الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المتواصلات، مما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
ومن كمال غناه أنه لم يتخذ صاحبةً، ولا ولداً، ولا شريكاً في الملك، ولا وليّاً من الذُّلِّ، فهو الغني الذي كَمُلَ بنعوته وأوصافه، المغني لجميع مخلوقاته (1).
والخلاصة أن الله الغني الذي له الغنى التام المطلق من كل الوجوه، وهو المغني لجميع خلقه، غنىً عاماً، والمغني لخواص خلقه، بما أفاض على قلوبهم، من المعارف الربانية، والحقائق الإيمانيَّة (2).
23 - الحَكِيمُ
قال الله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} (3).
وهو تعالى ((الحكيم)) الموصوف بكمال الحكمة وبكمال الحكم بين المخلوقات، فالحكيم هو واسع العلم
(1) الحق الواضح المبين، ص47 - 48، وشرح النونية للهراس، 2/ 78.
(2)
تفسير الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، 5/ 629.
(3)
سورة الأنعام، الآية:18.
والاطّلاع على مبادئ الأمور وعواقبها، واسع الحمد، تام القدرة، غزير الرحمة، فهو الذي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها في خلْقه وأمره، فلا يتوجَّه إليه سؤال، ولا يقدح في حكمته مقال.
وحكمته نوعان:
النوع الأول: الحكمة في خلقه؛ فإنه خلق الخلق بالحق ومشتملاً على الحق، وكان غايته والمقصود به الحق، خلق المخلوقات كلها بأحسن نظام، ورتَّبها أكمل ترتيب، وأعطى كل مخلوق خلقه اللَّائق به، بل أعطى كلَّ جزء من أجزاء المخلوقات وكلَّ عضو من أعضاء الحيوانات خِلْقَتِهِ وهيئته، فلا يرى أحد في خلقه خللاً، ولا نقصاً، ولا فطوراً، فلو اجتمعت عقول الخلق من أولهم إلى آخرهم ليقترحوا مثل خلق الرحمن أو ما يقارب ما أودعه في الكائنات من الحسن والانتظام والإتقان لم يقدروا، وأنّى لهم القدرة على شيء من ذلك، وحسب العقلاء الحكماء منهم أن يعرفوا كثيراً من حكمه،
ويُطَّلعوا على بعض ما فيها من الحسن والإتقان. وهذا أمر معلوم قطعاً بما يُعلم من عظمته وكمال صفاته، وتَتَبُّع حكمه في الخلق والأمر، وقد تحدَّى عباده وأمرهم أن ينظروا ويكرّروا النظر والتّأمُّلَ هل يجدون في خلقه خللاً أو نقصاً، وأنه لابد أن ترجع الأبصار كليلة عاجزة عن الانتقاد على شيء من مخلوقاته.
النوع الثاني: الحكمة في شرعه وأمره، فإنه تعالى شرع الشرائع، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل ليعرفه العباد ويعبدوه، فأي حكمة أجلّ من هذا؟ وأيّ فضل وكرم أعظم من هذا، فإنّ معرفته تعالى وعبادته وحده لا شريك له، وإخلاص العمل له وحمده، وشُكْره والثَّناء عليه أفضل العطايا منه لعباده على الإطلاق، وأجلّ الفضائل لمن يمنّ الله عليه بها. وأكمل سعادة وسرور للقلوب والأرواح، كما أنها هي السَّبب الوحيد للوصول إلى السعادة الأبديّة، والنعيم الدائم، فلو لم يكن في أمره وشرعه إلا هذه الحكمة العظيمة التي هي أصل
الخيرات، وأكمل اللذَّات، ولأجلها خُلِقَتِ الخليقة، وحُقَّ الجزاء، وخُلِقَتِ الجنة والنار، لكانت كافية شافية.
هذا وقد اشتمل شرعه ودينه على كل خير، فأخباره تملأ القلوب علماً، ويقيناً، وإيماناً، وعقائد صحيحة، وتستقيم بها القلوب ويزول انحرافها، وتثمر كل خلق جميل وعمل صالح وهدى ورشد.
وأوامره ونواهيه محتوية على غاية الحكمة والصَّلاح والإصلاح للدِّين والدنيا؛ فإنه لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما مضرّته خالصة أو راجحة.
ومن حكمة الشرع الإسلامي أنه كما أنه هو الغاية لصلاح القلوب، والأخلاق، والأعمال، والاستقامة على الصراط المستقيم، فهو الغاية لصلاح الدنيا، فلا تصلح أمور الدنيا صلاحاً حقيقيّاً إلا بالدِّين الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا مُشاهد محسوس لكل عاقل، فإنّ أُمّة محمد لما كانوا قائمين بهذا الدين أصوله وفروعه وجميع
ما يهدي ويرشد إليه، كانت أحوالهم في غاية الاستقامة والصلاح، ولمّا انحرفوا عنه وتركوا كثيراً من هُداه، ولم يسترشدوا بتعاليمه العالية، انحرفت دنياهم كما انحرف دينهم.
وكذلك انظر إلى الأمم الأخرى التي بلغت في القوة، والحضارة، والمدنيّة مبلغاً هائلاً، ولكن لمّا كانت خالية من روح الدين ورحمته وعدله، كان ضررها أعظم من نفعها، وشرها أكبر من خيرها، وعجز علماؤها وحكماؤها وساستها عن تلافي الشرور الناشئة عنها، ولن يقدروا على ذلك ما داموا على حالهم؛ ولهذا كان من حكمته تعالى أنّ ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الدين والقرآن أكبر البراهين على صدقه وصدق ما جاء به؛ لكونه محكماً كاملاً لا يحصل إلا به.
وبالجملة فالحكيم متعلقاته المخلوقات والشرائع، وكلها في غاية الإحكام، فهو الحكيم في أحكامه القدرية، وأحكامه الشرعية، وأحكامه الجزائية، والفرق بين