المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ صاحب البصيرة إذا صدرت من - موارد الظمآن لدروس الزمان - جـ ١

[عبد العزيز السلمان]

الفصل: ‌ صاحب البصيرة إذا صدرت من

واللهُ أَعْلَمْ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِِهِ وَسَلَّمَ.

(فَصْلٌ) اعلَمْ أنَّ‌

‌ صَاحِبَ البصِيرةِ إذا صَدَرَتْ من

ه الخَطِيئةُ فلهُ نَظَرٌ إلى أُمور أَحَدُهَا: أنْ ينظرَ إلى أمرِ اللهِ ونَهْيِهِ فيُحْدِثَ له ذلك الاعترافَ بكونِهَا خَطِيئَةً، والإِقْرَارَ على نفسِه بالذَنْب، والثاني: أنْ ينظرَ إلى الوعدِ والوعيدِ فيُحِدَث له ذَلِكَ خوفًا وخشْيةً تحْمِلُهُ على التوبةِ، والثالثُ: أَنْ يَنْظُرَ إلى تَمْكِينِ اللهِ لَهُ مِنهَا وَتَخْلِيَتِهِ بَيْنَه وَبَيْنَها وَتَقْدِيرِها عليه وأنه لو شاء لَعَصَمَهُ مِنْهَا فَيُحْدثَ له ذلك أنواعًا مِنَ المعرفِة باللهِ وأسمائِهِ وصِفَاتِهِ وحِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ وعَفوِهِ وحِلمِهِ وكرمِِهِ وتوجبُ له هذه المعرفةُ عُبوديةً بهذه الأسماءِ لا تحصُلُ بِدُونِ لَوَازِمِهَا البَتَّةَ وَيَعْلَمُ ارتباطَ الخلق والأمرِ والجزاءِ والوعْدِ والوعيدِ بأسمائِهِ وصِفَاتِهِ وأنَّ ذلك بموجبِ الأسماءِ والصفاتِ وأثرها في الوجودِ وأنَّ كلَ اسم وصِفةٍ مُقْتَضٍ لأثَرهِ وَمُوجِبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ لا بُدَّ منه.

وَهَذَا المَشْهَدُ يُطْلِعُهُ على رِياضٍ مُونِقَةً مِن المَعَارِفِِ والإيمانِ وأسْرَارِ القَدَرِ والحِكمَةِ يَضِيقُ عن التعبيرِ عنها نِطاقُ الكَلِمِ فَمِنْ بَعضِهَا ما ذكره الشيخُ (يُريدُ صاحِبَ المنازلِ) : أنْ يَعْرِفَ العبدُ عِزَّتَهُ في قَضَائِهِ وَهُوُ أنَّهُ سُبْحَانَهُ العَزِيز الذي يَقْضِي بما يشاءُ وأنه لِكمالِ عزتِهِ حَكَمَ على العبدِ وقضى عليهِ بأنْ قلبَ قَلْبِهُ وصرَّفَ إرَادَتَه على ما يَشَاءُ وحالَ بين العَبْدِ وقلبِهِ وَجَعَلَهُ مُريدًا شائِيًا لِمَا شَاءَ مِنْهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ وهذا مِنْ كَمالِ العِزَّةِ، إذْ لا يَقْدِرُ عَلى ذلِكَ إلا اللهُ وغايةُ المَخْلُوقِ أَنْ يَتَصَرَّفَ في بَدَنِكَ وظاهِرِكَ، وأمَّا جَعْلُكَ مُرِيدًا شائيًا لِمَا يَشَاؤُهُ مِنْكَ وَيُرِيدُهُ فلا يَقْدرُ عليهِ إلا ذُو العِزَّةِ البَاهِرَةِ.

فإذا عرف العبدُ عِزَّ سيدِهِ ولا حظَ بقلبِهِ وتمكَّنَ شهودُهُ مِنْهُ كان الاشتغالُ بهِ عن ذُلِّ المَعصيةِ أولى بهِ وأنفعَ له لأِنَّهُ يَصِيرُ مَعَ اللهِ لا مَعَ

ص: 61

نَفْسِهِ، ومِنْ مَعْرِفِة عِزتِهِ في قَضَائِهِ أنْ يَعْرِفَ أنه مُدَبَّر مَقْهُورٌ ناصيتُهُ بِيدِ غيرِهِ لا عِصْمَةَ لَه إلا بِعِصْمَتِهِ ولا تَوفيقَ له إِلا بِمَعُونَتِهِ فهُوَ ذَليلٌ حقيرُ في قبضةِ عَزيزٍ حميدٍ.

وَمِنْ شُهودِ عزَّتِهِ في قَضَائِهِ أنْ يَشْهَدَ أنَّ الكَمَالَ والحَمْدَ والغِنَى التامَّ والعزةَ كلهَا لِلهِ وأنَّ العَبْدَ نَفْسَهُُُ أوْلى بالتقصيرِ والذمِ والعَيبِ والظُلمِ والحَاجةِ وكُلَّمَا ازدادَ شُهودُهُ لِذِلّهِ وَنَقْصِهِ وَعَيْبِهِ وَفَقْرِهِ ازدادَ شهودُهُ لِعزَّةِ اللهِ وَكَمالِهِ وَحَمْدِهِ وَغِنَاهُ وكذلك بالعكسِ فنقْصُ الذنْبِ وذِلتُهُ يُطْلعُهُ على مَشْهَدِ العِزّةِ.

ومنها: أن العبدَ لا يُريدُ مَعْصِيَةَ مَوْلاهُ مِنْ حَيثُ هِيَ مَعْصِيةٌ فإذا شَهِدَ جَرَيَانَ الحُكْمِ وَجَعْلَهُ فَاعلاً لِمَا هُوَ مُختارٌ، له مُرِيدًا بإرَادتِهِ وَمَشيئِتِه واختيارِهِ فكأنَهُ مُخْتَارٌ غَيْرُ مُخْتَارٍ مُرِيدٌ شاءٍ غيرُ شاءٍ فهذا يَشْهَدُ عِزةَ اللهِ وعَظَمَتَهُ وكَمَالَ قُدْرَتِهِ.

شعرًا:

أَحْسِنْ بربِّك ظَنًا إنَّهُ أَبَدًا

يَكْفي المُهِمَّ إِذا مَا عَزَّ أَوْ نابًا

لا تَيأَسَنَّ لِبَابَ سُدَّ في طَلَبٍ

فالله يَفْتَحُ بَعْدَ البَابِ أَبْوابًا

ومِنْ ذلك أن يَعرفَ بِرَّهُ سبحانَه في سَتْرِهِ عليهِ حالَ ارتكابِ المعصيةِ معَ كمالِ رؤيتِهِ لهُ ولو شاء لَفَضَحَهُ بينَ خَلْقِهِ فَحَذِرُوه وهذا مِن كمالِ بِرِّهِ ومِنْ أسمائِه البَرُّ، وهذا البرُّ من سيدِهِ كان عن كمالِ غِنَاهُ وَكمالِ فقْرِ العبدِ إليهِ فيشتغلُ بمطالعَةِ هذه المِنةَ وَمُشَاهَدَةِ هَذَا البِرِّ والإحسانِ والكرم فيَذهَلُ عن ذِكرِ الخَطِيئَةِ فَيَبْقَى مَعَ اللهِ سبحانه وذلك أَنْفَعُ لهُ مِن الاشتغالِ بجنايَتِهِ وَشُهُودِ ذُلِّ المَعْصِيَةِ فإنَّ الاشْتِغَالَ باللهِ والغَفْلةَ عَمَّا سِوَاهُ هُوَ المَطْلَبُ الأعلى والمقصَد الأسْنَى.

ص: 62

ومنها: شُهودُ حِلْمِ اللهِ سبحانه وتعالى في إمْهَالِ رَاكِبِ الخَطِيئَةِ مُطْلقًا ولو شاءَ لَعاجَلَه بالعُقُوبَةِ ولكِنَهُ الحَلِيمُ الذي لا يَعْجَلُ فَيُحْدِثُ له ذلك مَعْرِفةَ رَبِهِ سبحانه باسْمِهِ الحليمِ ومُشَاهَدَةَ صفةِ الحِلْمِ والتَّعَبُدِ بهذا الاسمِ. والحكمةُ والمصلحةُ الحاصلةُ ومن ذلك بتوسّطِ الذَنْبِ أحبُّ إلى اللهِ وأصلحُ للعبدِ وأنفَعُ من فَوْتِها، ووجودُ الملزومِ بدونِ لازمِهِ مُمْتَنِعٌ ومنها مَعْرِفَةُ العَبْدِ كَرَمَ رَبِهِ في قُبولِ العذرِ منه إذا اعتذرَ إليهِ بنحْوِ ما تقدم مِن الاعتذارِ لا بالقَدَرِ فإنه مخاصَمَتُه وَمُحَاجّة.

ومنها: أنْ يَشهدَ فضلَهُ في مَغفرتِهِ فإن المَغْفِرَةَ فضْلٌ مِن اللهِ وإلا فَلَو أَخَذَ بمحْض حَقِّهِ كان عادِلاً مَحْمُودًا.

وإِنَّمَا عَفْوُهُ بِفَضْلِهِ لا باسْتِحْقاقِكَ فَيُوجِبُ ذَلِكَ شُكرًا وَمَحَبةً وإنابَةً إليه وفَرَحًا وابْتِهَاجًا بِهِ ومَعْرِفَةً لَهُ باسْمِهِ الغَفَّارِ وَمُشَاهَدَةً لِهَذِهِ الصِّفَةِ وَتَعَبُّدًا بِمُقْضَاهَا وَذَلِكَ أَكْمَل ُفي العُبُودِيَّةِ والمَحَبَّةِ والمَعْرِفَة.

وَمِنْهَا: أَنْ يُكْمِلَ لِعبدِهِ مَرْتَبَةَ الذُلِ والخُضُوعِ والانْكِسَارِ بَينَ يَدَيْهِ والافتقارِ إِليه.

إِنِّ الشَّرَائِعَ أَلْقَتْ بَيْنَنَا حِكَمًا

وَأَوْرَثَتَنَا أَفَانِينَ المُوَدَّاتِ

وَهَلْ رَأيْتَ كَمِثْلِ الدِّينِ مَنْفَعَةً

لِلْعَبْدِ تُوصِلُهُ أَعْلَى الكَرَامَاتِ

اللَّهُمَّ أَيْقظَ قُلُوبَنَا وَنَوِّرْهَا بِنُورِ الإِيمَان وَثَبَّتْ مَحَبَّتكَ في قُلُوبِنَا وَقَوِّهَا وَارْزُقْنَا الْمَعْرفَةَ بكَ عَنْ بَصِيرَةً وَأَلْهِمَنَا ذِكْرَكَ وَشُكْركَ وَوَفّقْنَا لِطَاعَتِكَ وامْتِثَالِ أَمْرِكْ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، واللهُ أَعْلَمْ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

(فَصْلٌ) : ومنها: أنَّ أَسْمَاءَ الربِ تَقْتَضِي آثارَها اقْتضاءَ الأَسْبَابِ التَّامَّةِ لِمُسبَّباتِها فاسمُ السميعِ البصيرِ يَقْتَضِي مسْمُوعًا وَمُبْصرًا واسْمُ الرَّزَّاقِ

ص: 63

يَقْتَضِي مَرْزُوقًا واسْمُ الرحيمِ يَقْتَضِي مَرْحُومًا وكذلك أسماء: (الغَفورِ، والعَفُوِّ، والتوابِ، والحَليم) يَقْتَضِي مَنْ يَغْفِرُ لَهُ وَيَتُوبُ عليه وَيَعْفو وَيَحْلُم وَيَسْتَحِيلُ تَعْطِيْلُ هَذِهِ الأسْمَاءِ والصفاتِ إذْ هِيَ أَسْمَاءٌ حُسْنَى وَصِفَاتُ كَمَالٍ وَنُعوتُ جَلالٍ وأَفعالُ حِكمةٍ وإحسانٍ وَجُودٍ فلا بدّ مِن ظهورِ آثارِها في العالَم.

وإلى هذا أشار أعلمُ الخلقِ باللهِ صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهِ حيثُ يَقولُ «لو لم تُذْنبوا لذهب الله بكمْ وَلَجَاء بقوم يُذْنِبُونَ ثم يسْتَغْفرُونَ فَيَغْفِرُ لهم» وأَنْتَ إذا فرضْتَ الحيوان بجُمْلَتِهِ مَعْدُومًا فَمَنْ يَرْزُقُ الرَّزَّاقُ سبحانه وإذا فَرَضَتْ المَعْصِيَةَ والخَطِيئَةَ مُنْتَفِيةً عن العالَم فلِمَنْ يغفرُ؟ وعمَّنْ يَعْفُو؟ وعلى مَن يتوبُ وَيَحْلَم؟ وإذا فرضْتَ الفاقات كُلَها قد سُدَّتْ والعبيدَ أغنياءَ مُعَافِين فأَيْنَ السُؤالُ والتَّضَرُّعُ والابْتِهَالُ والإِجَابةُ وَشُهودُ المنةِ والتخصيصُ بالإنعام والإكرامِ فسُبْحانَ مَنْ تَعرَّف إلى خَلقِهِ بجميعِ أنواعِ التعرّفاتِ وَدَلّهم عليه بأنواعِ الدلالاتِ. انتهى.

شعرًا:

دَع المَعَاصِي عَنْكَ في مَعْزلٍ

وتُبْ إلى مَن هو نِعْمَ الغِيَاثْ

فليْسَ يُحْظَ بِجَدِيد الرّضَا

عَبْدٌ عَلَيه حَسَنَاتٌ رِثَاثْ

آخر:

وذُقْتُ مَرَارةَ الأشْيَاطُرًا

فما طَعْمٌ أَمَرّ مِنَ المعَاصِي

آخر:

حَتَّى مَتَى تُسْقَى النُفوسُ بكأسِها

رَيْبَ المَنونِ وأَنْتَ لاهٍ تَلْعَبُ

عَجَبًا لأَمْنِكَ والحَيَاةُ قَصِيرَةٌ

وَبِفَقْدِ إلفٍ لا تَزَالُ تُرَوَّعُ

أَفَقَدْ رَضِيتَ بأنْ تُعلّلَ بالمُنَى

وإِلَى المنِيَّةِ كُلَّ يَومٍ تُدْفَعُ

ص: 64

لا تَخْدعَنَّكَ بَعْدَ طُولِ تَجارُبٍ

دُنْيًا تَغُرُّ بوصْلِهَا وسَتُقْطَعُ

أَحْلامُ نَوْمٍ أَوْ كَظِلٍّ زَايلٍ

إِنّ اللَّبيبَ بِمِثْلِها لا يُخْدَعُ

وَتَزَوَّدَنَّ لِيَومَ فَقْرِكَ دَائِمًا

أَلِغَيْر نَفْسِكَ لا أَبَا لَكَ تَجْمَعُ

آخر:

يا عَبْدُ كَمْ لَكَ مِن ذَنْبٍ وَمَعْصِيةٍ

إنْ كُنْتَ نَاسِيهَا فالله أحْصَاها

يا عَبْدُ لا بُدَّ مِنِ يومٍ تَقَوم لَهُ

وَوَقْفَةٍ لَكَ يُدْمِي الكَفَّ ذِكْرَاها

إذَا عَرَضْتُ على نَفسي تَذكُرَهَا

وَسَاءَ ظنَّي قُلْتُ أَسْتَغْفِرُ اللهَ

آخر:

ما زُخْرُفُ الدُّنْيَا وزُبْرُجُ أَهْلِهَا

إلا غُرُورٌ كُلُّهُ وَحُطَامُ

ولَرُبَّ أَقْوَام مَضَوا لِسَبِيلِهمْ

ولَتمضِينَّ كَمَا مَضَى الأقْوَامُ

ولَرُبَّ ذِي فُرشٍ مُمَهَّدَة لَهُ

أَمْسَى عَلَيْهِ مِن التُّرَابِ رُكَامُ

والموتُ يَعمل والعُيونُ قَريرةٌ

تلْهُوا وتَلْعَبُ بالمنَى وتَنَامُ

كُلٌ يَدُورُ على البَقَاء مُؤَملاً

وَعَلى الفَنَاءِ تُدِيرُهُ الأيامُ

والدَّائِمُ الملكوتِ رَبٌ لم يَزَلْ

مَلِكًا تَقَطَّعُ دُونَهُ الأوهَامُ

فالحمدُ لله الذِي هُوَ دَائِمٌ

أَبَدًا ولَيْسَ لِمَا سواهُ دَوَامُ

اللَّهُمَّ اعْتقْنَا مِن رقِّ الذُّنُوبْ، وخَلِّصْنَا مِن أَشَرِ النُّفوسْ، وأَذْهِبْ عَنَّا وَحْشَةَ الإِسَاءَةْ وطَهِّرْنا مِن دَنَسِ الذُّنُوبَ، وباعِدْ بَيْنَنا وبَيْنَ الخَطَايَا وأجِرْنا مِن الشيطان الرجيم.

آخر

أَقُولٌ وطَرْفي غَارقٌ بِدُمُوعِهِ

لِمَا قَدْ جَرَى لِي في الذُنُوب تَمادِي

فَهَلْ مِن تَلافي سَاعَةٍ أَشْتَفِي بهَا

أُجَدِّدُ فيهَا تَوْبَةَ بِسَدَادِ

وأَسْأَلُ مَوْلاي القَبُول لِدْعوتِيْ

فَغَايَةُ سُؤْلي هَذِهِ وَمُرَادِي

ص: 65

آخر:

يا أَيُهَا الزاهِدُ بالزُّهْدِ

عَرِّجْ مِن الهَزْلِ إلى الجِدِّ

فَبَعْدَ نُورِ الشَيْبِ لا يُرْتَجى

لِلْمَرءِ إِلا ظُلْمَةُ اللّحْدِ

فاحْتَلْ مِن التَّوبةِ في أجْرِه

إن شِئْتَ سُكْنى جَنّةِ الخُلْدِ

اللَّهُمَّ يا فالقَ الحب والنَّوَى، يا مُنْشِئَ الأجْسَادِ بَعْدَ البلَى يا مُؤْوي المنْقَطِعِينَ إِليْه، يا كَافِي المُتَوَكِّلينَ عليه، انْقَطَعَ الرَّجَاءُ إلا مِنْكَ، وخابَتِ الظُنُونُ إلا فِيكَ، وضَعُفَ الاعْتمادُ إِلا عَلَيْكَ نسألُكَ أنْ تُمْطَرَ مَحْلَ قُلُوبِنَا مِن سَحائِبِ بِرِّكَ وإحْسَانِكْ وأَنْ تُوِفقَّنا لِمُوجِباتِ رَحْمَتِكَ وعَزَائِم مَغفرتِكَ إنكَ جَوادٌ كريم رؤوفٌ غفور رحيم. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ.

(فَصْلٌ) وقالَ رحمه الله: لِلتَوْبةِ المقبولةِ علاماتٌ:

مِنْهَا: أنْ يكونَ بعدَ التوبةِ خيرًا مِمّا قبلَها. ومنها: أنَّه لا يزالُ الخوفُ مُصَاحِبًا لهُ لا يأمنُ مكرَ اللهِ طرْفةَ عيْنٍ، فخوفُهُ مُسْتَمِرُّ إلى أنْ يَسْمَعَ قولَ الرُسُلَ لِقبِض رُوُحِهِ (41: 30) {أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} فهُنا يَزُوْلُ الخوفُ.

ومنها: انْخِلاعُ القَلْبِ وَتَقَطُّعُهُ نَدَمًا وَخَوْفًا وهذا على قَدْرِ عِظَمَ الجِنَايةِ وَصِغَرهَا. وهذا تأويلُ ابنُ عُيَيْنةَ لقولِهِ تعالى (9: 110) : {لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} . قال: تَقْطعُها بالتَّوْبَةِ. وَلا رَيْبَ أنَّ الخَوفَ الشدِيدَ مِنَ العُقوبةِ العَظيمَةِ يُوجِبُ انْصِداعَ القَلْبِ وانْخِلاعَهُ.

وهذا هُوَ تَقَطُعُهُ وهذا حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ لأَنَهُ يَنْقَطِعُ قَلْبُهُ حَسْرَةً على ما فَرَطَ منهُ وَخَوفًا مِنْ سُوء عاقَبتِهِ فمَنْ لم يَنْقَطِعْ قَلْبُهُ في الدنيا على مَا فَرَّطَ حَسْرةً وَخَوْفًا تَقَطَّعَ في الآخِرَةِ إذا حُقَّتِ الحَقَائِقُ وعايَنَ ثَوابَ المُطِيعينَ وَعِقَابَ العاصينَ فلا بُدَّ مِنْ تَقَطّعَ القَلْبِ إما في الدُنيا وإما في الآخرة.

إِذَا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادٍ من التُقى

وأَبْصَرْتَ بَعْدَ المَوْتَ مَنْ قَدْ تَزَّوَدَا

نَدِمْتَ عَلَى أنْ لا تكُون كَمِثْلِهِ

وَأَنَّكَ لَمْ تُرْصِدْ كَمَا كَان أَرْصَدَا

ص: 66

آخر:

وما أقَبَحَ التفّرْيط في زَمَنِ الصّبَا

فكيَفْ به والشّيْبُ في الرَّأس شَامِلٌ

تَرَحَّلْ مِنَ الدنْيَا بِزَاد مِن التّقَى

فَعُمْرَكَ أَيْامٌ تُعَدٌّ قَلائِلُ

آخر:

وَإِذَا رُزِقْتَ مِن الحَلال تجاةً

فابْذِلَ لَهَا في مَرَاضي الله مُجْتَهِدًا

ومِنْ مُوْجِباتِ التوبةِ الصحيحةِ أَيْضًا كَسْرَةٌ خاصَّةُ تَحْصُلُ لِلْقَلْبِ لا يشْبِهْهَا شَيءٌ، ولا تكونُ لِغَيْرِ المُذْنِبِ لا تَحْصُلُ بجُوعٍ ولا رِياضَةٍ ولا حُبٍ مُجرَّدٍ وإنَّمَا هِيَ أمْرٌ، وَرَاءَ هذا كُلِّهِ تُكَسِّرُ القَلْبَ بَيْنَ يَدَي الرَّب كَسْرةً تامةً قد أَحَاطَتْ بهِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ وألقَتْهُ بين يَدَي رَبِهِ طَرِيحًا ذَلِيلاً خَاشِعًا كََحَالِ عَبْدٍ جَانٍ أَبَقَ مِنْ سَيّدِهِ فَأُخِذَ فأُحضِرَ بينَ يَدَيهِ ولم يَجدْ مَنْ يُنِجيهِ مِن سَطْوتِهِ وَلَم يَجْدْ منه بُدًا ولا عنه غَناءً ولا مِنْهُ مَهْرَبًا وَعَلِمَ أنّ حَيَاتَهُ وَسعادَتَه وفلاحَه ونجاحَه في رِضَاهُ عنهُ، وقدْ عَلِمَ إحاطةَ سَيّدِهِ بِتَفَاصِيلِ جِنَايَاتِهِ، هذا مَع حُبِّهِ لِسَيّدِهِ وشِدَّةِ حاجتهِ إليهِ وعِلْمِهِ بِضَعْفِهِ وَعَجَزِهِ وَذُلِّهِ وَقُوَّةِ سيدِهِ وَعِزَّتِهِ. فَيَجْتَمِعُ في هَذِه الأَحْوَالِ كَسْرَةٌ وذُلٌ وَخُضُوعٌ ما أنفعَهَا لِلْعَبِدِ وما أجْدَى عائِدَتُهَا عليهِ وما أعظمَ جبْرُهُ بها وما أقرَبَهَ بها مِن سَيِّدِهِ فليْسَ شَيءٌ أحَبَّ إلى سَيِّدِهِ مِن هذِهِ الكسْرةِ والخُضوعِ والتذللِ والإخْباتِ والانطِراحِ بَيْنَ يَدَيْهِ والاسْتِسْلامِ لَهُ.

فلِلهِ مَا أَحْلَى قَوْلَهُ في هذِهِ الحَالِ أَسْأَلُكَ بعِزّكَ وَذُلِي إلا رَحِمْتَنِي. أسألك بقٌوتكِ وَضعْفِي، وبِغِنَاكَ عَنّي وَفَقْرِي إليكَ هذِهِ ناصِيَتِي الكاذبةُ الخاطئةُ بينَ يَدَيْكَ، عَبِيدُكَ سِوَايِ كثيرٌ وليسَ لي سَيِّدٌ سِوَاكَ لا مَلجأَ ولا مَنْجَى مِنْكَ إلا إليكَ أسْأَلُكَ مَسْألةِ المِسكينِ، وأبْتَهِلُ إليكَ ابْتِهَالَ الخَاضِعِ الذليل، وأدعُوكَ دُعاءَ الخائِفِ الضَرِيرِ سُؤالَ مَنْ خَضَعَتْ لَكَ رَقَبتُهُ، وَرَغِمَ لك أنفُه، وفاضَتْ لَكَ عَيْنَاهُ، وذَلَّ لَكَ قَلْبُهُ.

فَهَذَا وأمثالُه مِنْ آثَارِ التَوبةِ المَقْبُولَةِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ذلِك في قَلْبِهِ

ص: 67

فَليتَّهِمْ تَوبَتَهِ وَلْيَرْجِعْ إلى تَصْحِيحِها فَمَا أصْعَبَ التَوبةَ الصَّحِيحَةَ بالحَقِيقَةِ وَمَا أَسْهَلَها باللسانِ والدَّعْوَى، وَمَا عَالجَ الصَّادِقُ بِشيءٍ أَشَدّ عَلَيهِ مِنَ التَّوْبَةِ الخالِصةِ الصَّادِقةِ ولا حَوْلَ وَلا قُوةَ إِلا باللهِ.

وَحَقائِقُ التَّوْبَةِ ثَلاثَةٌ: وَعَدَّ منها اتْهامَ التوبةِ قال: لأنها حقٌ عليهِ لا يَتَيَقّنُ أنه أدَّى هذا الحقَ على الوجهِ المطلوبِ مِنْهُ الذي يَنْبَغِي لهُ أَنْ يُؤدّيِهُ عليه، فيخافُ أنه ما وفَّاها حَقَها وأنها لم تُقبلْ منه وأنه لمْ يبذلْ جُهدَه في صِحَّتِها، وأنها تَوْبَةُ عِلّةٍ وهو لا يَشْعُرُ بها كَتَوْبةِ أرْبَابِ الحَوَائِجِ والإِفلاسِ والمُحَافِظِينَ على حَاجَاتِهِم وَمَنازِلِهمْ بينَ النَّاسِ.

أَوْ أَنَّهُ تَابَ مُحَافَظَةً على حَالِهِ فَتَابَ لِلْحَالِ لا خَوْفًا مِن ذِي الجَلال، أو أنه تَابَ طَلَبًا لِلرَّاحَةِ مِنَ الكدِّ في تَحْصِيلْ الذنْبِ أو اتِّقاءِ ما يَخافُهُ على عِرْضِهِ وَمَالِهِ وَمَنْصِبِهِ أو لِضَعْفِ داعِي المعصيةِ في قلبِهِ وَخُمُودِ نارِ شَهْوتِهِ أو لِمُنافاةِ المعصِيَةِ لِمَا يَطْلِبُهُ مِنَ العلمِ والرزقِ وَنَحْوِ ذلك مِنَ العِلَلِ التي تَقْدَحُ في كونِ التَّوْبةِ خَوْفًا مِنَ اللهِ وتعظيمًا لَهُ ولِحُرُمَاتِهِ وإجْلالاً لَهُ وَخَشْيَةً مِنْ سُقُوطِ المنْزِلةِ عندَهُ وعن البُعْدِ والطردِ عَنْهُ والحِجابِ عن رُؤْيةِ وَجْهِهِ في الدَارِ الآخِرَةِ فَهَذِهِ التَوْبَةُ لَوْنٌ وَتَوْبَةُ أَصحابِ العِللِ لَوْن قال:

ومِنَ اتّهِامِ التَّوْبَةِ ضَعْفُ الْعَزِيمَةِ والتِفَاتُ الْقَلْب إِلى الذَّنْبِ الْفَيْنَةَ بَعدَ الفينةِ وتذكُّرُ حَلاوَةِ مُوَاقَعَتِهِ. ومِنَ اتّهَامِ التَّوْبَةِ طُمَأْنِينَتُهُ وَوثوقُهُ مِنْ نفسِهِ بأنَهُ قَدْ تَابَ حَتَّى كَأَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ مَنْشُورًا بالأمانِ فَهَذِهِ مِن عَلامَاتِ التُّهْمَةِ.

وَمِنْ عَلامِاتِهَا جُمُودُ الْعَيْنِ واسْتِمْرَارُ الْغَفْلَةِ وأنْ لا يَسْتَحْدَثَ بَعْدَ التَّوْبَةِ أَعْمَالاً صَالِحةُ لَمْ تَكُنْ له قَبْلَ الْخَطِيئةِ.

شِعْرًا:

خُذْ مِن شَبَابِكَ قَبْلَ الْمَوْتِ والْهَرَمِ

وَبَادِرِ التَّوبَ قَبْلَ الْفَوتِ وَالنَّدَمِ

واعْلَمْ بأنَّكَ مَجْزِيٌ وُمرْتَهَنٌ

وَرَاقِب الله واحْذَرْ زلَّةِ الْقَدَمِ

ص: 68

فَلَيْسَ بَعْدَ حُلُولِ الموتِ مَعْتَبَةٌ

إِلا الرَّجاَءُ وعَفْو الله ذِي الكَرَمِ

آخر:

احْفَظْ مَشِيبَكَ مِنْ عَيْبٍ يُدَنِّسُهُ

إِنَّ البَيَاضَ سَرِيعُ الحَمْلِ لِلدَّنَسِ

واللهُ أَعْلَمْ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

(فَصْلٌ) فِي وَصَايَا وَفَوَائِدَ وَمَوَاعِظَ وَآدَابْ

أَوْصَى بَعضُهم، فقال: إذا عَصَيْتَ الله بِمَوضعٍ بأن حَصل مِنكَ ذَنْبٌ فاعْمَلْ في ذَلِكَ الموضعِ طَاعةً كاسْتِغْفَارٍ وذِكْرٍ لِلَّهِ ونَحْوِ ذَلِكَ فكما يَشْهَدُ عَليكَ يَشهَدُ لَكَ.

قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} . وَكُلَّمَا تَذَكَّرْتَ ذَنْبًا صَدَرَ مِنْكَ فَتُبْ عَقِبَ ذِكْركَ إَيَّاهُ تَوبةً نَصُوحًا وأَكْثِرْ مِنَ الاستغفار.

قال الله جل وعلا: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} .

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . وقال تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيماً} .

احْرِصْ عَلى أن تَنْوِيَ فِعْلَ الخير، وإذا حَدَّثَتْكَ نفسُكَ بِشَرٍ فاعْزِمْ على تَرْكِهِ لِلَّهِ.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: (إِذَا تَحَدَّثَ عَبدي بَأَنْ يَعمل حَسَنَةً فأنا أكتُبُها له حَسَنَةً ما لم يعمل، فإذا عَمِلَهَا فأنا أكتُبُها بعَشْرِ أَمْثالِها) .

وإذا تَحَدَّثَ بأن يَعْمَلَ سَيِئَةً فأنا أغْفِرُهَا لَهُ ما لم يَعْمَلْها فإذا عَمِلَهَا فأنا أكتُبَها له بِمِثْلِهَا. ومما أوصَى به بعضُهم قال عَلَيكَ بِذِكْرِ اللهِ قَائمًا وقَاعدًا وعَلى جَنْبِكَ في السر والعلانية وفي الملا.

قال الله جل وعلا: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ

ص: 69

جُنُوبِهِمْ} . وقال: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} ، وقال تعالى:{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} .

وقال تعالى: {وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} .

شِعْرًا:

عَلَيْكَ بِذِكْرِ الله في كُلِّ سَاعَةٍ

فَمَا خَابَ عَبْدٌ لِلْمُهَيْمِنِ يَذْكُرُ

آخر:

عَلَيْكَ بِذِكْرِ الله دَوْمًا فإنَّهُ

بِهِ يَطْمَئِنُّ القَلْبُ فالْزَمْهُ تَسْعَدِ

فلا تُبق في يَوْمِ السلامَةِ لحَظَةً

تفوتُكَ لم تذكُر به الله وَحْدَهُ

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إِنْ ذَكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في مَلأ ذكْرته في مَلأ خَيرٍ منهم، وإن تَقَرَّبَ إِليَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إليه ذِرَاعًا، وإن تَقَرَّبَ إِليّ ذراعًا تَقَرَّبْتُ إليه بَاعًا، وإن أَتانِي يَمْشِي أَتَيْتًه هَرْولَةِ» .

احْرِصْ على صِيَانَةِ الوَقْتِ وَثابْر على إتْيَانِ جَميعِ مَا يُقَرِّبُك إلى الله مِن الأعمال وبالأخص الإكثار مِن كلمة الإخلاص وهي: لا إلهَ إلا الله.

واعلم أنها كلمة التوحيد والتوحيد لا يماثله شيء، وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وهي كلمة الحق، ودعوة الحق.

وهي أعلا كلمة وأشرف كلمة وأحسن كلمة وأفضل كلمة وأنجى كلمة وما أنعم الله على عبد نعمةً أفضل من أن عرفه لا إله إلا الله وفَهَّمَهُ مَعْنَاهَا وَوَفَّقَهُ لِلْعَملِ بِمُقْتَضَاهَا وعليكَ بالقِيامِ بما افْتَرضَ اللهُ عَلَيْكَ ومُلَازَمَتِهِ على الوَجهِ الأكمَلِ الذي أمركَ اللهُ جَلَ وَعَلَا أن تقومَ فيه.

قال الله جل وعلا: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} . وفي حديث سفيان بن عبد الله قال: قلتُ: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدًا غَيْركَ قال: «قل آمنتُ بالله ثم اسْتَقِمْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وفي حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اسْتَقِيمُوا ولن تُحْصُوا وأعلموا

ص: 70

أَنَّ خَيرَ أَعْمَالِكم الصلاة ولا يُحَافِظ على الوضوءِ إلا مُؤمن» . وفي روايةٍ للإِمام أحمد: «سَدِدُوا وقاربُوا ولا يُحَافِظُ على الصلاة إلا مُؤمنِ» . وعليكَ بمراعاةِ أَقْوَالِكَ كَما تُرَاعِي أَعْمَالَك فإنَّ أَقوالَكَ مِن جملةِ أَعْمَالِكَ قال الله جل وعلا: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} .

وقال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} واحْذّرْ الإقامةَ بينَ أَظْهُرِ الكفار فإن في ذلك تشجيعًا للكفار وإهانةً لِدين الإسلام وإعلاءً لِكَلِمَةِ الكفر. نسأل اللهُ العافية، فَعَلى المسلم أنْ يَحْفَظَ أولادَهُ عن الذهاب إلى بلاد الكفار ويَنْصَحَ مَنْ يَقْبَلَ منه مِن قَرَابَتِهِ وأصْدِقائِهِ وجميع المسلمين.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا بَريءٌ مِن كل مسلم يُقِيمُ بين أظهُر المشركين لا تَرَآءى نَارَاهُما» . رواه أبو داود، والترمذي. وقال صلى الله عليه وسلم:«مَن جَامَعَ المشركَ وَسَكَنَ مَعَهُ فإنه مثلُه» . رواه أبو داود.

وعليك بتلاوة القرآن بِتَفَهُّمٍ وتَدَبُرَّ وتَفكُرٍ ونَظَرٍ فيما تَتْلُوهُ إلى ما حُمِدَ فيه مِنَ النُعُوتِ والصِفاتِ التي وَصَفَ اللهُ جَلَّ وَعَلا بها مَن أَحَبَّهُ مِن عِبَادِهِ فاتَّصِفْ بها.

وما ذَمَّهُ اللهُ في القرآن مِن الصفاتِ فاجْتَنِبْهَا فإنَّ الله جَلَ وَعَلَا ما أنْزَلَهَا في كتابِهِ وذَكَرَهَا لك وَعَرَّفَكَ بِهَا إلا لِتَعْمَلَ بِهَا.

فإذا قَرَأْتَ القُرآنَ فاجْمَعْ قَلْبَكَ وحَضِّرْه وفَكِّرْ فِيمَا تَتْلُو وما أشكلَ عَلَيْكَ فَطَالِعْ مَعْنَاهُ في التَّفْسِيرْ إِنْ كُنْتَ تُحْسِنُ ذَلِكَ وإلا فاسْأل أهْل الذِكْرِ.

قال الله جَل وَعَلَا وتقَدس: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} . ولا أفضلَ مِن تِلاوَةِ كلامِ اللهِ فأفْضَلُ الكلامِ كلامُ الملكِ العَلَاّم جل وعلا وتقدس.

وكُلُ ذِكْرٍ وَرَدَ فَضْلُهُ في خَبرَ أَوْ أَثَرٍ فهو بعدَ كلام الله فالتَّسْبِيحُ والتهليلُ والتكبيرُ والتحميدُ بَعْدَ التِلاوةِ وَبعدَهُنَّ الصلاةُ على رسَول صلى الله عليه وسلم.

وعليك بمُجَالَسَةِ مَن تَنْتَفِعُ بمُجَالَستِهِ في دِينِكَ مِن عِلْمِ تَسْتَفيِدُهُ أو عَمَل

ص: 71