الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس: الإذن في النكاح
الإذن لغة: أذن بالشيء إذناً بمعنى علم فهو الإعلام أو الإخبار (1)، والمراد به إجازة النكاح أو قبوله والرضا به. وينقسم الإذن في النكاح إلى قسمين:
الأول: الإذن الصريح وهو بالقول أو بالنطق أو الكلام الصريح، أو ما يقوم مقامه، كالإشارة مثلاً، أو الكتابة وما أشبه ذلك. وهذا النطق هو في حق الثيب من النساء، وهو أيضاً في حق الرجال. أي لا بد من معرفة الإذن منها بصريح النطق.
الثاني: الإذن غير الصريح، وهو ما يعرف بالكناية، ويكون بالصمت أو السكوت، أو ما يقوم مقام ذلك كالتبسم والبكاء وهذا في حق البكر من النساء. فالنساء في الإذن قسمان: ثيب وبكر.
فمن هي الثيب ومن هي البكر؟
أ- الثيب: تنقسم إلى قسمين:
1-
الثيب الحقيقية: هي المرأة الموطوءة بنكاح صحيح، وفارقها زوجها بطلاق، أو بما يقوم مقامه كالوفاة والخلع واللعان، فهي التي زالت بكارتها بوطء شرعي.
2-
الثيب الحكمية: هي المرأة الموطوءة بنكاح غير صحيح وهي راضية مطاوعة.
ب- البكر: وهي على قسمين:
1-
البكر الحقيقية: وهي التي لا تزال على بكارتها باقية على ما هي عليه.
(1) انظر: الصحاح 5/2068، واللسان 13/9 مادة أذن، والمصباح 1/10
البكارة: غشاء رقيق في قبل المرأة.
2-
البكر الحكمية: هي التي زالت بكارتها بأحد الأمور التالية:
أ- ولدت خلقة من غير بكارة.
ب- زالت بكارتها لعارض: مرض أو عيب.
ج- سقوط المرأة من شاهق، أو في حادث.
د- زوالها من ركوب الدواب.
?- ألعاب الرياضة كقفز الحواجز.
و أن تزول بنكاح غير صحيح وهي كارهة. (1)
إذن الثيب:
إذن المرأة الثيب في النكاح هو بالنطق الصريح، وأنها لا تجبر ولا تكره على النكاح.
وينقل عن الحسن أنه قَال: ((إن المرأة الثيب تجبر ولا تستأذن)) . قَال ابن عبد البر: ولا أعلم مخالفاً في أن الثيب لا يجوز لأبيها ولا لأحد من أوليائها إكراهها على النكاح إلا الحسن البصري كان يقول نكاح الأب جائز على ابنته بكراً كانت أو ثيباً أكرهت أو لم تكره، وقال إسماعيل الكافي: لا أعلم أحداً قَال في الثيب بقول الحسن. (2)
قَال البغوي: اتفق أهل العلم على أن تزويج الثيب البالغة العاقلة لا يجوز دون إذنها، فإن زوجها وليها دون إذنها فالنكاح مردود (3) .
(1) انظر: المغني 9/410، 411 والحاوي 9/67، 68 وفتح الباري 9/120، 121
(2)
انظر: التمهيد 19/318، 319، والشرح الكبير مع الإنصاف 20 / 146.
(3)
انْظر: شرح السنة 9/31 وفتح الباري 9/191.
والدليل على ذلك:
- ما رواه مسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قَال: " الأيم أحق بنفسها من وليها". وفي رواية " لا تنكح الأيم حتى تستأمر " وفي رواية " الثيب أحق بنفسها من وليها "(1) .
- وعن الخنساء بنت خذام الأنصارية: «أن أباها زوجها وهي ثيب، فكرهت ذلك وجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشتكي، فرد النبي صلى الله عليه وسلم نكاحها» رواه البخاري. (2)
أما إذا زالت بكارتها بغير الوطء كالخلقة أو لعارض فهي تعامل كالأبكار أما إذا زالت بكارتها بوطء محرم فهو محل خلاف على قولين (3) :
القول الأول: أنها تعامل معاملة الثيب.
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
1-
عموم الأحاديث الواردة في إذن الثيب، حيث لم تفرق بين الوطء المباح وغير المباح.
2-
أن حقيقة الوطء واحدة سواء كان مباحاً أو محرماً. فقد زالت بكارتها ولم تعد بكراً.
3-
أن العلة التي من أجلها فرق بين البكر والثيب قد زالت، وذهب حياء هذه المرأة.
(1) كتاب النكاح باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق 2/ 1036، 1037 رقم الحديث 1419، 1421.
(2)
في كتاب النكاح باب إذا زوج ابنته وهي كارهة انظر: البخاري مع الفتح 9/194.
(3)
انْظر: الحاوي 9/68 والمغني 9/410، 411 وروضة الطالبين 7/54 ومغني المحتاج 3/149 وفتح الباري 9/193.
القول الثاني: أنها تعامل معاملة البكر، وذلك لأمرين:
1-
أن هذه المرأة لا تزال بكراً، فهي لم يعقد عليها بعد، ولا تزال جاهلة بأمور النكاح.
2-
أنه يجب الستر على هذه المرأة، ولا نلزمها بما نلزم الثيب حتى لا ينكشف أمرها.
الراجح والله أعلم:
إن كانت مطاوعة فتعامل كالثيب، وإن كانت مكرهة فتعامل معاملة الأبكار.
أما إذا كانت الثيب غير عاقلة (المجنونة) فلا تخلو من أحوال ثلاثة:
أ- إن كانت كبيرة ميؤساً من شفائها فإنها تزوج من غير إذن ولا قبول.
ب- وإن كانت تجن في حين وتفيق في حين آخر أخذ منها الإذن حال الإفاقة.
ج- إن كانت صغيرة ويمكن شفاؤها، فينتظر شفاؤها. (1)
إذن المرأة البكر في النكاح
يتحقق إذن البكر بأحد الأمور الثلاثة التالية:
الأمر الأول: السكوت أو الصمت، وهذا ما دلت عليه النصوص والأحاديث الصحيحة الصريحة، ومنها حديث ابن عباس رضي الله عنهما السابق (2) :«الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن وإذنها صمتها» .
وحديث عائشة قالت: «قَال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البكر تستأذن"، قلت: إن
(1) انْظر: الحاوي 9/ 67 ومغني المحتاج 3/ 169.
(2)
حديث ابن عباس سبق في ص 241 من هذا البحث.
البكر تستحي، قال:"إذنها صماتها"، وفي رواية:" رضاها صماتها "، وفي رواية: «كيف إذنها؟ قَال: "أن تسكت "(1) .
فهذه النصوص صريحة بأن السكوت والصمت صنف من أصناف الإذن، وكان هذا الصمت والسكوت لما جبلت عليه البكر ألا وهو الحياء، فهي تستحي من ذكر النكاح.
1-
وهذا السكوت عند أكثر أهل العلم في حق كل الأبكار من غير تفريق بين بكر وأخرى.
2-
وعند بعض أهل العلم هو في حق البكر التي يزوجها الأب أو الجد. لأنها تستحي منهما، ولهما ولاية الإجبار عليها.
3-
كما يرى البعض الآخر أن الصمت والسكوت في حق الصغيرة فقط. أما البكر الآنس أي الكبيرة فلا بد من نطقها.
والصحيح والله أعلم:
هو ما ذهب إليه الجمهور، لأن النصوص لم تفرق بين بكر وأخرى، والتفريق يحتاج إلى دليل. (2)
الأمر الثاني: صريح القول: وهو من أوضح الدلالات على قبول المرأة.
وحكى ابن حجر عن بعض أهل الظاهر أنه إذا استنطقت البكر ونطقت فالعقد غير صحيح. لأن ما دلت عليه النصوص هو الصمت أو السكوت وقوفاً عند ظاهر قوله: «وإذنها أن تسكت» .
ويمكن أن يجاب عنه: أن غاية ما دلت عليه النصوص بيان صنف من
(1) رواه البخاري كتاب النكاح باب لا ينكح الأب وغيره 9/191
(2)
انْظر: فتح الباري 9/ 193 والمحلى 9/ 451.
أصناف الإذن من البكر (1) .
الأمر الثالث: ما يقوم مقام الصمت أو السكوت، ألا وهو الضحك أو التبسم أو البكاء.
أما الضحك والتبسم فهما من علامات الرضا، أما البكاء فهو محل خلاف بين أهل العلم.
- فالأكثر قالوا أنه يدل على عدم الرضا.
- ومنهم من قَال أنه يدل على عدم الرضا إذا نظرت أو قامت أو ظهر منها ما يدل على الكراهة.
- ومنهم من قَال بالتفصيل، إذا صحبه رفع الأصوات والصياح فيدل على عدم الرضا وإذا لم يكن فيه رفع الأصوات والصياح فيدل على الرضا.
- وفرق بعضهم بين الدمع فإن كان حاراً دلّ على المنع، وإن كان بارداً دلّ على الرضا. (2)
حكم استئذان البكر العاقلة البالغة الرشيدة:
محل خلاف بين أهل العلم على قولين:
الأول: يرى أكثر العلماء أنه يستحب إذن البكر البالغة العاقلة ولا يجب، (ومعناه أن لولي البكر إجبارها على النكاح، وأيضاً أنه لو تم العقد فالعقد صحيح، وليس لها حق الفسخ) .
الثاني: يجب الاستئذان من البكر البالغة الرشيدة العاقلة، فمعناه أنه ليس للولي ولاية الإجبار، وإذا عقد فلها حق الفسخ. وهذا هو مذهب الحنفية
(1) انظر: فتح الباري 9/ 194
(2)
انْظر: روضة الطالبين 7/55-57 والشرح الكبير مع الإنصاف 20 / 148.
والظاهرية واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وبه قَال الأوزاعي والثوري ووافقهم أبو ثور أنه يشترط الاستئذان. (1)
استدل أصحاب هذا القول بمجموعة من الأدلة ومنها:
أولاً: حديث ابن عباس رضي الله عنهما السابق: «الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن» .
وحديث عائشة رضي الله عنها السابق (2) : " لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن".
فمعنى الحديث الأول أن للثيب أحقية في النكاح، وليس للبكر هذا الحق، وإنما الحق لوليها وكذلك الحديث الثاني فطلب الأمر من الثيب ولم يطلب الأمر من البكر، فالحديث فرق بين البكر والثيب، ولو كانت البكر كالثيب لما احتجنا إلى هذا التفريق. فدليل على أن الاستئذان مستحب وليس واجب.
ثانياً: واستدلوا بما يروى عن ابن عمر والقاسم وسالم، أنهم كانوا يزوجون الأبكار لا يستأمرونهن. (3)
ثالثاً: قالوا إن البكر يغلب عليها الحياء ولا تعرف مصالح النكاح، ولا تفهم أثره، فيقوم الولي مقام البكر فهو أعرف بمصالح النكاح وفوائده ويعرف الرجال.
واستدل أصحاب القول الثاني:
1-
بحديث ابن عباس وعائشة وغيرهما، حيث جاء فيهما:" والبكر تستأذن".
(1) انظر: الهداية مع الفتح 3/260، والتمهيد 19/98، والمهذب 2/48، وشرح الزركشي 5/85 وشرح السنة 9/31.
(2)
سبق تخريجهما في ص 241 من هذا البحث.
(3)
انظر: شرح السنة 9/31، وفتح الباري 9/193.
وجه الدلالة:
قالوا هنا نهي والنهي يفيد البطلان المنهي عنه، ونهى الحديث عن النكاح بدون الإذن، فهو دليل على أن الإذن واجب.
2-
وكذا: أن الإمام البخاري بوب في صحيحه في كتاب النكاح حيث جاء (باب لا ينكح الأب ولا غبره الثيب والبكر إلا برضاهما)(1) .
قالوا: إن هذه الترجمة معقودة، والمقصود بها إشتراط الرضا في المرأة المزوجة سواء كانت بكراً أو ثيباً، ويلي هذا الباب (إذا زوج الأب ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود) وهذا الإطلاق يشمل البكر والثيب.
وما جاء في حديث ابن عباس في بعض الروايات: "الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها" وفي بعض الروايات: «والبكر يستأذنها أبوها في نفسها» (2) .
فهذه الروايات خبر، والخبر جاء بصيغة الأمر والأمر مؤكد، ودليل على تحقيق المخبر عنه وهو لابد من الاستئذان.
3-
حديث عن عكرمة عن ابن عباس: «أن جارية بكراً جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم» (3) قال في تهذيب
(1) انظر: البخاري مع الفتح 9/191.
(2)
رواه أبو داود في كتاب النكاح باب في الثيب 2/232 رقم 2098، 2099، والترمذي في كتاب النكاح باب ما جاء في استئمار البكر والثيب 2/287 رقم 1114 وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(3)
رواه أبو داود في كتاب النكاح باب في البكر يزوجها أبوها ولا يستأمرها انظر: سنن أبي داود 2/232 رقم 2096، وابن ماجه في النكاح باب من زوج ابنته وهي كارهة رقم 1875.
السنن هذا حديث صحيح. (1)
فهذا دليل على استئذان المرأة وإن كانت بكراً.
4-
أن هذه المرأة بالغة عاقلة لها حق التصرف في أموالها من غير الإذن، لأنه إذا كان الأمر يخص نفسها فمن باب أولى أن تستأذن.
إذن البكر الصغيرة:
1-
ذهب أكثر العلماء على أنه لا حاجة إلى إذن البكر الصغيرة يزوجها الولي من غير إذن وذلك لأنه لا أهلية لها، ولا تعرف مصالحها، فلا معنى لاستئذان من لا تدري ما الإذن ومن يستوي سكوتها وسخطها، استدلالاً بحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت سبع.
2-
والظاهرية قالوا لا بد من الإذن، ولا فرق بين الصغيرة والكبيرة ولا خيار لها إذا بلغت، لأن النصوص ما فرقت بينهما. (2)
3-
وقال الحنفية أنها إذا زوجت بغير الإذن فلها حق الخيار بعد البلوغ (3) .
التعامل مع البكر المجنونة غير العاقلة:
القول في البكر المجنونة هو نفس القول في الثيب المجنونة:
- إن كان لا يرجى شفاؤها، وميئوس من شفاءها، فإنها تزوج بغير الإذن على ما هي عليه.
(1) 3/40.
(2)
انظر: المحلى 9/458 رقم المسألة 1822.
(3)
انظر: المبسوط 5/44، وفتح القدير 3/277 وبدائع الصنائع 3/1511.
- وإن كان تجن في بعض الأحيان وتفيق في أحيان آخر فإنها تستأذن في الأحيان التي تفيق فيها.
-وإن كانت صغيرة ويرجى شفاؤها فينتظر إفاقتها (1) .
(1) انظر: الحاوي 9/17.