الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَبْوَابُ إِثْبَاتِ صِفَةِ الْكَلَامِ لِلَّهِ عز وجل
بَابُ ذِكْرِ تَكْلِيمِ اللَّهِ كَلِيمَهُ مُوسَى خُصُوصِيَّةً خَصَّهُ اللَّهُ
بِهَا مِنْ بَيْنِ الرُّسُلِ بِذِكْرِ آيٍ مُجْمَلَةٍ غَيْرِ مُفَسَّرَةٍ، فَسَّرَتْهَا آيَاتٌ مُفَسَّرَاتٌ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: نَبْدَأُ بِذِكْرِ تِلَاوَةِ الْآيِ الْمُجْمَلَةِ غَيْرِ الْمُفَسَّرَةِ، ثُمَّ نُثْنِي بِعَوْنِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ بِالْآيَاتِ الْمُفَسَّرَاتِ الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ» } [البقرة: 253] الْآيَةَ فَأَجْمَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرَ مَنْ كَلَّمَهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ بِاسْمٍ وَلَا نَسَبٍ، وَلَا صِفَةٍ، فَيَعْرِفُ الْمُخَاطَبُ بِهَذِهِ الْآيَةِ التَّالِي لَهَا أَوْ سَامِعَهَا مِنْ غَيْرِهِ: أَيِ الرُّسُلُ الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ مِنْ بَيْنِ الرُّسُلِ، وَكَذَلِكَ أَجْمَلَ اللَّهُ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْجِهَاتِ الَّتِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهَا مَنْ عُلِمَ
أَنَّهُ كَلَّمَهُمْ مِنَ الرُّسُلِ، فَبَيَّنَ فِي قَوْلِهِ:{ «وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ» } [الشورى: 51] ، الْجِهَاتِ الَّتِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهَا بَعْضَ الْبَشَرِ، فَأَعْلَمَ: أَنَّهُ كَلَّمَ بَعْضَهُمْ وَحْيًا، أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، أَوْ يُرْسِلُ رَسُولًا فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ وَبَيَّنَ فِي قَوْلِهِ:{ «وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا» } [النساء: 164] أَنَّ مُوسَى صلى الله عليه وسلم كَلَّمَهُ تَكْلِيمًا، فَبَيَّنَ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا كَانَ أَجْمَلَهُ فِي قَوْلِهِ:{ «مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ» } [البقرة: 253] ، فَسُمِّيَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَلِيمُهُ، وَأَعْلَمَ أَنَّهُ مُوسَى، الَّذِي خَصَّهُ اللَّهُ بِكَلَامِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلِهِ تَعَالَى:{ «وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ» } [الأعراف: 143] مُفَسِّرٌ لِلْآيَةِ الْأُولَى، سَمَّى اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَلِيمَهُ، وَأَعْلَمَ أَنَّهُ مُوسَى الَّذِي خَصَّهُ اللَّهُ بِالتَّسْمِيَةِ مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَأَعْلَمَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ رَبَّهُ الَّذِي كَلَّمَهُ، وَأَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ اصْطَفَى مُوسَى بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، فَقَالَ عز وجل:{ «يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي، فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ» } [الأعراف
: 144] فَفِي الْآيَةِ: زِيَادَةُ بَيَانٍ، وَهِيَ: إِعْلَامُ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَعْضَ مَا بِهِ كَلَّمَ مُوسَى أَلَا تَسْمَعُ قَوْلَهُ: { «إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي» } [الأعراف: 144]، إِلَى قَوْلِهِ:{ «وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ» } [الأعراف: 144] ، وَبَيَّنَ فِي آيٍ أُخَرَ بَعْضَ مَا كَلَّمَهُ اللَّهُ عز وجل بِهِ، فَقَالَ فِي سُورَةِ طه:{ «فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمَقْدِسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاعَبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي» } [طه: 12] إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ، وَقَالَ فِي سُورَةِ النَّمْلِ:{ «إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ» } [النمل: 7] إِلَى قَوْلِهِ: { «فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا» } [النمل: 8] إِلَى قَوْلِهِ: { «يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» } [النمل: 9] وَقَالَ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ: { «فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ» } [القصص: 30] إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ فِي الْآيِ الثَّلَاثِ: بَعْضَ مَا كَلَّمَ اللَّهُ بِهِ مُوسَى، مِمَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ أَلْفَاظِ مَلِكٍ مُقَرَّبٍ، وَلَا مَلِكٍ غَيْرِ مُقَرَّبٍ غَيْرِ جَائِزٍ أَنْ يُخَاطِبَ مَلِكٌ مُقَرَّبٌ مُوسَى، فَيَقُولُ:{ «إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ» } [القصص: 30] أَوْ يَقُولَ: { «إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ» } [طه
: 12] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { «وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا» } ، فَأَعْلَمَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ لَهُ جَلَّ وَعَلَا كَلِمَةً يَتَكَلَّمُ بِهَا الْأَدِلَّةُ مِنَ السُّنَّةِ: فَاسْمَعُوا الْآنَ سُنَنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الصَّرِيحَةَ، بِنَقْلِ الْعَدْلِ عَنِ الْعَدْلِ مَوْصُولًا إِلَيْهِ، الْمُبَيِّنَةَ أَنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مُوسَى بِكَلَامِهِ خُصُوصِيَّةً خَصَّهُ بِهَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، وَبِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ الْعَقَدِيُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالزِّيَادِيُّ، قَالُوا: ثنا بِشْرٌ وَهُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ: ثنا دَاوُدُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ
⦗ص: 336⦘
: «لَقِيَ مُوسَى آدَمَ صلى الله عليه وسلم» فَذَكَرُوا الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ، وَفِي الْخَبَرِ:" فَقَالَ آدَمُ: أَلَسْتَ مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ بِرِسَلَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ؟ " قَالَ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، وَثنا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو وَهُوَ ابْنُ دِينَارٍ
⦗ص: 337⦘
قَالَ: أَخْبَرَنَا طَاوُسٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَذْكُرُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَالَ:" فَقَالَ آدَمُ: يَا مُوسَى: اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ "، ثَنَا بِهِ الزَّعْفَرَانِيُّ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِهَذَا، وَقَالَ:«وَخَطَّ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ» ، وَقَالَ طَاوُسٌ، وَسَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ:" قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى، اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ، وَبِرِسَالَتِهِ وَكَلَّمَكَ تَكْلِيمًا "
⦗ص: 338⦘
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثنا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُلَيْمٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ:" قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ، وَبِرِسَالَاتِهِ "
حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ، قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ
⦗ص: 339⦘
، وَثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يُحَدِّثُنَا عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَقَالَ: حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: كُلُّ سَمَاءٍ فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ قَدْ سَمَّاهُمْ أَنَسٌ، فَوَعَيْتُ مِنْهُمْ إِدْرِيسَ فِي الثَّانِيَةِ، وَهَارُونَ فِي الرَّابِعَةِ، وَآخَرَ فِي الْخَامِسَةِ، لَمْ أَحْفَظِ اسْمَهُ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ، وَمُوسَى فِي السَّابِعَةِ، بِفَضْلِ كَلَامِ اللَّهِ، فَقَالَ مُوسَى: رَبِّ، لَمْ أَظُنَّ أَنْ يُرْفَعَ عَلَيَّ فِيهِ أَحَدٌ، ثُمَّ عَلَا بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ، بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، وَدَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ، فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى
⦗ص: 340⦘
، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا شَاءَ، فَأَوْحَى إِلَيْهِ فِيمَا أَوْحَى خَمْسِينَ صَلَاةً عَلَى أُمَّتِهِ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ هَبَطَ، ثُمَّ هَبَطَ، ثُمَّ بَلَّغَ مُوسَى فَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: ثنا أَبُو مَالِكٍ
⦗ص: 341⦘
وَهُوَ سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ، فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حِينَ تُزْلَفُ الْجَنَّةُ ، فَيَأْتُونَ آدَمُ ، فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: هَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، اعْمِدُوا إِلَى ابْنِي إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ رَبِّهِ، فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، اعْمِدُوا إِلَى ابْنِي مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا، فَيَأْتُونَ مُوسَى " فَذَكَرُوا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ خَرَّجْتُهُ فِي كِتَابِ ذِكْرِ نَعِيمِ الْآخِرَةِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ: «وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ» مِنْ إِضَافَةِ الْفِعْلِ إِلَى الْفَاعِلِ، الَّذِي قَدْ بَيَّنْتُهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كُتُبِنَا أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُضِيفُ الْفِعْلَ إِلَى الْفَاعِلِ، لِأَنَّهَا تُرِيدُ أَنَّ الْفِعْلَ بِفِعْلِ فَاعِلٍ
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ
⦗ص: 342⦘
، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ إِسْحَاقَ، أَنَّ جَعْفَرًا وَهُوَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: " يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي أَنْ آتِيَ أَرْضًا أَعْبُدُ اللَّهَ فِيهَا لَا أَخَافُ أَحَدًا، قَالَ: فَأَذِنَ لَهُ ، فَأَتَى أَرْضَ الْحَبَشَةِ قَالَ: فَحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْعَاصِ، أَوْ قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: لَمَّا رَأَيْتُ جَعْفَرًا وَأَصْحَابَهُ آمِنِينَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ حَسَدْتُهُ، قَالَ: قُلْتُ: لَأَسْتَقْبِلَنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّجَاشِيَّ، فَقُلْتُ: إِنَّ بِأَرْضِكَ رَجُلًا ابْنُ عَمِّهِ بِأَرْضِنَا يَزْعُمُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلنَّاسِ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّكَ وَاللَّهِ إِنْ لَمْ تَقْتُلْهُ وَأَصْحَابَهُ لَا أَقْطَعُ إِلَيْكَ هَذِهِ الْقَطِيعَةَ أَبَدًا أَنَا وَلَا أَحَدُ أَصْحَابِي، قَالَ: اذْهَبْ إِلَيْهِ فَادْعُهُ، قَالَ: قُلْتُ: إِنَّهُ لَا يَجِيءُ مَعِي، فَأَرْسِلْ مَعِي رَسُولًا، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَيْ أَصْحَابِهِ يُحَدِّثُهُمْ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ أَجِبْ، قَالَ: فَجِئْنَا إِلَى الْبَابِ، فَنَادَيْتُ: ائْذَنْ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَرَفَعَ صَوْتَهُ: ائْذَنْ لِحِزْبِ اللَّهِ، قَالَ: فَسَمِعَ صَوْتَهُ، فَأَذِنَ لَهُ قَبْلِي، قَالَ: فَوَصَفَ لِي عَمْرٌو السَّرِيرَ، قَالَ: وَقَعَدَ جَعْفَرٌ بَيْنَ يَدَيِ السَّرِيرِ وَأَصْحَابُهُ حَوْلَهُ عَلَى الْوَسَائِدِ قَالَ: قَالَ عَمْرٌو: فَجِئْتُ فَلَمَّا رَأَيْتُ مَجْلِسَهُ قَعَدْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّرِيرِ، فَجَعَلْتُهُ خَلْفَ ظَهْرِي، قَالَ: وَأَقْعَدْتُ بَيْنَ كُلِّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِي
⦗ص: 343⦘
، قَالَ: قَالَ النَّجَاشِيُّ: نَخِّرْ يَا عَمْرُو بْنَ الْعَاصِ - أَيْ تَكَلَّمْ - قَالَ: فَقُلْتُ: ابْنُ عَمِّ هَذَا بِأَرْضِنَا يَزْعُمُ أَنْ لَيْسَ لِلنَّاسِ إِلَهٌ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّكَ وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَقْتُلْهُ وَأَصْحَابَهُ لَا أَقْطَعُ إِلَيْكَ هَذَا الْقَطِيعَةَ أَبَدًا، أَنَا وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي، قَالَ: نَخِّرْ يَا حِزْبَ اللَّهِ، نَخِّرْ، قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَقَالَ: صَدَقَ، هُوَ ابْنُ عَمِّي، وَأَنَا عَلَى دِينِهِ، قَالَ عَمْرٌو: فَوَاللَّهِ إِنِّي أَوَّلُ مَا سَمِعْتُ التَّشَهُّدَ قَطُّ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَوَضَعَ ابْنُ عَدِيٍّ يَدَهُ عَلَى جَبِينِهِ، وَقَالَ أَوَّهْ أَوَّهْ حَتَّى قُلْتُ فِي نَفْسِي: الْعَنِ الْعَبْدَ الْحَبَشِيَّ أَلَّا يَتَكَلَّمَ، قَالَ: ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ، فَقَالَ: يَا جَعْفَرُ، مَا يَقُولُ فِي عِيسَى؟ قَالَ: يَقُولُ: هُوَ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ، قَالَ: فَأَخَذَ شَيْئًا تَافِهًا مِنَ الْأَرْضِ، قَالَ: مَا أَخْطَأَ مِنْهُ مِثْلَ هَذِهِ، قُمْ يَا حِزْبَ اللَّهِ، فَأَنْتَ آمِنٌ بِأَرْضِي، مَنْ قَاتَلَكَ قَتَلْتُهُ، وَمَنْ سَبَّكَ غَرَّمْتُهُ، قَالَ: وَقَالَ: لَوْلَا مُلْكِي وَقَوْمِي لَاتَّبَعْتُكَ فَقُمْ، وَقَالَ لِآذِنِهِ: انْظُرْ هَذَا، فَلَا تَحْجُبْهُ عَنِّي إِلَّا أَنْ أَكُونَ مَعَ أَهْلِي، فَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يَدْخُلَ فَأْذَنْ لَهُ، وَقُمْ أَنْتَ يَا عُمْرُو بْنَ الْعَاصِ، فَوَاللَّهِ مَا أُبَالِي أَلَّا تَقْطِعَ إِلَيَّ هَذِهِ الْقِطْعَةَ أَبَدًا، أَنْتَ وَلَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ، قَالَ: فَلَمْ نَعُدْ أَنْ خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَلْقَاهُ
⦗ص: 344⦘
خَالِيًا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ جَعْفَرٍ، قَالَ: فَلَقِيتُهُ ذَاتَ يَوْمٍ فِي سِكَّةٍ، فَنَظَرْتُ، فَلَمْ أَرَ خَلْفَهُ فِيهَا أَحَدًا، وَلَمْ أَرَ خَلْفِي أَحَدًا، قَالَ: فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَقَالَ: قُلْتُ: تَعْلَمُ أَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: غَمَزَ يَدِي، وَقَالَ: هَدَاكَ اللَّهُ فَاثْبُتْ، قَالَ: فَأَتَيْتُ أَصْحَابِي فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّمَا شَهَدُونِي وَإِيَّاهُ، قَالَ: فَأَخَذُونِي، فَأَلْقَوْا عَلَى وَجْهِي قَطِيفَةً، فَجَعَلُوا يَغُمُّونِي بِهَا ، وَجَعَلْتُ أُمَارِسُهُمْ، قَالَ: فَأَفْلَتُّ عُرْيَانًا مَا عَلَيَّ قِشْرَةٌ، قَالَ: فَأَتَيْتُ عَلَى حَبَشِيَّةٍ، فَأَخَذْتُ قِنَاعَهَا مِنْ رَأْسِهَا، قَالَ: وَقَالَتْ لِي بِالْحَبَشِيَّةِ: كَذَا وَكَذَا، فَقُلْتُ لَهَا: لذا ولدى، قَالَ: فَأَتَيْتُ جَعْفَرًا وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَيْ أَصْحَابِهِ يُحَدِّثُهُمْ، قَالَ: قُلْتُ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ فَارَقْتُكَ، فَعَلُوا بِي، وَفَعَلُوا، وَذَهَبُوا بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا هُوَ لِي، وَمَا هَذَا الَّذِي تَرَى عَلَيَّ إِلَّا مِنْ مَتَاعِ حَبَشِيَّةٍ، قَالَ: فَقَالَ: انْطَلِقْ، قَالَ: فَأَتَى الْبَابَ فَنَادَى: ائْذَنْ لِحِزْبِ اللَّهِ، قَالَ: فَخَرَجَ الْآذِنُ، فَقَالَ: إِنَّهُ مَعَ أَهْلِهِ، قَالَ: اسْتَأْذِنْ لِي، فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، قَالَ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَدْ تَرَكَ دِينَهُ، وَاتَّبَعَ دِينِي، قَالَ: قَالَ: كَلَّا، قَالَ: قُلْتُ بَلَى، قَالَ: قَالَ: كَلَّا، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: كَلَّا، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَقَالَ لِآذِنِهِ: اذْهَبْ ، فَإِنْ كَانَ كَمَا يَقُولُ: فَلَا يَكْتُبَنَّ لَكَ شَيْئًا إِلَّا أَخَذَهُ، قَالَ: فَكَتَبَ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى كَتَبْتُ الْمِنْدِيلَ، وَحَتَّى كَتَبْتُ الْقَدَحَ، قَالَ: فَلَوْ أَشَاءُ أَنْ آخُذَ مِنْ
⦗ص: 345⦘
أَمْوَالِهِمْ إِلَى مَالِي فَعَلْتُ، قَالَ: ثُمَّ كَتَبَ فِي الَّذِينَ جَاءُوا فِي سَفَرِ الْمُسْلِمِينَ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لِمَعْنَى: قَوْلِهِ: رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ، بَابٌ سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَمَّا الْأَخْبَارُ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الشَّفَاعَةِ الْأُولَى، فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ: أَنْتَ الَّذِي كَلَّمَكَ اللَّهُ تَكْلِيمًا، فَأَخْرَجْتُهَا فِي بَابِ الشَّفَاعَاتِ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ تِكْرَارِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ