الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأولى القولين بالصواب في ذلك عندي، القول الذي قاله مجاهد، لأن الله عمّ الخبر بقوله (وَمَا تُوعَدُونَ) عن كلّ ما وعدنا من خير أو شرّ، ولم يخصص بذلك بعضا دون بعض، فهو على عمومه كما عمه الله جلّ ثناؤه.
القول في تأويل قوله تعالى: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
(23) }
يقول تعالى ذكره مقسما لخلقه بنفسه: فوربّ السماء والأرض، إن الذي قلت لكم أيها الناس: إن في السماء رزقكم وما توعدون لحقّ، كما حقّ أنكم تنطقون.
وقد حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، في قوله (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قاتل الله أقواما أقسم لهم ربهم بنفسه فلم يصدّقوه" وقال الفرّاء: للجمع بين "ما" و"إنّ" في هذا الموضع وجهان: أحدهما: أن يكون ذلك نظير جمع العرب بين الشيئين من الأسماء والأدوات، كقول الشاعر في الأسماء:
مِنَ النَّفَرِ اللائِي الَّذِينَ إذَا هُمُ
…
يَهابُ اللِّئامُ حَلْقَةَ الباب قَعْقَعُوا (1)
(1) هذا البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة 311) على أن العرب قد تجمع بين الشيئين من الأسماء والأدوات إذا اختلف لفظهما، مثل اللائي والذين، فإنهما بمعنى واحد، وأحدهما يجزئ عن الآخر، كما في قوله تعالى " إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون " فقد جمع بين " ما " و " أن ". وقد نقل المؤلف بقية كلام الفراء في توجيه ذلك الجمع بين اللفظين. واستشهد به النحويون على مثل ما استشهد به الفراء. وانظر تفصيل الكلام على البيت في خزانة الأدب الكبرى للبغدادي (2: 529 - 534) وقد نسب البيت لأبي الربيس الثعلبي. وروايته كما في شعره (في الخزانة 532) : من النفر البيض الذين إذا انتموا
…
وهاب الرجال حلقة الباب فعقعوا
يمدح عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهو صاحب الناقة التي سرقها أبو الربيس ومدح صاحبها وروى الجاحظ في البيان والتبيين أن الأبيات التي منها بيت الشاهد قالها شاعر يمدح بها أسيلم بن الأحنف الأسدي، قال: وكان ذا بيان وأدب وعقل وجاه، وهو الذي يقول فيه الشاعر
…
الأبيات. وقال الزبير بن بكار في أنساب قريش: إن أبا الربيس عباد بن طهفة الثعلبي قال لعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان
…
الأبيات وفيها البيت: من النفر الشم الذين إذا ابتدوا
…
وهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا
فجمع بين اللائي والذين، وأحدهما مجزئ من الآخر; وكقول الآخر في الأدوات:
ما إنْ رأيْتُ وَلا سَمِعْتُ بِهِ
…
كالْيَوْمِ طالِيَ أيْنُقٍ جُرْبِ (1)
فجمع بين "ما" وبين "إن "، وهما جحدان يجزئ أحدهما من الآخر. وأما الآخر: فهو لو أن ذلك أفرد بما، لكان خبرا عن أنه حقّ لا كذب، وليس ذلك المعنيّ به. وإنما أُريد به: أنه لحقّ كما حقّ أن الآدميّ ناطق. ألا يرى أن قولك: أحق منطقك، معناه: أحقّ هو أم كذب، وأن قولك أحق أنك تنطق معناه للاستثبات لا لغيره، فأدخلت "أن" ليفرّق بها بين المعنيين، قال: فهذا أعجب الوجهين إليّ.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله (مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ) فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة (مِثْلَ مَا) نصبا بمعنى: إنه لحقّ حقا يقينا كأنهم وجهوها إلى مذهب المصدر. وقد يجوز أن يكون نصبها من أجل أن العرب تنصبها إذا رفعت بها الاسم، فتقول: مثل من عبد الله، وعبد الله مثلك، وأنت مثلُه، ومثلَهُ رفعا
(1) هذا البيت من كلام دريد بن الصمة فارس جشم، وكان جاء إلى عمرو بن الشريد السلمي يخطب إليه ابنته الخنساء، وكانت تهنأ بالقطران إبلا لأبيها، فلما رآها قال أبياتًا يصفها، ومنها: أخُناس قَدْ هامَ الفُؤَاد بكُمْ
…
وأصَابَهُ تَبْلٌ مِنَ الْحبّ
فلما أخبرها أبوها بما جاء له فارس جشم، رغبت عنه، لكبر سنه، ورغبت في بني أعمامها.
انظر القصة في ترجمة الخنساء في الأغاني لأبي الفرج) والشاهد في هذا البيت كما قال الفراء في معاني القرآن: إن العرب قد تجمع بين الشيئين من الأسماء والأدوات. إذا اختلف لفظهما، مثل جمع الشاعر بين " ما " و " إن " في هذا البيت، للتوكيد. وكما في قوله تعالى:" إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ". فما مصدريه، وكذلك إن حرف يؤول ما بعده مصدر، وكان في أحدهما غنية عن الآخر.