المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌في مخاطبات الملوك والأكابرالموجهة إلى حضرته العلية، وثناء غير واحد من - نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس - جـ ٦

[المقري التلمساني]

الفصل: ‌في مخاطبات الملوك والأكابرالموجهة إلى حضرته العلية، وثناء غير واحد من

‌بسم الله الرحمن الرحيم

‌الباب الرابع

‌في مخاطبات الملوك والأكابرالموجهة إلى حضرته العلية، وثناء غير واحد من

أعلام أهل عصره عليه، وصرف القاصدين وجوه التأميل إليه، واجتلائهم

أنوار رياسته الجلية، وكتبهم بعض المؤلفات باسمه، ووقوفهم عند إشارته

ورسمه، وما يضاهي ذلك في حظه وقسمه، وسعيهم بين يديه

اعلم - سلك الله بي وبك الطريق الأقوم الأقوى، وحلى صدور جميعنا بزينة التقوى - أن لسان الدين ذكر في كتبه كالإحاطة ونفاضة الجراب وغيرهما جملة مما خاطبه به الملوك وغيرهم، من تبجيل وتنويه، ولنذكر بعض ذلك من كتبه ومن غيرهما تتميماً للمقصود وتبليغاً لنفوس الناظرين في هذه العجالة ما تؤمله وتنويه.

[1 - ظهير من أبي زيان المريني للسان الدين]

فمن ذلك ما ذكره في " الإحاطة " من إكرام السلطان أبي زيان المريني ابن الأمير أبي عبد الرحمن ابن السلطان أبي الحسن له، وسرد ما كتب له به من قوله: هذا ظهير إلى قوله: أيده الله ونصره، وسنى له الفتح المبين ويسره

ص: 5

وبعده ما صورته (1) : " للشيخ الفقيه الأجل الأسنى، الأعز الأحظى الأرفع الأمجد الأسمى الأوحد الأنوه الأرقى، والعالم العلم الرئيس الأعرف المتفنن الأبرع المصنف المفيد الصدر الأحفل الأفضل الأكمل أبي عبد الله ابن الشيخ الفقيه الوزير الأجل الأسنى الأعز الأرفع الأمجد الوجيه الأنوه الأحفل الأفضل الحسيب الأصيل الأكمل المبرور المرحوم أبي محمد ابن الخطيب، قابله أيده الله بوجه القبول والإقبال، وأضفى عليه ملابس الإنعام والإفضال، ورعى له خدمة السلف الرفيع الجلال، وما تقرر من مقاصده الحسنة في خدمة أمرنا العال، وأمر في جملة ما نسوغه من الآلاء الوارفة الظلال، الفسيحة المجال، بأن يجدد له حكم ما بيده من الأوامر المتقدم تاريخها المتضمنة تمشية خمسمائة دينار من الفضة العشرية (2) في كل شهر عن مرتب له ولولده الذي لنظره من مجبى مدينة سلا حرسها الله في كل شهر، ومن حيث جرت العادة أن يتمشى له، ورفع الاعتراض ببابها فيما يجلب من الأدم والأقوات على اختلافها من حيوان وسواه، وفيما يستفيده خدامه (3) بخارجها وأحوازها من أعناب وقطن وكتان وفاكهة وخضر وغير ذلك، فلا يطلب في شيء من ذلك بمغرم ولا وظيف (4) ، ولا يتوجه فيه إليه بتكليف، يتصل له حكم جميع ما ذكر في كل عام تجديداً تاماً، واحتراماً عاماً، أعلن بتجديد الحظوة واتصالها، وإتمام النعمة وإكمالها، من تواريخ الأوامر المذكورة إلى الآن، ومن الآن إلى ما يأتي على الدوام، واتصال الأيام، وأن يحمل جانبه فيمن يشركه أو يخدمه محمل الرعي والمحاشاة في السخر مهما عرضت، والوظائف إذا افترضت، حتى يتصل له تالد العناية بالطارف،

(1) ورد هذا الظهير في الاستقصا 4: 48.

(2)

العشرية: لعلها العاشرية وهي ما كان في كل دينار منها عشرة دراهم (انظر " عاشر " في ملحق المعاجم لدوزي) .

(3)

ق: خدمه.

(4)

الوظيف أو الوظيفة: الضريبة المقررة.

ص: 6

وتتضاعف أسباب المنن والعوارف، بفضل الله، وتحرر له الأزواج (1) التي يحرثها بتالمغت من كل وجيبة (2) وتحاشى من كل مغرم أو ضريبة، بالتحرير التام بحول الله وعونه، ومن وقف على هذا الظهير الكريم فليعمل بمقتضاه، وليمض ما أمضاه، إن شاء الله، وكتب في العاشر من شهر ربيع الآخر من عام ثلاثة وستين وسبعمائة، وكتب في التاريخ " (3) ؛ انتهى.

وقوله " وكتب في التاريخ " هو العلامة السلطانية في ذلك الزمان، يكتب بقلم غليظ، وبعض ملوك المغرب يكتب عند العلامة " صح في التاريخ "

[ترجمة أبي زيان المريني]

وقد عرف لسان الدين في " الإحاطة " بهذا السلطان بما نصه: محمد بن يعقوب أبي عبد الرحمن بن علي أمير المسلمين بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق أمير المسلمين بالمغرب إلى هذا العهد، يكنى أبا زيان (4) ، وصل الله نصره على عدوه الدين، وأرشده إلى سنن الخلفاء المهتدين.

حاله - فاضل سكون منقاد، مشتغل بخاصة نفسه، قليل الكلام، حسن الشكل، درب بركض الخيل، مفوض للوزراء عظيم التأتي لأغراضهم، ووكل الأمور لمن استكفاه منهم، استقدم من أرض النصارى بالأندلس وقد فر

(1) الأزواج: هي ما يسمى في المشرق " الأفدنة "، أخذت من زوج البقر للحرث أي (الفدان) .

(2)

الوجيبة: الضريبة.

(3)

قال ابن الأحمر عند تعريفه العلامة: " فإذا رأيت الصك المريني وعلامته: كتب في التاريخ المؤرخ به، فهي بخط يد السلطان، وإذا كانت: وكتب في التاريخ، فهي بخط يد صاحب العلامة (مستودع العلامة: 21) .

(4)

بويع أبو زيان الملقب بالمتوكل 11 صفر سنة 763 وقتل غرقاً في السانية التي بروض الغزلان 22 ذي الحجة سنة 767 وسنه 28 سنة ودفن بجامع قصره (روضة النسرين: 32 وانظر الاستقصا 4: 51) .

ص: 7

إليهم خوفاً على نفسه، فسمح به ملك الروم بعد اشتراط واشتطاط، فكان وصوله إلى مدينة الملك بفاس يوم الاثنين الثاني والعشرين لصفر عام ثلاثة وستين وسبعمائة، ودخوله داره مغرب ليلة الجمعة بطالع الثامن من السرطان وبه السعد الأعظم كوكب المشتري من الكواكب السيارة، وقد كان الوزير قيم الأمر والمثل في الكفاية والاضطلاع بالعظيمة عمر بن عبد الله بن علي الياباني (1) لما ثار بعمه السلطان أبي سالم رحمه الله تعالى وأقام الرسم بأخيه المعتوه المدعو بأبي عمر استدعى هذا المترجم به، وقد نازله الأمير عبد الحليم ابن عمهم، وتوجه عنه رسوله أثناء الحصار لما رأى الأمر لا يستقيم بمن نصبه، فتلطف فيه إلى طاغية النصارى، استعان بالسلطان أبي عبد الله ابن نصر، وقد جمعتهما إيالته، فتم له اللحاق بالمغرب، وانصرف الأمير عبد الحليم إلى سجلماسة فتملكها، وتم الأمر للأمير أبي زيان يقوم به عنه وزيره ومستدعيه المذكور مصنوعاً له في خدمته أعانه الله تعالى وأصلح حاله وأحوال الخلق على يديه، ووفدت عليه من محل الانقطاع بسلا وأنشدته قولي (2) :

لمن علم في هضبة الملك خفاق

أفاقت به من غشية الهرج آفاق

تقل رياح النصر منه غمامة

تمد لها أيد وتخضع أعناق

وبيعة شورى أحكم السعد عقدها

وأعمل إجماع عليها وإصفاق

قضى عمر فيها بحق محمد

فسجل عهد للوفاء وميثاق

أحلماً ترى عيناي أم هي فترة

أعندكما في مشكل الأمر مصداق

وفاض (3) لفضل الله في الأرض تبتغى

ومجتمعات لا تريب وأسواق

وسرح تهنيه الكلاءة بالكلا

وفلح لسقي الغيث قام له ساق

(1) راجع أخبار هذا الوزير في العبر 7: 319، 323.

(2)

انظر القصيدة في الاستقصا 4: 46 - 48.

(3)

الوفاض: جمع وفضة وهي المكان الذي يمسك الماء؛ وفي ص: رفاض.

ص: 8

وقد كان طيف الحلم لا يعمل الخطا

وللفتنة العمياء في الأرض إطباق

وللغيث إمساك وفي الأرض رجة

وللدين والدنيا وجوم وإطراق

فكل فريق فيه للبغي راية

وكل طريق فيه للعيث طراق (1)

أجل إنه من آل يعقوب وارث

يحن له البيت العتيق ويشتاق

له من جناح الروح ظل مسجف

ومن رفرف العز الإلهي رستاق (2)

أطل على الدنيا وقد عاد ضوءها

دجى وعلى الأحداق للذعر إحداق

فأشرقت الأرجاء من نور ربها

وساح بها لله لطف وإشفاق

فمن ألسن لله بالشكر أعلنت

وكان لها من قبل همس وإطباق

وليس لأمر أبرم الله ناقض

وليس لمسعى أنجح الله إخفاق

محمد قد أحييت دين محمد

وللخلق أذماء تفيض وأرماق

ولو لم تثب غطى على شفق الضحى

دم لسيوف البغي في الأرض مهراق

فأيمن بمشحون من الفلك سابح

له باختيار الله حط وإيساق (3)

أقلك والدأماء (4) تظهر طاعة

إليك وصفح الماء أزرق رقراق

إلى هدف السعد آنبرى منه والدجى

يضل الحجى سهم من السعد رشاق

فخطت لتقويم القوام جداول

وصحت من التوفيق واليمن أوفاق (5)

تبارك من أهداك للخلق رحمة

ومستبعد أن يهمل الخلق خلاق

هو الله يبلوالناس بالخير فتنة

وبالشر والأيام سم وترياق

سمت منك أعناق الورى لخليفة

له في مجال السعد وخد وإعناق

(1) سقط البيت من ق.

(2)

الرستاق: معربة عن الفارسية بمعنى الناحية أو الكورة.

(3)

الحط: الرسو في الميناء، والإيساق: مصدر أوسق بمعنى ملأ بالأحمال.

(4)

الدأماء: البحر.

(5)

يعني بالجداول: الجداول الفلكية، والأوفاق: جمع وفق وهو المربع الذي يقسم إلى " خانات " ترتيب فيها الأرقام.

ص: 9

وقالوا بنان ما استقل بكفه

تفيض على العافين أم هي أرزاق

وأطنب فيك المادحون وأغرقوا

فلم يجد إطناب ولم يغن إغراق

ألست من القوم الذين أكفهم

غمام ندى إن أخلف الغيث غيداق

ألست من القوم الذين وجوههم

بدور لها في ظلمة الروع إشراق

رياض إذا العافي استظل ظلالها

ففيها جنى ملئ الأكف وإيراق

أبوك ولي العهد لوسالم الردى

وجدك قد فاق الملوك وإن فاقوا

فمن ذا له جد كجدك أو أب

لآلئ والمجد المؤثل نساق

وحسب العلا في آل يعقوب أنهم

هم الأصل في العلياء والناس ألحاق

أسود سروحٍ أوبدور أسرة

فإن حاربوا راعوا وإن سالموا راقوا

يطول لتحصيل الكمال سهادهم

فهم للمعالي والمكارم عشاق ومنها:

لئن نسيت إحسان جدك فرقةٌ

تزر على أعناقهم منه أطواق

أجازت خروج ابن ابنه عن تراثه

ولم تدر ما ضمت من الذكر أوراق

ومن دون ما راموه لله قدرة

ومن دون ما أموه للفتح أغلاق

خذ العفووابذل فيهم العرف ولتسع

جريرة من أبدى لك الغدر أخلاق

فربتما تنبو مهندة الظبى

وتهفو حلوم القوم والقوم حذاق

وما الناس إلا مذنبٌ وابن مذنبٍ

ولله إرفاد عليهم وإرفاق

ولا ترج في كل الأمور سوى الذي

خزائنه ما ضرها قط إنفاق

إذا هوأعطى لم يضر منع مانعٍ

وإن حشدت طسم وعاد وعملاق

عرفت الردى واستأثرت بك للعدا

تخوم بمختط الصليب وأعماق

فيسر لليسرى وأحيا بك الورى

وللروع إرعاد عليك وإبراق

فجاز صنيع الله وازدد بشكره

مواهب جود غيثها الدهر دفاق

وأوف لمن أوفى وكاف الذي كفى

فأنت كريم طهرت منك أعراق

ص: 10

وتهنيك يا مولى الملوك خلافة

شجتها تباريح إليك وأشواق

فقد بلغت أقصى المنى بك نفسها

وكم فاز بالوصل المهنإ مشتاق

فلا راع منها السرب للدهر رائع

ولا نال منها جدة السعد إخلاق

أمولاي راع الدهر سربي وغالني

فطرفي مذعورٌ وقلبي خفاق

وليس لكسري غيرك اليوم جابر

ولا ليدي إلا بمجدك أعلاق

ولي فيك ودٌ (1) واعتدادٌ غرسته

فراقت به من يانع الحمد أوراق

وقد عيل صبري في ارتقابي خليفةً

تحل به للضر عني أوهاق (2)

وأنت حسام لله والله ناصر

وأنت أمين الله والله رزاق

وأنت الأمان المستجار من الردى

إذا راع خطبٌ أوتوقع إملاق

وأهون ما ترجى لديك شفاعةٌ

إذا لم يكن عزمٌ حثيث وإرهاق

ودونكما من ذائع الحمد مخلصٍ

له فيك تقييد يروق وإطلاق

إذا قال أما كل سمعٍ لقوله

فمصغ وأما كل أنفٍ فنشاق

ودم خافق الأعلام بالنصر كلما

ذهبت لمسعى لم يكن فيه إخفاق وعدت منه ببر كثير، واحترام شهير.

دخوله غرناطة - لحق بها مفلتاً عند القبض على قرابته وبني عمه وتقريبهم إلى مصارعهم، فكان وصوله في رمضان من عام خمسين وسبعمائة، ثم رابه رائب لحق لأجله بصاحب قشتالة، وأقام في جملته إلى حين استدعائه المتقرر آنفا، وهولهذا العهد أمير المسلمين بالمغرب، أعانه الله تعالى على الخير، وأطلق به يده، وألهمه لما يرضى منه بفضله وكرمه؛ انتهت الترجمة.

ورأيت على هامش هذا المحل من الإحاطة بخط الخطيب الشهير الإمام

(1) ق: أصل.

(2)

الأوهاق: جمع وهق وهو الأنشوطة.

ص: 11

أبي عبد الله ابن مرزوق التلمساني رحمه الله ما صورته: توفي يعني السلطان أبا زيان مغتالاً عام ستة وستين على يد مظاهره الخائن عمر بن عبد الله ابن علي الوزير، رداه في بئر، وأشاع أنه أفرط في السكر، وألقى نفسه في البئر المعروفة برياض الغزلان، وبايع لعمه عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن، فسلطه الله عليه، وأخذ حقوق الخلائق على يديه، فقتله غيلة بعد أن كان تغلب عليه فأعمل الحيلة في قتله، واستمر ملك عبد العزيز ظاهراً ظافراً قد جمع بين المغرب إلى أقصاه ويين ملك تلمسان وقد شرد أهلها كل مشرد، فعندما أقبلت الدنياعليه، واستقام ملكه، وكاد يلحق ملك أبيه أويزيد مات رحمه الله تعالى، قيل: مطعونا (1) ، وقيل غير ذلك، وذلك في حدود أربع سبعين، وولي ولده، ثم عزل بابن عمه العباس ابن السلطان أبي سالم، وحاز ملك المغرب إلى حين كتب هذا سنة سبع وسبعين وسبعمائة؛ انتهى ما ألفيته بخط سيدي أبي عبد الله ابن مرزوق.

ورأيت تحته بخط ابن لسان الدين أبي الحسن علي ما صورته: رحمة الله عليك يا عمر بن عبد الله بن علي، فلقد كنت غسلت ملك المغرب من درن كبير، وقمت على ملك لهو وضعف شهير، وشهرت سيف الحق، على الزواكرة الخرق، فابتهج منبر الدين؛ انتهى.

ومراده بهذا الكلام الرد على ابن مرزوق في ذمه للوزير عمر، وقوله " الزواكرة " لفظ يستعمله المغاربة، ومعناه عندهم المتلبس الذي يظهر النسك والعبادة، ويبطن الفسق والفساد، وعند الله تتجمع الخصوم.

(1) ق ص: مطعوماً.

ص: 12

[2 - رسالة من أبي سالم إلى لسان الدين]

ولنرجع إلى ما كنا بسبيله فنقول:

ومما خوطب به ابن الخطيب رحمه الله تعالى، من قبل سلطان المغرب المستعين بالله إبراهيم أبي سالم ابن السلطان أبي الحسن المريني ما صورته بعد الصلاة (1) :

" من عبد الله المستعين بالله إبراهيم أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين، ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين، أبي الحسن ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي يوسف يعقوب ابن عبد الحق أيد الله وأعز نصره، إلى الشيخ الفقيه الأجل الأسنى الأعز الأحظى الأوجه الأنور الصدر الأحفل المصنف البليغ الأعرف الأكمل أبي عبد الله ابن الشيخ الأجل الأعز الأسنى الوزير الأرفع الأنجد الأصيل الأكمل المرحوم المبرور أبي محمد ابن الخطيب، وصل الله عزته ووالى رفعته، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

" أما بعد حمد الله تعالى والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله الكريم المصطفى، والرضى عن آله وصحبه أعلام الإسلام وأئمة الرشد والهدى، وصلة الدعاء لهذا الأمر العلي العزيز المنصور المستعيني بالنصر الأعز والفتح الأسنى، فإذا كتبناه إليكم كتب الله تعالى لكم بلوغ الأمل، ونجح القول والعمل من منزلنا الأسعد بضفة وادي ملوية يمنه الله، وصنع الله جميل، ومنه جزيل، والحمد لله، ولكم عندنا المكانة الواضحة الدلائل، والعناية المتكفلة برعي الوسائل، ذلكم لما تميزتم به من التمسك بالجناب العلي، المولوي العلوي، جدد الله تعالى عليه ملابس غفرانه، وسقاه غيوث رحمته وحنانه؛

(1) وردت هذه الرسالة في الاستقصا 4: 29 - 30 وأزهار الرياض 1: 282.

ص: 13

وما أهديتم إلينا من التقرب لدينا، بخدمة ثراه الطاهر، والاشتمال بمطارف حرمته السامية المظاهر.

" وإلى هذا وصل الله حظوتكم ووالى رفعتكم، فإنه ورد علينا خطابكم الحسن عندنا قصده، المقابل بالإسعاف المستعذب ورده، فوقفنا على ما نصه، واستوفينا ما شرحه وقصه، فآثرنا حسن تلطفكم في التوسل بأكبر الوسائل إلينا، ورعينا أكمل الرعاية حق ذلكم الجناب العزيز علينا، وفي الحين عينا لكمال مطلبكم، وتمام مأربكم، والتوجه بخطابنا في حقكم، والاعتماد بوفقكم، خد يمينا أبا البقاء ابن تاسكورت (1) وأبا زكريا ابن فرقاجة، أنجدهما الله وتولاهما؛ وأمسى تاريخه انفصلا مودعين إلى الغرض المعلوم، بعد التأكيد عليهما فيه، وشرح العمل الذي يوفيه، فكونوا على علم من ذلكم، وابسطوا له جملة آمالكم، وإنا لنرجوثواب الله في جبر أحوالكم، وبرء اعتلالكم، والله سبحانه وتعالى يصل مبرتكم، ويتولى تكرمتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ كتب في الرابع والعشرين لرجب عام واحد وستين وسبعمائة ".

[3 - جواب لسان الدين]

فراجعه ابن الخطيب بما نصه (2) : مولاي خليفة الله بحق، وكبير ملوك الأرض عن حجة، ومعدن الشفقة والحرمة ببرهان وحكمة، أبقاكم الله تعالى عالي الدرجة في المنعمين، وافر الحظ عند جزاء المحسنين وأراكم ثمرة بر أبيكم في البنين، وصنع لكم في عدوكم الصنع الذي لا يقف عند معتاد، وأذاق العذاب الأليم من أراد في مثابتكم بإلحاد، عبدكم الذي ملكتم رقه،

(1) الاستقصا والأزهار: تاشكورت.

(2)

انظر هذه الرسالة في الاستقصا 4: 30 - 31 والأزهار 1: 284.

ص: 14

وآويتم غربته، وسترتم أهله وولده، وأسنيتم رزقه، وجبرتم قلبه، يقبل موطئ الأخمص الكريم من رجلكم الطاهرة، المستوجبة بفضل الله تعالى لموقف النصر، الفارعة هضبة العز، المعملة الخطوفي مجال السعد، وميسر (1) الحظ ابن الخطيب، من شالة (2) التي تأكد بملككم الرضي أحترامها، وتجدد برعيكم عهدها وأستبشر بملككم دفينها، وأشرق بحسناتكم نورها.

" وقد ورد على العبد الجواب المولوي البر الرحيم، المنعم المحسن بما يليق بالملك الأصيل والقدر الرفيع والهمة السامية والعزة القعساء، من رعي الدخيل والنصرة للذمام والاهتزاز لبر الأب الكريم، فثاب الرجاء وأنبعث الأمل وقوي العضد وزار اللطف، فالحمد لله الذي أجرى الخير على يدكم الكريمة، وأعانكم على رعي ذمام الصالحين، المتوسل إليكم أولاً بقبورهم ومتعبداتهم وتراب أجداثهم ثم بقبر مولاي ومولاكم ومولى الخلق أجمعين الذي تسبب (3) في وجودكم، واختصكم بحبه، وغمركم بلطفه وحنانه، وعلمكم آداب الشريعة، وأورثكم ملك الدنيا وهيأتكم دعواته بالاستقامة إلى ملك الآخرة بعد طول المدى وانفساح البقاء، وفي علومكم المقدسة ما تضمنت الحكايات عن العرب من النعرة (4) عن طائر داست أفراخه ناقة في جوار رئيس منهم، وما انتهى إليه الامتعاض لذلك مما أهينت فيه الأنفس وهلكت الأموال وقصارى من امتعض لذلك أن يكون كبعض خدامكم من عرب تامسنا فما الظن بكم وأنتم الكريم ابن الكريم ابن الكريم فيمن لجأ أولاً الى رحماكم بالأهل والولد عن حسنة تبرعتم بها وصدقة حملتكم الحرية

(1) ق الاستقصا: ومسير.

(2)

شالة: تعد اليوم من ضواحي الرباط، وفيها قبور المرينيين. وإليها لجأ لسان الدين عندما نبت به الأندلس.

(3)

ق: الذي هو سبب.

(4)

ق: النفرة؛ الاستقصا: النصرة.

ص: 15

على بذلها ثم فيمن حط رحل الاستجارة بضريح أكرم الخلق عليكم دامع العين خافق القلب واهي الفزعة يتغطى بردائه ويستجير بعليائه كأنني تراميت عليهم في الحياة أمام الذعر الذي يذهل العقل ويحجب عن التمييز بقصر داره ومضجع رقاده مامن يوم إلا وأجهر بعد التلاوة: يا ليعقوب يا لمرين (1) نسأل الله تعالى أن لا يقطع عني معروفكم ولا يسلبني عنايتكم ويستعملني ما بقيت في خدمتكم ويتقبل دعائي فيكم.

" ولحين وصول الجواب الكريم نهضت إلى القبر المقدس ووضعته بازائه وقلت يا مولاي يا كبير الملوك وخليفة الله وبركة بني مرين صاحب الشهرة والذكر في المشرق والمغرب عبدك المنقطع إليك المترامي بين يدي قبرك المتوسل إلى الله ثم إلى ولدك بك ابن الخطيب وصله من مولاه ولدك ما يليق بمقامه من رعي وجهك والتقرب إلى الله تعالى برعيك والاشتهار في مشرق الدنيا وغربها ببرك وأنتم من أنتم من إذا صنع صنيعه كملها وإذا من منة تممها وإذا أبدى يداً أبرزها طاهرة بيضاء غير معيبة ولاممنونة ولا منتقضة وأنا بعد تحت ذيل حرمتك وظل دخيلك حتى يتم أملي ويخلص قصدي وتحف نعمتك بي ويطمئن إلي مأملك قلبي.

" ثم قلت للطلبة: أيها السادة بيني وبينكم تلاوة كتاب الله تعالى منذ أيام ومناسبة النحلة وأخوة التأليف بهذا الرباط المقدس والسكنى بين أظهركم فأمنوا على دعائي بإخلاص من قلوبكم واندفعت في الدعاء والتوسل الذي نرجوأن يتقبله الله تعالى ولا يضيعه وخاطب العبد مولاه شاكراً لنعمته مشيدا ًبصنيعته مسروراً بقبوله وشأنه من التعلق والتطارح شأنه حتى يكمل القصد ويتم الغرض معمور الوقت بخدمة يرفعها ودعاء يردده والله المستعان "؛ انتهى.

(1) ص ق: يا آل يعقوب، يا آل مرين؛ ولا خلاف.

ص: 16

[4 - رسالة من لسان الدين إلى أبي سالم]

وكان تقدم من لسان الدين كتاب للسلطان المذكور وكان ما سبق من كتاب السلطان جواباً له وذلك بعد رجوع لسان الدين من مراكش واستقراره في مدينة سلا برباط شالة مدفن السلاطين من بني مرين ومنهم السلطان أبوالحسن والد السلطان أبي سالم المذكور ونص الكتاب (1) :

" مولاي المرجولإتمام الصنيعة وصلة النعمة وإحراز الفخر أبقاكم الله تعالى تضرب بكم الأمثال في البر والرضى وعلوالهمة ورعي الوسيلة مقبل موطئ قدمكم المنقطع الى تربة المولى والدكم ابن الخطيب من الضريح المقدس بشالة وقد حط رحل الرجاء في القبة المقدسة وتذمم (2) بالتربة الزكية وقعد بإزاء لحد المولى أبيكم ساعة إيابه من الوجهة المباركة وزيارة الربط المقصودة والترب المعظمة وقد عزم ألا يبرح طوعاً من هذا الجوار الكريم والدخيل المرعي حتى يصله من مقامكم ما يناسب هذا التطارح على قبر هذا المولى العزيز على أهل الأرض ثم عليكم والتماس شفاعته في أمر سهل عليكم لا يجر إنفاد مال ولااقتحام خطر إنما هوإعمال لسان وخط بنان وصرف عزم وإحراز فخر وأجر وإطابة ذكر وذلك أن العبد عرفكم يوم وداعكم أنه ينقل عنكم الى المولى المقدس بلسان المقال ما يحضر مما يفتح الله تعالى فيه ثم ينقل عنه لكم بلسان الحال ما يتلقى عنه من الجواب وقال لي صدر دولتكم وخالصتكم وخالصة المولى والدكم سيدي الخطيب يعني ابن مرزوق سنى الله تعالى أمله من سعادة مقامكم وطول عمركم أنت يا فلان والحمد لله ممن لا ينكر عليه الوفاء بهذين الفرضين وصدر عنكم من البشر والقبول والإنعام ما صدر جزاكم الله تعالى جزاء المحسنين.

(1) قارن بما ورد في الاستقصا 4: 24 وأزهار الرياض 1: 277.

(2)

الاستقصا: وتيمم.

ص: 17

" وقد تقدم تعريف مولاي بما كان من قيام العبد بما نقله إلى التربة الزكية عنكم حسبما أداه من حضر ذلك المشهد من خدامكم والعبد الآن يعرض عليكم الجواب وهوأني لما فرغت من مخاطبته بمرأى من الملأ الكبير والجم الغفير أكببت على اللحد الكريم داعياً ومخاطباً وأصغيت بأذني عند قبره وجعل فؤادي يتلقى ما يوحيه إليه لسان حاله فكأني به يقول لي: قل لمولاك يا ولدي وقرة عيني المخصوص برضاي وبري و [من] ستر حريمي ورد ملكي وصان أهلي وأكرم صنائعي ووصل عملي أسلم عليك وأسأل الله تعالى أن يرضى عنك ويقبل عليك الدنيا دار غرور والآخرة خير لمن اتقى:

وما الناس إلا هالك وابن هالك (1)

" ولا تجد إلا ما قدمت من عمل يقتضي العفووالمغفرة أوثناء يجلب الدعاء بالرحمة ومثلك من ذكر فتذكر وعرف فما أنكر وهذا ابن الخطيب قد وقف على قبري وتهمم بي وسبق الناس الى رثائي وأنشدني ومجدني وبكاني ودعا لي وهنأني بمصير أمري إليك وعفر وجهه في تربي وأملني لما انقطعت مني آمال الناس فلو كنت يا ولدي حياً لما وسعني أن أعمل معه إلا مايليق بي وأن أستقل فيه الكثير واحتقر العظيم لكن لما عجزت عن جزائه وكلته إليك وأحلته يا حبيب قلبي عليك وقد أخبرني أنه سليب المال كثير العيال ضعيف الجسم قد ظهر في عدم نشاطه أثر السن وأمل أن ينقطع بجواري ويستتر بدخيلي وخدمتي ويرد عليه حقه بخدمتي ووجهي ووجوه من ضاجعني من سلفي ويعبد الله تعالى تحت حرمتك وحرمتي وقد كنت تشوفت الى استخدامه في الحياة حسبما يعلمه حبيبنا الخالص المحبة وخطيبنا العظيم المزية القديم القربة أبوعبد الله ابن مرزوق فاسأله يذكرك

(1) صدر بيت لأبي نواس، وتمامه:" ذو نسب في الهالكين عريق ".

ص: 18

واستخبره يخبرك فأنا اليوم أريد أن يكون هذا الرجل خديمي بعد الممات الى أن نلحق جميعاً برضوان الله تعالى ورحمته التي وسعت كل شيء وله يا ولدي ولد نجيب يخدم ببابك وينوب عنه في ملازمة بيت كتابك وقد استقر بدارك قراره وتعين بأمرك مرتبه ودشاره (1) ، فيكون الشيخ خديم الشيخ والشاب خديم الشاب، هذه رغبتي منك وحاجتي إليك واعلم أن هذا الحديث لابد له أن يذكر ويتحدث به في الدنيا وبين أيدي الملوك والكبار فاعمل مل يبقى لك فخره ويتخلد ذكره وقد أقام مجاوراً ضريحي تالياً كتاب الله تعالى علي منتظراً ما يصله منك ويقرؤه علي من السعي في خلاص ماله والاحتجاج بهذه الوسيلة في جبره وإجراء ما يليق بك من الحرمة والكرامة والنعمة فالله الله يا إبراهيم اعمل ما يسمع عني وعنك فيه ولسان الحال أبلغ من لسان المقال؛ انتهى.

" والعبد يا مولاي مقيم تحت حرمته وحرمة سلفه منتظر منكم قضاء حاجته ولتعلموا وتتحققوا أني لوارتكبت الجرائم ورزأت الأموال وسفكت الدماء وأخذت حسائف (2) الملوك الأعزة ممن وراء النهر من الططر وخلف البحر من الروم ووراء الصحراء من الحبشة وأمكنهم الله تعالى مني من غير عهد بعد أن بلغهم تذممي بهذا الدخيل ومقامي بين هذه القبور الكريمة ما وسع أحداً منهم من حيث الحياء والحشمة من الأحياء والأموات وإيجاب الحقوق التي لا يغفلها الكبار للكبار إلا الجود الذي لا يتعقبه البخل والعفوالذي لا تفسده المؤاخذة فضلاً عن سلطان الأندلس أسعده الله تعالى بموالاتكم فهوفاضل وابن ملوك أفاضل وحوله أكياس ما فيهم من يجهل قدركم وقدر سلفكم لاسيما مولاي والدكم الذي أتوسل به إليكم وإليهم فقد كان يتبنى مولاي أبا الحجاج ويشمله بكنفه وصارخه بنفسه وأمده بأمواله

(1) الدشار: المزرعة أو الأرض المستأجرة، والجمع دشر.

(2)

الحسائف: العداوات والضغائن.

ص: 19

ثم صير الله تعالى ملكه إليكم وأنتم من أنتم ذاتاً و؛ وقبيلاً فقد قرت يا مولاي عين العبد بما رأت في هذا الوطن المراكشي من وفور حشودكم وكثرة جنودكم وترادف أموالكم وعددكم زادكم الله تعالى من فضله؛ ولا شك عند عاقل أنكم إن انحلت عروة تأميلكم، وأعرضتم عن ذلك الوطن، استولت عليه يد عدوه.

" وقد علم تطارحي بين الملوك الكرام الذين خضعت لهم التيجان، وتعلقي بثوب الملك الصالح والد الملوك الكرام مولاي والدكم، وشهرة حرمة شالة معروفة، وحاش لله أن يضيعها أهل الأندلس، وما توسل إليهم قط بها إلا الآن، وما يجهلون اغتنام هذه الفضيلة الغريبة، وأملي منكم أن يتعين من بين أيديكم خديم بكتاب كريم، يتضمن الشفاعة في رد ما أخذ لي، ويخبر بمثواي متراميا " على قبر والدكم ويقرر ما ألزمكم بسبب هذا الترامي من الضرورة المهمة والوظيفة الكبيرة عليكم وعلى قبيلكم حيث كانوا، وتطلبون منه عادة المكارمة بحل هذه العقدة، ومن المعلوم أني لو طلبت بهذه الوسائل من صلب....ما وسعهم بالنظر العقلي إلا حفظ الوجه مع هذا القبيل وهذا الوطن، فالحياء والحشمة يأبيان العذر عن هذا في كل ملة ونحلة.

" وإذا تم هذا الغرض ولا شك في إتمامه بالله تعالى تقع صدقتكم على القبر الكريم بي وتعينوني لخدمة هذا المولى وزيارته وتفقده، ومدح النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المولد في جواره وبين يديه وهوغريب (1) مناسب لبركم به إلى أن أحج بيت الله بعناية مقامكم، وأعود داعياً مثنياً مستدعياً للشكر والثناء من أهل المشرق والمغرب، وأتعوض من ذمتي بالأندلس ذمة بهذا الرباط المبارك يرثها ذريتي، وقد ساومت في شيء من ذلك منتظراً ثمنه مما يباع بالأندلس بشفاعتكم، ولوظننت أنهم يتوقفون لكم في مثل هذا أو يتوقع فيه وحشة أو جفاء والله ما طلبته، لكنهم أسرى وأفضل، وانقطاعي أيضاً لوالدكم مما لا يسمع مجدكم إلا عمل ما يليق بكم فيه، وها أنا أرتقب جوابكم بما لي عندكم

(1) غريب: يعني أنه عمل بديع.

ص: 20

من القبول، ويسعني مجدكم في الطلب وخروج الرسول لاقتضاء هذا الغرض، والله سبحانه يطلع من مولاي على ما يليق به، والسلام. وكتب في الحادي عشر من رجب عام أحد وستين وسبعمائة. وفي مدرج الكتاب بعد نثر هذه القصيدة (1) :

مولاي ها أنا في جوار أبيكا

فابذل من البر المقدر فيكا

أسمعه ما يرضيه من تحت الثرى

والله يسمعك الذي يرضيكا

واجعل رضاه إذا نهدت كتيبة

تهدي إليك النصر أوتهديكا

واجبر بجبري قلبه تنل المنى

وتطالع الفتح المبين وشيكا

فهو الذي سن البرور بأمه

وأبيه فأشرع شرعه لبنيكا

وابعث رسولك منذراً ومحذراً

وبما تؤمل نيله يأتيكا

قد هز عزمك كل قطر نازح

وأخاف مملوكاً به ومليكا

فإذا سموت إلى مرام شاسع

فغصونه ثمر المنى تجنيكا

ضمنت رجال الله منك مطالبي

لما جعلتك في الثواب شريكا

فلئن كفيت وجوهها في مقصدي

شطر ورعيتها بركاتها تكفيكا

وإذا قضيت حوائجي وأريتني

أملاً فربك ما أردت يريكا

واشدد على قولي يداً فهو الذي

أملاً فربك ما أردت يريكا

مولاي ما استأثرت عنك بمهجتي

إني ومهجتي التي تفديكا

لكن رأيت جناب شالة مغنماً

يفضي علي العز في ناديكا

وفروض حقك لا تفوت فوقتها

باق إذا استجزيته يجزيكا

ووعدتني وتكرر الوعد الذي

أبت المكارم أن يكون أفيكا

أضفى عليك ال ستر عناية

من كل محذور الطريق يقيكا

(1) أزهار الرياض 1: 281.

ص: 21

ببقائك الدنيا تحاط وأهلها

فالله جل جلاله يبقيكا فلما وصل الكاتب إلى السلطان أجابه بما مر آنفاً. ورأيت بخط الفقيه الأديب المؤرخ أبي عبد الله محمد بن الحداد الوادي آشي نزيل تلمسان على هامش قول ابن الخطيب في هذه الرسالة: " ولا شك عند عاقل أنكم إن انحلت عروة تأميلكم - إلخ " ما صورته: كذلك وقع آخر الأمر وكان الإستيلاء على مدينة غرناطة آخر ما بقي من بلاد الأندلس للإسلام في محرم عام سبعة وتسعين وثمانمائة، فرحم الله تعالى ابن الخطيب، العاقل اللبيب، وغفر له برحمته؛ انتهى.

ومما خاطب به لسان الدين السلطان أبا سالم في الغرض المتقدم قوله:

عن باب والدك الرضى لا أبرح

يأسو الزمان لأجل ذا أويجرح

ضربت خيامي في حماه فصبيتي

تجني الجميم به وبهمي تسرح

حتى يراعى وجهه في وجهي

بعناية تشفي الصدور وتشرح

أيسوغ عن مثواه سيري خائباً

ومنابر الدنيا بذكرك تصدح

أنا في حماه وأنت أبصر بالذي

يرضيه منك فوزن عقلك أرجح

في مثلها سيف الحمية ينتضى

في مثلها زند الحفيظة يقدح

وعسى الذي بدأ الجميل يعيده

وعسى الذي سد المذاهب يفتح [ترجمة أبي سالم المريني]

وقد عرف في الإحاطة بالسلطان أبي سالم فقال بعد كلام: أملاك المسلمين، وحماة الدين، وأمراء المغرب الأقصى من بني مرين، غيوث المواهب وليوث العرين، ومعتمد الصريخ وسهام الكافرين، حفظ الله تعالى على الإسلام والمسلمين ظلهم، وزين ببدور الدنيا والدين هالتهم، وأبقى الكلمة فيمن اختاره منهم أو من

ص: 22

أقاربهم، فما عسى أن يطنب اللسان في مدحهم وأين تقع العبارة وماذا (1) يحصر الوصف إلى أن قال: وفاته وفي ليلة العشرين من ذي القعدة (2) من عام اثنين وستين وسبعمائة (3) ثار عليه بدار الملك وبلد الإمارة المعروف بالبلد الجديد من مدينة فاس الخائن الغادر مخلفه عليها عمر بن عبد الله بن علي نسمة السوء، وجملة الشؤم، والمثل البعيد في الجراءة على الله تعالى، وقد اهتبل غيرة انتقاله إلى القصر السلطاني بالبلد القديم متحولاً إليه حذراً من قاطع (4) فلكي كان يحذر منه، استعجله بضعف نفسه، وأعانه على فرض صحة الحكم به، وسد الباب في وجهه، ودعا الناس إلى بيعة أخيه المعتوه، وأصبح حائراً بنفسه، ويروم ارتجاع أمر ذهب من يده، ويطوف بالبلد يلتمس وجهاً إلى نجاح حيلة، فأعياه ذلك، ورشقت من معه السهام، وفرت عنه الأجناد والوجوه، وأسلمه الدهر وتبرأ منه الجد، وعندما جن عليه الليل فر لوجهه، وقد التف عليه الوزراء، فسفهت حلومهم، وفالت آراؤهم، ولوقصدوا به بعض الجبال المنيعة لولوا أوجههم شطر مظنة الخلاص، واتصفوا بإبلاغ الأعذار، ولكنهم نكلوا عنه، ورجعوا أدراجهم وتسللوا راجعين إلى يد غادر الجملة، قد سلبهم الله سبحانه لباس الحياء والرجولية وتأذن الله تعالى لهم بعد بسوء العاقبة، وقصد بعض بيوت البادية وقد فضحه نهار الغد، واقتفى المتبعة أثره حتى وقعوا عليه، فسيق إلى مصرعه، وقتل بظاهر البلد ثاني اليوم الذي غدر به فيه، جعلها الله تعالى له شهادة ونفعه؛ فلقد كان (5) بقية البيت وآخر القوم دماثةً وحياء، وبعداً عن

(1) ق: وما.

(2)

ص: قعدة.

(3)

قال ابن الأحمر: وقتل رحمه الله تعالى وأنا، أنظر إليه وأتوجع وأبكي يوم الخميس 21 لذي القعدة سنة 762 وله سنة (روضة النسرين: 30) .

(4)

القاطع والقطع في مصطلح المنجمين ما يدل على نحس وخسارة.

(5)

انظر ازهار الرياض 1: 270.

ص: 23

الشرور، وركوناً للعافية، وأنشدت على قبره الذي ووريت به جثته بالقلعة ظاهر المدينة قصيدة أديت فيها بعض حقه:

بني الدنيا بني لمع السراب

" لدوا للموت وابنوا للخراب " انتهى المقصود من الترجمة. وكان يصف لسان الدين بمقربي وجليسي، كما سبقت الإشارة إليه من كلام لسان الدين فيما خاطب به ابن أبي رمانة والله يسبل على الجميع رداء عفوه سبحانه. وقد تقدم أنه شفع لابن الخطيب عند أهل الأندلس، ولذلك قال يخاطبهم:

سمي خليل الله أحييت مهجتي

وعجالني منك الصريخ على بعد

فإن عشت أبلغ فيك نفسي عذرها

وإن لم أعش فالله يجزيك من بعدي [ثناء المغاربة والمشارقة على لسان الدين]

وقال الرئيس الأمير الأديب أبوالوليد إسماعيل ابن الأحمر في حق ابن الخطيب ما صورته (1) : هو شاعر الدنيا، وعلم المفرد والثنيا، وكاتب الأرض، إلى يوم العرض، لا يدافع مدحه في الكتب، ولا يجنح إلى العتب، آخرمن تقدم في الماضي، وسيف مقوله ليس بالكهام إذ هوالماضي، وإلا فانظر كلام الكتاب الأول من العصبة، كيف كان فيهم بالإفادة صاحب القصبة، للبراعة، باليراعة، وبه أسكت صائلهم، وما حمدت بكرهم وأصائلهم، للجزالة المشربة بالحلاوة، الممكنة من مفاصل الطلاوة، وهونفيس العدوتين ورئيس الدولتين، وبالإطلاع على العلوم العقلية، والإمتاع الفهوم النقلية، لكن

(1) هذا نص ما قاله في نثير فرائد الحمان 242 وانظر أزهار الرياض 1: 191.

ص: 24

صل لسانه في الهجاء لسع، ونجاد نطاقه في ذلك اتسع، حتى صدمني، وعلى القول فيه أقدمني، بسبب هجوه في ابن عمي ملك الصقع الأندلسي، سلطان ذلك الوطن في النفر الجنسي، المعظم في الملوك بالقول الجني والإنسي، ثم صفحت عنه صفحة القادر، الوارد من مياه الظفر غير القاذر، لأن مثلي لا يليق به إظهار العورات، ولا يجمل له تتبع العثرات، اتباعاً للشرع في تحريم الغيبة، وضرباً عن الكريهة وإثباتاً لحظوظ النقيبة الرغيبة، فما ضره لواشتغل بذنوبه، وتأسف على ما شربه من ماء اللهو بذنوبه (1)، وقد قال بعض الناس: من تعرض للأعراض، صار عرضه هدفاً لسهام الأغراض؛ انتهى.

ومثل هذا في لسان الدين لا يقدح، وما زالت الأشراف تهجى وتمدح (1) ، وعلى تقدير صدور ما يخدش وجه جنابه الرفيع، فالأولى أن ينشد:

وإذا الحبيب أتى بذنب واحد

جاءت محاسنه بألف شفيع وممن أثنى على لسان الدين ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - بعض أكابر علماء تلمسان، ولم يحضرني الآن اسمه، في تأليف عرف فيه بالشيخ العلامة سيدي أبي عبد الله الشريف التلمساني وابنيه العالمين أبي يحيى وسيدي عبد الله، فقال بعد كلام في حق الشريف ما نصه: وكان علماء الأندلس أعرف الناس بقدره، وأكثرهم تعظيماً له حتى إن العالم الشهير لسان الدين ابن الخطيب صاحب الأنباء العجيبة، والتآليف البديعة، كلما ألف تأليفاً بعثه إليه، وعرضه عليه، وطلب أن يكتب عليه بخطه، وكان الشيخ الإمام الصدر المفتي أبوسعيد ابن لب شيخ علماء الأندلس وآخرهم كلما أشكلت عليه مسألة كاتبه بها، وطلب منه بيان ما أشكل عليه، مقراً له بالفضل؛ انتهى ما نقلته من الكتاب المذكور.

(1) الذنوب: الدلو.

(1)

الذنوب: الدلو.

ص: 25

رجع:

وكتب لسان الدين ابن الخطيب متمثلاً بشيخه الأوحد قاضي الجماعة أبي البركات ابن الحاج البلفيقي رحمهما الله تعالى (1) :

أيتها النفس إليه اذهبي

فحبه المشهور من مذهبي

أيأسني التوبة من حبه

طلوعه شمساً من المغرب ويغلب على ظني أنه خاطبه بذلك عند قدومه، أعني لسان الدين، من المغرب إلى الأندلس، والله تعالى أعلم.

وكان قاضي القضاة برهان الدين الباعوني الشامي (2) ، كثير الثناء على لسان الدين رحمه الله تعالى، لأنه تلقى أخباره من قاضي القضاة ابن خلدون حسبما ذكرناه في غير هذا الموضع، ولقد رأيت بخطه على هامش بعض تآليف لسان الدين في الإنشاء ما نصه: هذا بليغ إلى الغاية؛ انتهى.

وكتب أثره بعض أكابر علماء المشرق ما نصه: هذا خط العلامة قاضي القضاة برهان الدين الباعوني، وهوشديد الاعتناء والمدح للمصنف ابن الخطيب الأندلسي، معظم له ولإنشائه، وهو خليق بالتعظيم، جدير بمزيد التمجيد والتكريم، وكيف لا وهوشاعر مفلق، وخطيب مصقع، وكاتب مترسل بليغ، لولا ما في إنشائه من الإكثار، الذي لا يكاد يخلومن عثار، والإطناب، الذي يفضي إلى الاجتناب والإسهاب، الذي يقد الإرهاب، ويورث الالتهاب؛ انتهى.

(1) قد تقدم القول في البيتين ونسبتهما ج 4: 14؛ 5: 348، 482.

(2)

هو إبراهيم بن أحمد الباعوني (- 870) الصفدي المولد الدمشقي الدار، كان ينعت بقاضي القضاة مع أنه رفض تولي القضاء، وله ديوان شعر ومؤلفات أخرى (الضوء اللامع 1: 26 والبدر الطالع 1: 8 ونظم العقيان: 13) .

ص: 26