الاخرة ولاجل ذلك قال الله تعالى وأزواجه امّهاتهم- وقال النبي صلى الله عليه وسلم انما انا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم فاذا اتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يستطب بيمينه رواه احمد وابو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان عن ابى هريرة ولمّا كان ملة ابراهيم ودينه مرغوبا لاهل مكة مؤمنهم وكافرهم- وكانت الكافرون منهم يزعمون انهم على دين ابراهيم عليه السلام نبّه الله سبحانه على ان ملة محمد صلى الله عليه وسلم هو ملة ابراهيم لا غير انّ اولى النّاس بإبراهيم للّذين اتّبعوه وهذا النّبىّ والّذين أمنوا هُوَ يعنى الله سبحانه سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ نزول «1» القران في الكتب المتقدمة وَفِي هذا القرآن سماكم مسلمين وقال ابن زيد هو يعنى ابراهيم سماكم المسلمين من قبل هذا الوقت في أيامه حيث قال رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ يعنى اهل مكة- وتسميتهم مسلمين في القرآن وان لم يكن من ابراهيم لكن كان بسبب تسميته من قبل- وقيل تقدير الكلام وفي هذا القرآن بيان تسميته إياكم مسلمين هذه الجملة بيان لقوله تعالى هُوَ اجْتَباكُمْ فان الهداية الى الإسلام الحقيقي والتسمية بالمسلمين مبنىّ على الاجتباء لِيَكُونَ الرَّسُولُ متعلق بمضمون هو سمّاكم المسلمين اى اعطاكم الإسلام وجعلكم مسلمين ليكون الرّسول شَهِيداً عَلَيْكُمْ يوم القيامة ان قد بلّغكم قلت وجاز ان يكون متعلقا بقوله ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا مع ما عطف عليه وَتَكُونُوا أنتم شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ انّ رسلهم قد بلّغتهم اخرج ابن جرير وابن المنذر عن جابر بن عبد الله عن النبي

(1) الاولى ان يقال في التفسير (اى من قبل نزول إلخ) لان فيما اختاره المفسر العلام رحمه الله تعالى يلزم جر قبل وهو مبنى على الضم- الفقير الدهلوي.

ص: 356

صلى الله عليه وسلم قال انا وأمتي يوم القيامة على كئوم «1» مشرفين على الخلائق ما من الناس أحد الا ودّ انه منا وما من نبى الا كذّبه قومه ونحن نشهد انه قد بلّغ رسالة ربه- واخرج ابن المبارك في الزهد انبأنا رشد بن سعد حدثنى ابن العم عن ابى حبلة بسنده قال أول من يدعى يوم القيامة اسرافيل فيقول الله هل بلّغت عهدى فيقول لعم قد بلّغته جبرئيل فيدعى جبرئيل فيقال هل بلّغك اسرافيل عهدى فيقول لعم فيخلى اسرافيل فيقول لجبرئيل ما صنعت في عهدى فيقول يا رب بلّغت الرسل- فيدعى الرسل فيقال للرسل هل بلّغكم جبرئيل عهدى فيقولون نعم فيقال لهم ما صنعتم في عهدى فيقولون بلّغنا الأمم- فيدعى الأمم فيقال لهم هل بلّغكم الرسل فمكذّب ومصدّق فيقول الرسل لنا عليهم شهداء فيقول من- فيقولون امة محمد صلى الله عليه وسلم فيدعى امة محمد فيقال لهم أتشهدون ان الرسل قد بلّغت الأمم فيقولون نعم- فيقول الأمم يا ربنا كيف يشهد علينا من لم يدركنا- فيقول الله تعالى كيف تشهدون عليهم ولم تدركوهم فيقولون يا ربنا أرسلت إلينا رسولا وأنزلت علينا كتابا وقصصت علينا فيه ان قد بلّغوا- فذلك قوله وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً- وقد ذكرنا ما رواه البخاري وغيره عن ابى سعيد الخدري في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً.

فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ داوموا عليها وَآتُوا الزَّكاةَ يعنى فتقربوا الى الله بانواع الطاعات لما خصّكم بهذا الفضل والشرف واعتصموا بالله يعنى ثقوابه في جميع أموركم ولا تستعينوا في شيء الا منه وقال الحسن معناه تمسكوا بدين الله وروى عن ابن عباس سلوا ربكم يعصمكم

(1) جمع كومة اى المكان المرتفع- 12 منه رح.

ص: 357

من كل ما يكره- وقيل معناه ادعوه ليثبتكم على دينه- وقيل الاعتصام بالله هو التمسك بالكتاب والسنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله- رواه مالك في الموطإ مرسلا وعن عصيف بن الحارث اليماني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث قوم بدعة الا رفع مثلها من السنة فتمسك سنة خير من احداث بدعة- رواه احمد هُوَ مَوْلاكُمْ ناصركم وحافظكم ومتولى أموركم هذه الجملة في مقام التعليل للاعتصام فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (48) الفاء للسببية يعنى إذا ثبت ان الله موليكم ونصيركم فنعم المولى موليكم ونعم النصير نصيركم إذ لا مثل له في الولاية والنصر بل لا مولى ولا نصير سواه في الحقيقة والله اعلم- تم تفسير سورة الحج من تفسير المظهرى ثامن ذى الحجة من السنة الثالثة بعد المائتين والف- ويتلوه ان شاء الله تعالى سورة المؤمنين وصلّى الله تعالى على خير خلقه سيّدنا محمّد واله وأصحابه أجمعين 15/ ذى الحجّة سنة 1203 هـ «1»

(1) هكذا في الأصل مكتوب بالحمرة لعل العلامة رحمه الله رقمه بعد تكبئل الفهرس ابو محمّد عفا الله عنه

ص: 358