الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثَّالث مَنْهَجُ المؤلِّف في الكِتَابِ
أفصح المؤلف رحمه الله في ديباجة كتابه هذا عن منهجه الذي قصد إليه، فقال: "أما بعد: فهذه نكت ساطعة الأنوار، عالية المقدار
…
" إلى أن قال: "علقتها على أبواب منه -أي: صحيح البخاري- ومواضع، وفرَّقت كثيرًا منها في زواياه؛ ليستعين بها الناظر على استخراج خباياه، تحتوي على:
1 -
غريب رأيته أهلًا لأن يأنس بتفسيره.
2 -
وإعراب تفتقر أعجاز الكلمات إلى صدوره.
3 -
وفائدة بيانية يشهد الذوق السليم بحلاوة مجانيها، ويدهش أهل البيان لبديع معانيها.
4 -
ودليل يحتمله متن الحديث.
5 -
وفرع غريب قلَّ من ذكره من قديم وحديث.
6 -
وحديث طالما كانت العيون عنه وَسِنة.
7 -
ونكت هي في وجه هذا التأليف حسنة.
8 -
إلى غير ذلك من مباحث تمرُّ حلوة الجنى، وفوائد يصبح مالكها في غنى عن العَنا" (1).
(1) انظر: "مصابيح الجامع"(1/ 7).
ثم قال:
"ولم أطلِ النفس في هذا الكتاب، ولا مددت في كثير من أماكنه أطناب الإطناب، بل اقتصرت فيه على ما هو أهم، وهتكت بأنواره ما دجا من المشكلات وادلهمّ"(1).
هذا ما أجمله المؤلف رحمه الله في تبيين منهجه، ولا بد من التنبيه إلى أنه قصد التعليق المختصر على الأحاديث، كما ذكر، إلى جانب تأليفه له حالَ سفره وإقامته في بلاد اليمن (2).
وفي ثنايا الكتاب يلحظ المطالع أن ما يقارب الثلاثة آلاف حديث قد تكلَّم الإمام الدمامينيُّ على مفردات ألفاظها، وضبطِ وتفسير مبهمات أعلامها، وبيان وجوه أبوابها وتراجمها، معتمدًا في روايات "صحيح البخاري" على رواية أبي ذر؛ كما ظهر في مواضعَ كثيرةٍ من الكتاب، مقتفيًا نهج الإمام الزركشيِّ في انتقائه للأحاديث المتكلَّم عليها، ولم يفارقه إلا في النَّزْرِ اليسير جدًّا، مُغِيرًا على أكثر مادة كتابه، تارةً بالتصريح، وتارة بالإبهام، منتقدًا له في غالب ما ينقله عنه، مصيبًا في أكثر تعقباته، مخطئًا في بعض استدراكاته، وغالبها في مسائل العربية، ولم يُخْلِ المؤلف رحمه الله من نقده وتعقبه لعلماءآخرين غيرِ الإمام الزركشي رحمهم الله أجمعين -.
ولا بدَّ من الوقوف على أبرز تلك التعقبات التي ظهرت في كتاب الإمام الدماميني هنا، وإجمالها، وضرب المثل فيها؛ من خلال هذه الدراسة:
(1) انظر: "مصابيح الجامع"(1/ 11).
(2)
المرجع السابق (4/ 148).
* بين الإمامين الدماميني والزركشي:
كان للإمام الزركشي رحمه الله من خلال كتابه "التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح" فضلُ السَّبق فيما جمعه وأعدَّه على "الجامع الصحيح" من شرحٍ لغريبه، وتفسير لنكته في الترجمة أو التبويب، فضلًا عما تناوله من مشكلات الإعراب، والمسائل النحوية، والصور البيانية، والمعاني البلاغية.
وقد وقف الإمام الدماميني على كتاب الزركشي، وأفاد منه كثيرًا، إلا أنه كانت له تعقبات واستدراكات على مسائل وقضايا في النحو والإعراب والتصريف وغيرها، وكانت هذه التعقبات -أعني: النحوية وما يتبعها من الإعراب- أكثر عمقًا، وأدق مأخذًا؛ فقد عرض الزركشي لهذا الجانب، فوقع له في بعض المسائل سهو أو خطأ، وفي بعض تابع فيها قولًا مرجوحًا، وفي بعض أوجز القول فيها إيجازًا مخلًّا وفي بعض مما تناوله يحتمل النظر، ولا يُحكم على ما قرره فيه بسهو أو خطأ، وفي بعض كان الصواب فيما ذهب إليه من قول، وما قرره من حكم.
وقد تناول الإمام الدماميني كلَّ ذلك بنقد لاذع لا يقال في حق إمام راسخ في العلم، وإن زلَّ به قلمُه في شيء يعلمه أو لا يعلمه، فغفر الله لهما، وأجزل مثوبتَهما، وشكر صنيعَهما (1).
وهذا عرض لأهم نقاط الخلاف التي استأثرت باهتمام الإمام الدماميني رحمه الله، فكان له مع الإمام الزركشي وغيره من العلماء ما كان في هذا الكتاب:
(1) عن الدكتور علي سلطان الحكمي في كتابه: "تعقبات العلامة بدر الدين الدماميني"(ص:6) بتصرف.
1 -
دفاع الإمام الدماميني عن الرواية والرواة:
لا شك أن الإمام الدماميني من أئمة النحو المتأخرين الذين اعتُمدت أقوالُهم، وانتشرت آراؤهم، وأنه ارتضى نهج مدرسة ابن مالك، وابن هشام في جواز الاستدلال بالأحاديث النبوية الشريفة مطلقًا، وردُّ الإمامِ الدماميني على منع أبي حيان وغيره من ذلك مشهور مأثور، قد تناقله كثير من المصنفين (1)، فلا ريب -عندئذ- أن ينبريَ الإمام الدمامينيُّ في كتابه هذا لتفنيد أي زعم في تخطئة هذه الرواية أو تلك، وفي توهيم الرواة فيما نقلوه؛ خصوصًا في كتاب هو الأصح بعد كتاب الله عز وجل "صحيح الإمام البخاري".
* فمن ذلك: قول الإمام الزركشي عند تفسير ابن عباس رضي الله عنهما: {أَنْزَلْنَاهَا} [النور 1]: بيناها.
قال الزركشي: كذا في النسخ، والصواب: "أنزلناها وفرضناها: بيناها، فبيناها تفسير فرضناها، لا أنزلناها.
قال الدماميني: يا عجبًا لهذا الرجل، وتقويله لابن عباس ما لم يقله، فالبخاري نقل عن ابن عباس تفسير {أَنْزَلْنَاهَا}: بيناها، وهو نقل صحيح، ذكره الحافظ مغلطاي من طريق ابن المنذر بسنده إلى ابن عباس، فما هذا الاعتراض البارد؟! (2).
ومنه: قول الزركشي في رواية: "ويعيدانه بتلك المقالة": صوابه:
(1) انظر: "خزانة الأدب" للبغدادي (1/ 14)، وقال عن رده هذا: ولله درُّه! فإنه قد أجاد في الرد.
(2)
انظر: "مصابيح الجامع"(8/ 312 - 313).
ويعيدان له تلك المقالة.
قال الدماميني: ضاق عَطَنُه عن توجيه اللفظ على الصحة، فجزم بخطئه. ثم ذكر توجيهه للرواية (1).
ومنه: قول الزركشي عن قول أنس رضي الله عنه: "إنها أربع"؛ أي: عُمَرُهُ صلى الله عليه وسلم: فيه نظر
…
إلى أن قال الزركشي: وقول البراء: "اعتمر عمرتين" أشبه.
قال الدماميني: هذه عبارة لا يليق أن تذكر في حق أنس رضي الله عنه، وحاصلها: اعتراضه عليه في أمر أخبر به عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن الأمر في الواقع على خلاف ما أخبر به، واستناده في ذلك على مجرد ما ذكره، غير منقدح إذا تأملت، وما أحسن الأدب مع آحاد العلماء، فضلًا عن كبراء الصحابة رضي الله عنهم! حشرنا الله معهم بمنه وكرمه (2).
ومنه: توهيم الزركشي قولَ جرير رضي الله عنه: كان بيت في الجاهلية يقال له: ذو الخلصة، والكعبة اليمانية، والكعبة الشامية. وتصويب القول بـ: والتي بمكة الكعبة الشامية.
قال الدماميني: جرى على عادته في الجرأة على التوهيم من غير تثبت. ثم نقل عن السُّهيلي ما يرفع هذا الإشكال (3).
ومنه: ما استشكله الزركشي في تفسير حذيفة رضي الله عنه الباب في حديث الفتنة بعمر رضي الله عنه.
(1) المرجع السابق (8/ 341).
(2)
المرجع السابق (4/ 222).
(3)
المرجع السابق (8/ 113).
فردَّ عليه الدماميني، ثم قال: فينبغي تلقي قوله بالقبول، وإنما يحمل الاعتراض على مثل هؤلاء السادة الجلة، إعجابُ المعترِضِ برأيه، ورضاه عن نفسه، فظنه أنه تأهل للاعتراض حتى على الصحابة، وهو دون ذلك كله (1).
ومنه: ما قاله الزركشي عند قول أنس رضي الله عنه: "فلبث بمكة عشر سنين"، قال: هذا على قول أنس، والصحيح: أنه أقام بمكة ثلاث عشرة.
قال الدماميني: الجرأة على تخطئة الصحابي صعب شديد، لا سيما ولكلامه محمل صحيح، ثم ذكر توجيه قول أنس رضي الله عنه، وبيانه (2).
* وكذا وجَّه الإمام الدماميني رحمه الله النقد ذاته إلى غير الإمام الزركشي من العلماء، فمن ذلك:
ما جاء عند قوله: "فإذا امرأة تتوضأ"، قال: ظن الخطابي أنه محمول على الوضوء الشرعي، فنسب الراوي إلى الوهم.
قال الدماميني: وهذا تحكم في الرواية بالرأي، ونسبة الصحيح منها إلى الغلط بمجرد خيال مبني على أمر غير لازم. ثم ذكر توجيهه للرواية (3).
ومنه: قول الخطابي عند قول الراوي: "حتى سمعتُ نعَايا أبي رافع": هكذا روي، وإنما حق الكلام: نعاء أبي رافع؛ أي: انعوا أبا رافع،
(1) المرجع السابق (7/ 220).
(2)
المرجع السابق (7/ 203).
(3)
المرجع السابق (10/ 63).
يقال: نعاءِ فلانًا؛ أي: انعَهُ؛ كقولك: دراكِ؛ أي: أدرك.
قال الدماميني: وهذا أيضًا قدح في الرواية الصحيحة بوهم يقع في الخاطر، فالنعايا جمع نعيّ؛ كصفيّ وصفايا، والنعي: خبر الموت؛ أي: فما برحتُ حتى سمعتُ الأخبار مصرِّحة بموته (1).
ومنه: ما قاله القاضي عياض في رواية مسلم: "فلما نزل الوحي
…
": إنها وهمٌ بيِّن
…
إلخ.
قال الدماميني: هذه الإطلاقات صعبة في الأحاديث الصحيحة، لا سيما ما اجتمع على تخريجه الشيخان، ولا أدري ما هذا الوهم، ولا كيف هو؟!!. ثم راخ يوجِّه الرواية (2).
ومنه: ما ذكره عن ابن بطال في حديث: "من أعمر أرضًا"، وما ذكره فيه من احتمال أن يكون:"من اعتمر أرضًا"، وسقطت التاء من الأصل.
قال الدماميني: هذا ردٌّ لاتفاق الرواة بمجرد احتمال يجوز أن يكون وأن لا يكون، وأكثر ما يعتمد هو وغيره على مثل هذا، وأنا لا أرضى لأحد أن يقع فيه (3).
ومنه: ما نقله الدماميني عن بعضهم من أن الرواية تصحفت، فقال الدماميني: هذا داء عمَّ وطمَّ، فقلَّ من تراه يتحامى الطعن على الرواة، إذا لم يقدر على توجيه الرواية (4).
(1) المرجع السابق (6/ 355).
(2)
المرجع السابق (8/ 278).
(3)
المرجع السابق (5/ 239).
(4)
المرجع السابق (6/ 454).
ومنه: ما أشكل على بعضهم في قوله: "لا أحمدك اليوم" في حديث الأبرص والأعمى والأقرع، فقال بإسقاط الميم؛ لا أحدُّك؛ أي: لا أمنعك. قال الدماميني: فَسَاء فهمًا، وتكلَّف، وغيَّر الرواية. قال: وأنا أرى مثل هذا جرأة عظيمة، لا يقدم عليها من يتقي الله (1).
2 -
التعقب على الزركشي في مسائل العربية:
وقد حظي هذا الجانب باهتمام كبير عند الإمام الدماميني، وقد أسلفنا القول: إن الإمام الدماميني قد أصاب فيما تعقب به الزركشي في مواطن كثيرة، وفي بعضها كان الحق والصواب فيها للزركشي؛ وفي بعضها تابع القول فيها من قبله، وفي بعض أوجز فيها، فأوقع كلامه في الإيهام والخلل، والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا، وإذا شاء المطالع أن يقلِّب صفحات هذا الكتاب، فأول ما يقع نظره على هذا، ويكتفى هنا بضرب مثالين عليه؛ أحدهما كان الكلام فيها للدماميني، والثاني للزركشي (2).
* الأول: قول الزركشي في قوله: "وإن جاءت به أُحيمرَ"، قال: كذا وقع غير مصروف، والصواب صرفه، تصغير أحمر، وهو الأبيض.
قال الدماميني: عدم الصرف -كما في المتن- هو الصواب، وما ادَّعى هو أنه عين الصواب، هو عين الخطأ، وبالله التوفيق (3).
قلت: قال المبرد في "المقتضب"(4/ 18): هذا باب ما ينتقل
(1) المرجع السابق (7/ 169).
(2)
وقد ذكر الدكتور علي الحكمي في كتابه: "تعقبات العلامة بدر الدين الدماميني" غير هذين المثالين، فلتنظر عنده للإفادة.
(3)
انظر: "مصابيح الجامع"(8/ 317).
بتصغيره: تقول في رجل سميته بـ: "مساجد" إذا صغرته: "مسيجد"، فتصرفه؛ لأنه قد عاد إلى مثل تصغير "جعفر".
وكذلك رجل يسمى: "قناديل"، تقول:"هذا قُنيديلٌ"؛ لأن المانع قد زال عنه.
ولو سميته: "أجادل"، فصغَّرته، لقلت:"أُجيدلُ" قد جاء، لا تصرفه؛ لأنه تصغير "أَفعل"، فالمانع للصرف فيه.
فإن قال قائل: إنما منع "أفعل" من الصرف؛ لأنه على مثال الفعل؛ نحو "أذهب" و"أعلم"، فإذا قلت:"أُحيمر" و"أُحيمد"، فقد زال عنه شَبَهُ الفعل، فما بالك لا ترده إلى الصرف، كما تصرف "تتفلًا"؛ لأن زوائد الفعل المضارع لا تكون مضمومة، وكما تصرف "يربوعًا"؛ لأن زيادته لا تبلغ به مثال الأفعال.
قيل له: إنه قد صرف الفعل مصغرًا، فكما أشبه "أحمر""أذهب"، أشبه "أحيمر" قولهم: إما أُميلحَ زيدًا! وما أُحيسنَه! "، والمانع قائم بعدُ معه.
فجملة هذا: أنه كلُّ ما صُغِّر، فخرج تصغيره من المانع، فهو مصروف، وما كانت العلة قائمة فيه، فتركُ الصرف له لازم، انتهى.
قلت: وبه يتبين وجهُ ردِّ الإمام الدماميني على الإمام الزركشي فيما قاله.
* الثاني: ما قاله الزركشي في قوله: "لم تُراعوا": إنَّ "لم" بمعنى "لا"، ومعناه: لا تفزعوا.
قال الدماميني: لا أعلم أحدًا من النحاة قال بأن "لم" ترد بمعنى "لا" الناهية (1).
قلت: مجيء "لم" بمعنى "لا" له أمثلة كثيرة في كتب العربية، فقد أنشد الأخفش لذلك قول الشاعر:
لولا فوارسُ من قيسٍ وأسرتُهم
…
يوم الصُّليفاء لم يوفون بالجار
قال ابن جني في "الخصائص"(1/ 388): فقد تُشبّه حروف النفي بعضها ببعض، وذلك لاشتراك الجميع في دلالته عليه، ثم ذكر شواهد ذلك.
وقال الخطابي في "غريب الحديث"(2/ 276): وتقع "لم" بمعنى، "لا"؛ كقولك: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن؛ أي: ما لا يشاء لا يكون.
ووجَّه العينيُّ في "عمدة القاري"(22/ 6) قولَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لامرأة رفاعة: "فإن كان ذلك، لم تحلي له، أو لم تصلحي له": بأن "لم" تأتي بمعنى "لا"، والمعنى أيضًا عليه؛ لأن "لا" للاستقبال، ثم أنشد ما نقلتُه عن الأخفش، وبالله التوفيق.
3 -
تشنيعه على الزركشي في عدم نسبة الأقوال إلى أصحابها:
يكاد شرَّاح الحديث المتأخرون متفقين على هذا -أعني: عدم نسبة الأقوال إلى أصحابها- في غالب نقولهم، وقد وقفنا من خلال تحقيقاتنا لكثير من كتبهم على طَرَفٍ صالح من ذلك، وكنَّا نردُّ الأمر في هذا إلى اتفاق المادة العلمية المراد بحثها عندهم؛ فلو رأيت القاضي عياضًا قد جاء
(1) المرجع السابق (9/ 321).
بشرح مادة لغوية من "صحاح الجوهري"، ثم نقلها عنه الزركشي، أيُذكر عندها القاضي عياض، أم الجوهري؟! وهكذا.
نعم، التوثيق من المصدر الأم هو الأساس، ويكاد يكون فيصلًا في قوة مادة هذا الشرح أو ذاك.
إلا أن الأمر لم يقف عند هذا، بل ذهبت كثرة كاثرة من شراح الحديث إلى السَّطو والإغارة على كتب بعينها، دون التصريح بالنقل عنها، وإن ذُكرت، فالمرة، أو المرات المعدودات، ولا ندري قصدهم ووجهة ما قاموا به، حتى إن الإمام الدماميني رحمه الله الذي انتقد الزركشي في هذا، قد شَأَى شَأْوَهُ في الأمر عينه، كما سنبينه في المآخذ على الكتاب.
ونقف عند هذا؛ إذ إن الأمر يطول، ولعل الله ييسّر بسط ذلك وبيانه في محل آخر مناسب، ونعود إلى ضرب المثال فيما انتقده الدمامينيُّ على الزركشي، فمن ذلك:
قول الدماميني -بعد أن نقل كلامًا عن الزركشي-، قال: كذا في الزركشي، وهو مأخوذ من ابن المنيِّر، وجرى على عادته في عدم نسبة ما يستحسنه إلى قائله (1).
ومنه: قول الدماميني: ونقل الزركشي هذا الفصل بنصه -يعني: عن السفاقسي-، لم يزد عليه شيئًا؛ كعادته في الاعتماد على هذا الكتاب، والاستمداد منه، وما كأنه إلا مختصره (2).
ومنه: قول الدماميني: وما اعترض به -يعني: الزركشي- على عدم
(1) المرجع السابق (5/ 347).
(2)
المرجع السابق (8/ 423).
الصراحة بإبداء الاحتمال المذكور، ليس من قِبَل نفسه، بل ذكره الشيخ بهاء الدين السبكي في أول "شرح التلخيص"(1).
* وكذا شنَّع على شيخه الإمام ابن الملقن في الأمر ذاته، فقال الدماميني -بعد أن ساق كلامًا-: هذا الكلام برُمَّته في "شرح مغلطاي"، وتبعه ابن الملقن على عادته في الأخذ منه، والاعتماد على كلامه، من غير تسميته له (2).
وقال في موضع آخر: وأخذ ابن الملقن هذا الجواب -أي: جواب مغلطاي- مغيرًا عليه، على عادته مع هذا الرجل وغيره، مصرحًا بأنه من كلام نفسه بقوله: قلت (3).
وكما سلف، فإن الإمام الدماميني قد وقع في الأمر ذاته الذي شنع فيه على الإمام الزركشي، وابن الملقن، وغيرهما، ولو أنَّ مطال الكتاب قال: كتاب "المصابيح"، نتاج "التنقيح"، و"التوضيح"، و"حاشية ابن المنير على الجامع الصحيح"، لم يعدُ الحقيقةَ. والإنصافُ -كما يقول الإمام ابن القيم رحمه الله أن تكتال لمنازعك بالصَّاع الذي تكتال به لنفسك، فإنَّ في كل شيء وفاءً وتطفيفًا (4). وبالله التوفيق.
إلى غير ذلك من التعقبات المبثوثة في ثنايا الكتاب، والتي تناولت الإمامَ الزركشيَّ على وجه الخصوص، وغيرَه من الأئمة على وجه العموم.
(1) المرجع السابق (8/ 213).
(2)
المرجع السابق (5/ 36).
(3)
المرجع السابق (6/ 113).
(4)
انظر: "حاشية ابن القيم على السنن"(1/ 188).
وبالجملة: فإن أكثر هذه التعقبات كان الصواب فيها ما قاله الإمام الدماميني، وفي بعضها كان الوجه فيها ما نحا إليه الزركشي، وفي غيرها تبين أن الإمام الزركشي قد ذهب فيها إلى رأي مرجوح -كما تقدم-.
ولا بدَّ من لفت النظر إلى ما ذكره الحافظ ابن حجر في "الدرر الكامنة"(5/ 134) من أن الإمام الزركشي شرع في "شرح البخاري"، فتركه مسودة، قال: وقفتُ على بعضها، ولخَّص منه "التنقيح" في مجلد، انتهى. فينظر في هذا النقل، وما قد يلتمس من خلاله للإمام الزركشي.
ثم ما كان الإمام الدماميني يذكره أحيانًا من عدم وثوقه من نسخة الزركشي، وعزو الغلط إلى النُّسَّاخ (1).
وأخيرًا: ما أسلفناه من تأليف الإمام الدماميني لهذا الكتاب حالَ السفر، وما قد يَعْرِضُ عليه من أهوال تكدِّر عليه صفو العيش؛ كما ذكر في شرحه هذا، وكما أورد عنه المترجمون، كلُّ ذلك قد يخفف من دهشة المطالع لهذا الكتاب، وما فيه من نَقَدات، وما من قائل إلا وعليه قائل، ومن طلب عيبًا وجده، فرحم الله امرًا قهر هواه، وآثر الإنصاف ورآه، وبالله التوفيق.
(1) قال الدماميني في قول الزركشي (5/ 427): "يا سودة بنت زمعة" يجوز رفع "بنت".
قال الدماميني: وهو خطأ منه أو من الناسخ.
وقال (4/ 258 - 259) في قوله: "خمس من الدواب كلُّهن فاسقٌ يُقتلْن في الحرم". قال الزركشي: "فاسق" صفة لـ "كل"، ولفظ الكل مذكر، و"يقتلن" فيه ضمير راجع إلى معنى "كل"، وهو جمع، وهو تأكيد "خمس".
ثم ذكر الدماميني الصواب، ثم قال: وعلى الجملة، فلست على وثوق من نسخة الزركشي، فلعله من أغلاط النسَّاخ.