الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والاستقامة. قال- تعالى- وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها، وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ «1» .
وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت للمؤمنين ما يجب عليهم إذا ما حنثوا في أيمانهم، وحضتهم على حفظ أيمانهم، لكي ينالوا من الله- تعالى- الرضا والفلاح.
وبعد أن نهى الله المؤمنين عن تحريم ما أحله لهم، وأمرهم بأن يتمتعوا بما رزقهم من خير بدون إسراف أو تقتير، وبين لهم حكم ما عقدوه من أيمان بعد كل ذلك وجه- سبحانه- نداء ثانيا إليهم بين لهم فيه مضار الخمر وأشباهها من الرذائل، وأمرهم باجتنابها، فقال تعالى:
[سورة المائدة (5) : الآيات 90 الى 92]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92)
قال الفخر الرازي: اعلم أن هذا النوع الثالث من الأحكام المذكورة في هذا الموضع- فقد أمر الله المؤمنين بعدم تحريم الطيبات ثم بين حكم الأيمان المنعقدة.
ووجه اتصال هذه الآيات بما قبلها أنه- تعالى- قال فيما تقدم: لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ إلى قوله: وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً. ثم لما كان من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر، لا جرم أنه- تعالى- بين أنهما غير داخلين في المحلات بل في المحرمات «2» .
والخمر- بمعنى المصدر- هو الستر، ولذلك يقال لما يستر به الرأس عند النساء خمار.
والخمر- بمعنى الاسم- ما يخمر العقل ويستره، ويمنعه من التقدير السليم:
(1) تفسير المنار ج 7 ص 40، 48
(2)
تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 79
قال القرطبي: والخمر مأخوذة من خمر، إذا ستر، ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها. وكل شيء غطى شيئا فقد خمره. ومنه: خمروا آنيتكم أى: غطوها.
وقيل: إنما سميت الخمر خمرا، لأنها تركت حتى أدركت كما يقال: قد اختمر العجين، أى:: بلغ إدراكه. وخمر الرأى، أى ترك حتى يتبين فيه الوجه.
وقيل: إنما سميت الخمر خمرا، لأنها تخالط العقل. من المخامرة وهي المخالطة. ومنه قولهم: دخلت في خمار الناس- بفتح الخاء وضمها- أى: اختلطت بهم. فالمعاني الثلاثة متقاربة، فالخمر تركت حتى أدركت، ثم خالطت العقل، ثم خمرته والأصل الستر» «1» .
والميسر: القمار- بكسر القاف- وهو في الأصل مصدر ميمى من يسر كالموعد من وعد.
وهو مشتق من اليسر بمعنى السهولة، لأن المال يجيء، للكاسب من غير جهد، أو هو مشتق من يسر بمعنى جزأ، ثم أصبح علما على كل ما يتقامر عليه كالجزور ونحوه.
قال القرطبي: الميسر: الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه، سمى ميسرا لأنه يجزأ أجزاء فكأنه موضوع التجزئة. وكل شيء جزأته فقد يسرته. والياسر: الجازر، لأنه يجزئ لحم الجزور. ويقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور: يأسرون لأنهم جازرون إذ كانوا سببا لذلك» «2» .
والمراد بالميسر ما يشمل كل كسب يجيء بطريق الحظ المبنى على المصادفة فاللعب بالنرد على مال يسمى قمارا، واللعب بالشطرنج على مال يسمى قمارا وهكذا ما يشبه ذلك من ألوان تمليك المال بالمخاطرة وبطريق الحظ المبنى على المصادفة.
وتحريم الميسر تحريم لذات الفعل. فالعمل في ذاته حرام، والكسب عن طريقه حرام.
والأنصاب: جمع نصب، وتطلق على الأصنام التي كانت تنصب للعبادة لها أو على الحجارة التي كانت تخصص للذبح عليها تقربا للأصنام.
والأزلام: جمع زلم. وهي السهام التي كانوا يتقاسمون بها الجزور أو البقرة إذا ذبحت.
فسهم عليه واحد، وسهم اثنان وهكذا إلى عشرة. أو هي السهام التي كانوا يكتبون على أحدها: أمرنى ربي وعلى الآخر نهاني ربي، ويتركون الثالث غفلا من الكتابة فإذا أرادوا سفرا أو حربا أو زواجا أو غير ذلك، أتوا إلى بيت الأصنام واستقسموها، فإن خرج أمرنى ربي أقدموا
(1) تفسير القرطبي ج 3 ص 51
(2)
تفسير القرطبي ج 3 ص 53
على ما يرونه، وإن خرج نهاني ربي أمسكوا عنه، وإن خرج الغفل أجالوها ثانية حتى يخرج الآمر أو الناهي.
وقد نهى الله- تعالى- في أوائل هذه السورة عن الاستقسام بالأزلام فقال وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ «1» .
وقوله: رِجْسٌ أى قذر تأباه النفوس الكريمة والعقول السليمة لقذارته ونجاسته.
قال الفخر الرازي: والرجس في اللغة كل ما استقذر من عمل. يقال: رجس الرجل رجسا إذا عمل عملا قبيحا: وأصله من الرجس- بفتح الراء- وهو شدة الصوت. يقال:
سحاب رجاس إذا كان شديد الصوت بالرعد. فكأن الرجس هو العمل الذي يكون قوى الدرجة كامل الرتبة في القبح» «2» .
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات منها: ما جاء في صحيح مسلم عن سعد بن أبى وقاص أنه قال: نزلت فىّ آيات من القرآن، وفيه قال. وأتيت على نفر من الأنصار فقالوا: تعال نطعمك ونسقيك خمرا وذلك قبل أن تحرم الخمر- قال فأتيتهم في حش- أى بستان- فإذا رأس جزور مشوى عندهم وزق من خمر قال: فأكلت وشربت معهم. قال:
فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم فقلت: المهاجرون خير من الأنصار. قال. فأخذ رجل- من الأنصار- لحى جمل فضربني به فجرح أنفى، فأتيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأنزل الله- تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ.. الآيات «3» .
ومنها ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال: نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار. شربوا حتى ثملوا، فعبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا، جعل الرجل منهم يرى الأثر بوجهه ولحيته فيقول: فعل هذا بي أخى فلان- وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن- والله لو كان بي رءوفا رحيما ما فعل بي هذا، حتى وقعت في قلوبهم الضغائن فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ. إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «4» .
والمعنى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إيمانا حقا. إنما تعاطى الْخَمْرُ أى: الشراب الذي يخامر العقل ويخالطه ويمنعه من التفكير السليم وَالْمَيْسِرُ أى القمار الذي عن طريقه يكون تمليك
(1) الآية 3 من سورة المائدة. [.....]
(2)
تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 79
(3)
تفسير القرطبي ج 6 ص 286
(4)
تفسير ابن جرير ج 7 ص 34
المال بالحظ المبنى على المصادفة والمخاطرة وَالْأَنْصابُ أى: الحجارة التي تذبح عليها الحيوانات تقربا للأصنام. وَالْأَزْلامُ أى: السهام التي عن طريقها يطلب الشخص معرفة ما قسم له من خير أو شر. هذه الأنواع الأربعة رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ أى: مستقذرة تعافها النفوس الكريمة، وتأباها العقول السليمة، لأنها من تزيين الشيطان الذي هو عدو للإنسان، ولا يريد له إلا ما كان شيئا قبيحا.
قال- تعالى-: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ.
والفاء في قوله فَاجْتَنِبُوهُ للإفصاح، والضمير فيه يعود على الرجس الذي هو خبر عن تلك الأمور الأربعة وهي الخمر والميسر والأنصاب والأزلام.
أى: إذا كان تعاطى هذه الأشياء الأربعة رجسا وقذرا ينأى عنه العقلاء فاجتنبوه لعلكم بسبب هذا الاجتناب والترك لذلك الرجس تنالون الفلاح والظفر في دنياكم وآخرتكم.
والنداء بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عام لجميع المؤمنين، وقد ناداهم- سبحانه- بهذه الصيغة لتحريك حرارة العقيدة في قلوبهم حتى يستجيبوا لما نودوا من أجله، وهو اجتناب تلك الرذائل وتركها تركا تاما.
وقوله: رِجْسٌ خبر عن هذه الرذائل الأربعة. وصح الإخبار به- مع أنه مفرد- عن متعدد هو هذه الأربعة، لأنه مصدر يستوي فيه القليل والكثير وشبيه بذلك قوله- تعالى- إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ.
وقيل: لأنه خبر عن الخمر، وخبر المعطوفات عليها محذوف ثقة بالمذكور وقيل: لأن في الكلام مضافا إلى تلك الأشياء، وهو خبر عنه. أى: إنما شأن هذه الأشياء أو تعاطيها رجس.
وقوله: مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ في محل رفع على أنه صفة لقوله: رِجْسٌ أى: رجس كائن من عمل الشيطان، لأنه ناجم عن تزيينه وتسويله، إذ هو خبيث والخبيث لا يدعو إلا إلى الخبيث فالمراد من إضافة العمل إلى الشيطان المبالغة في كمال قبح ذلك العمل.
وعبر بقوله: فَاجْتَنِبُوهُ للمبالغة في الأمر بترك هذه الرذائل، فكأنه سبحانه يقول لا آمركم فقط بترك الرذائل، بل أمركم أيضا بأن تكونوا أنتم في جانب وهذه المنكرات في جانب آخر. فالأمر هنا منصب على الترك وعلى كل ما يؤدى إلى اقتراف هذه المنكرات كمخالطة المرتكبين لها. وغشيان مجالسها. إلخ.
ثم أكد سبحانه تحريم الخمر والميسر ببيان مفاسدهما الدنيوية والدينية فقال تعالى إِنَّما يُرِيدُ
الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ.
أى: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ بتزيينه المنكرات لكم أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ بأن يقطع ما بينكم من صلات، ويثير في نفوسكم الأحقاد والضغائن بسبب تعاطيكم للخمر والميسر، وذلك لأن شارب الخمر إذا ما استولت الخمر على عقله أزالت رشده. وأفقدته وعيه، وتجعله قد يسيء إلى من أحسن إليه، ويعتدى على صديقه وجليسه. وذلك يورث أشد ألوان العداوة والبغضاء بين الناس.
ولأن متعاطى الميسر كثيرا ما يخسر ما له على مائدة الميسر. والمال كما نعلم شقيق الروح، فإذا ما خسره هذا المقامر صار عدوا لمن سلب ماله منه عند المقامرة، وأصبح يضمر له السوء. وقد يؤدى به الحال إلى قتله حتى يشفى غيظه منه، لأنه قد جعله فقيرا بائسا مجردا من أمواله بعد أن كان مالكها وفي ذلك ما فيه من تولد العداوة والبغضاء وإيقاد نار الفتن والشرور بين الناس.
فقوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ إشارة إلى مفاسدهما الدنيوية.
أما مفاسدهما الدينية فقد أشار إليها سبحانه بقوله: وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ.
أى: ويريد الشيطان أيضا بسبب تعاطيكم للخمر والميسر- أن يصدكم أى يشغلكم ويمنعكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ أى: عن طاعته ومراقبته والتقرب إليه وَعَنِ الصَّلاةِ التي هي الركن الثاني من أركان الإسلام.
وذلك لأن شارب الخمر يمنعه ما حل به من نشوة كاذبة، ومن فقدان لرشده عن طاعة الله وعن أداء ما أوجبه عليه من صلاة وغيرها.
ولأن متعاطى الميسر بسبب استحلاله لكسب المال عن هذا الطريق الخبيث، ويسبب فقدانه للعاطفة الدينية السليمة صار لا يفكر في القيام بما أوجبه الله عليه من عبادات.
ورحم الله الآلوسى، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: ووجه صد الشيطان لهم عن ذكر الله وعن الصلاة بسبب تعاطيهم للخمر والميسر أن الخمر لغلبة السرور بها والطرب على النفوس.
والاستغراق في الملاذ الجسمانية، تلهى عن ذكر الله تعالى- وعن الصلاة.
وأن الميسر إن كان اللاعب به غالبا، انشرحت نفسه، وصده حب الغلب والقهر والكسب عما ذكر، وإن كان مغلوبا حصل له من الانقباض والقهر ما يحثه على الاحتيال لأن يصير غالبا فلا يخطر بقلبه غير ذلك.
وقد شاهدنا كثيرا ممن يلعب بالشطرنج يجرى بينهم من اللجاج والحلف الكاذب والغفلة عن ذكر الله تعالى ما ينفر منه الفيل وتكبو له الفرس ويحار لشناعته الفهم وتسود رقعة الأعمال «1» .
وجمع- سبحانه- الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام في الآية الأولى ثم أفردهما بالذكر في هذه الآية، لأن الخطاب للمؤمنين، والمقصود نهيهم عن الخمر والميسر، وإظهار أن هذه الأربعة متقاربة في القبح والمفسدة، أى أن مجيء الأنصاب والأزلام مع الخمر والميسر إنما هو لتقبيح تعاطيهما، وتأكيد حرمتهما، حتى لكأن متعاطى الخمر والميسر يفعل أفعال أهل الجاهلية، وأهل الشرك بالله- تعالى- وكأنه- كما يقول الزمخشري-: لا مباينة بين من عبد صنما وأشرك بالله في علم الغيب، وبين من شرب خمرا أو قامر.
وخص الصلاة بالذكر مع أنها لون من ألوان ذكر الله، تعظيما لشأنها، كما هو الحال في ذكر الخاص بعد العام، وإشعارا بأن الصاد عنها كالصاد عن الإيمان، لما أنها عماد الدين والفارق بين المسلم وبين الكافر.
والاستفهام في قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ لإنكار استمرارهم على الخمر والميسر بعد أن بين لهم ما بين من مضارهما الدنيوية والدينية ولحضهم على ترك تعاطيهما فورا، أى: انتهوا سريعا عنهما فقد بينت لكم ما يدعو إلى ذلك.
ولقد لبى الصحابة- رضى الله عنهم- هذا الأمر فقالوا: «انتهينا يا رب انتهينا يا رب» وألقوا ما عندهم من خمر في طرقات المدينة.
ثم أكد- سبحانه- وجوب هذا الانتهاء بأن أمر بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال:
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا.
أى: اجتنبوا- أيها المؤمنون- هذه الرذائل وانتهوا عنها فقد بينت لكم مضارها، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ في جميع ما أمرا به ونهيا عنه وَاحْذَرُوا مخالفتهما، لأن مخالفة أوامرهما تؤدى إلى الحسرة والخسران.
وأمر- سبحانه- بطاعته وبطاعته رسوله مع أن طاعة رسوله طاعة له- سبحانه- لتأكيد الدعوة إلى هذه الطاعة، ولتكريم الرسول صلى الله عليه وسلم حيث جعلت طاعته مجاورة لطاعة الله- تعالى-.
وقوله: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ تأكيد للتحذير السابق وتنبيه إلى سوء عاقبة العاصين لأمر الله ورسوله.
(1) تفسير الآلوسى ج 7 ص 16
وجواب الشرط محذوف والتقدير: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول- أيها المؤمنون- واحذروا مخالفة أمرهما، فإن توليتم وأعرضتم عن طاعتهما، فقد وقعتم في الخطيئة وستعاقبون عليها عقابا شديدا، واعلموا أنه ليس على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم سوى التبليغ الواضح البين عن الله- تعالى- أما الحساب والجزاء، والثواب والعقاب فمن الله وحده.
فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت أنواعا من التأكيدات، وألوانا من التهديدات التي تدعو إلى اجتناب الخمر والميسر اجتنابا تاما وتركهما تركا لا عودة بعده إليهما.
وقد وضح صاحب الكشاف هذا المعنى بقوله: أكد- سبحانه- تحريم الخمر والميسر بوجوه من التأكيد:
منها: تصدير الجملة بإنما.
ومنها: قرنهما بعبادة الأصنام، ومنه قوله- صلى الله عليه وسلم «شارب الخمر كعابد الوثن» .
ومنها: أنه جعلهما رجسا كما قال- تعالى- فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ ومنها: أنه جعلهما من عمل الشيطان، والشيطان، لا يأتى منه إلا الشر البحت.
ومنها: أنه أمر بالاجتناب وظاهر الأمر للوجوب.
ومنها: أنه جعل الاجتناب من الفلاح. وإذا كان الاجتناب فلاحا، كان الارتكاب خيبة وخسرانا.
ومنها: أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال- وهو وقوع التعادي والتباغض- وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات الصلاة.
ومنها: قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فهو من أبلغ ما ينهى به، كأنه قيل: قد تلى عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم باقون على ما كنتم عليه، كأن لم توعظوا ولم تزجروا؟؟؟» «1» .
هذا ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى:
1-
أن هذه الآيات الكريمة هي آخر ما نزل في القرآن لتحريم الخمر تحريما قاطعا لأن التعبير بالانتهاء والأمر به فيه إشارة إلى تمهيدات سابقة للتحريم.
قال القرطبي: تحريم الخمر كان بتدريج ونوازل كثيرة. فإنهم كانوا مولعين بشربها، وأول ما نزل في شأن الخمر قوله- تعالى- يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ «2» أى: في تجارتهم. فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة فيما فيه
(1) تفسير الكشاف ج 1 ص 675- بتصرف يسير-
(2)
سورة البقرة الآية 219
إثم كبير، ولم يتركها بعض الناس. وقالوا: نأخذ منفعتها ونترك إثمها فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى «1» فتركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة فيما يشغلنا عن الصلاة وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة، حتى نزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ الآية. فصارت حراما عليهم حتى صار بعضهم يقول: ما حرم الله شيئا أشد من الخمر» «2» .
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع أنه قال: لما نزلت آية البقرة يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم يقدم في تحريم الخمر» ، ثم نزلت آية النساء: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى فقال صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم يقدم في تحريم الخمر» ، ثم نزلت آية المائدة:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ فحرمت عند ذلك.
ولما سمع عمر قوله- تعالى- فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قال: انتهينا يا رب «3» ولا شك في أن تدرج القرآن في تحريم الخمر يدل دلالة واضحة على رحمة الله- تعالى- بعباده المؤمنين وتربية حكيمة حتى يقلعوا عما تعودوه بسهولة ويسر وذلك لأن شرب الخمر كان من العادات المتأصلة في النفوس ويكفى للدلالة على حب العرب لها قول أنس بن مالك: حرمت الخمر ولم يكن للعرب عيش أعجب منها. وما حرم عليهم شيء أشد عليهم من الخمر» .
ولقد كان موقف الصحابة من هذا التحريم لما يحبونه ويشتهونه، يمثل اسمى ألوان الطاعة والاستجابة لأمر الله- تعالى- فعند ما بلغهم تحريم الخمر أراقوا ما عندهم منها في الطرقات، بل وحطموا الأوانى التي كانت توضع فيها الخمر.
أخرج البخاري عن أنس قال: كنت ساقى القوم في منزل أبى طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ- أى: نقيع البسر فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا ينادى «ألا إن الخمر قد حرمت» .
قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها. قال: فخرجت فهرقتها فجرت في سكك المدينة «4» وأخرج ابن جرير عن قتادة عن أنس بن مالك قال: بينما أنا أدير الكأس على أبى طلحة، وأبى عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل وسهيل بن بيضاء وأبى دجانة حتى مالت رءوسهم من
(1) سورة النساء الآية 43
(2)
تفسير القرطبي ج 6 ص 286
(3)
تفسير الآلوسى ج 7 ص 17
(4)
البخاري في باب: صب الخمر من كتاب «المظالم والغضب» ج 3 ص 173.
خليط بسر وتمر، فسمعنا مناديا ينادى: إن الخمر قد حرمت. قال: فما دخل علينا داخل ولا خرج، حتى أهرقنا الشراب، وكسرنا القلال، وتوضأ بعضنا، واغتسل بعضنا ثم خرجنا إلى المسجد وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ.. إلى قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ.
فقال رجل لقتادة: سمعته من أنس بن مالك؟ قال: نعم وقال رجل لأنس أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. وحدثني من لم يكذب: والله ما كنا نكذب، ولا ندري ما الكذب «1» .
وأخرج ابن جرير- أيضا- عن أبى بريدة عن أبيه قال: بينما نحن قعود على شراب لنا، ونحن نشرب الخمر حلا، إذ قمت حتى آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وقد نزل تحريم الخمر يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ.. الآيات. فجئت إلى أصحابى فقرأتها عليهم، إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قال: وبعض القوم شربته في يده قد شرب بعضا وبقي بعض الإناء، فقال بالإناء تحت شفته «2» العليا، كما يفعل الحجام. ثم صبوا ما في باطيتهم، فقالوا:
انتهينا ربنا، انتهينا ربنا» «3» .
وهكذا ترى أن قوة الإيمان التي غرسها الإسلام في نفوس أتباعه عن طريق تعاليمه الحكيمة وتربيته السامية. قد تغلبت على ما أحبته النفوس وأزالت من القلوب ما ألفته الطبائع إلفا شديدا.
2-
أن كلمة خمر اسم لما خامر العقل وغطاه من الأشربة المسكرة، سواء كانت من عصير العنب، أم من الشعير، أم من التمر، أم من غير ذلك وكلها سواء في التحريم قل المشروب منها أو كثر، سكر شاربها أو لم يسكر، وأن على الشارب حد الشرب في الجميع.
وبهذا القول قال جمهور العلماء: ومن أدلتهم النقلية ما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال:
خطب عمر على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه قد نزل تحريم الخمر وهي خمسة أشياء: «العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل والخمر ما خامر العقل» .
وأخرج أيضا عن عائشة قالت: «سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم عن التبع- وهو نبيذ العسل- وكان
(1) تفسير ابن جرير ج 7 ص 37.
(2)
قوله: «فقال بالإناء» الفعل قال هنا بمعنى أخذ أو فعل: والمعنى أنه أخذ الإناء الذي يشرب فيه الخمر فضرب به تحت شفته العليا حتى جرحها كما يجرح الحجام من يريد حجامته، والقصد من ذلك قهر نفسه والتصميم على الكف عن شرب الخمر كفا باتا. والباطية: إناء يوضع فيه الخمر.
(3)
تفسير ابن جرير ج 7 ص 34
أهل اليمن يشربونه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كل ما أسكر فهو حرام» .
وأخرج كذلك عن أنس قال: «حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد- يعنى بالمدينة- خمر الأعناب إلا قليلا، وعامة خمرنا البسر والتمر» «1» .
فهذه الأحاديث الصحيحة صريحة في أن ما أسكر من هذه الأشربة المأخوذة من التمر أو الحنطة أو الشعير أو العنب يسمى خمرا.
ومن أدلتهم العقلية أصل الاشتقاق اللغوي لكلمة خمر، فقد عرفنا أنها سميت بهذا الاسم لمخامرتها العقل وستره، فكل ما خامر العقل من الأشربة وجب أن يطلق عليه لفظ خمر سواء أكان من العنب أم من غيره.
ويرى الأحناف ووافقهم بعض العلماء كإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وابن أبى ليلى:
أن كلمة خمر لا تطلق إلا على الشراب المسكر من عصير العنب فقط. أما المسكر من غيره كالشراب الذي من التمر والشعير فلا يسمى خمرا بل يسمى نبيذا.
ومن حججهم أن الخمر حرمت ولم يكن العرب يعرفون الخمر في غير المأخوذ من ماء العنب، فالخمر عندهم اسم لهذا النوع فقط. وما وجد فيه مخامرة للعقل من غير هذا النوع لا يسمى خمرا: لأن اللغة لا تثبت من طريق القياس.
وقد ورد عن ابن عمر أنه قال: «حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء» .
ولقد كان بالمدينة من المسكرات نقيع التمر والبسر، فدل على أن ابن عمر- وهو عربي- ما كان يرى أن اسم الخمر يتناول هذين.
ويقول الأحناف ومن وافقهم: إن الأحاديث التي استشهد بها الجمهور على أن الخمر اسم لكل مسكر من عصير العنب أو غيره هذه الأحاديث لبيان الحكم الشرعي، والحرمة بالقياس لتحقيق علة الحرمة وهي الإسكار في القدر المسكر من هذه الأشياء.
وقد ابتنى على هذا الخلاف بين الجمهور والأحناف أحكام أخرى تتعلق بنجاسة هذه الأشياء، وبوجوب إقامة الحد على شاربها.. إلخ وتفصيل هذه الأحكام يرجع فيه إلى كتب الفقه وأصوله.
هذا، وقد رجح المحققون من العلماء ما ذهب إليه الجمهور وضعفوا ما ذهب إليه الأحناف ومن وافقهم.
(1) صحيح البخاري كتاب الأشربة ج 7 ص 136 [.....]
قال ابن العربي: وتعلق أبو حنيفة بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة فلا يلتفت إليها والصحيح ما رواه الأئمة أن أنسا قال: «حرمت الخمر يوم حرمت وما بالمدينة خمر الأعناب إلا القليل، وعامة خمرها البسر والتمر» .
واتفق الأئمة على رواية أن الصحابة إذ حرمت الخمر لم يكن عندهم يومئذ خمر عنب وإنما كانوا يشربون خمر النبيذ فكسروا دنانهم- أى: أوانى الخمر- وبادروا إلى الامتثال لاعتقادهم أن ذلك كله خمر «1» - أى: وأقرهم رسول الله على ذلك.
وقال الآلوسى: وعندي أن الحق الذي لا ينبغي العدول عنه، أن الشراب المتخذ مما عدا العنب كيف كان وبأى اسم سمى متى كان بحيث يسكر من لم يتعوده فهو حرام، وقليله ككثيره، ويحد شاربه ويقع طلاقه، ونجاسته غليظة. وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن النقيع- وهو نبيذ العسل- فقال:«كل شراب أسكر فهو حرام» .
وروى أبو داود: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر» .
وصح عنه صلى الله عليه وسلم: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» . والأحاديث متضافرة على ذلك.
ولعمري إن اجتماع الفساق في زماننا على شرب المسكرات مما عدا الخمر، ورغبتهم فيها، فوق اجتماعهم على شرب الخمر ورغبتهم فيه بكثير. وقد وضعوا لها أسماء- كالعنبرية والإكسير- ونحوهما، ظنا منهم أن هذه الأسماء تخرجها من الحرمة، وتبيح شربها للأمة- وهيهات هيهات- فالأمر وراء ما يظنون وإنا لله وإنا إليه راجعون «2» .
3-
قال القرطبي ما ملخصه: «فهم الجمهور من تحريم الخمر، واستخباث الشرع لها، وإطلاق الرجس عليها، والأمر باجتنابها، الحكم بنجاستها.
وخالفهم في ذلك- ربيعة والليث بن سعد والمزني صاحب الشافعى. وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة وأن المحرم إنما هو شربها.
والصحيح ما عليه الجمهور لأن وصفها بأنها رِجْسٌ يدل على نجاستها فإن الرجس في اللسان النجاسة.
وقوله: فَاجْتَنِبُوهُ يقتضى الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشيء بوجه من الوجوه وعلى هذا تدل الأحاديث الواردة في هذا الباب.
روى مسلم عن ابن عباس أن رجلا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر، - أى قربة خمر-
(1) أحكام القرآن لابن العربي ج 1 ص 149
(2)
تفسير الآلوسى ج 2 ص 113