الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أى أنهم قد ضلوا من قبل البعثة النبوية الشريفة، وضلوا من بعدها عن سَواءِ السَّبِيلِ أى: عن الطريق الواضح الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم وهو طريق الإسلام وذلك لأنهم لم يتبعوه صلى الله عليه وسلم مع معرفتهم بصدقة بل كفروا به حسدا له على ما آتاه الله من فضله.
فأنت ترى أنه- تعالى- قد وصفهم- كما يقول الإمام الرازي- بثلاث درجات في الضلال: فبين أنهم كانوا ضالين من قبل، ثم ذكر أنهم كانوا مضلين لغيرهم، ثم ذكر أنهم استمروا على تلك الحالة حتى الآن ضالون كما كانوا ولا نجد حالة أقرب إلى البعد من الله والقرب من عقابه من هذه الحالة ويحتمل أنهم ضلوا وأضلوا ثم ضلوا بسبب اعتقادهم في ذلك الإضلال أنه إرشاد إلى الحق «1» .
هذا، ومما أخذه العلماء من هذه الآية الكريمة أن الغلو في الدين لا يجوز وهو مجاوزة الحق إلى الباطل وقد سقنا من الآثار ما يشهد بذلك عند تفسيرنا لصدر الآية الكريمة.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه دلت الآية على أن الغلو في الدين غلوان «غلو حق» وهو أن يفحص عن حقائقه، ويفتش عن أباعد معانيه، ويجتهد في تحصيل حججه كما يفعل المتكلمون. وغلو باطل، وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة واتباع الشبه. كما يفعل أهل الأهواء والبدع والضلال «2» .
ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك بعض الرذائل التي شاعت في بنى إسرائيل، والتي بسببها استحقوا اللعن والطرد من رحمة الله فقال- تعالى-:
[سورة المائدة (5) : الآيات 78 الى 81]
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (78) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (80) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ (81)
(1) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 64
(2)
تفسير الكشاف ج 1 ص 666 [.....]
وقوله لُعِنَ من اللعن بمعنى الطرد من رحمة الله فالملعون هو المحروم من رحمته- سبحانه- ولطفه وعنايته.
والمعنى: لعن الله- تعالى- الذين كفروا من بنى إسرائيل بأن طردهم من رحمته، على لسان نبيين كريمين هما داود وعيسى- عليهما السلام وقد جاء الفعل «لعن» بالبناء للمجهول لأن الفاعل معلوم وهو الله- تعالى- ولأن الأنبياء ومنهم داود وعيسى لا يلعنون أحدا إلا بإذن الله- سبحانه- وقوله: مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ في محل نصب على الحال من الذين كفروا أو من فاعل كَفَرُوا وهو واو الجماعة.
وقوله: عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ متعلق بلعن. أى: لعنهم- سبحانه- في الزبور والإنجيل على لسان هذين النبيين الكريمين اللذين كان أولهما- بجانب منصب الرسالة- قائدا مظفرا قادهم إلى النصر بعد الهزيمة. وكان ثانيهما وهو عيسى- عليه السلام رسولا مسالما جاءهم ليحل لهم بعض الذي حرم عليهم.
قال الآلوسى: لعنهم الله- تعالى- في الزبور والإنجيل على لسان داود وعيسى ابن مريم بأن أنزل في هذين الكتابين «ملعون من يكفر من بنى إسرائيل بالله أو بأحد من رسله» .
وقيل: إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت قال داود: اللهم ألبسهم اللعن مثل الرداء ومثل المنطقة على الحقوين فمسخهم الله قردة.
وأصحاب المائدة لما كفروا بعيسى قال: اللهم عذب من كفر من المائدة عذابا لم تعذبه أحدا من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت» «1» .
وقوله: ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ بيان لسبب لعنهم وطردهم من رحمة الله.
واسم الإشارة ذلِكَ يعود إلى اللعن المذكور.
(1) تفسير الآلوسى ج 6 ص 211
أى: ذلك اللعن للكافرين من بنى إسرائيل سببه عصيانهم لله ولرسله، وعدوانهم على الذين يأمرونهم بالقسط من الناس.
أى أن لعنهم لم يكن اعتباطا أو جزافا، وإنما كان بسبب أقوالهم القبيحة وأفعالهم المنكرة، وسلوكهم السيئ.
وقوله: ذلِكَ بِما عَصَوْا جملة من مبتدأ وخبر. وقوله: وَكانُوا يَعْتَدُونَ معطوف على صلة ما وهو عَصَوْا فيكون داخلا في حيز السبب الذي أدى إلى لعنهم والجملة المكونة من اسم الإشارة ذلِكَ وما بعدها مستأنفة واقعة موقع الجواب لسؤال تقديره لماذا لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل؟
وقد أفاد اسم الإشارة مع باء السببية ومع وقوع الجملة في جواب سؤال مقدر أفاد مجموع ذلك ما يشبه القصر.
وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله: ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ.
أى: لم يكن ذلك اللعن الشنيع إلا لأجل المعصية والاعتداء لا لشيء آخر، «1» .
وعبر- سبحانه- عن عصيانهم بالماضي فقال ذلِكَ بِما عَصَوْا للإشارة إلى استقرار العصيان في طبائعهم، وثباته في نفوسهم وجوارحهم.
وعبر عن عدوانهم بالمضارع، للإيذان بأنه مستمر قائم، فهم لم يتركوا نبيا إلا وآذوه، ولم يتركوا مصلحا إلا واعتدوا عليه فاعتداؤهم على المصلحين مستمر في كل زمان ومكان.
ثم فسر- سبحانه- عصيانهم وعدوانهم بقوله كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ، لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ.
وقوله يَتَناهَوْنَ من التناهى.
قال الفخر الرازي: وللتناهى هاهنا معنيان:
أحدهما: وهو الذي عليه الجمهور- أنه تفاعل من النهى. أى: كانوا لا ينهى بعضهم بعضا.
روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من رضى عمل قوم فهو منهم. ومن كثر سواد قوم فهو منهم» والمعنى الثاني: في التناهى أنه بمعنى الانتهاء عن الأمر، تناهى عنه إذا كف عنه» «2» .
(1) تفسير الكشاف ج 1 ص 667
(2)
تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 64
والمنكر: هو كل ما تنكره الشرائع والعقول من الأقوال والأفعال.
أى أن مظاهر عصيان الكافرين من بنى إسرائيل وتعديهم مما أدى إلى لعنهم وطردهم من رحمة الله أنهم كانوا لا ينهى بعضهم بعضا عن اقتراف المنكرات. واجتراح السيئات، بل كانوا يرون المنكرات ترتكب فيسكتون عنها بدون استنكار مع قدرتهم على منعها قبل وقوعها.
وهذا شر ما تصاب به الأمم حاضرها ومستقبلها: أن تفشو فيها المنكرات والسيئات والرذائل فلا تجد من يستطيع تغييرها وإزالتها.
وقوله: لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ذم لهم على كثرة ولوغهم في المعاصي والمنكرات وتعجب من سوء فعلهم.
واللام في قوله لَبِئْسَ لام القسم فكأنه- سبحانه- قال: أقسم لبئس ما كانوا يفعلون وهو ارتكاب المعاصي والعدوان وترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
قال صاحب الكشاف: قوله: لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ للتعجيب من سوء فعلهم مؤكدا لذلك بالقسم. فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهى عن المناكير، وقلة عبئهم به، كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء مع ما يتلون من كلام الله وما فيه من المبالغات في هذا الباب.
فإن قلت ما معنى وصف المنكر بفعلوه، ولا يكون النهى بعد الفعل؟ قلت: معناه لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه، أو عن منكر أرادوا فعله كما ترى أمارات الخوض في الفسق وآلاته تسوى وتهيأ فتنكر» «1» .
هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لأنهما قوام الأمم وسياج الدين ولإصلاح لأمة من الأمم إلا بالقيام بحقهما.
وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية عددا من الأحاديث في هذا المعنى.
ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبى سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» .
وروى الإمام أحمد في معنى الآية عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم أو في أسواقهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون» .
(1) تفسير الكشاف ج 1 ص 667.
قال ابن مسعود: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس فقال: «لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا- أى تحملوهم على التزام الحق وتعطفوهم عليه» .
وروى الترمذي عن حذيفة بن اليمان: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم» .
وروى الإمام أحمد عن عدى بن عميرة- رضى الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله- لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه. فإذا فعلوا ذلك لعن الله العامة والخاصة» .
وروى ابن ماجة عن أنس بن مالك قال يا رسول الله، متى نترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؟ قال:«إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم قلنا: يا رسول الله، وما الذي ظهر في الأمم قبلنا؟ قال صلى الله عليه وسلم: الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رذالتكم» «1» أى في فساقكم.
هذا جانب من الأحاديث التي وردت في وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. فعلى الأمة الاسلامية أن تقوم بحقها حتى تكون مستحقة لمدح الله- تعالى- لها بقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ «2» .
ثم حكى- سبحانه- ما كان يقوم به اليهود في العهد النبوي من تحالف مع المشركين ضد المسلمين فقال: تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا.
أى: ترى- أيها الرسول الكريم- كثيرا من بنى إسرائيل المعاصرين لك يوالون الكافرين ويحالفونهم عليك بسبب حسدهم لك على ما آتاك الله من فضله وبسبب كراهتهم للإسلام والمسلمين.
والذي يقرأ تاريخ الدعوة الاسلامية يرى أن اليهود كانوا دائما يضعون العراقيل في طريقها، ويناصرون كل محارب لها، ففي غزوة الأحزاب انضم بنو قريظة إلى المشركين ولم يقيموا وزنا للعهود والمواثيق التي كانت بينهم وبين المسلمين «3» .
وفي كل زمان ومكان نرى أن اليهود يحاربون الإسلام والمسلمين، ويؤيدون كل من يريد لهما الشرور والاضرار.
(1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 83
(2)
سورة آل عمران الآية 110
(3)
راجع كتابنا بنو إسرائيل في القرآن والسنة ج 4 ص 307 مبحث تحالفهم مع المنافقين ضد المسلمين.
وقوله: لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ ذم لهم على موالاتهم للمشركين وبيان لما حاق بهم من سوء المصير بسبب مناصرتهم لأعداء الله، ومحاربتهم لأوليائه.
أى: لبئس ما قدمت لهم أنفسهم من أقوال كاذبة وأعمال قبيحة وأفعال منكرة استحقوا بسببها سخط الله عليهم، ولعنه إياهم كما استحقوا أيضا بسببها الخلود الدائم في العذاب المهين.
قال الجمل: وما في قوله لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ هي الفاعل، وقوله: وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها فهي من جملة المخصوص بالذم.
فالتقدير: سخط الله عليهم وخلدهم في العذاب «1» .
ثم بين- سبحانه- الدوافع التي حملت هؤلاء الفاسقين من أهل الكتاب على ولاية الكافرين ومصادقتهم ومعاونتهم على حرب المسلمين فقال:
وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ، وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ.
فالضمير في قوله كانُوا يعود إلى أولئك الكثيرين من أهل الكتاب الذين حملهم حقدهم وبغضهم للنبي صلى الله عليه وسلم ولأتباعه على موالاة الكافرين.
والمراد- هنا- بالنبي: موسى- عليه السلام وبما أنزل إليه التوراة، لأن الحديث مع الكافرين من بنى إسرائيل الذين يزعمون أنهم من أتباع موسى.
وقيل المراد به النبي صلى الله عليه وسلم والمراد بما أنزل إليه: القرآن.
أى: ولو كان هؤلاء اليهود يؤمنون بالله إيمانا حقا، ويؤمنون بنبيهم موسى إيمانا صادقا ويؤمنون بالتوراة التي أنزلها الله عليه إيمانا سليما، لو كانوا مؤمنين هذا الإيمان الصادق، لكفوا عن اتخاذ الكافرين أولياء وأصفياء، لأن تحريم موالاة المشركين متأكدة في التوراة وفي كل شريعة أنزلها الله على نبي من أنبيائه.
وقوله: وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ استدراك لبيان حالهم، ولبيان سبب موالاتهم للكافرين وعداوتهم للمسلمين.
أى: ولكن كثيرا من هؤلاء اليهود فاسقون، أى: خارجون عن الدين الحق إلى الأديان الباطلة، فدفعهم هذا الفسق وما صاحبه من حقد وعناد على موالاة الكافرين ومعاداة المؤمنين.
وقد كرر سبحانه وصف الكثيرين منهم بالصفات الذميمة، إنصافا للقلة التي آمنت وتمييزا لها عن تلك الكثرة الكافرة الفاسقة..
(1) حاشية الجمل على الجلالين ج 6 ص 651