المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[فصل: قتاله صلى الله عليه وسلم النصارى] - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية - جـ ١

[ابن تيمية]

فهرس الكتاب

- ‌[مُقَدِّمَةُ الْكِتَابِ]

- ‌[فَصْلٌ: دِينِ الْأَنْبِيَاءِ وَاحِدٌ هُوَ الْإِسْلَامُ] [

- ‌الدِّينُ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ]

- ‌[حُكْمُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الرُّسُلِ]

- ‌[مِنْ أَسْبَابِ ظُهُورِ الْإِيْمَانِ]

- ‌[ظُهُورُ الْمُعَارِضِينَ لِلْحَقِّ]

- ‌[مُعَارَضَةُ أَعْدَاءِ الْحَقِّ بِدَعَاوِيهِمُ الْكَاذِبَةِ]

- ‌[التَّحْذِيرُ مِنَ اتِّبَاعِ بِدَعِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى]

- ‌[سَبَبُ تَأْلِيفِ الْكِتَابِ]

- ‌[مُجْمَلُ مَا جَاءَ فِي رِسَالَةِ بُولِسَ مِنْ دَعَاوَى]

- ‌[نَهْجُ الْمُؤَلِّفِ فِي رَدِّ دَعَاوِيهِمُ الْبَاطِلَةِ]

- ‌[مَا كَفَرَتْ بِهِ النَّصَارَى]

- ‌[تَكْفِيرُ كُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لِلْآخَرِ]

- ‌[فَصْلٌ: دَلَائِلِ صِدْقِ النَّبِيِّ الصَّادِقِ]

- ‌[فَصْلٌ: تَوْضِيحِ الدَّعْوَى وَالرَّدِّ عَلَيْهَا] [

- ‌ادِّعَاؤُهُمْ أَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يُبْعَثْ إِلَّا إِلَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْعَرَبِ]

- ‌[مَا يَثْبُتُ بِهِ مَتَى ثَبَتَ الِاحْتِجَاجُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ]

- ‌[صِدْقُ الرَّسُولِ وَعِصْمَتُهُ مِنَ الْكَذِبِ]

- ‌[الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِمْ بِالْإِرْسَالِ الْكَوْنِيِّ]

- ‌[تَفْرُّقُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[الرَّدُّ عَلَى دَعْوَى قَصْرِ الرِّسَالَةِ عَلَى الْعَرَبِ]

- ‌[تَوْجِيهُ الدَّعْوَةِ مِنَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ]

- ‌[قُدُومُ الْوُفُودِ عَلَى الرَّسُولِ دَلِيلٌ عَلَى عُمُومِ رِسَالَتِهِ]

- ‌[وُجُوهُ الْجَمْعِ بَيْنَ مُجَادَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقِتَالِهِمْ]

- ‌[فَصْلٌ: مِنْ أَدِلَّةِ عُمُومِ رِسَالَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم] [

- ‌إِسْلَامُ النَّجَاشِيِّ]

- ‌[إِسْلَامُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ]

- ‌[إِرْسَالُ الرُّسُلِ إِلَى جَمِيعِ الطَّوَائِفِ الْمَوْجُودَةِ فِي عَهْدِهِ]

- ‌[إِرْسَالُهُ رَسُولًا إِلَى مَلِكِ مِصْرَ الْمُقَوْقِسِ مَلِكِ النَّصَارَى]

- ‌[فَصْلٌ: قِتَالُهُ صلى الله عليه وسلم النَّصَارَى]

- ‌[فَصْلٌ: إِرْسَالُ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ إِلَى مُلُوكِ الْفُرْسِ]

- ‌[فَصْلٌ: ضَرْبُهُ صلى الله عليه وسلم الْجِزْيَةَ عَلَى الْمَجُوسِ]

- ‌[فَصْلٌ: أَدِلَّةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى عُمُومِ رِسَالَتِهِ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[فَصْلٌ: ابْتِدَاعُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي دِينِهِمْ]

- ‌[فَصْلٌ: اجْتِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ بِإِجْمَاعِهِمْ وَتَفَرُّقُ النَّصَارَى بِابْتِدَاعِهِمْ]

- ‌[فَصْلٌ: النَّصَارَى بَدَّلُوا دِينَ الْمَسِيحِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[فَصْلٌ: شُبُهَاتُ النَّصَارَى عَلَى رِسَالَةِ النَّبِيِّ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا]

- ‌[الرَّدُّ عَلَى النَّصَارَى فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ كَلَامَ الرَّسُولِ مُتَنَاقِضٌ]

- ‌[فَصْلٌ: مُعْجِزَاتُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[فَصْلٌ: رَدُّ احْتِجَاجِهِمْ بِبَعْضِ الْآيَاتِ عَلَى خُصُوصِيَّةِ الرِّسَالَةِ]

- ‌[فَصْلٌ: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَّا إِلَى الْعَرَبِ] [

- ‌إِنْ أَقَرُّوا بِرِسَالَتِهِ إِلَى الْعَرَبِ]

الفصل: ‌[فصل: قتاله صلى الله عليه وسلم النصارى]

[فَصْلٌ: قِتَالُهُ صلى الله عليه وسلم النَّصَارَى]

ثُمَّ بَعْدَ الْإِرْسَالِ إِلَى الْمُلُوكِ، أَخَذَ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوِ النَّصَارَى، فَأَرْسَلَ أَوَّلًا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَجَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فِي جَيْشٍ، فَقَاتَلُوا النَّصَارَى بِمُؤْتَةَ مِنْ أَرْضِ الْكَرَكِ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَقُتِلَ الثَّلَاثَةُ، وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

ص: 300

وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الثَّلَاثَةِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي قُتِلُوا فِيهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَخَذَ الرَّايَةَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ هَذَا غَزَا النَّصَارَى بِنَفْسِهِ، وَأَمَرَ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ فِي الْغَزَاةِ، وَلَمْ يَأْذَنْ فِي التَّخَلُّفِ عَنْهُ لِأَحَدٍ، وَغَزَا فِي عَشَرَاتِ أُلُوفٍ غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَقَدِمَ تَبُوكَ وَأَقَامَ بِهَا عِشْرِينَ لَيْلَةً ; لِيَغْزُوَ النَّصَارَى عَرَبَهُمْ وَرُومَهُمْ وَغَيْرَهُمْ، وَأَقَامَ يَنْتَظِرُهُمْ لِيُقَاتِلَهُمْ، فَسَمِعُوا بِهِ وَأَحْجَمُوا عَنْ قِتَالِهِ وَلَمْ يُقْدِمُوا عَلَيْهِ.

وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ أَكْثَرَ سُورَةِ (بَرَاءَةَ) ، وَذَمَّ تَعَالَى الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ جِهَادِ النَّصَارَى ذَمًّا عَظِيمًا.

وَالَّذِينَ لَمْ يَرَوْا جِهَادَهُمْ طَاعَةً جَعَلَهُمْ مُنَافِقِينَ كَافِرِينَ، لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُمْ إِذَا لَمْ يَتُوبُوا، وَقَالَ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم:

ص: 301

ثُمَّ عِنْدَ مَوْتِهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَنَا بِإِخْرَاجِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ.

فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَاأَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا» .

وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ رضي الله عنه، قَالَ: آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَنَصَارَى أَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» .

ص: 303

وَقَامَ خُلَفَاؤُهُ رضي الله عنهم بَعْدَهُ بِدِينِهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ الْجُيُوشَ ; لِغَزْوِ النَّصَارَى بِالشَّامِ، وَجَرَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهُمْ عِدَّةُ غَزَوَاتٍ، وَمَاتَ أَبُو بَكْرٍ وَهُمْ مُحَاصِرُو دِمَشْقَ ثُمَّ وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَفَتَحَ عَامَّةَ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقَ وَبَعْضَ خُرَاسَانَ فِي خِلَافَتِهِ، وَقَدِمَ إِلَى الشَّامِ فِي خِلَافَتِهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ النَّصَارَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِمَا رَأَوْهُ مِنْ صِفَتِهِ عِنْدَهُمْ.

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ فِي كِتَابِ الْفُتُوحِ، قَالَ: قَالَ

ص: 304

عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: لَمَّا نَزَلَ الْمُسْلِمُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، قَالَ لَهُمْ رُؤَسَاؤُهُمْ: إِنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا لِمُصَالَحَتِكُمْ، وَقَدْ عَرَفْتُمْ مَنْزِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِنَّهُ الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسْرِيَ بِنَبِيِّكُمْ إِلَيْهِ، وَنَحْنُ نُحِبُّ أَنْ يَفْتَحَهَا مَلِكُكُمْ - وَكَانَ الْخَلِيفَةَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - فَبَعَثَ الْمُسْلِمُونَ وَفْدًا، وَبَعَثَ الرُّومُ أَيْضًا وَفْدًا مَعَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَتَوُا الْمَدِينَةَ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ الرُّومُ لِتُرْجُمَانِهِمْ: مَنْ يَسْأَلُونَ؟ قَالُوا: عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَاشْتَدَّ عَجَبُهُمْ، وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي غَلَبَ فَارِسَ وَالرُّومَ، وَأَخَذَ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَلَيْسَ لَهُ مَكَانٌ يُعْرَفُ بِهِ! بِهَذَا غَلَبَ الْأُمَمَ، فَوَجَدُوهُ قَدْ أَلْقَى نَفْسَهُ حِينَ أَصَابَهُ الْحَرُّ نَائِمًا، فَازْدَادُوا تَعَجُّبًا، فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَ أَبِي عُبَيْدَةَ أَقْبَلَ حَتَّى نَزَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَفِيهَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنَ الرُّومِ وَخَمْسُونَ أَلْفًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَصَالَحَهُمْ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُصَالَحَةِ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْيَهُودِ أَحَدٌ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ

ص: 305

زُبَالَةً عَظِيمَةً عَلَى الصَّخْرَةِ، فَأَمَرَ بِكَنْسِ الزُّبَالَةِ، وَتَنْظِيفِ الْمَسْجِدِ وَأَمَرَ بِبِنَائِهِ وَجَعَلَ مُصَلَّاهُ فِي مُقَدَّمِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ فِي كِتَابِ الْفُتُوحَاتِ، ثُمَّ قَدِمَ مَرَّةً ثَانِيَةً إِلَى أَرْضِ الشَّامِ لَمَّا تَمَّ فَتْحُهُ فَشَارَطَ بِوَضْعِ الْخَرَاجِ وَفَرْضِ الْأَمْوَالِ، وَشَارَطَ أَهْلَ الذِّمَّةِ عَلَى شُرُوطِ الْمُسْلِمِينَ فَأْتَمَّ بِهَا الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ.

وَقَدْ ذَكَرَهَا أَهْلُ السِّيَرِ وَغَيْرُهُمْ، فَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، قَالَ: كَتَبْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه حِينَ صَالَحَ نَصَارَى الشَّامِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ فِيهِ أَنْ لَا يُحْدِثُوا فِي مَدِينَتِهِمْ وَلَا حَوْلَهَا دَيْرًا وَلَا كَنِيسَةً

ص: 306

وَلَا قِلَايَةً وَلَا صَوْمَعَةَ رَاهِبٍ، وَلَا يُجَدِّدُوا مَا خَرِبَ، وَلَا يَمْنَعُوا كَنَائِسَهُمْ أَنْ يَنْزِلَهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُطْعِمُونَهُمْ، وَلَا يُئْوُوا جَاسُوسًا، وَلَا يَكْتُمُوا غِشًّا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُعَلِّمُوا أَوْلَادَهُمُ الْقُرْآنَ وَلَا يُظْهِرُوا شِرْكًا، وَلَا يَمْنَعُوا ذَوِي قَرَابَتِهِمْ مِنَ الْإِسْلَامِ إِنْ أَرَادُوهُ، وَأَنْ يُوَقِّرُوا الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَقُومُوا لَهُمْ إِذَا أَرَادُوا الْجُلُوسَ، وَلَا يَتَشَبَّهُوا بِالْمُسْلِمِينَ بِشَيْءٍ مِنْ لِبَاسِهِمْ فِي قَلَنْسُوَةٍ وَلَا عِمَامَةٍ وَلَا نَعْلَيْنِ وَلَا فَرْقِ شَعْرٍ، وَلَا يَتَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَكْتَنُوا بِكُنَاهُمْ، وَلَا يَرْكَبُوا سُرُجًا، وَلَا يَتَقَلَّدُوا سَيْفًا، وَلَا يَتَّخِذُوا شَيْئًا مِنْ سِلَاحٍ،

ص: 307

وَلَا يَنْقُشُوا خَوَاتِيمَهُمْ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَا يَبِيعُوا الْخُمُورَ، وَأَنْ يَجُذُّوا مَقَادِمَ رُءُوسِهِمْ، وَأَنْ يَلْزَمُوا زِيَّهُمْ حَيْثُ مَا كَانُوا، وَأَنْ يَشُدُّوا الزَّنَانِيرَ، وَلَا يُجَاوِرُوا الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَاهُمْ، وَلَا يَضْرِبُوا بِالنَّاقُوسِ إِلَّا ضَرْبًا خَفِيفًا، وَلَا يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْقِرَاءَةِ فِي كَنَائِسِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ حَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَخْرُجُوا شَعَانِينَ، وَلَا يَرْفَعُوا مَعَ مَوْتَاهُمْ أَصْوَاتَهُمْ، وَلَا يُظْهِرُوا النِّيرَانَ مَعَهُمْ، وَلَا يَشْتَرُوا مِنَ الرَّقِيقِ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ خَالَفُوا فِي شَيْءٍ مِمَّا شَرَطُوهُ، فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ وَقَدْ حَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ مَا يَحِلُّ مِنْ أَهْلِ الْمُعَانَدَةِ وَالشِّقَاقِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ.

ص: 308

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ

ص: 309

قَيْسٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يَأْمُرُ فَأَكْتُبُ إِلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ: أَنْ يَجُزُّوا نَوَاصِيَهُمْ، وَأَنْ يَرْبِطُوا الْكُسْتِيجَاتِ فِي أَوْسَاطِهِمْ ; لِيُعْرَفَ زِيُّهُمْ مِنْ زِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ.

وَحَدَّثَنَا أَبُو الْمُنْذِرِ، وَمُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ

ص: 310

عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَسْلَمَ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنْ يَخْتِمُوا رِقَابَ أَهْلِ الذِّمَّةِ.

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَسْلَمَ: أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَجُزُّوا نَوَاصِيَهُمْ، وَأَنْ يَرْكَبُوا عَلَى الْأَكُفِّ، وَأَنْ يَرْكَبُوا عَرْضًا لَا يَرْكَبُوا كَمَا يَرْكَبُ الْمُسْلِمُونَ، وَأَنْ يُوثِقُوا الْمَنَاطِقَ.

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي الزَّنَانِيرَ.

ص: 311

وَكَمَا كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ هَذِهِ الشُّرُوطَ وَالْتَزَمُوهَا، أَوْصَى بِهِمْ نُوَّابَهُ وَمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَهَذَا هُوَ الْعَدْلُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ.

فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ عِنْدَ وَفَاتِهِ: وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُوفِيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتِلَ مَنْ وَرَاءَهُمْ، وَلَا يُكَلَّفُوا إِلَّا طَاقَتَهُمْ.

وَهَذَا امْتِثَالٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ مِنْ حَقِّهِ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

ص: 312

فَكَانَ هَذَا فِي النَّصَارَى الَّذِينَ أَدَّوْا إِلَيْهِ الْجِزْيَةَ.

وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَمَّا فَتَحَ الشَّامَ وَأَدَّوْا إِلَيْهِ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، أَسْلَمَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ تبارك وتعالى، فَإِنَّ الْعَامَّةَ وَالْفَلَّاحِينَ وَغَيْرَهُمْ كَانَ عَامَّتُهُمْ نَصَارَى، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْمَلُ فِلَاحَةً، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دِمَشْقَ مَسْجِدٌ يُصَلُّونَ فِيهِ إِلَّا مَسْجِدٌ وَاحِدٌ لِقِلَّتِهِمْ، ثُمَّ صَارَ أَكْثَرُ أَهْلِ الشَّامِ وَغَيْرُهُمْ مُسْلِمِينَ طَوْعًا لَا كَرْهًا، فَإِنَّ إِكْرَاهَ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْإِسْلَامِ غَيْرُ جَائِزٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ - اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 256 - 257] .

ص: 313