الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا يقاس بخلقه سبحانه.
فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلا وأحسن حديثا من خلقه، ثم رسله صادقون مصدقون، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون؛ ولهذا قال سبحانه:{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ - وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: 180 - 182] فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب
[الإثبات المفصل والنفي المجمل في أسماء الله وصفاته]
وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي (1) والإثبات، فلا عدول لأهل السنة عما جاء
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1) طريقة الكتاب والسنة في أسماء الله وصفاته: الإثبات المفصل، والنفي المجمل، فقد جمع فيما وصف به وسمى به نفسه بين النفي المجمل مثل قوله تعالى:" ليس كمثله شيء"، " ولم يكن له كفوا أحد"، "هل تعلم له سميا"، وكذلك قوله عليه السلام في حديث أبي موسى:" إنكم لا تدعون أصما ولا غائبا" في حكم النفي المجمل؛ لأن الصمم والغيبة تتضمنان نفي نقائص كثيرة تلزم من صفتي الصمم والغيبة؛ لأن الأصم هو الذي لا يسمع ولا يصلح أن يكون إلها؛ لهذا النقص العظيم الذي يلزم منه عدم سماع دعاء الداعين وأصوات المحتاجين وغير ذلك من النقائص. كما أن الغيبة يلزم منها عدم اطلاعه على أحوال عباده وعدم علمه بما ينبغي أن يعاملهم به ونحو ذلك.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا يزيد على ذلك ولا ينقص، فإن الكلام على ذات الباري وصفاته واحد، فكما أن لله ذاتا لا تشبه الذوات، فله تعالى صفات لا تشبه الصفات، فمن مال إلى نفي الصفات أو بعضها فهو نافٍ معطل محرف، ومن كيّفها أو مثّلها بصفات الخلق فهو ممثل مشبه. والفرق بين التحريف والتعطيل: أن التعطيل نفي للمعنى الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة. والتحريف: تفسير للنصوص بالمعاني الباطلة التي لا تدل عليها بوجه من الوجوه.
فالتحريف والتعطيل قد يكونان متلازمين إذا أثبت المعنى الباطل ونفى المعنى الحق، وقد يوجد التعطيل بلا تحريف كما هو قول النافين للصفات، الذين ينفون الصفات الواردة في الكتاب والسنة ويقولون: ظاهرها غير مراد. ولكنهم لا يعينون معنى آخر، ويسمون أنفسهم مفوضة، ويظنون أن هذا مذهب السلف، وهو غلط فاحش، فإن السلف يثبتون الصفات. وإنما يفوضون علم كيفيتها إلى الله
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيقولون: الوصف المذكور معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، وإثباته واجب، والسؤال عن كيفيته بدعة، كما قال الإمام مالك وغيره في الاستواء. وأما قوله:(من غير تكييف ولا تمثيل) فالفرق بينهما: أن التكييف هو تكييف صفات الله والبحث عن كنهها، والتمثيل: أن يقال فيها مثل صفات المخلوقين. ونفي الكُفُؤ والند والسمي ينفي ذلك التكييف والتمثيل. وقوله: السميع والبصير ونحوها من إثبات أسماء الله وصفاته تنفي التعطيل والتحريف.
فالمؤمن الموحد يثبت الصفات كلها على الوجه اللائق بعظمة الله وكبريائه. والمعطل ينفيها أو ينفي بعضها، والمشبه الممثل يثبتها على وجه يليق بالمخلوق.
ونصوص الكتاب والسنة التي يتعذر إحصاؤها كلها تشترك في دلالتها على هذا الأصل وهو: إثبات الصفات على وجه الكمال الذي لا يشبهه كمال أحد، وهي في غاية الوضوح والبيان وأعلى مراتب الصدق، فإن الكلام
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إنما يقصر بيانه ودلالته لأمور ثلاثة: إما جهل المتكلم وعدم علمه وقصوره. وإما عدم فصاحته وبيانه. وإما كذبه وغشه. أما نصوص الكتاب والسنة فإنها بريئة من هذه الأمور الثلاثة من كل وجه، فكلام الله ورسوله في غاية الوضوح والبيان وفي غاية الصدق، كما قال:{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122]{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87] ونظيره قوله تعالى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33] والرسول صلى الله عليه وسلم في غاية النصح والشفقة العظيمة على الخلق، وهو من أعلم الخلق وأصدقهم وأفصحهم، وأنصح الخلق للخلق، وهل يمكن أن يكون في كلامه شيء من النقص أو القصور؟ بل كلامه هو الغاية التي ليس فوقها غاية في الوضوح والبيان للحقائق، وهذا برهان على أن كلام الله وكلام رسوله يوصل إلى أعلى درجات العلم واليقين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والحق النافع هو ما اشتمل عليه كلام الله وكلام رسوله في جميع الأبواب، لا سيما في هذا الباب الذي هو أصل الأصول كلها،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذا معنى قول المصنف في إيراده للآية الكريمة: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ - وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: 180 - 182] فسبح نفسه عما قاله المخالفون للرسل، وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، ثم قال:{وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: 182] لدلالة الحمد على الكمال المطلق من جميع الوجوه.
هذا الذي ذكر المصنف ضابط نافع في كيفية الإيمان بالله وبأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وأنه مبني على أصلين أحدهما النفي وثانيهما الإثبات؛ أما النفي فإنه ينفي عن الله ما يضاد الكمال من أنواع العيوب والنقائص، وينفي عنه أيضًا أن يكون له شريك أو نديد أو شبيه في شيء من صفاته أو في حق من حقوقه الخاصة، فكل ما ينافي صفات الكمال فإن الله منزه عنه مقدس، والنفي مقصود لغيره، والقصد منه إثبات ما لم يرد نفي شيء منه في الكتاب والسنة عن الله إلا بقصد إثبات ضده، فنفي الشريك والنديد عن الله لكمال عظمته وتفرده بالكمال؛ ونفي السِّنة والنوم والموت لكمال حياته ونفي عزوب شيء عن علمه وقدرته (1) . ولهذا كان التنزيه والنفي لأمور مجملة عامة.
(1) لكمال علمه وقدرته.
به المرسلون، فإنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن (1) حيث يقول:
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1) وجه كون سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن: أن القرآن خبر وإنشاء. والخبر ينقسم في كلام الله إلى قسمين: خبر عن الله وعن أسمائه وصفاته، وخبر عن خلقه من الجنة والنار، وأشراط الساعة، وجميع ما تضمنه الكتاب من وعد ووعيد، ومما كان أو سيكون. وهذه السورة تمحضت للخبر عن الله سبحانه فكانت تعدل ثلث القرآن بهذا الاعتبار.
ولقد دلت هذه السورة على أصول عظيمة يستفاد منها إثبات جميع صفات الكمال لله، ونفي جميع صفات النقائص والعيوب. كما دلت على أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الذات والصفات وذلك على سبيل المطابقة، وعلى توحيد الربوبية وذلك على طريق التضمن، وتوحيد العبادة بالالتزام؛ إذ إن دلالة الشيء على كل معناه يسمى مطابقة، ودلالته على بعضه يسمى تضمنا، وعلى ما يلزم من جهة الخارج يسمى التزاما.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما الإثبات فإنه يجمع الأمرين: إثبات المجملات كالحمد المطلق، والكمال المطلق، والمجد المطلق ونحوها. وإثبات المجملات: كتفصيل علم الله وقدرته وحكمته ورحمته، ونحو ذلك من صفاته، فأهل السنة والجماعة لزموا هذا الطريق الذي هو الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، وبلزومهم لهذا الطريق النافع تمت لهم النعمة، وصحت عقائدهم، وكملت أخلاقهم، أما من سلك غير هذا السبيل فإنه منحرف في عقيدته وأخلاقه وآدابه.
هذا شروع في تفصيل النصوص الواردة في الكتاب والسنة الداخلة في الإيمان بالله، وأنه يجب فيها إثباتها ونفي التعطيل والتحريف والتكييف والتمثيل عنها، فثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أن هذه السورة تعدل ثلث القرآن، وذلك كما قال أهل العلم: إن القرآن يحتوي على علوم عظيمة كثيرة وهي ترجع إلى ثلاثة علوم:
أحدها: علوم الأحكام والشرائع الداخل فيها علوم الفقه، كلها عبادات ومعاملات وتوابعهما.
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1 - 4] ودخل في ذلك ما وصف به نفسه في أعظم آية من القرآن، حيث يقول:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثاني: علوم الجزاء على الأعمال، والأسباب التي يجازى بها العاملون على ما يستحقون من خير وشر، وبيان تفصيل الثواب والعقاب.
الثالث: علوم التوحيد، وما يجب على العباد من معرفته والإيمان به، وهو أشرف العلوم الثلاثة، وسورة الإخلاص كفيلة باشتمالها على أصول هذا العلم وقواعده.
فإن قوله: {اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] أي: الله متفرد بالعظمة والكمال، ومتوحد بالجلال والجمال والمجد والكبرياء، يحقق ذلك قوله:{اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص: 2] أي: الله السيد العظيم الذي قد انتهى في سؤدده ومجده وكماله، فهو العظيم الكامل في عظمته، العليم الكامل في علمه، الحكيم الكامل في حكمه، فهو الكامل في جميع نعوته وأسمائه وصفاته، ومن معاني الصمد أنه الذي تصمد إليه الخلق كلها وتقصده في جميع حاجاتها ومهماتها، فهو المقصود، وهو الكامل المعبود. فإثبات الوحدانية لله ومعاني الصمدية كلها يتضمن إثبات تفاصيل جميع الأسماء
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحسنى والصفات العلي، فهذا أحد نوعى التوحيد، وهو الإثبات وهو أعظم النوعين، والنوع الثاني: التنزيه لله عن الولادة والند والكفؤ والمثل، وهذا داخل في قوله:{لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 3 - 4] أي: ليس له مكافئ ولا مماثل ولا نظير، فمتى اجتمع للعبد هذه المقامات المذكورة في هذه السورة، بأن نزه الله وقدسه عن كل نقص وند وكفؤ ومثيل، وشهد بقلبه انفراد الرب بالوحدانية والعظمة والكبرياء وجميع صفات الكمال التي ترجع إلى هذين الاسمين الكريمين وهما الأحد، الصمد، ثم صمد إلى ربه وقصده في عبوديته وحاجته الباطنة والظاهرة، متى كان كذلك- تم له التوحيد العلمي الاعتقادي والتوحيد العملي، فحق لسورة تشتمل على هذه المعارف أن تعدل ثلث القرآن.
(وذلك لاشتمالها على أجل المعارف وأكمل الصفات، فأخبر أنه المتوحد في الألوهية، المستحق لإخلاص العبودية، وأنه الحي الكامل، كامل الحياة، وذلك يقتضي كمال عزته وقدرته، وسعة علمه، وشمول حكمته، وعموم رحمته، وغيرها من صفات الكمال الذاتية، وأنه القيوم الذي قام بنفسه واستغنى عن جميع المخلوقات وقام بالموجودات كلها، فخلقها وأحكمها ورزقها ودبرها وأمدها بكل ما تحتاج إليه، وهذا الاسم يتضمن جميع الصفات الفعلية، ولهذا ورد أن الحي القيوم هو الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب وإذا سئل به أعطى؛
{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255] ولهذا من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح (وقوله:{هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3] وقوله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: 58] وهو العلي الحكيم، {وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 18] {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} [سبأ: 2]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بدلالة الحي على الصفات الذاتية والقيوم على الصفات الفعلية، والصفات كلها ترجع إليهما. ومن كمال قيوميته وحياته أنه لا تأخذه سنة -وهي النعاس- ولا نوم، ثم ذكر عموم ملكه للعالم العلوي والسفلي، ومن تمام ملكه أن الشفاعة كلها له، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ففيها ذكر الشفاعة التي يجب إثباتها وهي التي تقع بإذنه لمن ارتضى.
والشفاعة المنفية التي يعتقدها المشركون وهي ما كانت تطلب من غير الله وبغير إذنه، فمن كمال عظمة الله أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله، وبين أن المشركين لا تنفعهم شفاعة الشافعين، ثم ذكر سعة علمه فقال: يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، أي: علمه محيط بالأمور الماضية والمستقبلة، فلا يخفى عليه منها شيء، وأما الخلق فلا يحيطون بشيء من علم الله، لا قليل ولا كثير، إلا بما شاء أن يعلمهم الله على ألسنة رسله وبطرق وأسباب متنوعة. وسع كرسيه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قيل: إنه العرش، وقيل: إنه غيره، وإنه كرسي بلغ من علمته وسعته أنه وسع السماوات والأرض، ومع ذلك فلا يئوده أي: لا يثقله ولا يكرثه حفظهما؛ أي: حفظ العالم العلوي والسفلي، وذلك لكمال قدرته وقوته. وفيها بيان لعظيم نعمة الله على الخلق، إذ خلق لهم السماوات والأرض وما فيهما، وحفظهما وأسكنهما عن الزوال والتزلزل، وجعلهما على نظام بديع جامع للأحكام والمنافع المتعددة التي لا تحصى، {وَهُوَ الْعَلِيُّ} [البقرة: 255] الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه: علو الذات بكونه فوق جميع المخلوقات على العرش استوى. وعلو القدر: إذ إن له كل صفة كمال، وله من تلك الصفة أعلاها وغايتها. {الْعَظِيمُ} [البقرة: 255] الذي له جميع أوصاف العظمة والكبرياء، وله العظمة والتعظيم الكامل في قلوب أنبيائه وملائكته وأصفيائه الذي لا أعظم منه ولا أجل ولا أكبر، فحقيق بآية تحتوي على هذه المعاني الجميلة أن تكون أعظم آيات القرآن، وأن يكون لها من
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المنع وحفظ قارئها من الشرور والشياطين ما ليس لغيرها.
قد فسر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأسماء الأربعة بتفسير مختصر جامع واضح حيث قال: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» . وهذا يدل على كمال عظمته وأنه لا نهاية لها، وبيان إحاطته من كل وجه. ففي الأول والآخر إحاطته الزمانية، وفي الظاهر والباطن إحاطته المكانية. ثم صرح بإحاطة علمه بكل شيء من الأمور الماضية والحاضرة والمستقبلة، ومن العالم العلوي والسفلي، ومن الظواهر والبواطن والواجبات والجائزات والمستحيلات، فلا يغيب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء،
ذكر المصنف رحمه الله في هذا الموضوع عدة آيات، وكلها داخلة في الإيمان بالله، ويتضح معناها عمومًا وخصوصًا بذكر أصول وضوابط نوضحها فيما يأتي، منها: أن هذه النصوص القرآنية تنطبق عليها القاعدة المتفق عليها بين السلف؛ وهو أنه يجب الإيمان بجميع الأسماء الحسنى وما دلت عليه من الصفات، وما نشأ عنها من الأفعال، مثال ذلك: القدرة، يجب علينا الإيمان بأنه على كل شيء قدير، والإيمان بكمال قدرة الله، والإيمان بأن قدرته شاملة لجميع الكائنات، وبأنه عليهم ذو علم محيط، وأنه يعلم الأشياء كلها. وهكذا بقية الأسماء الحسنى على هذا النمط، في هذه الآيات التي ذكر المصنف من الأسماء الحسنى، فإنها داخلة في الإيمان بالله، وما فيها من ذكر الصفات، مثل عزة الله، وقدرته، وعلمه، وحكمته، وإرادته، ومشيئته، وكلامه، وأمره، وقوله، ونحوها، فإنها
{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ} [الأنعام: 59]{وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ} [فاطر: 11]{لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]{إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 58]{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]{إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58]{وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} [الكهف: 39]{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253]{أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} [المائدة: 1]{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125]
{وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195]{وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9]{فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 7]{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31]{فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54]{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4]{وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} [البروج: 14]{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1]{رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: 7]{وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43]{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]{كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54]{وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107]{فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 64]{رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [المائدة: 119]{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} [النساء: 93]{ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ} [محمد: 28]{فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} [الزخرف: 55]{وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ} [التوبة: 46]{كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 3]
{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ} [البقرة: 210]{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158]{كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا - وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 21 - 22]{وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا} [الفرقان: 25]{وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 27]{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]{مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75]{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64]{وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: 48]{وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ - تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر: 13 - 14]{وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39]{لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران: 181]{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1]{أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80]
{إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46]{أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [العلق: 14]{الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ - وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: 218 - 219]{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105]{وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} [الرعد: 13]{وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54]{وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا} [النمل: 50]{إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا - وَأَكِيدُ كَيْدًا} [الطارق: 15 - 16]{إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} [النساء: 149]{وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22]{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ} [المنافقون: 8]{فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 82]{تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 78]{فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4]{فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22]{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة: 165]{وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111]
{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التغابن: 1]{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا - الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 1 - 2]{مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ - عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 91 - 92]{فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 74]{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33](1) وقوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1) وجه سياق هذه الآية ضمن آيات الصفات للدلالة على أن القول على الله بلا علم من أعظم المحرمات، بل إنه يأتي في مرتبة أعلى من مرتبة الشرك، حيث رتب المحرمات في هذه الآية من الأدنى إلى الأعلى، والقول على الله بلا علم يشمل القول عليه في أحكامه وشرعه ودينه، كما يشمل القول عليه في أسمائه وصفاته، وهو أعظم من القول عليه في شرعه ودينه. فسياق الآية الكريمة هنا للتنبيه على هذا. والله أعلم.
في سبعة مواضع من القرآن، وقوله:{يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55]{بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158]{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]{يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ - أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر: 36 - 37]{أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} [الملك: 17]{هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 4]{مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7]
{لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]{إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46]{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128]{وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46]{كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249]{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87]{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122]{وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} [المائدة: 116]{وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام: 115]{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]{مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ} [البقرة: 253]{وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف: 143]{وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم: 52]{وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الشعراء: 10]{وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ} [الأعراف: 22]{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 65]{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]{وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} [البقرة: 75]
{يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ} [الفتح: 15]{وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} [الكهف: 27]{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [النمل: 76]{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} [الأنعام: 92]{لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر: 21]{وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ - قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ - وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 101 - 103]{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22 - 23]{عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ} [المطففين: 23]{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26]{لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 35] وهذا الباب في كتاب الله كثير،
من تدبر القرآن طالبا الهدى منه تبين له طريق الحق) . وقوله صلى الله عليه وسلم: «عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، ينظر إليكم أزلين قنطين
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
داخلة في الإيمان بالله، وما فيها من ذكر الأفعال المطلقة والمقيدة، مثل {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [العنكبوت: 52] ويعلم كذا وكذا، ويحكم، ويريد، وسمع، ويسمع، ويرى، وأسمع وأرى وقال ويقول، وكلم ويكلم، ونادى وناجى، ونحوها من الأفعال، فإنها داخلة في الإيمان بأفعاله تعالى، فعلى العبد الإيمان بكل ذلك إجمالًا وتفصيلًا وإطلاقًا وتقييدًا على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته، وأن يعلم أن صفاته لا تشبهها صفات المخلوقين، كما أن ذاته لا تشبهها ذوات المخلوقين.
ومن الأصول المتفق عليها بين السلف التي دلت عليها هذه النصوص أن صفات الباري قسمان: صفات ذاتية: لا تنفك عنها الذات كصفة الحياة، والعلم، والقدرة، والقوة، والعزة، والملك، والعظمة، والكبرياء، ونحوها كالعلو المطلق.
وصفات فعلية: تتعلق بها أفعاله في كل وقت وآن وزمان
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولها آثارها في الخلق والأمر، فيؤمنون بأنه تعالى فعال لما يريد، وأنه لم يزل ولا يزال يقول ويتكلم ويخلق ويدبر الأمور، وأن أفعاله تقع شيئًا فشيئًا، تبعًا لحكمه وإرادته، فإن شرائعه وأوامره ونواهيه الشرعية لا تزال تقع شيئًا فشيئًا، وقد دل على هذا الأصل الكبير ما في هذه النصوص من ذكر قال ويقول، وسمع ويسمع، وكلم ويكلم، ونادى وناجى، وعلم، وكتب ويكتب، وجاء ويجيء، وأتى ويأتي، وأوحى ويوحي، ونحوها من الأفعال المتنوعة التي تقع مقيدة بأوقاتها، كما سمعت في هذه النصوص المذكورة آنفًا، وهذا من أكبر الأصول وأعظمها.
لقد صنف فيه المؤلف مصنفًا مستقلًا وهو المسمى بـ" الأفعال الاختيارية ". فعلى المؤمن الإيمان بكل ما نسبه لنفسه من الأفعال المتعلقة بذاته، كالاستواء على العرش، والمجيء، والإتيان والنزول إلى السماء الدنيا، والقول، ونحوها، والمتعلقة بخلقه كالخلق والرزق وأنواع التدبير.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومن الأصول الثابتة في الكتاب والسنة المتفق عليها بين السلف: التفريق بين مشيئة الله وإرادته وبين محبته.
فمشيئة الله وإرادته الكونية تتعلق بكل موجود محبوب لله وغير محبوب، كما ذكر في هذه الآيات أن الله يفعل ما يريد (1) . وما يشاء، وإذا أراد شيئا قال له كن فيكون.
(1) من أصول أهل السنة والجماعة إثبات مشيئة الرب العامة، وأن ما شاء كان، وما لم يشأ لا يكون، كما أن من أصولهم الثابتة إثبات صفة الإرادة، وهي قسمان:
إرادة كونية قدرية كالمشيئة، وهذه الإرادة لا يخرج عن مرادها شيء كالمشيئة، فالكافر والمسلم تحت هذه الإرادة الكونية سواء، فالطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال كلها بمشيئة الرب وإرادته الكونية. وقد ذكر سبحانه هذه الإرادة في قوله تعالى:"فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا " الآية، وقوله:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون " وقوله: " إن ربك فعال لما يريد ".
القسم الثاني من الإرادة: الإرادة الشرعية الدينية، وتتضمن محبة الرب للمراد ورضاه به. وهذه الإرادة لا يلزم وجود مرادها، بل قد يوجد وقد لا يوجد، فالله سبحانه قد أراد من عباده شرعًا أن يعبدوه ويطيعوه، فمنهم من عبده وأطاعه، ومنهم من لم يفعل ذلك.
وبهذا يعلم أن الإرادتين تجتمعان في حق المطيع، وتنفرد الإرادة الكونية في حق العاصي؛ لأن الله لم يرد منه المعصية شرعًا، بل قد نهاه عنها، وقد ذكر الله هذه الإرادة بقوله:" يريد الله أن يتوب عليكم " وقوله: " يريد الله بكم اليسر " ومن عرف الفرق بين هاتين الإرادتين سلم من شبهات كثيرة زلت فيها أقدام، وضلت فيها أفهام.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما محبته فإنها تتعلق بما يحبه خاصة من الأشخاص والأعمال، كما ذكر في هذه الآيات تقييدها بأنه يحب الصابرين والمتقين والمؤمنين والمحسنين والمقسطين ونحوها، فمشيئته عامة للكائنات، ومحبته خاصة ومتعلقة بالمحبوبات.
ويتفرع عن هذا أصل آخر، وهو التفريق بين الإرادة الكونية فإنها تطابق المشيئة، وبين الإرادة الدينية فإنها تطابق المحبة، فالأولى مثل:{إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [الحج: 14]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
{فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [هود: 107] ونحوها. والثانية نحو: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]{وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 27] ونحوها.
ومن أصول أهل السنة والجماعة الثابتة: إثبات علو الله على خلقه واستوائه على عرشه (1)
فائدة نفيسة: ما ورد في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته أقسام:
منها: ما ورد بلفظ الاسم على وجه التسمي به، كالعزيز والحكيم والغفور وشبه ذلك. فهذا القسم يوصف به الرب، ويسمى به ويشتق له منه فعل، ويثبت له منه مصدر؛ كالعزة والحكمة والمغفرة.
ومنها: ما ورد بلفظ الاسم على وجه الإضافة، فهذا يطلق على الله بلفظ الإضافة ولفظ الفعل، ولا يشتق له منه اسم، مثل قوله تعالى:" يخادعون الله وهو خادعهم " يجوز أن نقول: الله خادع المنافقين، ويخادع من خدعه، ونحو ذلك، ولا يجوز أن نعد من أسمائه الخادع؛ لعدم وروده، ولأن إطلاق الخادع يحتمل الذم والمدح، فلا يجوز إطلاقه في حق الله.
ومنها: ما ورد بلفظ الفعل فقط، كالكيد والمكر، فهذا لا يطلق على الله إلا بلفظ الفعل، كقوله سبحانه وتعالى:" إنهم يكيدون كيدًا وأكيد كيدًا " وقوله: " ومكروا ومكر الله " ولا يجوز أن من أسمائه سبحانه الكائد والماكر، لما تقدم.
وإنما جاز وصف الرب بالخداع والمكر والكيد في الآيات المشار؛ لأنه في مقابل خداع أعدائه ومكرهم وكيدهم، ومعاملتهم بمثل ما فعلوا مدح وعدل يستحق عليه المدح والثناء. * فائدة أخرى ذكرها شيخ الإسلام وغيره:
وهي أن صفات الرب القولية والفعلية قديمة النوع حادثة الآحاد، كالكلام، والخلق والرزق، والنزول، وأشباه ذلك ونحو ذلك، فجنس الكلام والخلق والرزق والنزول قديم، وأنواعه تحدث شيئا فشيئا على حسب حكمة الرب سبحانه، كما في قوله تعالى:" ما يأتهم من ذكر من ربهم محدث " الآية، وكخلق آدم بعد أن لم يكن مخلوقا، وغير ذلك، وهكذا الرزق والكلام.
وأما صفات الذات كاليد والقدم والسمع والبصر فهي صفات قديمة كالذات (2)
(1) إثبات علو الله على خلقه وإقرار العقول بذلك أمر فطري فطر الله عليه العباد. وأما الاستواء فأثبته السمع من كتاب الله وسنة رسوله، وليس في العقول ما يخالف ذلك، وحقيقته لغة: الارتفاع والعلو. وأما الكيفية فهي مما اختص الله بعلمه. وأما تفسير الاستواء بالاستيلاء فهو باطل من وجوه كثيرة؛ منها: أنه يتضمن أن الله جل وعلا كان مغلوبا على عرشه ثم غلب، وهذا باطل؛ لأنه تعالى لم يزل قاهرا لجميع خلقه مستوليا على العرش فما دونه. وأما بيت الًأخطل الذي يستدلون به على أن معنى استوى استولى، فلا حجة فيه، والبيت هو:
قد استوى بشر على العراق
…
من غير سيف أو دم مهراق
لأن استعمال استوى بمعنى استولى غير معروف في لغة العرب؛ ولأن ذلك لو وجد في اللغة لم يجز استعماله في حق الله، وأما المخلوق فيكون غالبا ومغلوبًا، كبشر هذا، فإنه كان مغلوبا على أمر العراق ثم غلب.
(2)
وهي أهم الأصول التي باين بها أهل السنة الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، فما في هذه الآيات من ذكر علو الله واسمه العلي الأعلى، وصعود الأشياء إليه وعروجها ونزولها منه يدل على العلو، وما صرح به من استوائه على العرش برهان قاطع على ثبوت ذلك. وقد قيل للإِمام مالك:(الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) كيف استوى؟ فقال: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه -أي عن الكيفية- بدعة) .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومن أصول أهل السنة والجماعة إثبات معية الله (1) . كقوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ} [المجادلة: 7] وهذه المعية تدل على إحاطة علمه بالعباد ومجازاته لهم بأعمالهم. وفيها ذكر المعية الخاصة كقوله: {أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 194]{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153]{إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46]{لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] وهذه الآيات تدل -مع العلم المحيط- على العناية بمن تعلقت الله تلك المعية وأن الله معهم بعونه وحفظه وكلاءته وتوفيقه.
(1) المعية صفة من صفات الله وهي قسمان: معية خاصة لا يعلم كيفيتها إلا الله كسائر صفاته، وتتضمن الإحاطة، والنصرة، والتوفيق، والحماية من المهالك، ومعية عامة تتضمن علم الرب بأحوال عباده وإطلاعه على جميع أحوالهم وتصرفاتهم الظاهرة والباطنة، ولا يلزم منها الاختلاط والامتزاج؛ لأنه سبحانه لا يقاس بخلقه، فعلوُّه على خلقه لا ينافي معيته لعباده بخلاف المخلوق، فإن وجوده في مكان وجهة يلزم منه عدم إطلاعه على المكان الآخر والجهة الأخرى، والرب ليس كمثله شيء لكمال علمه وقدرته.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإذا أردت أن تعرف هل المراد المعية العامة أو الخاصة، فانظر إلى سياق الآيات: فإن كان المقام مقام تخويف ومحاسبة للعباد على أعمالهم، وحث على المراقبة، فإن المعية عامة، مثل قوله:{مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ} [المجادلة: 7] الآية، وإن كان المقام مقام لطف وعناية من الله بأنبيائه وأصفيائه، وقد رتبت المعية على الاتصاف بالأوصاف الحميدة، فإن المعية معية خاصة، وهو أغلب إطلاقاتها في القرآن، مثل:{أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 123]{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153]{لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] ونحوها.
ومن الأصول العظيمة: إثبات تفرد الرب بكل صفة كمال، وأنه ليس لله شريك ولا مثيل في شيء منها، والنصوص المذكورة التي فيها نفي الند والمثل والكفؤ والسمي عن الله تدل على ذلك، وتدل على أنه منزه عن كل عيب ونقص وآفة.
ومن أصول أهل السنة والجماعة الثابتة: إثبات رؤية
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المؤمنين لربهم في دار القرار، والتنعم برؤيته وقربه ورضاه. ويدل على ذلك من الآيات التي ذكرها المصنف قوله تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} [القيامة: 22] أي جميلة ناعمة حسنة {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 23] وهذا صريح في نظرهم إلى ربهم، وكذلك قوله:{عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ} [المطففين: 23] أي إلى ما أعطاهم من النعيم الذي أجله وأعظمه النظر إلى ربهم، وكذلك قوله:{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا} [يونس: 26] أي: وفوا مقام الإحسان {الْحُسْنَى} [يونس: 26] التي هي الجنة {وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] وهي النظر إلى الله الكريم، وكذلك قوله:{لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 35]
أي: إيمانًا خاليًا من التعطيل والتحريف ومن التكييف والتمثيل، بل إثبات لها على الوجه اللائق بعظمة الرب. وحكم السنة حكم القرآن- في ثبوت العلم واليقين والاعتقاد والعمل، فإن السنة توضح القرآن وتبين مجمله وتقيد مطلقه، قال الله تعالى:{وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [النساء: 113]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أي السنة، وقال تعالى: 30 {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]
وذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ ومن يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني أغفر له؟» (متفق عليه.
فهذا الحديث قد استفاض في الصحاح والسنن والمسانيد، واتفق عليه تلقيه بالقبول والتصديق بين أهل السنةَ والجماعة، بل بين جميع المسلمين الذين لم تغيرهم البدع، وعرفوا به عظيم رحمة ربهم، وسعة جوده، واعتنائه بعباده، وترضه لحوائجهم الدينية والدنيوية، وأن نزوله حقيقة كيف يشاء، فيثبتون النزول كما يثبتون جميع الصفات التي تثبت في الكتاب والسنة، ويقفون عند ذلك فلا يكيفون ولا يمثلون ولا ينفون ولا يعطلون، ويقولون: إن الرسول أخبرنا أنه ينزل، ولم يخبرنا كيف ينزل، وقد علمنا أنه فعال لما يريد، وعلى كل شيء قدير؛ ولهذا كان خواص المؤمنيِن يتعرضون في هذا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الوقت الجليل لألطاف ربهم ومواهبه، فيقومون بعبوديته خاضعين خاشعين داعين متضرعين، يرجون منه حصول مطالبهم التي وعدهم إياها على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فيعلمون أن وعده حق، ويخشون أن ترد أدعيتهم بذنوبهم ومعاصيهم، فيجمعون بين الخوف والرجاء، ويعترفون بكمال نعمة الله عليهم، فتمتلئ قلوبهم من التعظيم والإيمان لربهم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم براحلته» الحديث. متفق عليه.
وهذا فرح جود وإحسان؛ لأنه جل جلاله ينوع جوده وكرمه على عباده في جميع الوجوه، ويحب من عباده أن يسلكوا كل طريق يوصلهم إلى رحمة الله وإحسانه، ويكره لهم ضد ذلك، فإنه تعالى جعل لرحمته وكرمه أسبابا بينها لعباده وحثهم على سلوكها، وأعانهم عليها، ونهاهم عما ينافيها ويمنعها، فإذا عصوه وبارزوه بالذنوب فقد تعرضوا لعقوباته التي لا يحب منهم أن يتعرضوا لها، فإذا رجعوا إلى التوبة والإنابة فرح بذلك
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أعظم فرح يقدر، فإنه ليس في الدنيا نظير فرح هذا الذي في أرض فلاة مهلكة، وقد انفلتت منه راحلته التي عليها مادة حياته من طعام وشراب وركوب، فأيس منها، وجلس ينتظر الموت، فإذا هو بها واقفة على رأسه، فأخذ بحطامها وكاد الفرح أن يقضي عليه، وقال من الدهشة وشدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، فتبارك الرب الكريم الجواد الذي لا يحصى العباد ثناءًا عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه عباده، وهذا الفرح تبع لغيره من الصفات، كما تقدم أن الكلام على الصفات يتبع الكلام على الذات، فهذا فرح لا يشبه فرح أحد من خلقه لا في ذاته ولا في أسبابه ولا في غاياته، فسببه الرحمة واللاحسان، وغايته إتمام نعمته على التائبين المنيبين.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدها الآخر كلاها يدخل الجنة» (متفق عليه) . وهذا أيضًا من: كمال وجمال إحسانه وسعة رحمته.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن المسلم يقاتل في سبيل الله ويقتله الكافر، فيكرم الله المسلم بالشهادة، ثم يمن الله على ذلك الكافر والقاتل فيهديِه للإِسلام، فيدخلان الجنة جميعا، وهذا من تفريع جوده المتتابع على عباده من كل وجه، والضحك يكون من الأمور المعجبة التي تخرج عن نظائرها، وهذه الحالة المذكورة كذلك، فإن تسليط الكافر على قتل المسلم في بادئ الأمر أمر غير محبوب، ثم هذا المتجرئ على القتل يتبادر لأذهان كثير من الناس أنه يبقى على ضلاله ويعاقب في الدنيا والآخرة، ولكن رحمة الله وإحسانه فوق ذلك كله، وفوق ما يظن الظانون ويتوهم المتوهمون. وكذلك لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم على أناس من رؤساء المشركين لعنادهم وأذيتهم بالطرد عن رحمة الله أنزل الله قوله:{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [آل عمران: 128] الآية، فتاب عليهم بعد ذلك وحسن إسلام كثير منهم.
وهذا العجب الذي وصف الرسول به ربه من آثار رحمة الله، وهو من كماله تعالى، والله تعالى ليس كمثله شيء في جميع نعوته. فإذا تأخر الغيث عن العباد مع فقرهم وشدة حاجتهم استولى عليهم اليأس والقنوط، وصار نظرهم قاصرًا على الأسباب الظاهرة، وحسبوا أن لا يكون وراءها فرج من القريب المجيب، فيعجب الله منهم، وهذا محل عجب، كيف يقنطون ورحمته وسعت كل شيء، والأسباب لحصولها قد توفرت، فإن حاجة العباد وضرورتهم من الأسباب لرحمته والدعاء لحصول الغيث، والرجاء لله من الأسباب، ووقوع الغيث بعد امتناعه مدة طويلة وحصول الضرورة يعجب أن يكون الفضل لله وإحسانه موقع كبير وأثر عجيب، كما قال تعالى:{فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ - وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} [الروم: 48 - 49] الآيات. والله تعالى قدر من
فيظل يضحك؛ يعلم أن فرجكم قريب» حديث حسن وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها رجله» وفي رواية: «عليها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط» (متفق عليه. «فيقول الله
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ألطافه وعوائده الجميلة أن الفرج مع الكرب، وأن اليسر مع العسر، وأن الضرورة لا تدوم، فإن حصل مع ذلك قوة التجاء وشدة طمع بفضل الله ودعاء فتح الله عليهم من خزائن جوده ما لا يخطر بالبال، ولفظة:"قرب خيره" رويت في بعض الأحاديث بلفظة "غيره" أي: تغييره الشدة بالرخاء.
وهذه الصفة تجري مجرى بقية الصفات وتثبت لله حقًا على الوجه اللائق بعظمته، وذلك أن الله وعد النار ملئها، كما قال:{لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 119] فلما كان من مقتضى رحمته أن لا يعذب أحدًا بغير جرم، وكانت النار في غاية الكبر والسعة، حقق وعده تعالى ووضع عليها قدمه، فتلاقى طرفاها ولم يبق فيها فضل عن أهلها. وأما الجنة فإنه يبقى فيها فضل عن أهلها مع كثرتهم
، ففي هذا الحديث إثبات القول من الله والنداء لآدم وأنه نداء حقيقة بصوت، وهذا من فضل الله لا يشكل على المؤمنين، فإن النداء والقول من أنواع الكلام، وكلام الله صفة من صفاته، والصفة تتبع الموصوف، وفيها أن القول والنداء يكون في يوم القيامة، وهذا من أدلة الأفعال الاختيارية، وكم لهذه المسألة من براهين من الكتاب والسنة.
وهذا أيضا: إثبات لتكليمه لجميع العباد بلا واسطة.
وتكليمه لعباده نوعان: نوع بلا واسطة: كما في الحديث، فالتكليم هنا تكليم محاسبة ويكون مع البر والفاجر، وأما قوله تعالى: لا يكلمهم الله فالمنفي كلام خاص، وهو الكلام الذي يسر المكلم.
ونوع بواسطة: وهو: كلامه تعالى لرسله من الملائكة
تعالى: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: "إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار» (متفق عليه. وقوله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان» وقوله: «أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت» حديث حسن. وقوله: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فلا يبصق قبل وجهه، فإن الله قبل وجهه ولا عن يمينه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بأمره ونواهيه وإخباره لأنبيائه ورسله من البشر.
وقوله صلى الله عليه وسلم في رقية المريض: «ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ» . حديث حسن رواه أبو داود. وقوله: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء» حديث صحيح. وقوله: «والعرش فوق ذلك، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه» حديث حسن رواه أبو داود وغيره. وقوله للجارية: «أين الله؟ " قالت: في السماء فقال: "من أنا" قالت: أنت رسول الله، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة» رواه مسلم. فهذه النصوص وغيرها المصرحة بأنه تعالى في السماء حق على حقيقتها، و "في" تكون بمعنى:(على) كما قاله كثير من أهل العلم واللغة، وقد وردت في مواضع كثيرة على هذا النحو، قال تعالى:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
{وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] أي: عليها، وقال طائفة من أهل العلم إن معنى "في السماء" أي: في جهة وعلى الوجهين، فهي نص في علو الله على خلقه، وفي حديث الرقية المذكور توسل إلى الله بالثناء عليه بربوبيته وألوهيته وقدسيته وعلوه وعموم أمره الشرعي أمره القدري. فإن الله له الأمر القدري الذي ينشأ عنه الموجودات والحوادث والتدابير القدرية، كقوله تعالى:{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82]{وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} [القمر: 50] وله الأمر الشرعي المتضمن الشرائع التي شرعها لعباده على رسله. فتوسل إلى الله بذلك ثم توسل إليه برحمته التي شملت أهل السماوات كلهم أن يجعل لأهل الأرض نصيبا وافرًا منها، ثم توسل إليه بسؤال مغفرة الحوب وهو الذنب العظيم والخطايا وما دونها، ثم بربوبيته الخاصة للطيبين وهم الأنبياء وأتباعهم الذين غمرهم بنعم
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الدين والدنيا الظاهرة والباطنة. فهذه الوسائل المتنوعة لا يكاد يرد دعاء من توسل بها؛ فلهذا دعا الله بعدها بالشفاء الذي لا يدع مرضا إلا أزاله.
وفي شهادة الرسول بالإيمان للجارية التي اعترفت بعلو الله ورسالة رسوله دليل على أن من أعظم أوصاف الباري الاعتراف بعلوه على خلقه ومباينته لهم، وأنه على العرش استوى، وأن هذا أصل الإيمان، وأن من أنكر علو الله المطلق من كل وجه فقد حرم هذا الإيمان. وقوله:«والعرش فوق ذلك، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه» فيه الجمع بين الإيمان بعلوه على عرشه وفوق مخلوقاته، وبإحاطة علمه بالموجودات كلها، وقد جمع بين الأمرين في عدة مواضع من كتابه.
هذان الحديثان دلا على أن أفضل الإيمان: مقام الإحسان والمراقبة، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وتعلم أن الله معك، لا تتكلم ولا تفعل ولا تتصرف إلا والله يراك ويشاهدك ويعلم درك وجهرك، وأن تلزم الأدب مع الله، خصوصا إذا دخلت في الصلاة التي هي أعظم صلة ومناجاة بين العبد وربه، فتخضع وتخشع وتعلم أنك واقف بين يدي الله، فتقلل من الحركات، ولا تسيء الأدب معه بالبصاق أمامك أو عن يمينك، فهذه المعية متى حصل للعبد استحضارها في كل أحواله لا سيما عباداته فإنها أعظم عون على المراقبة التي هي أعلى مراتب الإيمان، فيجمع العبد بين الإيمان بعلو الله واستحضار قربه، ولا منافاة بين الأمرين، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
وقد تواترت النصوص في رؤية الله لأهل الجنة، وأنهم يرون ربهم ويتمتعون بمشاهدته، وهي تدل على أمرين: على علوه على خلقه؛ لأنها صريحة في أنهم يرونه من فوقهم، وعلى أن أعظم النعيم نعيم النظر إلى وجهه الكريم. وحثه صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث على صلاة العصر وصلاة الفجر خصوصًا: فيه إشارة على أن من حافظ عليهما نال هذا النعيم الكامل الذي يصغر عنده كل نعيم، وهذا يدل على تأكدهما كما دل على ذلك الحديث الآخر:«يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر» . الحديث متفق عليه.
قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] فهذه الأمة وسط بين الأمم التي تميل إلى الغلو والإفراط، والأمم التي تميل إلى التفريط المهلك. فمن الأمم من غلا في المخلوقين وجعل لهم من صفات الخالق وحقوقه ما جعل، ومنهم من جفا الأنبياء وأتباعهم حتى قتلهم ورد دعوتهم، وهذه الأمة آمنت بكل رسول أرسله الله، واعتقدت رسالتهم، وعرفت مقاماتهم الرفيعة التي فضلهم الله بها، ولم يغلوا في أحد منهم، ومن الأمم من أحلت كل طيب خبيث، ومنهم من حرم الطيبات غلوًا ومجافاة. وهذه
لكن عن يساره أو تحت قدمه» (متفق عليه. وقوله: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة
البدر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل على طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها، فافعلوا» (متفق عليه. إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه بما أخبر به، فإن الفرقة الناجية أهل السنة