المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة المائدة (5) : الآيات 76 الى 77] - التفسير الوسيط لطنطاوي - جـ ٤

[محمد سيد طنطاوي]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد الرابع]

- ‌تفسير سورة المائدة

- ‌مقدّمة

- ‌تمهيد بين يدي السورة

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 1]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 2]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 3]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 4]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 5]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 6 الى 7]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 8 الى 11]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 12 الى 13]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 14]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 15 الى 16]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 17]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 18]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 19]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 20 الى 26]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 27 الى 32]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 33 الى 34]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 35]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 36 الى 37]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 38 الى 40]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 41 الى 43]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 44 الى 45]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 46 الى 47]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 48 الى 50]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 51 الى 53]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 54 الى 56]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 57 الى 58]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 59 الى 63]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 64]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 65 الى 66]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 67]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 68]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 69]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 70 الى 71]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 72 الى 75]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 76 الى 77]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 78 الى 81]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 82 الى 86]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 87 الى 88]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 89]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 90 الى 92]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 93]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 94]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 95]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 96]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 97 الى 100]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 101 الى 102]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 103 الى 104]

- ‌[سورة المائدة (5) : آية 105]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 106 الى 108]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 109 الى 110]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 111 الى 115]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 116 الى 118]

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 119 الى 120]

- ‌فهرس إجمالى لتفسير سورة «المائدة

الفصل: ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 76 الى 77]

ظاهرة للناس، ودالة على احتياجهما لغيرهما في مطلب حياتهما، ومن يحتاج إلى غيره لا يكون إلها.

وقال صاحب الكشاف: لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنفض، لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وأمزجة مع شهوة.. وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف كغيره من الأجسام وحاشا للإله أن يكون كذلك «1» .

ففي هذه الجمل الكريمة رد على ما زعمه النصارى في شأن عيسى وأمه بأبلغ وجه وأحكمه، ولذا عجب الله- تعالى- رسوله وكل من يصلح للخطاب من جهلهم وبعدهم عن الحق مع وضوحه وظهوره فقال: انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ أى: يصرفون يقال أفكه يأفكه إذا صرفه عن الشيء.

أى: انظر- يا محمد- كيف تبين لهم الأدلة المنوعة على حقيقة عيسى وأمه بيانا واضحا ظاهرا. ثم انظر بعد ذلك كيف ينصرفون عن الإصاخة إليها والتأمل فيها لسوء تفكيرهم، واستيلاء الجهل والوهم والعناد على عقولهم.

فالجملتان الكريمتان تعجيب لكل عاقل من أحوال النصارى الذين زعموا أن الله هو المسيح ابن مريم، أو أن الله ثالث ثلاثة. مع أنه- سبحانه- أقام لهم الأدلة المتعددة على بطلان ذلك.

وكرر الله- سبحانه- الأمر بالنظر للمبالغة في التعجيب من أحوالهم الغريبة وجيء بثم المفيدة للتراخي في قوله ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ لإظهار ما بين وضوح الآيات وانصرافهم عنها من تفاوت شديد أى: أن بياننا للآيات أمر بديع في بابه بحيث يجعل كل عاقل يستجيب لها، ويخضع لما تدعو إليه من هدايات وخيرات. وانصراف هؤلاء الضالين عنها- مع وضوحها وتعاضد ما يوجب قبولها- أمر يدعو إلى العجب الشديد من جهلهم وضلالهم وسوء تفكيرهم.

ثم تابع- سبحانه- حديثه عن ضلال أهل الكتاب وجهالتهم فأمر رسوله- صلى الله عليه وسلم أن يوبخهم على عنادهم وغفلتهم وأن يواصل دعوتهم إلى الدين الحق فقال- تعالى:

[سورة المائدة (5) : الآيات 76 الى 77]

قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (77)

(1) تفسير الكشاف ج 1 ص 665

ص: 243

والاستفهام في قوله أَتَعْبُدُونَ لإنكار واقعهم والتعجيب مما وقع منهم، وتوبيخهم على جهلهم وغفلتهم.

وما في قوله ما لا يَمْلِكُ يجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي وأن تكون نكرة موصوفة.

والجملة بعدها صلة فلا محل لها أو صفة فمحلها النصب.

وقوله يَمْلِكُ من الملك بمعنى حيازة الشيء والتمكن من التصرف فيه بدون عجز.

والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الضالين من النصارى وأشباههم في الكفر والشرك قل لهم:

أتعبدون معبودات غير الله- تعالى- هذه المعبودات وأشباههم في الكفر والشرك قل لهم:

كالمرض والفقر، ولا تملك أيضا أن تنفعكم بشيء من النفع كبسط الرزق ودفع الضر وغير ذلك مما أنتم في حاجة إليه.

فالمراد بما لا يملك: كل ما عبد من دون الله من حجر أو وثن أو غيرهما فتكون «ما» للعموم وليست كناية عن عيسى وأمه فحسب.

وقد سار على هذا المعنى ابن كثير فقال: يقول- تعالى- منكرا على من عبد غيره من الأصنام والأوثان والأنداد، ومبينا له أنها لا تستحق شيئا من الألوهية فقال- تعالى- قُلْ أى: يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بنى آدم ودخل في ذلك النصارى وغيرهم أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً «1» .

ويرى كثير من المفسرين أن المراد بقوله: ما لا يَمْلِكُ عيسى- عليه السلام أو هو وأمه لأن الكلام مع النصارى الذين قال بعضهم: إن الله المسيح ابن مريم. وقال آخرون منهم: إن الله ثالث ثلاثة، فتكون الآية دليلا آخر- بعد الأدلة السابقة- على فساد أقوال النصارى في عيسى وأمه مريم.

والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء النصارى أتعبدون- من دون الله- عيسى وأمه وهما لا يستطيعان أن يضراكم بشيء من الضرر في الأنفس والأموال، ولا أن ينفعاكم بشيء من النفع كإيجاد الصحة والخصب والسعة، لأن الضر والنفع من الله وحده وكل ما يستطيعه البشر من المضار أو المنافع هو بتمكين الله لهم وليس بقدرتهم الذاتية.

(1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 82

ص: 244

وأوثرت «ما» على «من» لتحقيق ما هو المراد من كونهما بمعزل من الألوهية رأسا، ببيان انتظامهما في مسلك الأشياء التي لا قدرة لها على شيء أصلا ولا شك أن من صفات الرب أن يكون قادرا على كل شيء، فقول النصارى بأن الله هو المسيح ابن مريم أو هو ثالث ثلاثة، قول ظاهر البطلان واضح الفساد.

وعلى كلا القولين فالآية الكريمة تنفى أن يكون هناك إله سوى الله- تعالى- يستحق العبادة والخضوع، لأنه- سبحانه- هو المالك لكل شيء، والخالق لكل شيء أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ.

وقدم- سبحانه- الضر على النفع فقال: ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً لأن النفوس أشد تطلعا إلى دفعه من تطلعها إلى جلب الخير، ولأنهم كانوا يعبدون غير الله- تعالى- وهمهم الأكبر أن هذا المعبود يستطيع أن يقربهم إلى الله زلفى، وأن يمنع عنهم المصائب والاضرار.

وقوله: وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ في محل نصب على الحال. من فاعل أَتَعْبُدُونَ أى أتعبدون آلهة سوى الله لا تملك ضرركم أو نفعكم وتتركون عبادة الله والحال أن الله وحده هو السميع لكل ما تنطقون به، العليم بجميع أحوالكم وأعمالكم، وسيحاسبكم على ذلك وسيجازيكم على أقوالكم الباطلة وعقائدكم الزائفة، بما تستحقون من عذاب أليم.

ثم أرشدهم- سبحانه- إلى طريق الحق، ونهاهم عن الغلو الباطل فقال: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ، وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ والغلو مصدر غلا في الأمر: إذا تجاوز الحد. وهو نقيض التقصير.

وقد نهى النبي- صلى الله عليه وسلم عن الغلو حتى في الدين، فقد روى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قلبكم بالغلو في الدين» «1» .

وروى البخاري عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» «2» .

وروى مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هلك المتنطعون. قالها ثلاثة» «3» والمتنطعون هم المتشددون المتجاوزون للحدود التي جاءت بها تعاليم الإسلام.

(1) مسند الإمام أحمد ج 2 حديث رقم 225 طبعة الحلبي.

(2)

صحيح البخاري باب واذكر في الكتاب مريم من كتاب الأنبياء ج 4 ص 304

(3)

صحيح مسلم كتاب العلم ج 8 ص 58

ص: 245

وقد غالى أهل الكتاب في شأن عيسى- عليه السلام أما اليهود فقد كفروا به ونسبوه إلى الزنا وافتروا عليه وعلى أمه افتراء شديدا وأما النصارى فقد وصفوه بالألوهية فوضعوه في غير موضعه الذي وضعه الله فيه وهو منصب الرسالة. وكما غالوا في شأن عيسى عليه السلام فقد غالوا أيضا في تمسكهم بعقائدهم الزائفة، مع أن الدلائل الواضحة قد دلت على بطلانها وفسادها.

وقوله غَيْرَ الْحَقِّ منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف. أى: لا تغلوا في دينكم غلوا غير الحق: أى: غلوا باطلا.

وقوله: وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ معطوف على قوله: لا تَغْلُوا قال الفخر الرازي: الأهواء- هاهنا- المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة.

قال الشعبي: ما ذكر الله لفظ الهوى في القرآن إلا ذمه. قال: وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وقال: وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى وقال: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى وقال: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ.

وقال أبو عبيدة: لم نجد الهوى يوضع إلا في الشر لا يقال: فلان يهوى الخير إنما يقال يريد الخير ويحبه.

وقيل: سمى الهوى هوى لأنه يهوى بصاحبه في النار. وأنشد في ذم الهوى:

إن الهوى الهوان بعينه

فإذا هويت فقد لقيت هوانا

وقال رجل لابن عباس: الحمد الله الذي جعل هو اى على هواك. فقال ابن عباس: كل هوى ضلالة» «1» .

والمعنى: قل يا محمد لأهل الكتاب الذين تجاوزوا الحدود التي تقرها الشرائع والعقول السليمة، قل لهم يا أهل الكتاب: لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ أى: لا تتجاوزوا حدود الله تجاوزا باطلا، كأن تعبدوا سواه مع أنه هو الذي خلقكم ورزقكم، وكأن تصفوا عيسى بأوصاف هو برىء منها.

وقل لهم أيضا: وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ أى: ولا تتبعوا شهوات وأقوال قوم من أسلافكم وعلمائكم ورؤسائكم قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ أى: قد ضلوا من قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بتحريفهم للكتب السماوية وتركهم لتعاليمها جريا وراء شهواتهم وأهوائهم وَأَضَلُّوا كَثِيراً أى أنهم لم يكتفوا بضلال أنفسهم بل أضلوا أناسا كثيرين سواهم ممن قلدهم ووافقهم على أكاذيبهم وقوله: وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ معطوف على قوله قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ.

(1) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 63

ص: 246