المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌آداب الحوار لن يجد المتأمل في آيات القرآن وهدي سيد الأنام - الحوار مع أتباع الأديان - مشروعيته وآدابه

[منقذ السقار]

الفصل: ‌ ‌آداب الحوار لن يجد المتأمل في آيات القرآن وهدي سيد الأنام

‌آداب الحوار

لن يجد المتأمل في آيات القرآن وهدي سيد الأنام كبير صعوبة في التوصل إلى آداب الحوار وأخلاقياته، فالقرآن أوضح بجلاء ما ينبغي على المسلم أن يتصف به وهو يحاور غير المسلمين، بينما كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم ترجمان ذلك ومصداقه.

والآداب في هذا الباب كثيرة، منها:

1.

القول الحسن أثناء الحوار

لما كان الحوار وسيلة من وسائل الدعوة والتعريف بالإسلام، توجب على الدعاة أن يتخلقوا حال دعوتهم بأخلاق الإسلام، ويجتنبوا السوء من القول، ويلتزموا الحسن منه، قال الله تعالى:{وقولوا للناس حسناً} (البقرة: 83).

قال القرطبي: " وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس ليناً، ووجهه منبسطاً طلقاً مع البر والفاجر والسني والمبتدع من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون:{فقولا له قولاً ليناً} (طه: 44)، فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه.

وقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء: إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل فيّ حدة، فأقول لهم بعض القول الغليظ. فقال: لا تفعل، يقول الله تعالى:{وقولوا للناس حسناً} فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى ". (1)

وقال الحسن: "لين القول من الأدب الحسن الجميل والخلق الكريم، وهو مما ارتضاه الله، وأحبه

قال عطاء بن أبي رباح: من لقيت من الناس فقل له حسناً من القول ". (2)

(1) الجامع لأحكام القرآن (2/ 16).

(2)

جامع البيان (1/ 392).

ص: 47

ويأمر الله عباده أن يقولوا التي هي أحسن: {قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم} (الإسراء: 53). قال القرطبي: " نزلت في عمر بن الخطاب، وذلك أن رجلاً من العرب شتمه وسبه، وهمّ بقتله، فكادت تثير فتنة، فأنزل الله تعالى فيه {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن} "(1)

قال الحسن: "هو أن يقول للكافر إذا تشطط: هداك الله، يرحمك الله .. وعلى هذا تكون الآية عامة في المؤمن والكافر، أي قل للجميع ". (2)

قال ابن كثير: " {وجادلهم بالتي هي أحسن}، أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب .. فأمر تعالى بلين الجانب كما أمر به موسى وهارون عليهما السلام حين بعثهما إلى فرعون في قوله: {فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى} وقوله: {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله} (النحل: 125) الآية، أي قد علم الشقي ". (3)

ويلفت ابن تيمية النظر إلى أن الله قال: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} (النحل: 125)، فطلب الجدال بالتي هي أحسن، "ولم يقل بالحَسنة كما قال في الموعظة، لأن الجدال فيه مدافعة ومغاضبة، فيحتاج أن يكون بالتي هي أحسن، حتى يصلح ما فيه من الممانعة والمدافعة". (4)

قال الشوكاني في تبيان معنى الحكمة: "أي بالمقالة المحكمة الصحيحة"، بينما فسّر الموعظة بأنها تلك "التي يستحسنها السامع، وتكون في نفسها حسنة باعتبار انتفاع السامع بها". (5)

وإن من الحكمة والموعظة الحسنة أن لا نجبه من ندعوه بقولنا: يا كافر. في باب العيب واللمز، وإن كنا لا نشك في كفره يقول نظام الحنفي:"لو قال ليهودي أو مجوسي: يا كافر. يأثم إن شق عليه"(6)، وذلك الإثم يلحق صاحبه لهجره الحكمة في الدعوة والتي هي أحسن في البلاغ.

(1) الجامع لأحكام القرآن (10/ 276).

(2)

الجامع لأحكام القرآن (10/ 277).

(3)

تفسير القرآن العظيم (2/ 592).

(4)

الرد على المنطقيين (468).

(5)

فتح القدير (3/ 203).

(6)

الفتاوى الهندية (5/ 348).

ص: 48

2.

الغض عن إساءة الآخر ومقابلتها بالإحسان

لا ريب أن اختلاف العقائد يورث الضغائن، وقد يصدر من اللسان ما يسوء المسلم سماعه، سواء ما كان متعلقاً بمعتقده أم بشخصه، وهذه الإساءة فرع عن الكفر الذي يتلبس به المحاور، فماذا يكون موقف المحاور المسلم؟ هل يغلق باب الحوار ويوقف مسار الدعوة، أم يتغاضى عن خطأ الآخر سياسة وصوناً لمصلحة الدعوة؟

لا ريب أن الموقف يفرض التصرف الأمثل الذي يسلكه الداعية تجاه هذا العدوان، إذ قد أذن الشرع برد العدوان:{وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} (النحل: 126)، قال القرطبي:" أيها المؤمنون من ظلمكم واعتدى عليكم، فعاقبوه بمثل الذي نالكم به ظالمكم، ولئن صبرتم عن عقوبته، واحتسبتم عند الله ما نالكم به من الظلم، ووكلتم أمره إليه حتى يكون هو المتولي عقوبته {لهو خير للصابرين} يقول: للصبر عن عقوبته بذلك خير لأهل الصبر احتساباً وابتغاء ثواب الله". (1)

وفي الصبر على أخطاء المخالف يقول الله: {ادفع بالتي هي أحسنُ السيئةَ نحن أعلم بما يصفون} (المؤمنون: 96).

قال الطبري: "وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها: أن تصفح عما نالوا به عرضك من الأذى، ولا تعصه في القيام بالواجب عليك من تبليغهم رسالة ربك". (2)

ويقول ابن كثير: " أمر تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومداراته بإسداء الجميل إليه، ليرده طبعه عما هو فيه من الأذى .. ". (3)

ونقل الطبري عن مجاهد في سياق تفسيره لقوله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} قولَه: "إن قالوا شراً، فقولوا خيراً: {إلا الذين ظلموا منهم} فانتصروا منهم". (4)

(1) الجامع لأحكام القرآن (14/ 195).

(2)

جامع البيان (14/ 194).

(3)

تفسير القرآن العظيم (1/ 14).

(4)

جامع البيان (21/ 1).

ص: 49

وقال تعالى مبيناً للمؤمنين ما سيتعرضون له من أذى المشركين، وآمراً إياهم بالصبر والتقوى:{ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً} (آل عمران: 186).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فأمر سبحانه وتعالى بالصبر على أذى المشركين وأهل الكتاب مع التقوى .... وقد قال سبحانه وتعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} (المائدة: 8)، فنهى أن يحمل المؤمنين بغضهم للكفار على ألا يعدلوا عليهم

فهذا موضع عظيم المنفعة في الدين والدنيا .. ". (1)

وفي آية أخرى أخبر الله بتنكب كثير من أهل الكتاب طريق الإيمان وإعراضهم عما تبين لهم من الحق، بل وصدهم عنه وحرصهم على إضلال المهتدين حسداً وبغياً، وفي مقابله أمر الله بالعفو والصفح حتى يكون الجزاء في دار عدله:{ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير} (البقرة:109). قال القرطبي: "والعفو ترك المؤاخذة بالذنب، والصفح إزالة أثره من النفس". (2)

وقد التزم صلى الله عليه وسلم أمر ربه فصبر على أذى المشركين وأعرض عنه، ولم يقابل إساءتهم بالمثل، وصور ذلك في سيرته كثيرة.

منها ما صنعه النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود الذين أتوا إليه يحاورونه، تقول عائشة رضي الله عنها: إن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليك، قال:((وعليكم))، فقالت عائشة: السام عليكم، ولعنكم الله، وغضب عليكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((مهلاً يا عائشة، عليك بالرفق، وإياك والعنف أو الفحش)). قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: ((أولم تسمعي ما قلتُ؟ رددت عليهم، فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم فيّ)). (3)

(1) الاستقامة (1/ 38).

(2)

الجامع لأحكام القرآن (2/ 71).

(3)

رواه البخاري ح (6401).

ص: 50

ومثل هذا الأدب صنعه النبي صلى الله عليه وسلم حين قسم قسماً فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، يقول ابن مسعود: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه، ثم قال:((يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا، فصبر)). (1)

ومن حسن المعاملة الإعراض ما أمكن عن المنازعة وأسبابها، ولو بالإعراض عن الإجابة، روى ابن مردويه وابن أبى حاتم بسندهما عن ابن عباس أن قريشاً دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يعطوه مالاً، فيكون أغنى رجل فيهم، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطأون عقبه أي يسودوه.

فقالوا: هذا لك عندنا يا محمد، وكفَّ عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، وهي لك ولنا فيها صلاح، قال:((ما هي؟)) قالوا تعبد آلهتنا سنة اللات والعزى، ونعبد إلهك سنة.

قال: ((حتى أنظر ما يأتيني من ربي)) فجاءه الوحي من الله من اللوح المحفوظ: {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] إلى آخرها ". (2)

وقوله في هذا الحديث: ((حتى أنظر ما يأتيني من ربي)) نوع من التلطف في الخروج من الموضوع.

قال ابن تيمية: "قد يقول هذا من يقصد به دفع الظالمين بالتي هي أحسن، ليجعل حجته أن الذي عليه طاعته قد منع من ذلك، فيؤخر الجواب حتى يستأمره، وإن كان هو يعلم أن هذا القول الذي قالوه لا سبيل إليه، وقد تخطب إلى الرجل ابنته فيقول: حتى أشاور أمها، وهو يريد أن لا يزوجها بذلك، ويعلم أن أمها لا تشير به، وكذلك قد يقول النائب: حتى أشاور السلطان ". (3) فالإعراض عن الجواب نوع من التلطف وأدب من آداب الدعوة والحوار.

(1) رواه البخاري ح (3405)، ومسلم ح (1062).

(2)

انظره: الدر المنثور (7/ 245).

(3)

مجموع الفتاوى (16/ 455).

ص: 51

3.

ترك الخوض فيما لا يحسنه

لعل من الضروريات التي لا يحسن بأحد تجاوزها عدم خوض المرء فيما لا يملك عليه بينة ولا برهاناً، والرزية أن يهرف المرء بما لا يعرف، وأن يقول ما لا يعلم، وهذا الذي نعاه القرآن على أهل الكتاب، وهو ذم لكل من صنع صنيعهم، قال الله تعالى:{فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} (آل عمران: 66)، قال القرطبي:" دليل على المنع من الجدال لمن لا علم له، والحظر على من لا تحقيق عنده .. قد ورد الأمر بالجدال لمن علم وأيقن، فقال تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن} ". (1)

وقال تعالى: {إن الذين يجادلون فى ءايات الله بغير سلطان أتاهم إن فى صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير} (غافر: 56).

وفي هذه الآيات تقريع من القرآن الكريم لأولئك الذين يخاصمون الأنبياء، ويلجون إلى الحوار دون دليل ولا برهان، ولأنهم لا يملكون علماً ولا حجة، فإنهم يعالجون مسائلهم بالهوى والجدال بالباطل والتكذيب والاستكبار عن قبول الحق.

والنبي صلى الله عليه وسلم وهو أعلم الخلق - توقف في حواره مع أهل نجران حتى أتاه علم الله في المسألة التي يحاور فيها، إذ لما جاءه راهبا نجران عرض عليهما الإسلام، فقال أحدهما: إنا قد أسلمنا قبلك. فقال: ((كذبتما. إنه يمنعكما عن الإسلام ثلاثة: عبادتكم الصليب، وأكلكم الخنزير، وقولكم: لله ولد)).

قال [الحبر]: من أبو عيسى؟ وكان صلى الله عليه وسلم لا يعجل حتى يأتي أمر ربه، فأنزل الله تعالى:{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} (آل عمران: 59))). (2)

فالمشاركون في الحوار مدعوون لالتزام هذا الهدي النبوي، وعدم الخوض في قضايا الحوار المختلفة إلا ببينة من الله أو برهان من رسوله.

(1) الجامع لأحكام القرآن (4/ 108).

(2)

رواه الطبري في تفسيره (3/ 163)، وأبو نعيم في دلائل النبوة (2/ 258).

ص: 52

4.

ترك المجال للمحاور بذكر معتقده

ولما كان الحوار يدور بين طرفين أو جهتين، فإنه من الطبيعي أن يعرب كل طرف عن معتقده، وأن يذكر ما يجول في خاطره من تساؤلات، يبحث عن إجابة لها، وقد يقع المحاور غير المسلم بما لم يعتده المسلم من أدب واحترام لشعائر الإسلام، فقد يذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم مجرداً، وقد يقول بأن القرآن من كلام محمد، أو أن المسيح هو الله، وغيرها مما يعتقده ويستنكره المسلم ويستقبحه، بل قد يرغب المحاور بممارسة طقوسه وعبادته، فهل يؤذن له بذلك طلباً لاستمرار الحوار وطمعاً في مصلحة غالبة؟

وفي الإجابة عنه نقول: وقع مثل هذا زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قبِل صلى الله عليه وسلم من حَبر يهودي أن يخاطبه باسمه مجرداً من النبوة، إذ هو مما لا يعتقده محاوره، قال ثوبان: كنت قائماً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد. فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول: يا رسول الله؟ فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي

)). (1)

وحين حاور النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده بالمدينة وفد نصارى نجران الذي قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في خمسة عشر رجلاً بقيادة أسقفهم أبي الحارث؛ أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيموا صلاتهم في أحد أركان مسجده. (2)

قال ابن القيم: "وفيها جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين، وفيها تمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفي مساجدهم أيضاً إذا كان ذلك عارضاً، ولا يمكنون من اعتياد ذلك ". (3)

ويقول: "أما الآن فلا مصلحة للمسلمين في دخولهم مساجدَهم والجلوس فيها، فإن دعت إلى ذلك مصلحة راجحة جاز دخولها بلا إذن ". (4)

(1) رواه مسلم ح (351).

(2)

ذكره ابن هشام في سيرته (1/ 511)،، ونقل مثله ابن القيم في زاد المعاد عن أبي أمامة (3/ 630 - 631)، وانظر الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (4/ 5).

(3)

زاد المعاد (3/ 638).

(4)

أحكام أهل الذمة (1/ 408).

ص: 53

ومن صور تسامح المسلمين في حوارهم مع أهل الكتاب تمكينهم من الإعراب عن عقائدهم ومحاورة المسلمين فيما يشكل عليهم فهمه من أمور الإسلام، ومن ذلك أن المغيرة بن شعبة أتى أهل نجران "فقالوا: ألستم تقرؤون: {يا أخت هارون} (مريم: 28)، وقد علمتم ما بين موسى وعيسى. قال المغيرة: فلم أدر ما أجيبهم.

فرجعتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته. فقال: ((ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم)). (1)

يقول ابن تيمية: " وهذا السؤال الذي هو سؤال الطاعن في القرآن لما أورده أهل نجران الكفار على رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يجبهم عنه: أجاب عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل لهم: ليس لكم عندي إلا السيف، ولا قال: قد نقضتم العهد إن كانوا قد عاهدوه، وقد عرف أن أهل نجران لم يرسل إليهم رسولاً إلا والجهاد مأمور به ". (2)

وهكذا فالإفساح للمخالف في الإعراب عن دينه وممارسة شعائره لون فريد من ألوان التسامح الإسلامي، وهو أيضاً أدب آخر من آداب الحوار والجدال.

5.

مداراة المحاور وإكرامه وحسن التعامل معه

ومن آداب الحوار حسن المعاملة مع المحاور، ومداراة المحاور الآخر وإكرامه وحسن استقباله، فعن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال:((بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة)) فلما جلس تطلَّقَ النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه.

فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه، وانبسطت إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((يا عائشة، متى عهدتني فحَّاشاً، إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره)). (3)

(1) رواه مسلم ح (2135).

(2)

الجواب الصحيح (1/ 226 - 227).

(3)

رواه البخاري ح (6032).

ص: 54

وفي شرح الحديث ينقل ابن حجر عن القرطبي قوله: "في الحديث .. جواز مداراتهم اتقاء شرهم ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى

والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معًا ، وهي مباحة، وربما استحبت ، والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته ومع ذلك فلم يمدحه بقولٍ، فلم يناقض قوله فيه فعله ، فإن قوله فيه قول حق ، وفعله معه حسن عشرة

".

وعقّب ابن حجر بقوله: " وهذا الحديث أصل في المداراة ". (1)

ومن المداراة مناداة المحاورين غير المسلمين بما يليق بهم من ألقاب يستحقونها، وتحيتهم تحية مناسبة، كقوله صلى الله عليه وسلم:((بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم)). (2)

قال ابن حجر: "قوله: ((عظيم الروم)) فيه عدول عن ذكره بالملك أو الإمرة، لأنه معزول بحكم الإسلام ، لكنه لم يخله من إكرام لمصلحة التألف .. ". (3)

قال النووي: " ولم يقل: إلى هرقل فقط ، بل أتى بنوع من الملاطفة فقال: ((عظيم الروم)) ، أي الذي يعظمونه ويقدمونه ، وقد أمر الله تعالى بإلانة القول لمن يدعى إلى الإسلام، فقال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} (النحل: 125)، وقال تعالى: {فقولا له قولاً ليناً} (طه: 44) وغير ذلك". (4)

وأيضاً من المداراة للآخرين الفعل الحسن، كعيادة مريضهم، وإكرام وفدهم، تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم في صنيعه مع عدي بن حاتم الطائي وعكرمة بن أبي جهل قبل إسلامهما.

قال عدي بن حاتم: "أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد، فقال

(1) فتح الباري (10/ 454).

(2)

رواه البخاري ح (7)، ومسلم ح (1773).

(3)

فتح الباري (1/ 38).

(4)

شرح النووي على صحيح مسلم (12/ 108).

ص: 55

القوم: هذا عدي بن حاتم. وجئتُ بغير أمان ولا كتاب، فلما دُفعتُ إليه أخذ بيدي .. حتى أتى بي داره، فألقت له الوليدة وسادة، فجلس عليها ". (1)

ولما قدم عكرمة بن أبي جهل على النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((مرحباً بالراكب المهاجر))، وفي رواية الطبراني: فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قام إليه، فاعتنقه، وقال:((مرحباً بالراكب المهاجر)). (2)

ومن قبل أحسن النبي صلى الله عليه وسلم معاملة أبيه على طغيانه وكفره، يقول المغيرة بن شعبة: إن أول يوم عرفت فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أني كنت أمشي مع أبي جهل بمكة، فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له:((يا أبا الحكم، هلم إلى الله وإلى رسوله وإلى كتابه، أدعوك إلى الله)). (3) فناداه صلى الله عليه وسلم بأحب الأسماء إليه تألفاً لقلبه.

ومن المداراة وحسن التعامل مع الآخر صنيع مؤمن آل فرعون مع قومه، فقد كان يقول لهم مع كل نصيحة:{يا قوم} (غافر: 30، 32، 38، 39، 41). يتألفهم بذلك. قال القرطبي: "فقال: {يا قوم} ليكونوا أقرب إلى قبول وعظه". (4)

فالمحاور المسلم يتأدب بالرفق واللطف والمدارة، إذ الرفق ما كان في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه.

6.

التنزل مع الخصم في الحوار ومجادلته بالحجج القريبة إليه

قال تعالى: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} (سبأ: 24) قال القرطبي: "هذا على وجه الإنصاف في الحجة كما يقول القائل: أحدنا كاذب، وهو يعلم أنه صادق وأن صاحبه كاذب، والمعنى: ما نحن وأنتم على

(1) رواه الترمذي ح (2954)، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي ح (2353).

(2)

رواه الترمذي ح (2735)، الحاكم في المستدرك ح (5059)، والطبراني في الكبير ح (1021)، وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي ح (518).

(3)

رواه ابن أبي شيبة في المصنف ح (35829)، والبيهقي في دلائل النبوة (2/ 267).

(4)

الجامع لأحكام القرآن (15/ 310).

ص: 56

أمر واحد، بل على أمرين متضادين، وأحد الفريقين مهتد، وهو نحن، والآخر ضال، وهو أنتم". (1)

ونقل القرطبي قول بعض أهل العلم: "وقد علم أنه على هدى، وأنهم على ضلال مبين، ولكنه رفق بهم في الخطاب، فلم يقل: أنا على هدى، وأنتم على ضلال". (2)

ويعلمنا الله هذا الأدب في التعامل مع الآخرين، وهو يؤدب نبيه بقوله:{قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} (الزخرف: 81)، قال القرطبي:"وقيل: المعنى: قل يا محمد: إن ثبت لله ولد فأنا أول من يعبد ولده، ولكن يستحيل أن يكون له ولد، وهو كما تقول لمن تناظره: إن ثبت ما قلت بالدليل، فأنا أول من يعتقده، وهذه مبالغة في الاستبعاد، أي لا سبيل إلى اعتقاده، وهذا ترقيق في الكلام كقوله: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} (سبأ: 24)، والمعنى على هذا: فأنا أول العابدين لذلك الولد، لأن تعظيم الولد تعظيم للوالد ". (3)

قال الطبري: " لم يكن على وجه الشك، ولكن على وجه الإلطاف في الكلام وحسن الخطاب، كما قال جل ثناؤه: {قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} (سبأ: 24)، وقد علم أن الحق معه، وأن مخالفيه في الضلال المبين ". (4)

ومثله صنيع إبراهيم عليه السلام من قبل، حيث قال لقومه:{فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين - فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين - فلما رأى الشمس بازغةً قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريءٌ مما تشركون} (الأنعام: 76 - 78).

(1) الجامع لأحكام القرآن (14/ 289).

(2)

الجامع لأحكام القرآن (2/ 14).

(3)

الجامع لأحكام القرآن (16/ 119).

(4)

جامع البيان (25/ 103).

ص: 57

قال الرازي: "هذه المباحثة إنما جرت مع قومه لأجل أن يرشدهم إلى الإيمان والتوحيد، لا لأجل أن إبراهيم كان يطلب الدين والمعرفة لنفسه".

وقوله عليه السلام عن الشمس والقمر والكوكب: {هذا ربي} إنما نوع من التدرج في إبطال ربوبيتها.

وقد ذكر الرازي وجوهاً في توجيه قول إبراهيم عليه السلام منها " أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يبطل قولهم بربوبية الكواكب، إلا أنه عليه السلام كان قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبُعد طباعهم عن قبول الدلائل؛ أنه لو صرح بالدعوة إلى الله تعالى لم يقبلوه ولم يلتفتوا إليه، فمال إلى طريق به يستدرجهم إلى استماع الحجة، وذلك بأن ذكر كلاماً يوهم كونه مساعداً لهم على مذهبهم بربوبية الكواكب، مع أن قلبه صلوات الله عليه كان مطمئناً بالإيمان، ومقصوده من ذلك أن يتمكن من ذكر الدليل على إبطاله وإفساده وأن يقبلوا قوله، وتمام التقرير أنه لما لم يجد إلى الدعوة طريقاً سوى هذا الطريق، وكان عليه السلام مأموراً بالدعوة إلى الله كان بمنزلة المكره على كلمة الكفر". (1)

قال ابن القيم: " قاله على سبيل التقرير، لتقريع قومه أو على سبيل الاستدلال والترقي "(2)، وقال:"قيل: إنها على وجه إقامة الحجة على قومه، فتصور بصورة الموافق ليكون أدعى إلى القبول، ثم توسل بصورة الموافقة إلى إعلامهم بأنه لا يجوز أن يكون المعبود ناقصاً آفلاً ". (3)

ودعا الله نبيه إلى تألف قلوب اليهود والنصارى ودعوتهم إلى الإسلام من خلال دعوتهم إلى محبب إليهم، إلى اتباع ملة إبراهيم الذي يؤمنون به، وهي في الحقيقة دعوة كل الأنبياء، فقال: {وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين - قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما

(1) التفسير الكبير (13/ 40،41).

(2)

دقائق التفسير (2/ 112).

(3)

مدارج السالكين (3/ 61).

ص: 58

أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحدٍ منهم ونحن له مسلمون} (البقرة: 135 - 136).

قال الطبري: "احتج الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أبلغ حجة وأوجزها وأكملها، وعلَّمها محمداً نبيَه صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، قل للقائلين لك من اليهود والنصارى ولأصحابك: {كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا} (البقرة: 135): بل تعالوا فلنتبع ملة إبراهيم التي يجمِع جميعُنا على الشهادة لها؛ بأنها دين الله الذي ارتضاه واجتباه، وأمر به، فإن دينه كان الحنيفية المسلمة، ونَدَع سائر الملل التي نختلف فيها، فينكرها بعضنا، ويقر بها بعضنا، فإن ذلك على اختلافه لا سبيل لنا إلى الاجتماع عليه، كما لنا السبيل إلى الاجتماع على ملة إبراهيم". (1)

ومن التنزل مع الآخر والرفق في مجادلته مخاطبتُه باصطلاحاته ولغته، يقول ابن تيمية:"وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه، إذا احتيج إلى ذلك، وكانت المعاني صحيحة، كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعُرفهم، فإنَّ هذا جائزٌ حسن للحاجة، وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتاجوا إليه". (2)

وقال رحمه الله: "ولا ريب أن الألفاظ في المخاطبات تكون بحسب الحاجات كالسلاح في المحاربات، فإذا كان عدو المسلمين - في تحصنهم وتسلحهم - على صفة غير الصفة التي كانت عليها فارس والروم، كان جهادهم بحسب ما توجبه الشريعة التي مبناها على تحري ما هو لله أطوع وللعبد أنفع، وهو الأصلح في الدنيا والآخرة، وقد يكون الخبير بحروبهم أقدر على حربهم ممن ليس كذلك، لا لفضل قوته وشجاعته، ولكن لمجانسته لهم، كما يكون الأعجمي المتشبه بالعرب - وهم خيار العجم - أعلم بمخاطبة قومه الأعاجم من العربي ". (3)

(1) جامع البيان (1/ 564).

(2)

درء تعارض العقل والنقل (1/ 43).

(3)

مجموع الفتاوى (4/ 107).

ص: 59

ويقول: "كما نتنزل إلى اليهودي والنصراني في مناظرته، وإنْ كنا عالمين ببطلان ما يقوله اتباعاً لقوله تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن} (النحل: 125) وقوله: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} (العنكبوت:46)، وإلا فعلمنا ببطلان ما يعارضون به القرآن والرسول ويصدون به أهل الإيمان عن سواء السبيل، وإن جعلوه من المعقول بالبرهان أعظم من أن يبسط في هذا المكان". (1)

وقال الشيخ ابن سعدي: " فإن كان المدعو يرى أن ما هو عليه الحق أو كان داعية إلى الباطل، فيجادل بالتي هي أحسن، وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلاً ونقلاً، ومن ذلك الاحتجاج عليه بالأدلة التي كان يعتقدها، فإنه أقرب إلى حصول المقصود". (2)

لكن هذا لا يعني موافقة الآخر على أصوله الباطلة قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والله تعالى لا يأمر المؤمنين أن يجادلوا بمقدمة يسلمها الخصم إنْ لم تكن علماً، فلو قُدرَ أنه قال باطلاً، لم يأمر الله أن يحتج عليهم بالباطل، لكنَّ هذا قد يفعل لبيان فساد قوله وبيان تناقضه، لا لبيان الدعوة إلى القول الحق ودعوة العباد إليه .. ". (3)

7.

إنصاف المخالف بذكر إيجابياته وموافقته فيما يصدر عنه من حق

المسلم رائده الحق، والحكمة ضالته، فهو يأخذها ويقر بها بلا غضاضة، من أي طريق جاءت، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال لأبي هريرة عن الشيطان مصدر الشرور والآثام:((صدقك، وهو كذوب، ذاك شيطان)). (4)

وعلى هذا الأدب درج أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأقروا لمخالفيهم ما عندهم من صور إيجابية، قال المستورد القرشي وهو عند عمرو بن العاص: سمعت

(1) درء تعارض العقل والنقل (1/ 188).

(2)

تيسير الكريم الرحمن (3/ 93).

(3)

الرد على المنطقيين (468).

(4)

رواه البخاري ح (3275).

ص: 60

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((تقوم الساعة والروم أكثر الناس)). فقال له عمرو: أبصر ما تقول! قال: أقول ما سمعتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: لئن قلت ذلك، إن فيهم لخصالاً أربعاً: إنهم لأحلَم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك. (1)

ولا غرو في ذلك الإقرار للمخالف بمزيته، فقد أدبهم القرآن وصاغهم، حين دعاهم إلى التزام العدل مع المخالفين {ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} (المائدة: 2).

فقد قال تعالى مثبتاً بعض خصال الخير لأهل الكتاب: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيلٌ ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} (آل عمران: 75).

وكذا أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي بما فيه من خِلال الخير، وهو يومئذ على الكفر، فقال لأصحابه:((إن بالحبشة ملكاً لا يظلم عنده أحد ، فلو خرجتم إليه حتى يجعل الله لكم فرجاً)). (2)

وفي درس بليغ آخر يقبل النبي صلى الله عليه وسلم من يهودي نصيحته، ففي الحديث ترويه قتيلة بنت صيفي الجهنية قالت: أتى حبر من الأحبار رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، نِعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون؟ قال:((سبحان الله! وما ذاك؟)) قال: تقولون إذا حلفتم: والكعبة.

قالت: فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ثم قال: ((إنه قد قال [أي حقاً]، فمن حلف فليحلف برب الكعبة)). (3)

وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول: "اقبلوا الحق من كل من جاء به،

(1) رواه مسلم ح (2898).

(2)

رواه ابن إسحاق في سيرته، انظر فتح الباري (7/ 188).

(3)

رواه أحمد ح (26533).

ص: 61

وإن كان كافراً - أو قال فاجراً - واحذروا زيغة الحكيم، قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول كلمة الحق؟ قال: إن على الحق نوراً". (1)

وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: " ولكنّ الحق يقبل من كل من تكلم به". (2)

وهكذا فإن الحق رائد المحاور المسلم، كائناً من كان قائله، ورفض الحق والاستكبار عن قبوله من الآخر مجاف لآداب الإسلام، الذي يوصي المؤمنين:{ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} (المائدة:2).

8.

حسن الاستماع للمحاور الآخر

من أهم الآداب التي لا ينفك عنها الحوار؛ حسنُ الاستماع للمحاور الآخر، إذ لا يمكن تحقيق المرجو من الحوار إذا كان من طرف واحد، بل لا يمكن تسميته حينذاك حواراً، ولا يخفى أن المحاور المسلم سيسمع من محاوره نصرة لدينه الباطل وكفراً بالمعتقد الحق الذي يدعو هو إليه، لكن سماعه لذلك ضروري ليُسمع الآخرين هدي الله.

وقد جلس النبي صلى الله عليه وسلم إلى عتبة بن ربيعة يستمع إليه، وهو يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم حطاماً من الدنيا، ويطلب منه التخلي عن دعوته ودينه في مقابلها، يقول ابن هشام:"حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال: ((أقد فرغت يا أبا الوليد؟)) قال: نعم. قال: ((فاسمع مني)) قال: أفعل ". (3)

ومن هذا الأدب السامي استلهم عطاء بن أبي رباح خصلة من خصال الخلق الجم، فيقول:" إن الرجل ليحدثني بالحديث، فأنصت له، كأني لم أسمعه، وقد سمعته قبل أن يولد". (4)

ولا ريب أن تخلق المحاور المسلم بهذه الآداب واجب شرعي، وهو أدعى إلى قبول دعوته وسماع حجته، فالدعوة إلى الإسلام بالحوار والجدال ينبغي أن تكون منضبطة بالوسائل والآداب الشرعية التي رأيناها في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

(1) رواه أبو داود ح (4611)، والبيهقي في سننه (10/ 210).

(2)

مجموع الفتاوى (5/ 101).

(3)

السيرة النبوية (2/ 131)، وحسنه الألباني في فقه السيرة.

(4)

سير أعلام النبلاء (5/ 86).

ص: 62