المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كتاب الحج تعرض الناظم هنا لبقية قواعد الإسلام الخمس وهي الحج - الدر الثمين والمورد المعين

[ميارة]

الفصل: ‌ ‌كتاب الحج تعرض الناظم هنا لبقية قواعد الإسلام الخمس وهي الحج

‌كتاب الحج

تعرض الناظم هنا لبقية قواعد الإسلام الخمس وهي الحج والحج في اللغة القصد وقيل بقيد التكرار لأن الحج يتكرر قصده للبيت وفي الشرع كما قال ابن عرفة عبادة يلزمها وقوف بعرفة ليلة العاشر من ذي الحجة وطواف بطهر أخص بالبيت عن يساره سبعا بعد فجر اليوم النحر وسعي بين الصفا والمروة ومنها اليها سبعا بعد طواف كذلك لا يقيد وقته باحرام في الجميع والأصل في وجوبة قوله تعالى {ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا} وقوله تعالى {وأتموا الحج والعمرة لله} قوله صلى الله عليه وسلم «بنى الاسلام على خمس شهادة أن لا إله الا الله» الحديث وقوله عليه الصلاة والسلام في خطبته «إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا» والاجماع على وجوبه فمن جحد وجوبه فهو كافر ومن أقر به وتركه فالله حسيبه ولا يتعرض له لتوقفه على الاستطاعة وسقوطه بعدمها وذلك مما قد يخفى وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» والرفث الجماع وقيل الفحش من القول والفسق المعاصي وفيهما أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء عند الله إلا الجنة» والمبرور الذي لم يخالطه مأثم وقيل المقبول

اَلْحجُّ فَرْضٌ مَرَّةً فِي العُمْرِ

أَرْكانُهُ إنْ تُرِكتْ لَمْ تُجْبَرِ

الاِحْرَامُ والسَّعْيُ وُقُوفُ عَرَفَةْ

ليْلَةَ الأَضْحَى وَالطَّوَافُ رِدْفَهْ

أخبر أن الحج فرض واجب على الانسان مرة في العمر وأن له أركانا أي فرائض إن

ص: 494

تركت كلها أو ترك واحد منها لم يجبر ذلك المتروك أي بالدم وهو الهدي إذ لا يجبر به إلا الواجبات غير الأركان حسبما يأتي وأن تلك الأركان هي الإحرام والسعي أي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة ليلة الأضحى والطواف الذي يردفه ويقع بعده وهو طواف الإفاضة ولفظ الإحرام أول البيت الثاني يقرأ بكسر لام التعريف بكسرة الهمزة المنقولة إليه وحذف همزة الوصل لتحرك ما بعدها بناء على الاعتداد بالعارض وقد استعمل الناظم هذه اللغة في مواضع من هذا النظم وفهم من قوله ليلة الأضحى أن الوقوف الركني إنما هو بالليل وهو كذلك وسيأتي للناظم التصريح بذلك في قوله هنيهة بعد غروبها تقف وأما الوقوف نهارا فليس بركن وحكمه الوجوب ويجبر تركه بالدم كما يأتي وفهم أيضا من قوله ردفه أن طواف القدوم وطواف الوداع ليس بركن وهو كذلك لكن طواف القدوم واجب يجبر بالدم وطواف الوداع مستحب لا شيء على من تركه أما فريضة الحج فلا خلاف فيها كما تقدم والحكمة في كونه مرة في العمر دون سائر العبادات التي شرع فيها التكرار زيادة على ما فيه من عظيم المشقة والحرج سيما من البلاد البعيدة هي أن غيره من العبادات تعلقت بالزمان المتكرر فتكررت بتكرره ولما تعلق الحج بالمكان وهو ثابت مستقر لا يتبدل ولا يتكرر اكتفى منه بمرة واحدة والله أعلم وفي كون وجوبه على الفور أو على التراخي إلى خوف الفوات فيكون حينئذ واجباً على الفور قولان وخوف الفوات إما بفساد الطريق بعدم أمنها أو بذهاب ماله أو صحته أو ببلوغ المكلف ستين سنة وعلى الفورية لو أخره عن أول عام استطاعه فيه ففي وقوعه أداء وهو شهور أو قضاء قولان والثاني لابن القصار قال الإمام أبو عبد الله محمد بن محمد الحطاب في مناسكه ثم يستحب بعد المرة الأولى ويتأكد الاستحباب في كل خمس سنين لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله

عليه وسلم قال إن الله يقول إن عبدا صححت له جسمه ووسعت عليه في المعيشة تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد على لمحروم رواه ابن أبي شيبة وابن حيان في صحيحه قال ابن فرحون قال العلماء وهو محمول على الاستحباب والتأكد في مثل هذه المدة ويجب إحياء الكعبة في كل سنة بالحج والعمرة فرضا على الكفاية فينبغي لمن حج الفرض أن ينوي القيام بفرض الكفاية ليحصل له ثواب ذلك وشروط وجوب الحج الحرية والبلوغ والعقل والاستطاعة فلا يجب على عبد ولا صغير ولا مجنون ولا غير مستطيع نعم يصح من الجميع ويقع نفلا ولا تسقط به الفروض ولو نووه الا غير المستطيع فإنه يقع منه فرضا إذا نواه أو لم ينو فرضا ولا نفلا ولو بلغ الصبي أو عتق

ص: 495

العبد بعد إحرامهما لم ينقلب فرضا وشروط صحته الاسلام فقط فلا يصح من كافر وإن وجب عليه على المشهور ويشترط في وقوعه فرضا أن لا ينوي به نفلا فلا نوى به الاحرام بنافلة انعقد نافلة وكره له ذلك ولم يجزه عن الفرض والاستطاعة هي إمكان الوصول الى مكة بلا مشقة عظيمة مع القدرة على أداء الصلاة في أوقاتها المشروعة لها في السفر وعدم الاخلال بشيء من فرائضها ومع الأمن على النفس والمال من لص أو مكاس وإلا لم يجب الحج إلا أن يكون المكاس مسلما يأخذ شيئا لا يجحف بالشخص ولا ينكث بعد أخذه ويجب الحج بلا زاد ولا راحة إذا كان الشخص قادرا على المشي وله صنعة يقتات منها ولا بالسؤال إذا كان ذلك عيشة في بلده وكانت العادة إعطاءه وإن لم يكن ذلك عيشه في بلده فلا يجب عليه الحج ويكره له الخروج ومن قدر على المشى ووجد من يؤاجره نفسه للخدمة ولا يؤدي به ذلك وجب عليه الحج ومن عجز عن المشي اعتبر في حقه وجود المركوب بشراء أو كراء ومن لم تكن له صنعة يفعلها في الطريق يتعيش بها اعتبر في حقه وجود الزاد ومن عجز عنهما اعتبرا معا في حقه اهـ

وقالالشيخ خليل في مناسكه وليس من شروط الاستطاعة وجود الناض بل يلزمه أن يبيع من عروضه ما يباع على المفلس ونص اللخمي أن المعتبر في الاستطاعة ما يوصله فقط إلا إن خاف الضياع إن بقي هناك ونقل ابن المعلى عن بعض المتأخرين اعتبار الذهاب والرجوع معا وهو الظاهر ولا يشترط أن يبقي له ما استطاع به شيء على المشهور وقيل ما لم يؤد الى ضياعه وضياع من يقوت ويجب الحج عن من لم يجد طريقا إلا من البحر إلا أن يغلب العطف عليه أو يعلم عن نفسه إذا ركبه تعطيل الصلاة فيه بميد أو ضيق فيحرم ركوبه ونقل ابن الحاج في مناسكه عن ابن شعبان سقوط الحج عن أهل الجزائر والمرأة كالرجل إلا في المشي من المكان البعيد وركوب البحر فاختلف في الزامها ذلك على قولين وظاهر المذهب عدم اللزوم فيهما قال عياض إلا في المراكب الكبيرة التي تختص فيها بمكان وليس من شرط الاستطاعة في حقوقها وجود زوج أو محرم على المشهور بل يكتفي بالرفقة المأمونة بل هذا في حجة الفريضة فقط وأما التطوع فلا وسواء الشابة وغيرها واختلف الأشياخ هل لا بد في الرفقة من مجموع الرجال والنساء أو يكتفي بأحد الجنسين والركوب لمن قدر عليه أفضل على المعروف لأنه فعله صلى الله عليه وسلم ولأنه أقرب الى الشكر والمقتب أفضل من المحمل لمن قدر عليه لموافقته ولراحة الدابة اهـ وأما كون الأركان الأربعة لا تجبر بالدم ولا بغيره فهو كذلك كما نص عليه غير واحد وبعد كونها لا تجبر بالدم فهي على ثلاثة أقسام قسم يفوت الحج بتركه ولا يترتب بسبب تركه شيء وهو الاحرام إما بتركه بالكلية أو بترك ما ينعقد به من النية

ص: 496

والتلبية على قول ابن حبيب غير أن المكلف ان لم يكن حج الفرض فهو باق في ذمته وقسم يفوت الحج بفواته ويؤمر الحاج بالتحليل بأفعال عمرة والقضاء في قابل وهو الوقوف بعرفة باتفاق وقسم لا يفوت الحج بتركه ولا يتحلل من الاحرام إلا بفعله ولو صار إلى أقصى المشرق أو المغرب رجع الى مكة ليفعله وهو

طواف الإفاضة بالاتفاق والسعي على المشهور قاله الحطاب في مناسكه والشاذ في السعي رواية عن مالك لا يرجع اليه ويجزئه الدم وهذه الأركان أحد أقسام الأفعال المطلوبة في الحج وقد قسمها أهل المناسك إلى ثلاثة أركان واجبات غير منجبرة بالدم ولا بغيره وهي الأربعة كما تقدم وزيد عليها على خلاف الوقوف بالمشعر الحرام ورمي جمرة العقبة وطواف القدوم والنزول بالمزدلفة والحلاق والمشهور في الوقوف بالمشعر أنه مستحب لا يجب بتركه شيء والمشهور في رمي جمرة العقبة وطواف القدوم والنزول بالمزدلفة والحلاق أنها واجبة تجبر بالدم كما يأتي للناظم عد الواجبات المجبرة بالدم الحطاب استحب بعض المتأخرين أن ينوى بهذه الأشياء المختلف فيها الركنية ليخرج من الخلاف لأن ثواب الواجب أكثر من ثواب غيره

القسم الثاني واجبات غير أركان منجبرة بالدم وسيأتي قريبا للناظم عد جملة منها القسم الثالث سنن ومستحبات لا يجب بتركها شيء وذلك كغسل الإحرام وكونه اثر صلاة وخصوصية لبس إزار ورداء ونعلين هذه الهيئة التي تعد في السنن أما التجرد فواجب ومقارنة التلبية لنية الإحرام وسوق الهدي لمن يجب عليه وتقليد ما يقلد وإشعار ما يشعر والقصد إلى مكة عقب الاحرام بلا تأخير وتقبيل الحجر الأسود الى غير ذلك مما ذكر في صفة الحج ولم يتنازل الناظم لعدم هذا القسم على حدته كالقسمين الأولين وإنما ذكر بعضه أثناء صفة الحج ولكن يفهم من ذكر القسمين قبله أن ما عداهما مما يذكر في صفة الحج لا يجب بتركه شيء وقد عد الحطاب في مناسكه من هذا القسم نحو المائة والستين فراجعه ان شئت وسيأتي الكلام على الأفعال المطلوب تركها في الحج والعمرة وأنها أيضا على ثلاثة أقسام عند تعرض الناظم لمحرمات الإحرام بعد تمام صفة الحج ان شاء اللهتعالى

وَالوَجِباتُ غيْرَ الارْكانِ بِدَمْ

قَدْ جُبِرَتْ مِنْهَا طَوَافُ مَنْ قَدِم

ووصْلُهُ بالسَّعَيِ مَشْىٌ فِيهماَ

ورَكَعَتا الطَّوَافِ إن تَحَتَّما

نُزُولُ مُزْدَلِفٍ في رُجُوعناَ

فَبيت ليْلَاتٍ ثَلاثٍ بِمِنَى

إحْرامُ مِيقاتٍ فَذُو الحُلَيْفَهْ

لِطِيْبَ لِلشَّامِ ومِصْرَ الجُحْفَةْ

ص: 497

قَرْنٌ لِنَجْدٍ ذَاتَ عَرْقٍ للْعِرَاق

يَلَمْلمُ اليَمَنْ آتِيهاَ مَعْ وَفاقْ

[ش] تَجَرُّدٌ مِنَ المَخِيطِ تَلبْيَهْ

والحَلْقُ مَعْ رَمْيِ اَلجِماَرِ تَوْفِيهْ

أخبر أن الأفعال الواجبة التي ليست بأركان تنجبر بالدم وهو الهدي أحد عشر فعلاً فقال إن منها طواف القدوم ومنها وصله بالسعي أي بين الصفا والمروة وقال في التوضيح في شرح الواجبات المنجبرة أي وكترك طواف القدوم وترك السعي بعده لغير المراهق فلا خلاف في عدم وجوبهما عليه وسقوط الدم عنه وتركهما معا كترك أحدهما وسقوط الهدي عن الناسي أي لطواف القدوم أو السعي قولان لابن القاسم وغيره اهـ والمراهق الذي ضاق عليه الوقت فخاف إن طاف للقدوم وسعى بعده فاته الوقوف بعرفة وترك وصل الطواف بالسعي المستفاد من مفهوم قول الناظم ووصله بالسعي صادق بترك السعي رأساً وبتأخيره عنه كثيرا بأن فرق بينهما بالزمن الطويل وإذا كان مذهب ابن القاسم سقوط الدم عن الناسي والمراهق فيقيد كلام الناظم بغيرهما ومنها المشي في الطواف والسعي ونحوه من مناسك الحطاب والذي في ابن الحاجب ومناسك الشيخ خليل إنما هو المشي في الطواف التوضيح فإن ركب لعجز فإنه يجوز الباجي ولا خلاف فيه ولا يشترط فيه عدم القدرة بالكلية بل يكفي المرض الذي يشق عليه المشي فإن ركب قادرا فثلاثة أقوال الإجزاء لعبد الوهاب في إشرافه وعدمه لمالك في الموازية والمشهور مذهب المدونة أنه يعيد إذا كان قريبا فإن فات فعليه هدي وعليه فيقيد مفهوم قول الناظم شيء فيهما بما إذا ركب قادرا وفات، ومنها ركعتا الطواف الواجب والى وصفه بالوجوب أشار بقوله (إن تحتما) فيدخل طواف القدوم وطواف الافاضة كما صرح بهما ابن الحاجب التوضيح أي ويجب الدم بترك كل من ركعتي طواف القدوم والافاضة إذا بعد من مكة جبرا للتفرقة اهـ وظاهره ولو تركا نسيانا وهو كذلك قال في التوضيح متصلا بما تقدم عنه وانظر كيف أوجبوا الدم في ركعتي طواف القدوم ولم يوجبه ابن القاسم في ترك الطواف أو القدم نسيانا وهو في الحقيقة تبع له انتهى، وهو بحث له ظاهر مع ابن القاسم ومنها نزول المزدلفة في الرجوع من عرفة ليلة النحر التوضيح والظاهر أنه لا يكفي في النزول إناخة البعير بل لا بد من حط الرحال ومنها المبيت بمنى ثلاث ليال يريد لرمي الجمار التوضيح ومراده الليالي التي بعد عرفة وأما الليالي التي قبل عرفة فلا دم في تركها كما صرح به في المقدمات اهـ ويجب الدم سواء ترك المبيت رأسا أو ليلة واحدة أو جل ليلة ومنها الاحرام من الميقات فمن جاوزه حلالا وهو قاصد الحج أو

ص: 498

عمرة فقد أساء فإن أحرم بعد مجاوزته فعليه الدم ولا يرجع اليه ولو رجع سقط عنه الدم برجوعه وإن رجع الى الميقات قبل أن يحرم فأحرم منه ان رجع قبل البعد فلا دم عليه كان جاهلا أو عامدا قال أبو الحسن الصغير وإن رجع بَعْدَ أن بَعُدَ ففي ابن الحاجب وابن شاس عليه الدم وظاهر المدونة أنه لا دم عليه وإن خاف فوات الحج برجوعه للميقات فليحرم من موضعه ويتمادى وعليه دم قاله في المدونة ومنها التجرد من مخيط الثياب فإن تركه ولبس المخيط لغير عذر فعليه الدم وهذا للرجل دون المرأة كما يأتي الكلام عليه إن شاء الله في ممنوعات الاحرام بعد كمال صفة الحج وعادة المؤلفين ذكر هذه المسألة في الأفعال المحظورات الممنوعة على المحرم المنجبرة بالدم فإن للحج أفعالا مطلوبة وهي على ثلاثة أقسام كما تقدم وله أفعال ممنوعة وهي على قسمين مفسدة وغير مفسدة لكنها منجبرة بالدم ومن جملتها لبس المخيط للرجل من غير ضرورة فذكر المسألة هنا بالنظر الى التجرد لأنه في مقام تعداد الواجبات والتجرد واجب وذكرها في المحظورات بالنظر الى اللبس لأنه محرم والكل صحيح والله أعلم، ومنها التلبية يريد إذا تركها بالكلية أو تركها أول الاحرام حتى طاف أو فعلها أول الاحرام ثم تركها في بقيته على ما شهره ابن عرفة وظاهر كلام الشيخ خليل سقوط الدم في هذا، قاله الحطاب ومنها الحلاق فإذا تركه حتى رجع الى بلده أو طال فعليه الدم ومنها رمي الجمار فيجب الدم في تركه رأسا وفي ترك جمرة واحدة من الجمار الثلاث أو في ترك حصاة من جمرة منها الى الليل وفي قوله توفيه إشارة إلى أن رمي الجمار هو آخر الأفعال الواجبة وهو كذلك والله أعلم

ولما عد الناظم الإحرام من الميقات ومن جملة هذه الأفعال المنجبرة بالدم استطرد ببيان الميقات المكاني أي المكان الذي يحرم منه من أراد حجا أو عمرة والمراد هنا الحج فأخبر أن ذا الحليفة ميقات أهل طيبة وهي المدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام فلطيب من حذف مضاف أي لأهلها وكذا يقدر في الشام وما يذكر بعده من المواضع ويريد وميقات لمن أتى عليها ومر بها على غير أهلها فيحرم من ذي الحليفة وجوبا وإن كان مكياً وفاقا لأهلها كما نبه عليه وعلى نظائره باعتبار سائر المواقيت بقوله بعد آتيها وفاق ويستثنى من ذلك من ميقاته الجحفة من الشامي والمصري ومن وراءهم يمر بذي الحليفة فيجوز مجاوزته الى ميقاته بالجحفة والأفضل له أن يحرم من ذي الحليفة لأن ميقاته صلى الله عليه وسلم التوضيح هذا مذهبنا خلافا للجمهور في إيجابهم الإحرام من ذي الحليفة مطلقا لعموم قوله صلى الله عليه وسلم ولمن أتى عليهم والمحل محل نظر فان قوله ولمن

ص: 499

أتى عليهن عام يعم من ميقاته بين يديه وغيره اهـ وقال قبل هذا وذي الحليفة ما بين مياه بني جشم على ستة أميال وقيل سبعة من المدينة أبعد المواقيت من مكة على نحو عشر مراحل أي من مكة أو تسعة قال النووي وهو بضم الحاء المهملة وبالفاء وأن الجحفة ميقات أهل الشام وأهل مصر يريد ميقات لمن مر عليها من غير أهلها لقوله بعد آتيها وفاق كما مر والجحفة بجيم مضمومة ثم حاء مهملة ساكنة قرية بين المدينة ومكة وسميت بذلك لأن السيول أجحفتها عياض وهي على ثماني مراحل من المدينة وتسمى أيضا مهيعة بسكون الهاء عند أكثرهم وبعضهم يكسرها وأن قرنا ميقات لأهل نجد يريد ولمن مر به من غير أهله أيضاً وقرن بسكون الراء ويقال قرن المنازل وقرن الثعالب وفتح الجوهري راءه عياض وغيره وهو خطأ وهو على مرحلة من مكة وهو أقرب المواقيت من مكة عياض وأصل القرن الجبل الصغير المستطيل المنقطع عن الجبل الكبير بينه وبين مكة أربعون ميلا وأن ذات عرق ميقات أهل العراق يريد ولمن مر به من غير أهله أيضا ولم يجده في التوضيح ونقل بعضهم عن الدميري أنه على مرحلتين من مكة وأن يلملما ميقات أهل اليمن ويلملم جبل من جبال تهامة على ليلتين من مكة ويقال فيه ألملم بالهمزة يريد ولمن مر به من غير أهله كما مر في سائر المواقيت وعلى ذلك نبه بقوله آتيها وفاق فلفظ آتيها مبتدأ وضميره للمواضع المذكورة وخبره محذوف ووفاق مفعول من أجله ووقف عليه بالسكون على لغة ربيعة أي الأتي على هذه المواضع والمار بها يحرم منها وفاقا لأهلها الحطاب نظم بعضهم المواقيت الخمسة في بيتين فقال

عرق العراق يلملم اليمن

وبذي الحليفة يحرم المدني

والشام جحفة ان مررت بها

ولأهل نجد قرن فاستبن

انتهى والبيتان من العروض الثانية للكامل وهي الحذاء أي دخلها الحذر وهو حذف الوتد المجموع وضربها الأول مثلها فيبقى من الجزء الأول الواقع عروضاً أي ضربا متفاوتا وبيته

دمن عفت ومحا معالمها

هطل أجش وبارح ترب

وجحفة وقرن في البيت الثاني غير منونين لامتناع صرفهما

ص: 500

(تنبيهات) الأول ظاهر قوله والواجبات وجوب هذه الأفعال وكذا عبر عنها بعضهم أعني بالوجوب وبعضهم عبر عنها بالسنن وبعضهم بالسنن المؤكدة قال ابن عبد السلاموتظهر ثمرة الخلاف في في التأثيم وعدمه فمن يرى وجوبها يقول بتأثيم تاركها ومن يرى أنها سنة لا يقول بذلك الحطاب، والظاهر أن الاختلاف إنما هو محض عبارة لأن الجميع قالوا في تركها الدم والظاهر في هذه الأفعال أنها واجبة لصدق حد الواجب عليها وهو ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه فتكون كالأركان في مطلق الوجوب إلا أن الشارع خصص كلا منهما بحكم فجعل الأركان أوكد من غيرها فلا بد من الإتيان بها وجعل هذه تجبر بالدم كما لم أخصص بعض تلك الاركان بأنه يفوت الحج بتركه لا يترتب على ذلك شيء وبعضها بأنه يتحلل بسبب فواته ويلزمه القضاء وبعضها بأنه لا يتحلل بالإتيان به وهذا ظاهر كلام صاحب الجواهر أو صريحه اهـ الثاني فهم من قوله منها حيث أتى بمن التبعيضية أنه لم يستوف تلك الأفعال بل ذكر بعضها فقط مما لا بد من معرفته وترك غيره اختصاراً وهو كذلك فقد ذكر الحطاب في مناسكه ثلاثا وأربعين فعلا من الواجبات المنجبرة بالدم إلا أنه قسمها على ثلاثة أقسام: قسم اتفق أهل المذهب على وجوب الدم بتركه وهو أربعة عشر الأول الإحرام بعد مجاوزة الميقات لمريد النسك إذا لم يرجع بعد الإحرام الى الميقات والثاني ترك التلبية من أول الإحرام الى آخره وظاهر كلام ابن الحاجب أن في ذلك خلافا وليس بمعروف والثالث ترك ركعتي الطواف حتى يبعد عن مكة ومنه من انتقض وضوؤه قبل فعلهما فتوضأ وفعلهما ولم يعد الطواف نسيانا أو جهلاً حتى بعد عن مكة فإن ذلك بمنزلة تركهما والرابع ترك رمي الجمار كلها أو حصاة منها حتى تمضي أيام الرمي والخامس ترك المبيت بمعنى ليلة كاملة فأكثر من ليالي الرمي والسادس ترك الحلاق حتى يرجع الى بلده أو يطول والسابع والثامن والتاسع تأخير طواف الإفاضة أوالسعي أو هما معا الى المحرم

والعاشر ترك البدء بالحجر الأسود في الطواف ولم يعده حتى خرج من مكة وتباعد.

ص: 501

والحادي عشر الدفع من عرفة نهارا قبل الغروب ولم يخرج منها إلا بعد الغروب والثاني عشر التفريق بين الطواف والسعي بالزمن الطويل ولم يعاوده حتى بعد عن مكة والثالث عشر إيقاع السعي بعد طواف غير واجب ولم يعاوده بعد رجوعه من عرفة حتى بعد عن مكة وإن كان ابن الحاجب حكى فيه قولاً شاذا بسقوط الدم فقد قال ابن عرفة أنه لا يعرفه إلا تخريجا لالتونسي والله أعلم، والرابع عشر التفريق بين أجزاء السعي بالزمن الطويل ولم يعاوده حتى تباعد على ما قاله ابن الحاجب قال وجعل بعضهم البداءة بالصفا في السعي من هذا القسم وليس كذلك لأن ذلك شرط في صحة السعي وقسم اختلف فيه والمشهور فيه وجوب الدم وهو ثلاثة عشر الاول الإحرام بعد مجاوزة الميقات لمريد النسك اذا رجع بعد الاحرام للميقات والثاني ترك التلبية في أول الإحرام حتى يطوف أو فعلها في أول الإحرام ثم تركها في بقيته على ما شهره ابن عرفة وظاهر كلام الشيخ خليل سقوط الدم في هذا والثالث ترك طواف القدوم من غير عذر ولا نسيان حتى يخرج لعرفة ومنه أن يمضي الى عرفات بعد إحرامه من الميقات قبل أن يدخل مكة مع إمكان ذلك والرابعة ترك السعي بعده والخامس إذا تركهما معا فهو كترك أحدهما والسادس ترك المشي في الطواف للقادر ولم يعده والسابع تركه في السعي للقادر ولم يعده أيضا والثامن ترك الوقوف بعرفة نهارا بعد الزوال بغير عذر والتاسع تأخير رمي جمرة من الجمار أو حصاة الى الليل والعاشر ترك المبيت بمنى ليلة من ليالي الرمي والحادي عشر ترك النزول بمزدلفة ليلة النحر والثاني عشر تقديم الافاضة على الرمي والثالث عشر إيقاع ركعتي الطواف في الكعبة أو الحجر ولم يعد ذلك حتى بعد عن مكة.

ص: 502

وقسم اختلف فيه والمشهور عدم وجوب الدم وذلك ستة عشر الأولى ترك الإحرام من الميقات لمن يريد دخول مكة لغير نسك والثاني ترك طواف القدوم نسيانا حتى يخرج لعرفة والثالث ترك السعي كذلك والرابع إذا تركهما معا فهو كترك أحدهما والخامس الطواف في السقائب لغير زحام ولم يعده حتى رجع لبلده والسادس الإحرام بالعمرة من الحرم على ما قاله التادلي عن ابن جماعة التونسي والسابع ترك المبيت بمنى ليلة يوم عرفة على ما نقله التادلي عن ابن العربي ولم يحك غيره في سقوط الدم خلافا والثامن تأخير الحلق حتى تخرج أيام الرمي والتاسع تأخير الإفاضة حتى تخرج أيام الرمي والعاشر تقديم النحر على الرمي على ما قاله ابن الحاجب ووقع على بعض نسخ المنتقى وقال عياض لا شيء في ذلك اتفاقا والحادي عشر تقديم الحلق على النحر على ما نقل الباجي عن ابن الماجشون والذي نقله اللخمي والمازري عنه أن في ذلك الفدية والثاني عشر ترك الرمل في الطواف والثالث عشر ترك الخبب في السعي والرابع عشر تفريق الظهر من العصر يوم عرفة والخامس عشر مخالفة اللفظ النية في الإحرام والسادس عشر من وقف بعرفة بعد الزوال ثم دفع وخرج منها قبل الغروب ثم رجع فوقف ليلا إلا أن الدم في هذا الأخير عند القائل به مستحب اهـ وقد اعتمدت في هذه الأقسام على نسختين من مناسك الحطاب ولست في عهدة تصحيف أو إسقاط إن وجد فيها اذا لم أجد في الوقت غيرها ولم يذكر الناظم شيئا من هذا القسم الثالث لأن المشهور فيه سقوط الدم كما مر وإن كان تنصيصه على وجوب

ص: 503

الدم في طواف القدوم والسعي يدخل فيه الناسي وعلى وجوبه في ترك الإحرام من المقيات يدخل فيه أيضا من يريد دخول مكة لغير نسك وهذه الفروع الثلاثة من هذا القسم الثالث لكن يتعين حمله على المشهور فيقيد وجوب الدم في الفرع الأول والثاني بغير الناسي وفي الثالث بقاصد أحد النسكين حج أو عمرة كما قررنا به كلامه والله أعلم وذكر من القسم الأول المتفق على وجوب الدم فيه ثلاثة فروع وهي الثالث والرابع والسادس على الترتيب المتقدم ومن القسم الثاني أربعة فروع أيضا وهي الفرع الثالث والسادس والسابع وقد عددناهما أعني السادس والسابع في حل كلام الناظم فرعا واحدا والحادي عشر فالمجموع سبعة وشمل قوله ووصله بالسعي الفرع الثاني عشر من القسم الأول والرابع من القسم الثاني كما شمل قوله مبيت ليلات ثلاث بمنى الفرع الخامس من القسم الأول والفرع العاشر من القسم الثاني كما شمل قوله إحرام ميقات الفرع الأول من القسم الأول ومن القسم الثاني وكما شمل قوله تلبية الفرع الثاني من القسمين أيضا كما تقدم ذلك كله في حل كلام الناظم فمجموع ما يؤخذ من كلام الناظم من الفروع السبعة والعشرين التي يجب فيها الدم اتفاقا أو على المشهور خمسة عشر ولم يذكر الحطاب ولا الشيخ خليل هنا التجرد من المخيط وإنما ذكراه مع الأفعال المطلوب تركها المنجبرة بالدم وهو أنسب وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله

الثالث اعلم أن للاحرام بالحج أو العمرة ميقاتين زماني ومكاني التوضيح وإطلاق الميقات على المكاني إنما هو بالحقيقة الشرعية لأن في الحديث وقت لأهل المدينة وإلا فحقيقة التوقيت عليق الحكم بالوقت ثم استعمل في التحديد لأن التوقيت تحديد بالوقت فيصير التحديد من لوازم التوقيت ثم قال وقال ابن دقيق العيد قوله وقت يحتمل أن يراد به التحديد أي حد هذه المواضع للاحرام ويحتمل أن يريد بذلك تعليق الاحرام بوقت الوصول الى هذه الأماكن بشرط إرادة الحج والعمرة ومعنى توقيت هذه الأماكن للاحرام بشرط إرادة الحج والعمرة أنه لا يجوز مجاوزتها لمن يريد الحج والعمرة إلا وهو محرم وإن لم يكن في لفظ وقت تصريح بالوجوب فقد ورد يهل أهل المدينة وهي صيغة خبر يراد به الأمر وورد في بعض الروايات لفظ الأمر اهـ فالميقات الزماني للاحرام بالحج مفردا أو قارنا وهو من أول شوال الى طلوع الفجر من يوم النحر ويأتي بيان الإفراد والقران عند كلام الناظم على صفة الاحرام إن شاء الله وللاحرام بالعمرة جميع السنة إلا لمن كان محرما بحج أو قران فحتى يكمل حجه وتمضي أيام التشريق فإن أحرم بها قبل الزوال من اليوم الرابع من أيام النحر لم تنعقد وإن أحرم بها بعد الزوال منه وكان قد طاف وسعى لحجه وأكمل رمي الجمار انعقد احرامه بها مع

ص: 504

الكراهة الا أنه لا يفعل فعلا من أفعالها الا بعد الغروب ولو طاف وسعى قبل الغروب فهما كالعدم وان خرج الى الحل فلا يدخل الحرم حتى تغرب الشمس لأن دخوله الى الحرم بسبب العمرة عمل لها ومن كان محرما بعمرة فلا ينعقد إحرامه بإخرى حتى يكمل أركان الأولى فإن أحرم بالثانية قبل الحلاق للاولى انعقد احرامه ويكفيه حلاق واحد لهما ان قرب الزمان كاليوم ونحوه على نقل التادلي عن ابن عطاء الله وظاهر كلام الطراز وجوب الدم ولو كان مع القرب وأما الميقات المكاني فالناس فيه قسمان أحدهما من بمكة، والثاني الواصل اليها فمن كان بها يحرم منها بالحج سواء كان من أهلها أو مقيما بها ويستحب أن يكون إحرامه من المسجد ويستحب للمقيم اذا كان الوقت متسعا أن يخرج الى ميقاته إن أمكنه ذلك وأما الاحرام بالعمرة أو بالحج قارنا فلا بد فيه من الخروج الى طرف الحل من أي جهة والأفضل الجعرانة ثم التنعيم كما يقول الناظم لما تكلم عن العمرة وفي التنعيم ندبا أحرم ويستحب أيضا لمن كان له ميقات أن يخرج اليه كما في الحج إن أمكنه ولو أحرم بها في الحرم إنعقد إحرامه ولكن لا يصح فعلها إلا بعد الخروج فلو طاف وسعى قبل الخروج أعادهما ولو حلق خرج وأعادهما ولزمه دم على الصحيح ولم يتعرض الناظم للميقات الزماني ولا المكاني باعتبار من بمكة وإنما تعرض للمكاني بالنسبة للآفاقي وهو الواصل الى مكة فذكر له المواقيت الخمسة وعين أهل كل ميقات منها من كان منزله بين مكة والميقات فميقاته مسكنه فإن كان مسكنه قريبا من الميقات فيستحب له أن يذهب الى الميقات فيحرم منه فإن سافر لما وراء الميقات فله التأخير الى منزله وله أن يحرم من الميقات قاله سند ومن لم يكن في طريقه ميقات أحرم اذا حاذى الميقات قال سند وصاحب الذخيرة ومن منزله بين ميقاتين فميقاته منزله قاله مالك وانظر هل معناه أنه محاذ لميقاتين أو أنه بعد ميقات وقبل آخر كأهل بدر قال في النوادر قال مالك ومن حج في البحر من أهل مصر وشبههم فليحرم اذا حاذى الجحفة من كان منزله قد حاذى ميقاتا أحرم منه وليس عليه أن يأتي الميقات ابن الحاجب فلو أحرم قبل أشهر الحج انعقد على الأشهر بناء على أنه أولى أو واجب ثم قال في الميقات المكاني وأول الميقات أفضل ويكره تقديمه ويلزمه اهـ والمار بالميقات ان أراد دخول مكة لم يجز له دخولها الا محرما سواء أراد نسكا أو تجارة أو غير ذلك ويستثنى من ذلك ثمانية أشخاص الداخل لقتال بوجه جائز والخائف من سلطانها ومن خرج من مكة ثم عرض أمر فرجع اليها ومن

خرج لموضع قريب كالطائف وعسفان بنية العود ولم تطل اقامته به والعبد وغير البالغ والمغمى عليه ومن يكثر التردد

ص: 505

من الحطابين وأهل الفواكه فهؤلاء يجوز لهم دخولها من غير احرام أما غيرهم فيجب عليهم الاحرام فإن جاوز الميقات غير محرم فقد أساء ولا دم عليه إن كان غير مريد النسك وإنما يريد دخولها للتجارة أو لأهله أو لكونها وطنه ولو أحرم بعد ذلك من مكة أو غيرها وأراد دخولها للنسك وجاوز الميقات بغير احرام فيؤمر بالعود اليه ما لم يحرم ولو شارف مكة وظاهر كلام ابن يونس وغيره ولو دخلها وهو ظاهر فان عاد الى الميقات وأحرم منه فلا دم عليه وإن لم يعد وأحرم بعد مجاوزة الميقات ولو يسيرا فعليه الهدي ولا يسقط برجوعه بعد الاحرام وأما المار بالميقات غير محرم إذا لم يرد دخول مكة أصلا بل أراد ما دونها ومن لازم ذلم أنه لم يقصد نسكا فان كان غير ضرورة غير ضرورة أو ضرورة مستطيع فلا دم عليه وإن كان ضرورة مستطيعا ففي وجوب الدم عليه قولان بناء على كون الحج واجبا على الفور أو على التراخي والله تعالى أعلم

وَإِنْ تَرِدْ تَرْتِيبَ حَجِّكَ اُسْمَعا

بَيَانَهُ وَالذِّهْنَ مِنْكَ اُسْتَجْمِعاَ

إِنْ جِئْتَ رَابغاً تَنَظَّفْ وَاغَتِسْل

كَوَاجِبٍ وَبالشُّرُوع يَتَّصِلْ

وَالْبَسْ رِداً وَأُزْرَةً نَعْلَينِ

وَاُسْتَصْحِب الهَدْيَ وَرَكْعَتَيْن

بِالْكَافِرُونَ ثُمَّ بالإِخْلاصِ هَما

فإِنْ رَكِبْتَ أَوْ مَشِيْتَ أَحْرِماَ

بِنِيَّةٍ تَصْحَبُ قَوْلاً أَوْ عَمَلْ

كَمْشيٍ أَوْ تَلْبِيَةٍ مِمَّا اُتَّصَلْ

وَجَدِّدْنَهاَ كُلَّماَ تَجَدَّدَتْ

حَالٌ وَإِنْ صَلَّيْتَ ثُمَّ إِنْ دَنَتْ

لما قدم حكم الحج وأن له أركانا لا تجبر بالدم وواجبات غير أركان تجبر به شرع الآن في بيان صفة الحج مضربا عن الاحكام لتقدمها فقال إن أردت ترتيب أفعال حجك فاسمعن بيان ذلك واستجمع ذهنك وأحضره لتكون على بصيرة فيما أذكر لك من ذلك وذلك إن مريد الاحرام اذا وصل الى الميقات حرم عليه مجاوزته وهو غير محرم كما تقدم وتقدم عن ابن الحاجب أن الاحرام أول الميقات أفضل واختلف في الاحرام من رابغ هل هو من باب الاحرام من أول الميقات واختاره الشيخ عبد الله المتوفي وكان ينقله عن شيوخه قال ودليله اتفاق الناس على ذلك واقتصر عليه ابن فرحون في مناسكه وعلى هذا اعتمد الناظم في قوله ان جئت رابغا تنظف لأنه من أعمال الجحفة ومتصل بها أو هو من باب الاحرام قبل الميقات فالإحرام منه مكروه قال سيدي أبو عبد الله بن الحاج فإذا وصله وأراد الإحرام فإنه يتنظف بحلق العانة ونتف الإبط وقص الشارب والأظفار ثم يغتسل ولو كان حائضا ونفساء صغيراً أو كبيراً وإن كان جنبا اغتسل للجنابة والإحرام وأجزأه وكذلك الحائض إن طهرت حينئذ فتغتسل للحيض

ص: 506

والاحرام ويتدلك فيه ويزيل الوسخ بخلاف ما بعده من الاغتسالات الآتية في الحج فليس فيها الا امرار اليد مع الماء والى صفة الغسل أشار بقوله كواجب فهو على حذف الموصوف أي كغسل واجب يراعى في الغسل الاتصال كغسل الجمعة قال في الموازية وإن اغتسل في المدينة ثم مضى من فوره أجزأه وإن اغتسل غدوة ثم أقام الى العشاء ثم راح الى ذي الحليفة فأحرم منها لم يجزه الغسل وإن اغتسل غدوة ثم قام الى الظهر وكرهته والى اشتراط وصله بالإحرام أشار الناظم بقوله وبالشروع يتصل ولا دم على من تركه ولا يعيده اذا بعد وفي إعادته بالقرب قولان ولا يتيمم من عدم الماء

(فائدة) هذا الاغتسال عند الاحرام هو أحد اغتسالات الحج الثلاث الاغتسال الثاني لدخول مكة هو في الحقيقة للطواف بدليل سقوطه عن الحائض والنفساء والاغتسال الثالث لوقوف عرفة فالاغتسال أحد مثلثات الحج أي أحد الأشياء التي تفعل في الحج ثلاثا كالطواف والخطبة والرمي والاسراع أو تفعل على ثلاثة أوجه كالإحرام والدم ونحو ذلك كما يأتي بيانه إن شاء الله وقد لفقت فيما استحضرت منها بيتين وهما

مثلثات الحج فيما أذكر

غسل طواف خطبة تستحضر

رمي واسراع مبيت بمنى

دم وإحرام ظفرت بالمنى

ثم بعد الفراغ من الغسل يلبد رأسه ان كان له وفرة والتلبيد أن يأخذ صمغا وغاسولا فيلطخهما ثم يجعلهما في الشعر فيلتصق بعضه ببعض ولا تكثر دوابه ولم يذكره الناظم ثم يلبس إزارا ورداء ونعلين كما نبه عليه بقوله والبس ردا وأزرة نعلين ولو ارتدى بثوب واحد جاز والأفضل البياض ولا يجوز المعصفر ولا المورس ثم يستصحب هديا وعلى ذلك نبه بقوله واستصحب الهدي يستحب له أن يقلده إن كان من الإبل أنه البقر والتقليد تعليق شيء في العبق والأفضل أن يفتل شيئا مما تنبته الأرض ويجعل فيه نعلين ويعلقه في عنق الهدي ثم يشعره إن كان من الإبل سواء كان له أسنمة أو لا ومن البقر إن كان لها أسنمة ولا تقلد الغنم ولا تشعر والاشعار أن يشق في سنامها من الجانب الأيسر من جهة الرقبة الى جهة المؤخر قدر أنملتين ونحو ذلك قائلا باسم الله والله أكبر مستقبلا هو وهديه آخذ لزمامه بيذه اليسرى ثم يحلله إن كان من الإبل وهو أن يجعل عليه ثوبا بقدر وسعه وتشق الجلال الا أن يكون ثمنها كثيرا ثم يصلي سنة الإحرام ركعتين فأكثر يقرأها فيهما بالكافرون والإخلاص وعلى ذلك نبه بقوله وركعتين الخ فإن كان وقت نهي انتظر وقت الجواز لإلا أن يخاف فوات الرفقة أو يكون مرهقا فيخرج بغير صلاة ويدعو الله عقب تنفله ويسأله العون على تمام نسكه ثم يركب راحلته فإذا استوى عليها أحرم وإن كان ماشيا فحين يشرع في المشي يحرم

ص: 507

وعلى ذلك نبه بقوله فإن ركبت أو مشيت أحرما والإحرام هو الدخول بالنية في أحد النسكين مع قول متعلق به كالتلبية والتكبير وفعل كالتوجه الى الطريق والاشعار وعلى ذلك نبه بقوله (بنية) البيت وبنية متعلق (بأحرما) وعمل معطوف على (قولا) ووقف عليه بالسكون على لغة ربيعة وكمشي مثال للعمل وتلبية مثال للقول ونشر غير مرتب ومما اتصل أي بالاحرام صفة لقولا وما عطف عليه والتلبية هي أن يقول «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك» يروى

بكسر همزة إن الحمد وهو المختار ويروى بفتحها ويحضر قلبه عند التلبية أنه يجيب مولاه فلا يضحك ولا يلعب ويجدد التلبية عند تغير الأحوال كالقيام والقعود والنزول والركوب والصعود والهبوط وملاقاة الرفاق ودبر الصلوات وعلى ذلك نبه بقوله وجددتها كلما تجددت حال وإن صليت ويتوسط في رفع صوته بها وفي ذكرها فلا يلح بها بحيث لا يفتر ولا يسكت وقد جعل الله لكل شيء قدرا ولا ترفع المرأة صوتها ولابأس أن يعلم الأعجمي التلبية بلسانه ولا يرد الملبي السلام بالاشارة على المشهور بخلاف الصلاة قال مالك ويرد الملبي السلام بعد فراغه من التلبية ثم قال وهل يسلم أحد على الملبي إنكارا لذلك وقد اشتمل كلام الناظم على سنن الإحرام الأربعة وهي الغسل ولبس إزار ورداء ونعلين متجردا عن المخيط وصلاة ركعتين والتلبية

(تنبيه) الاحرام بالحج يكون على ثلاثة أوجه الافراد وهو أفضلها وهو أن يحرم بحجة فيقول نويت الاحرام بالحج وأحرمت به لله تعالى أو ينوي ذلك بقلبه وهو الأفضل عند مالك فإذا فرغ من حجه يسن له أن يأتي بعمرة

الوجه الثاني القران وله صورتان أولاهما أن يحرم بعمرة وحجة معا ويبتدي العمرة في نيته وفي لفظه إن تلفظ وتبدئتها على جهة الاولى وإنما كان ذلك على وجه الأولى فقط لكون نية الاحرام بهما معا فيصح سواء ذكر العمرة قبل الحج أو بعده

الصورة الثانية من صورتي القران أن يحرم بالعمرة أولا ثم يردف عليها الحج ويصح الارداف بلا كراهة ما لم يكمل طواف العمرة ويصح مع كراهة بعد الطواف وقبل الركوع ولا يصح بعد الركوع وقبل تمام السعي على المشهور فإن أحرم بالحج بعد كمال السعي وقبل الحلق صح إحرامه ولم يكن مردفا وحرم عليه الحلق وأهدى لتأخيره ولو حلق لم يسقط الهدي ولزمته الفدية ويشترط في صحة الإرداف أن تكون العمرة صحيحة فلو أفسدها لم يردف الحج عليها على المشهور

والوجه الثالث التمتع وهو أن يحرم بعمرة ثم يحل منها في أشهر الحج ثم يحج من

ص: 508

عامه فإن نوى الدخول في حرمة الاحرام ولم يعين نسكا صح إحرامه كذلك ويجبر على صرفه لأحد الوجوه الثلاثة المتقدمة/ ابن عبد السلام ولا يفعل شيئا من الاركان الا بعد التعيين

(فائدة) إذا علمت أن الإحرام بالحج على ثلاثة أوجه كما مر فالإحرام أحد مثلثات الحج كما تقدم عند الكلام على الغسل للإحرام والله أعلم ويجب على كل من القارن والمتمتع الدم لكن بشرط أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام والمراد بالحاضر من كان مستوطنا مكة أو ذا طوى حين إحرامه بالعمرة ولو كان خرج لحاجة أو زيارة وأما من قدم محرما بعمرة في أشهر الحج ونيته الاستيطان فإنه يجب عليه الهدي لأنه لم يكن وقت إحرامه بالعمرة مستوطنا ولا يسقط الهدي بالإقامة بمكة بغير نية الاستيطان ويشترط أن يحج من عامه ويزاد في وجوب الدم على المتمتع أن لا يعود الى بلده أو مثل بلده في البعد وأن يفعل بعض أركان العمرة في أشهر الحج ولو بعض شوط من السعي بخلاف الحلق ولا يشترط كونهما عن واحدة فلو اعتمر عن غيره ثم حج عن نفسه أو بالعكس وجب عليه الهدى ولا يشترط في التمتع صحة العمرة فلو أفسد عمرته ثم حج من عامه قبل قضائها فهو متمتع وعليه قضاء عمرته إذا حل من حجه وحجه تام ولو كرر العمرة في أشهر الحج فهدي واحد يجزئه، ولو أحرم بعمرة وحل منها في أشهر الحج ثم أحرم بقران فعليه هديان هدي للتمتع وهدي للقران ولا يجوز نحر هدي التمتع والقران قبل يوم النحر فإن فعل لم يجزه وقال الشيخ خليل ودم التمتع يجب بإحرام الحج وأجزأ قبله يريد أجزأ تقليده واشعاره قبل الاحرام بالحج لا نحره نص على ذلك ابن عبد السلام وغيره صح من مناسك الامام الحطاب رحمه الله تعالى:

ثم إن دنت مَكَّةُ فاَغْتَسِلْ بِذِي طُوىً بلَا

دلْكٍ وَمِنْ كَذَا الثَّنِيَّةَ ادْخُلَا

إذَا وصَلْتَ لِلْبُيُوتِ فاتْرُكا

تَلْبِيَةً وَكُلَّ شُغْلٍ واسْلُكا

لِلْبَيتِ مِنْ باَبِ السَّلَامِ واسْتَلِمْ

الْحَجَرَ الأَسْوَدَ كبِّرْ وَأَتِمّ

سَبْعَةَ أَطْوَافٍ بِهِ وقَدْ يَسَرْ

وَكَبِّرَنْ مُقَبِّلاً ذَاكَ الحَجَرِ

مَتَى تُحاذِيهِ كَدَا اليَمَانِي

لَكِنَّ ذَا بالْيَدِ خُذْ بَيَاني

ص: 509

إِنْ لَمْ تَصِلْ لِلْحَجَرِ المَسْ باليَدِ

وَضَعْ عَلَى الفَمِّ وكَبِّرْ تَقْتَدِ

وَارْمُلْ ثَلَاثاً وَامْشِ بَعْدُ أرْبَعاً

خَلْفَ المَقامِ رَكْعَتَيْنِ أوْ قِعاَ

وادعُ بِما شِئْتَ لَدَى المُلْتَزَم

وَالحَجَرَ الأَسْوَدَ بَعْدُ فاَسْتَلِمِ

وَاُخْرُجْ إِلى الصَّفا وقِفْ مُسْتَقْبِلاً

عَلَيْهِ ثُمَّ كَبِّرَنْ وَهَلَّلا

واسْعَ لِمَرْوةَ فَقِفْ مِثْلَ الصَّفا

وَخُبَّ في بَطْنِ المسِيلِ ذَا اقْتِفاَ

أرْبَعَ وقْفاَتٍ بِكُلٍّ مِنْهُمَا

تَقِفْ والأَشوَاطَ سَبْعاً تَمِّماً

وَادْعُ بِماَ شِئتَ بِسَعيٍ وَطَوَافْ

وَبالصَّفَا وَمْروَةٍ مَعَ اعْتِرَافْ

وَيَجِبُ الطْهرَانِ والسَّتْرُ عَلَى

مَنْ طَافَ نَدْبُها بسَعْيٍ يُجْتَلَى

وَعُدْ فَلَبِّ لِمُصلّى عَرَفَهْ

وَخُطْبَةَ السَّابِع تَاتي للِصِّفَهْ

أخبر أن من أحرم ثم دنت وقربت منه مكة فوصل الى ذي طوى يريد أو ما كان على قدر مسافتها اغتسل لدخول مكة يصب الماء مع إمرار اليد بلا تدلك والى ذلك أشار بقوله ثم إن دنت مكة فاغتسل بذي طوى بلا دلك وقد تقدم أن هذا الغسل في الحقيقة للطواف بدليل سقوطه على من لا يطوف من حائض أو نفساء فإذا دخل مكة من غير غسل اغتسل ثم طاف هذا إن جاء نهارا وهو أفضلوإن جاء نهارا أو في آخر النهار استحب له أن يبيت خارج مكة فإذا أصبح اغتسل ودخل وإن اغتسل ثم بات لم يجزه ذلك الغسل ثم يدخل مكة من كدا الثنية التي بأعلى مكة وهو بفتح الكاف والدال المهملة وبالمد وقصرها الناظم للوزن ويهبط منها للأبطح والمقبرة تحتها وإن لم تكن في طريقه ما لم يؤد إلى يؤد إلى الزحمة وإذاية الناس فيتعين ترك ذلك وإذا وصل إلى الحرم قال «اللهم إن هذا حرمك وحرم رسولك فحرم لحمي ودمي على النار اللهم آمني من عذابك يوم تبعث عبادك» فإن كان محرما بعمرة قطع التلبية حينئذ وكذا من كان محرما بحج مفردا أو قارنا وفاته الحج وأما المحرم بأحدهما ولم يفته الحج فيستمر يلبي إلى أن يصل لبيوت مكة وقيل إلى الطواف وعلى الأول درج الناظم حيث قال إذا وصلت للبيوت فاتركا تلبية وكان بعض السلف يقول عند دخوله مكة «اللهم البلد بلدك والبيت بيتك جئت أطلب رحمتك وألزم طاعتك متبعا لأمرك راضيا بقدرك أسألك مسألة المضطر اليك المشفق من عذابك أن تستقبلني بعفوك وأن تتجاوز عني برحمتك وأن تدخلني جنتك» وصحح الشافعية أن دخولها ماشيا أفضل فإذا دخل مكة ترك كل شغل وقصد المسجد ليطوف بالبيت طواف القدوم وعلى ذلك نبه الناظم

ص: 510

بقوله (وكل شغل واسلكا) للبيت يريد إلا أن يخاف على رحله الضياع فتأويه فقوله وكل بالنصب عطف على تلبية واستحب مالك للمرأة الجميلة إذا قدمت نهارا أن تؤخر الطواف إلى الليل ويدخل المسجد من باب شيبة وهو المعروف الآن بباب السلام وإلى ذلك أشار بقوله واسلكا للبيت من باب السلام

ويدور اليه إن لم يكن في طريقه فيقدم رجله اليمنى ويقول «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وسلم اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك» وهذا مستحب لكل من دخل مسجداً أي مسجد كان قال ابن حبيب ويستحب إذا وقع بصره على البيت أن يقول «اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ومهابة وتكريما» وأنكر ذلك مالك خوف اعتقاد وجوبه والله أعلم ويستحضر ما أمكنه من الخضوع والخشوع ولا يركع تحية المسجد بل يقصد الحجر الأسود وينوي طواف القدوم أو طواف العمرة إن كان فيها أو يعين النسك إن كان إحرامه مطلقا غير معين فيقبله بفيه وهو مراد الناظم باستلام الحجر الأسود وسكن دال الأسود إعطاء للوصل حكم الوقف للوزن ويكبر وإن زوحم عن تقبيله لمسه بيده ثم وضعها على فيه من غير تقبيل ثم يكبر وإلى ذلك أشار الناظم بقوله وإن لم تصل للحجر (المس باليد) البيت فإن لم تصل يده فيعود إن كان لا يؤذي به أحداً أو إلا ترك وكبر ومضى ولا يشير بيده ولا يدع التكبير استلم أو لا

(فائدة) قال ابن حجر استنبط بعضهم من مشروعية استلام الحجر جواز تقبيل كل من يستحق التعظيم من آدمي وغيره فأما تقبيل يد الآدمي فيأتي في كتاب الأدب وأما غيره فنقل عن الإمام أحمد أنه سئل عن تقبيل منبر النبي وتقبيل قبره فلم ير به بأساً واستبعد بعض أصحابه صحة ذلك ونقل عن أبا الصيف اليماني أحد علماء مكة من الشافعية جواز تقبيل المصحف وأجزاء الحديث وقبور الصالحين اهـ ذكر ذلك قبل باب تقبيل الحجر وفي بعض أجوبة ابن حجر قال نص أحمد رضي الله عنه على كراهة تقبيل الخبز، وفي المعيار وأما تعظيم الخبز بالتقبيل وجعله فوق الرأس فغير مشروع اهـ ثم يشرع في الطواف فيطوف والبيت عن يساره سبعة أشواط وإلى ذلك أشار بقوله وأتم سبعة أطواف به وقد يسر فضمير (به) للبيت المتقدم في قوله واسلكا للبيت وجملة قد يسر حال من فاعل أتم أي أتم أيها الطائف سبعة أطواف بالبيت والحالة أنك قد يسرته أي جعلته لناحية اليسار هذا هو المناسب لما قبله من صيغ الخطاب ففي إسناد ضمير يسر إلى الغائب التفات إذ التقدير قد يسر الطائف بالبيت ففاعل يسر اسم ظاهر والاسناد الى الظاهر من باب الغيبة والله أعلم فإذا وصل الى الركن اليماني وهو الركن

ص: 511

الذي قبل الحجر الأسود لمسه بيده ثم وضعها على فيه من غير تقبيل وكبر ومضى، أما الركنان الشاميان وهما اللذان يليان الحجر بكسر فسكون فلا يقبلهما ولا يستلمهما وهل يكبر عندهما أم لا؟ قال ابن الحاجب: على ما في بعض نسخه بخلاف الركنين اللذان يليان الحجر فإنه يكبر فقط. ابن عرفة: وقول ابن الحاجب يكبر لهما لا أعرفه. اهـ. ابن حجر.

(فائدة): في البيت أربعة أركان، الأول له فضيلتان كون الحجر الأسود فيه وكونه على قواعد ابراهيم وللثاني الثانية فقط وليس للآخرين شيء منهما فلذلك يقبل الأول ويستلم الثاني فقط ولا يقبل الآخرين ولا يستلمهما، هذا على رأي الجمهور واستحب بعضهم تقبيل الركن اليماني أيضاً. اهـ. فإذا وصل إلى الحجر الأسود فذلك شوط، وكلما مر به أو بالركن اليماني فعل بكل واحد منهما كما ذكرنا فيه الى آخر الشوط السابع إلا أن تقبيل الحجر ولمس اليماني أول مرة سنة وفيما بعدها مستحب فقط كما سيأتي بيانه وإلى هذا أشار الناظم بقوله:

وكبرن مقبلا ذاك الحجر

متى تحاذيه كدا اليماني

لكن إذا باليد خذ بياني

واسم الاشارة الأخير راجع للركن اليماني أي أنَّ لمس الركن اليماني إنما هو باليد لا بالفم كما في الحجر، فإن لم يصل إلى الحجر في الشوط الثاني فما بعده لمسه بيده ثم وضعها على فيه كما نبه عليه بقوله:

[إذا لم تصل للحجر المس باليد

وضع على الفم وكبر تقتدي

أي: تتبع السنة في نسكك.

فائدة: الطواف أحد مثلثات: الحج كما مر، وذلك أن للحج ثلاثة أطواف، طواف القدوم الذي الكلام الآن فيه، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع، ويرمل في الأشواط الثلاثة، الأول من هذا الطواف، ويمشي في الأربع بعدها، وإلى ذلك أشار بقوله: وارمل ثلاثاً وامش بعدها أربعاً، والرمل فوق المشي ودون الجري، فإن لم يرمل في الثلاثة الأول أو في شيء منها لم يرمل فيها بعدها من الأشواط، ولا يرمل النساء في طوافهن ولا يرمل الرجل إذا حج عن المرأة، ومن زوحم عن الرمل فعل ما وسعه، ولا يرمل في غير طواف القدوم ومن طواف الإفاضة إذا كان سعي بعد طواف القدوم لا في طواف الوداع أو التطوع ومن طاف بصبي أو مريض رمل بهما.

فائدة: هذا أحد المواضع الثلاثة التي يسرع الحاج والثاني بين الميلين الأخضرين]

ص: 512

[في السعي بين الصفا والمروة، والثالث ببطن محسر واد بين مزدلفة ومنى وذلك في الرجوع من مزدلفة إلى منى صبيحة يوم العيد لرمي جمرة العقبة، فالإسراع أحد مثلثات الحج أيضاً كما تقدم، ثم يصلي ركعتي الطواف يركعهما خلف المقام، وعلى ذلك نبه بقوله: خلف المقام ركعتين أوقعا، فخلف يتعلق بأوقعا وركعتين مفعوله، ويقرأ في الركعتين مع الفاتحة الكافرون في الأولى والإخلاص في الثانية، وإن اقتصر على الفاتحة أجزأ، الحطاب: والظاهر أنه لا بد لهما من نية تخصهما؛ لأنه قد قيل بوجوبهما مطلقاً وبسنيتها كذلك وتبعيتها للطواف، ويستحب له الدعاء بما شاء من أمور الدين والدنيا بعد الطواف بالملتزم، وهو ما بين الباب] والحجر الأسود فيلتزمه ويعتنقه واضعاً صدره ووجهه وذراعه عليه باسطاً كفيه كفعل ابن عمر لقوله: رأيت رسول الله يفعل ذلك، وعلى ذلك نبه بقوله:(وادع بما شئت لدى الملتزم)، وهو أحد المواضع الخمسة عشر التي قال الحسن البصري رضي الله عنه يستجاب فيها الدعاء، وهي: في الطواف وعند الملتزم وتحت الميزاب في البيت وعند زمزم وعند الصفا وعند وعند المروة وفي المسعى وخلف المقام وفي عرفات وفي مزدلفة وفي منى وفي الجمرات الثلاث، ذكر الناظم منها في هذا المحل خمسة، فإذا فرغ من الطواف وركعتيه قبل الحجر الأسود وعلى ذلك نبه بقوله:(والحجر الأسود بعد استلم)، ثم يخرج إلى الصفا من أي باب أحب عند مالك، واستحب ابن حبيب خروجه من باب الصفا ويقدم رجله اليسرى في الخروج ويقول ما تقدم عند الدخول، إلا أنه يقول هنا «وافتح لي أبواب فضلك» وهذا مستحب لكل من خرج من مسجد أي مسجد كان، فإذا وصل الى الصفا رقى عليها ويستحب ذلك للمرأة إن خلا الموضع، فيقف مستقبل القبلة ولا يستحب رفع يديه على المشهور ثم يقول: الله أكبر ثلاثا لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم يدعو يقول ذلك ثلاث مرات. قال ابن حبيب: ولا يدع الصلاة على النبي ثم ينزل ويمشي ويشتغل بالذكر والدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإذا بقي بينه وبين الميل المعلق في ركن المسجد نحو ستة أذرع خب، والخبب فوق الرمل حتى يصل إلى الميلين اللذين أحدهما

ص: 513

في جوازالمسجد والآخر في جوار بلاط العباس رضي الله عنه فيترك الخبب ويمشي حتى يبلغ المروة فذلك شوط فإذا وصل المروة رقى عليها ويفعل كما تقدم في الصفا ثم ينزل ويفعل كما وصفنا من الفكر والدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والخبب، فإذا وصل إلى الصفا فذلك شوط ثان وهكذا حتى يستكمل سبعة أشواط بعد الذهاب للمروة شوطا وللرجوع منها للصفا شوط فيقف أربع

وقفات على الصفا وأربعا على المروة فيبدأ بالصفا ويختم بالمروة وإلى صفة السعي وبعض ما يتعلق به أشار بقوله (الحجر الأسود بعد فاستلم واخرج إلى الصفا) الأبيات الثلاث فقوله الحجر مفعول مقدم باستلم بمعنى قبل وهذا التقبيل أول سنن السعي وبعد بالضم لقطعه عن الإضافة والتقدير بعد ما ذكر من الطواف وركعتيه ومستقبلا حال من فاعل قف والضمير المجرور بعلى للصفا وهو تصريح بالرقي على الصفا كما تقدم وقوله مثل الصفا أي في الرقي عليه والوقوف مستقبلا والتكبير والتهليل والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء (وذا اقتفا) أي اتباع للسنة حال من فاعل خب وأربع وقفات بتسكين قاف وقفات مفعول تقف بعده وباء بكل للاستعلاء بمعنى على أحد (من أن تأمنه بقنطار) أي عليه بدليل (هل آمنكم عليه) وضمير منهما للصفا والمروة والأشواط مفعول (تمما) وتقدم استحباب الدعاء في الملتزم ثم نص هنا على استحبابه في أربع مواضع أخر أشار اليها بقوله (وادع بما شئت) البيت ومع اعتراف أي بالذنب والتقصير حال من فاعل ادع والله أعلم وأشار بقوله (ويجب الطهران) البيت إلى أن من طاف بالبيت يجب عليه الطهران يعني طهارة الخبث وهي إزالة النجاسة عن ثوبه وبدنه ولا إشكال في طهارة مكان الطواف وطهارة الحدث الأصغر بالوضوء أو التيمم لمن يباح له التيمم ويجب عليه أيضا ستر العورة ولا يجب عليه ترك الكلام كما في الصلاة بل يباح له الكلام فيه وإن من سعى بين الصفا والمروة يستحب له ذلك ولا يجب عليه

واعلم أن واجبات الطواف ثمانية الثلاث المذكورة في هذا البيت طهارة الحدث والخبث وستر العورة الرابع إكمال سبعة أشواط وقد يستفاد هذا الواجب من أمره بتمام سبعة أطواف في قوله وأتم سبعة أطواف به الخامس موالاة هذه الأشواط السادس كون الطواف داخل المسجد ويستروح هذا من قوله واسلكا للبيت من باب السلام الخ

ص: 514

والسابع كونه خارجا عن الشاذروان وعن ستة أذرع من الحجر بكسر الحاء وسكون الجيم إذ لو طاف وبعض بدنه مسامت للشاذروان كان بعض بدنه داخل البيت وكذا إن طاف داخل ستة أذرع من الحجر لأنها من البيت اختصرت من بنائه وعلى هذا فينبغي تنبيه الطائف على ذلك فلا يطوف مطأطىء الرأس بل يثبت قدميه وينصب قامته بعد التقبيل وحينئذ يشرع في الطواف وقد يستروح هذا من كون الواجب الطواف بالبيت لا فيه وأنكر ذلك القباب في شرح قواعد عياض واستبعده بأن الصحابة والتابعين ومن بعدهم لا يمكن أن يخفى هذا عليهم وكيف لم ينبهوا عليه الثامن كون البيت عن يساره وقد صرح بهذا في قوله وقد يسر كما تقدم الخطاب فإن ترك شيئا منها ناسيا أو عامدا لم يصح طوافه إلا إذا طاف بالنجاسة ساهياً فإنه إن ذكر في الطواف نزع النجاسة وبنى على ما قاله ابن الحاجب والشيخ خليل وغيرهما وإن أنكره ابن عرفة فقد قال التونسي إنه الجاري على مذهب ابن القاسم وإن ذكر بعد الفراغ من الطواف من الركعتين نزع النجاسة وصلى بثوب طاهر فإن ذكر بعد صلاة الركعتين أعادهما بالقرب وحكم ستر العورة حكم النجاسة ولو طاف غير متطهر أعاد فلو رجع الى بلده قبل الاعادة رجع من بلده إذا كان الطواف ركنا على المشهور وقال المغيرة بهدي ويجزئه إن انتقض وضوؤه في أثناء الطواف تطهر واستأنف وإن بنى كان كمن لم يطف فإن انتقض بعد كمال الطواف وقبل الركعتين توضأ وأعاد الطواف الواجب وهو مخير في التطوع ومن رعف في الطواف خرج فغسل الدم وبنى على ما فعل من الطواف كما في الصلاة ومن أقيمت عليه الفريضة وهو في الطواف قطعه وصلى ويستحب أن يخرج على كمال شوط وإن بقي عليه شوط أو شوطان فلا بأس أن يتمه قبل أن يحرم الإمام فإذا سلم من صلاته قام في الحال وبنى على ما طافه فإن جلس بعد الصلاة طويلا أو تنفل بطل الطواف واستأنفه ومن كان في طواف تطوع وخاف أن تقام صلاة الصبح وهو لم يصل الفجر فله أن يقطع الطواف ويصلي الفجر ثم يبني على طوافه ولا يقطع الطواف للصلاة على الجنازة فإن فعل بطل طوافه وابتدأه وإن شك في عدد ما طافه بنى على الأقل إلا أن يكون مستنكحا وأما البدء من الحجر الأسود فمن الواجبات التي تجبر بالدم كما تقدم في الفرع العاشر من القسم الأول الذي يجب فيه الدم اتفاقا فإن ابتدأ من غيره ألغى ذلك وأتم الى الحجر فإن اعتد بذلك وأتم إلى الموضع الذي بدأ منه ولم يذكر حتى طال أو انتقض وضوؤه أعاد الطواف والسعي بعده ما دام بمكة فإن خرج من مكة أو تباعد أجزأ وعليه الهدي كما تقدم إلا أن يكون ابتدأ من بين الحجر الأسود والباب فإن هذا يسير ولا يعيد ولو كان

ص: 515

بمكة إذا أتم إلى الموضع الذي بدأ منه ولو طاف والبيت عن يمينه رجع كالطهارة على المعروف ومن ذكر في أثناء سعيه أنه ترك من طوافه شوطا أو أكثر قطعه وكمل طوافه وأعاد ركعتيه وإن أكمل سعيه وتطاول أعاد الطواف من أوله ولو طاف خارج المسجد لم يجزه اتفاقا ولا يعيده في الطواف عن البيت فإن طاف وراء زمزم أو في السقائف لزحام فلا بأس وإن طاف في السقائف لا لزحام بل لحر ونحوه أعاد قاله في المدونة وفي رجوعه له من بلده قولان ولا خلاف له في مشروعيته ركعتي الطواف ولا في عدم ركنيتهما وفي وجوبهما وسنيتهما، ثالثها تبعيتهما للطواف فإن كان واجبا فحكمهما الوجوب وإن كان غير واجب فكذلك هما وسنن الطواف أربع المشي وتقدم أن من ركب فيه يجب عليه الدم وأنه لا سنة ولكن تقدم أيضا أن بعضهم يعبر عن المتأكد من غير الأركان بالواجب وبعضهم بالسنة، والثاني تقبيل الحجر الأسود أول الطواف ولمس الركن اليماني أول شوط وغير ذلك مستحب فقط ولا يكبر إذا حاذى الركنين الشاميين والثالث الدعاء مع الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وما في معناهما قال الشيخ أبو محمد في مناسكه ويقول في الطواف ربنا آتنا في الدنيا حسنة وي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار الرابع الرمل للرجال لا للنساء في طواف القدوم وطواف الإفاضة للمراهق وولمحرم بمكة لكن مشروعيته في طواف القدوم أقوى وكلها تؤخذ من كلام الناظم لكن باعتبار الفعل لا باعتبار الحكم من سنية أو غيرها وشروط السعي ثلاثة الأول إكمال سبعة أشواط كما نبه عليه بقوله والأشواط سبعا تمما الثاني البداية بالصفا كما قد يستروح ذلك من قوله (واخرج الى الصفا) الثالث تقدم طواف صحيح عليه وأما كون الطواف واجبا فليس بشرط بل ذلك من الواجبات التي تجبر بالدم كما تقدم وسنته تقبيل الحجر بعد ركعتي الطواف والرقي على الصفا والمروة والإسراع بيت الميلين الأخضرين فوق الرمل في الأطواف السبعة الدعاء ويستحب للسعي شروط الصلاة من طهارة حدث وخبث وستر عورة وعلى ذلك نبه بقوله (ندبها بسعي يجتلى) وجملة يجتلى خبر ندب أي ظهر ظهور العروسة المجلوة الجوهري جلوت العروس جلاء وجلوة واجتليتها بمعنى إذا نظرت اليها مجلوة ويستحب دخول البيت أعني الكعبة المشرفة ويجوز التنفل فيها قال مالك ويتنفل إلى أي وجهة شاء ثم قال أحب إلي أن يجعل البيت خلف ظهره وروى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت «عجبا للمرء المسلم إذا دخل الكعبة كيف يرفع رأسه إلى السقف ليدع ذلك إجلالا لله وتعظيما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة فما اختلف نظره موضع سجوده حتى

ص: 516

خرج منها» الرسالة فإذا دخل مكة أمسك عن التلبية حتى يطوف ويسعى ثم يعاودها حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها وإلى ذلك أشار بقوله (وعد فلب لمصلى عرفة) أي عد بعد الفراغ من السعي لما كنت تفعله فلب واستمر على ذلك إلى أن تروح لمصلى عرفة واقطعها ولا تلب بعد ذلك فإذا كان اليوم السابع من ذي الحجة ويسمى يوم الزينة أتى الناس إلى المسجد الحرام وقت صلاة الظهر ويوضع المنبر ملاصقا للبيت على يمين الداخل له فيصلي الإمام الظهر ثم يخطب خطبة واحدة ولا يجلس في وسطها وفي جلوسه في أولها قولان ويفتتحها بالتكبير ويخللها به كخطبة العيد يعلمهم فيها كيف يحرم من لم يكن أحرم وكيفية خروجهم إلى منى وما يفعلون إلى زوال الشمس من يوم عرفة وإلى ذلك أشار الناظم بقوله وخطبة السابع تأتي للصفة فخطبة مفعول تأتي وهو بمعنى

تحضر والمراد الطلب بدليل عطفه على قوله وعد فلب أي يطلب منك حضور الخطبة والاتيان إليها وقوله للصفة يتعلق بمحذوف صفة خطبة على حذف مضاف أي المشروعة لتعليم الصفة ويحتمل أن يتعلق بتأتي على حذف مضاف أيضا أي لتعلم الصفة

(فائدة) الخطبة إحدى مثلثات الحج فالأولى هذه بعد ظهر اليوم السابع بمكة والثانية يوم عرفة بعرفة بعد الزوال والثالثة تأتي يوم النحر بمنى وقد ترك العمل بها في هذا الزمان واختلف هل يجلس في أول هذه الخطب الثلاث أولا على قولين

وَثامِنَ الشَّهْرِ اخْرُجَنَّ لِمِنَى

بِعَرَفَاتٍ تاسِعاً نُزُولناَ

وَاغْتَسِل قُرْبَ الزَّوال وَاحْضُرا

الْخُطْبَتَيْنِ وَاجْمَعَنْ وَقَصِّرَا

ظُهْرَيْكَ ثُمَّ الجَبَلَ اصْعَدْ رَاكِباً

عَلَى وُضُوءٍ ثُمَّ كُنْ مُوَاظِباً

عَلَى الدُّعا مُهلِّلاً مُبْتَهلاً

مُصَلَّياً عَلَى النَّبِيْ مُسْتَقْبِلَا

هُنَيْهَةً بَعْدَ غُرُوبِهَا تَقِفْ

وَانْفرْ لِمُزْدَلِفَةٍ وَتَنْصَرِفْ

فِي الْمِازَمَيْنِ الْعَلَمِينِ تَكِّبِ

وَقْصُرْ بِهَا وَاجْمَعْ عِشاً لِمَغْرِبِ

وَاحْطُطْ وَبِتْ بِهَا وَأَحْيِ لَيَلَتَكْ

وَصَلِّ صُبْحَكَ وَغَلِّسْ رِحْلَتَكْ

قِفْ وادْعُ بالْمشْعَرِ لِلاسفاَرِ

وَأَسْرِعَنْ في بَطْنِ وادِي النَّارِ

وسِرْ كَمَا تَكُونُ قَاصِداً لِلْعَقَبَةْ

فارْمِ لَدِيْهَا بِحِجَارٍ سَبْعَةْ

مِنْ أَسْفَلٍ تُساقُ مِنْ مُزْدَلِفَهْ

كالْفُوِل وَانَحْر هَدْيا انْ بِعَرَفَةْ

ص: 517

أَوْقَفْتَهُ واحلِقْ وَسِرْ لِلْبَيْتِ

فَطُفْ وَصَلِّ مِثْلَ ذَاكَ النَّعْتِ

وارْجع فَصَلِّ الصّبْحَ في مِنى وبِتْ

إِثْرَ زَوَالٍ غَدِهِ ارْمِ لَا تُفِتْ

ثَلاثَ جَمَراتٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتْ

لِكُلِّ جَمْرَةٍ وقِفْ لِلدَّعَوَاتْ

طَوِيلاً اثْرَ الأَوَّلِينَ أَخِّرا

عَقَبَةَ وكلَّ رَمْيٍ كَبِّرَا

وافْعَلْ كَذَاكَ ثَالِثَ النَّحْرِ وزِدْ

إِنْ شِئْتَ رَابِعاً وتَمَّ ما قُصِدْ

إذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة يسمى يوم التروية مشتق من الري لأن الناس يعدون فيه الماء ليوم عرفة أحرم من لم يكن أحرم قبل ذلك فإن زمت الشمس منه طاف الناس سبعا ثم خرجوا من مكة الى منى ملبين بقدر ما يدركون بها صلاة الظهر آخر وقته المختار ويكره التراخي عن ذلك إلا لعذر وكذلك يكره التقدم قبله فإذا وصلوا الى منى نزلوا بها حيث شاؤوا وصلو بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح كل صلاة في وقتها ويقصرون الرباعية بمنى للسنة إلا أهل منى فإنهم يتمونها وإذا كان يوم التروية يوم جمعة فقال مالك يصلي الإمام بمنى ركعتين سرا بغير خطبة ومن خاف خروج وقت الظهر في الطريق قبل أن يصل الى منى صلاها وتردد مالك في قصره وإتمامه قاله سند والأحسن أن يقصر ويبيت الناس بمنى وهذه الليلة من الليالي التي يطلب إحياؤها فليكثر فيها من الصلاة والدعاء والذكر وإلى الخروج لمنى أشار الناطق بقوله وثامن الشهر أخرجن لمنى والسنة أن لا يخرج الناس من منى يوم عرفة وهذه السنة أعني المبيت بمنى قد أميتت عند كثير من الناس فينبغي المحافظة على إحيائها فإذا وصل إلى عرفة فلينزل بنمرة وهي السنة وقد تركت اليوم غالبا وإنما ينزل الناس في موضع الوقوف فينبغي المحافظة على إحياء هذه السنة أيضا وعلى النزول بعرفة نبه الناظم بقوله (بعرفات تاسعا نزولنا) فإذا قرب الزوال فليغتسل كغسل دخول مكة فإذا زالت الشمس فليرح إلى مسجد نمرة ويقطع التلبية حينئذ فلا يلبي بعد ذلك على المشهور إلا أن يكون أحرم في عرفة فليلب حينئذ ويقطع لأن كل إحرام لا بد له من التلبية ثم يخطب الإمام بعد الزوال خطبتين يجلس بينهما يعلم الناس فيهما ما يفعلون إلى اليوم الثاني من يوم النحر ثم يصلي بالناس الظهر والعصر جمعا وقصرا لكل صلاة أذان وإقامة ومن لم يحضر صلاة الإمام جمع وقصر في رحله ولو ترك الحضور من غير عذر ويتم أهل عرفة بها فإذا كان يوم عرفة يوم الجمعة فقال ابن الحاجب والصلاة سرية ولو وافقت جمعة التوضيح قيل إن الرشيد جمع مالكا وأبا يوسف فسأل أبو يوسف مالكا

ص: 518

عن إقامة الجمعة بعرفة فقال مالك لا يجوز لأنه صلى الله عليه وسلم وافق الجمعة بعرفة في حجة الوداع ولم يصلها فقال أبو يوسف قد صلاها لأنه خطب خطبتين وصلى بعدهما ركعتين فقال مالك أجهر فيهما بالقراءة كما يجهر في الجمعة فسكت أبو يوسف وسلم اهـ

في مناسك الشيخ خليل ما حاصله أنه ينبغي أن تكون وقفة الجمعة أفضل قائلا ولم أر في ذلك نصا وإنما كانت أفضل لأنه ورد حديث بذلك وهو إن لم يصح فيستأنس به في فضائل الأعمال ولأنها وقفته صلى الله عليه وسلم ولأنه قد ثبت أن يوم الجمعة أفضل الأيام ومن البدع ما يفعل في سائر الأمصار من الوقوف يوم عرفة للتكبير والدعاء وعلى الاغتسال وحضور الخطبتين والجمع بين الظهرين وتقصيرهما نبه بقوله (واغتسل قرب الزوال واحضر الخطبتين واجمعن وقصرا ظهريك) ثم يدفع الإمام والناس إلى موقف عرفة وعرفة كلها موقف وحيث يقف الإمام أفضل الوقوف راكبا أفضل لفعله عليه الصلاة والسلام إلا أن يكون بدابته عذر وثبت أنه عليه الصلاة والسلام وقف مفطرا والقيام أفضل من الجلوس ولا يجلس إلا لتعب وتجلس المرأة ووقوفه طاهرا متوضئاً مستقبل القبلة أفضل قال ابن شعبان ويكثر من قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير قال ابن حبيب وإذا سألت فابسط يديك وإذا رهبت ولستغفرت فحولهما ولا تزال كذلك مستقبل القبلة بالخشوع والتواضع والتذلل وكثرة الذكر بالتهليل والتسبيح والتعظيم والصلاة على النبي والدعاء لنفسك ولوالديك والاستغفار إلى أن تتحقق غروب الشمس إذ الوقوف الركني هو الكون في عرفة في جزء من ليلة النحر فإذا بقي بها حتى تحقق الغروب فقد حصل القدر الواجب من الوقوف ومن خرج من عرفة قبل الغروب ثم لم يعد اليها حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج فيتحلل منه بأفعال عمرة ويجب عليه القضاء في قابل والهدي وإلى الوقوف بعرفة وكيفيته ووقته أشار بقوله (ثم الجبل اصعد راكبا) إلى قوله (هنيهة بعد غروبها تقف) فإذا غربت الشمس وتحقق غروبها دفع الإمام ودفع الناس معه إلى المزدلفة بسكينة ووقار فإذا وجد فرجة حرك دابته وليحذر مما يعتقده كثير من الجهلة

ص: 519

وهو أن من لم يخرج من بين العلمين أي الجبلين لا حج له فتحصل بسبب ذلك المزاحمة

العظيمة والضرر الكبير وربما أسرع بعض الناس بالخروج وقرص الشمس لم يغب فيذهب بغير حج فينبغي أن يخرج من ناحية أخرى ليسلم من ذلك ويعلم من يراه من الناس أن ذلك ليس بشرط ولا سيما إن كان ممن يقتدى به فإن لم تكثر الزحمة فيكره المرور من غير ما بين المأزمين وهما الجبلان اللذان يمر الناس من بينهما إلى المزدلفة ويذكر الله في طريقه ويؤخر المغرب حتى يصل إلى المزدلفة فإذا وصل إليها صلى المغرب والعشاء جمعا ويقصر العشاء بأذانين وإقامتين إن تيسر له من الإمام وإلا ففي رحله ويتم أهل مزدلفة بها والضابط في التقصير أن أهل كل مكان يتمون به ويقصرون فيما سواه فأهل مكة يتمون بها ويقصرون فيما سواها من منى وعرفة ومزدلفة ويتم أهل عرفة بعرفة ويقصرون بمنى ومزدلفة ويتم أهل مزدلفة بها ويقصرون في عرفة ومنى ويتم أهل منى بها ويقصرون في عرفة ومزدلفة ويبدأ بالصلاة حين وصوله قال مالك ولا بأس بحط الرحل الخفيف قبل الصلاة وأما المحامل فلا ولا يتعشى إلا بعد الصلاتين إلا أن يكون عشاء خفيفا فلا بأس به بعد صلاة المغرب وقبل العشاء وبعدهما أولى بالنزول بمزدلفة واجب والمبيت به إلى الفجر سنة كما تقدم فإن لم ينزل بالكلية فعليه الدم ولا يكفي في النزول إناخة البعير بل لا بد من حط الرحل والجلوس ساعة قال سند الواجب يحصل بحط الرحل والاستمكان من اللبث ويستحب إحياء هذه الليلة بالعبادة وأن يصلى بمزدلفة الصبح في أول وقتها والى النفر لمزدلفة وجمع العشاءين والمبيت بها وإحياء تلك الليلة وصلاته بها الصبح وأشار بقوله (وانفل لمزدلفة وتنصرف) إلى قوله (وصل صبحك) ثم إذا صلى الصبح يقف بالمشعر الحرام مستقبل القبلة والمشعر عن يساره فيثني على الله تعالى ويصلي على نبيه ويدعو لنفسه ولوالديه وللمسلمين والمشعر اسم لبناء مزدلفة ويطلق على جميعها وكلها موقف ولا وقوف عند المشعر قبل صلاة الصبح ولا بعد الإسفار ويلقط سبع حصيات لجمرة العقبة من المزدلفة وأما

بقية الجمار فيلقطها من أي موضع شاء من منى أو غيرها ثم يدفع قرب الإسفار إلى منى ويحرك دابته ببطن محسر وهو قدر رمية بحجر ويسرع الماشي في مشيه وقد تقدم أن الإسراع في ثلاثة مواضع فهو أحد مثلثات الحج فإذا وصل إلى منى أتى جمرة العقبة على هيئته من ركوب أو مشي إلا أن يكون في إتيانه كذلك إذاية للناس فيحط رحله ويأتي فإذا وصل إليها وهي على طريق منى استقبلها ومنى عن يمينه ومكة عن يساره ثم يرميها بسبع حصيات متواليات يكبر مع كل حصاة فإن رماها من فوقها أجزأ وليستغفر الله فإذا رمى جمرة العقبة في يوم النحر فقد حصل له التحلل الأول ثم يرجع إلى منى فينزل حيث أحب وينحر هديه إن أوقفه بعرفة وإن لم يقف به بعرفة نحره

ص: 520

بمكة بعد أن يدخل به من الحلل ثم يحلق جميع شعر رأسه وهو الأفضل أو يقصره ثم يأتي مكة فيطوف طواف الإفاضة في ثوبي إحرامه استحبابا ثم يصلي ركعتين ثم يسعى سبعة أشواط كما تقدم إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم فإن كان قد سعى بعده لم يعد السعي وهذا هو التحلل الثاني ويسمى التحلل الأكبر وسيأتي بيان ما يحل له مما كان حراما عليه بالتحلل الأول والثاني ويدخل وقت طواف الإفاضة بطلوع الفجر من يوم النحر وإلى التغليس أي التكبير بالرحلة من المزدلفة والوقوف بالمشعر للدعاء والإسراع ببطن محسر ورمي جمرة العقبة ولقطها من المزدلفة ونحر الهدي والحلق والطواف للإفاضة وصلاة ركعتين بعده كما تقدم أشار الناظم بقوله (وغلس رحلتك قف وادع) إلى قوله (مثل ذاك النعت) فقوله قبل (وانفر) أي من عرفة لمزدلفة وهو بكسر الفاء قال تعالى {وانفروا خفافا وثقالا} ونون مزدلفة للوزن ومعنى وتنصرف في المأزمين أي بينهما وهذا حيث لا يكثر الازدحام كما مر والمأزمان العلمان وهما الجبلان اللذان يمر الناس بينهما إلى المزدلفة فلذلك أبدل منه العلمين ومعنى نكب أي جنب الانصراف إلى المزدلفة من غير ما بين الجبلين المذكورين فحذف مفعول نكب والله أعلم وضمير بها للمزدلفة والباء ظرفية متعلقة باقصر ومفعوله محذوف للعلم بأن محل القصر الرباعية وعشا مقصور منون مفعول اجمع واحطط أي الرحل وتقدم أنه لا يكفي إناخة البعير بل حط الرحل وضمير بها للمزدلفة أيضا وينازع فيه احطط وبت ومعنى غلس رحلتك ارتحل وقت الغلس وهو اختلاط الضوء بالظلام ومعنى سر كما تكون أي على هيئتك من ركوب أو مشي كما مر ونائب تساق للاحجار ومفهوم الشرط في قوله أنه إن لم يقف به بعرفة فلا ينحره بمنى وهو كذلك بل ينحره بمكة كما تقدم ومثل ذاك النعت راجع للطواف وصلاة الركعتين بعده فيقبل الحجر أولا ثم يجعل البيت عن يساره إلى آخر ما ذكر في طواف القدوم ويوقع الركعتين في المقام بالكافرون والإخلاص إلى غير ذلك مما تقدم فإذا فرغ من طواف الإفاضة وسعيه إن كان لم يسع كما تقدم رجع الى منى بلا تأخير فإن إقامته بها حينئذ أفضل من إقامته بمكة والأفضل له أن يصلي الظهر بمنى إن أمكنه أن يقيم بها إلى أن يكمل حجه أو المبيت بمنى واجب ثلاث ليال لمن لم يتعجل وليلتين للمتعجل فإن تركه جل ليلة فعليه دم كما تقدم ويشترط في المبيت أن يكون فوق جمرة القبة فمن بات دونها كأنه لم يبت بمنى ويسقط المبيت عن الرعاة فإذا رموا في يوم النحر يرخص لهم أن يذهبوا أو يأتوا في اليوم الثالث فيرموا لليوم الثاني ثم لليوم الثالث ولا دم عليهم ويسقط المبيت أيضا عمن ولي السقاية بمكة فإذا زالت الشمس من اليوم الثاني وتحقق الزوال فليذهب ماشيا متوضئا قبل صلاة الظهر ومعه إحدى وعشرون

ص: 521

حصاة فيبتديء بالجمرة الأولى وهي تلي مسجد منى فيرميها من جهة مسجد الخفيف استحبابا وهو مستقبل مكة بسبع حصيات ويكبر مع كل حصاة ثم يتقدم أمامها وهو مستقبل القبلة ثم يدعو ويمكث في دعائه قدر إسراع سورة البقرة ثم يأتي الجمرة الوسطى فيرميها بسبع حصيات من جهة مسجد الخفيف أيضا ثم يتقدم أمامها ذات الشمال ويجعلها على يمينه ويدعو قدر إسراع سورة البقرة أيضا ثم يأتي جمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات ولا يقف عندها لأن موضعها ضيق ولذلك لا ينصرف الذي يرميها على طريقه لأنه يمنع الذي يأتي للرمي وإنما ينصرف من ورائها (فائدة) الجمار الثلاث إحدى مثلثات الحج كما تقدم ولا يجزيء الرمي في اليوم الثاني والثالث والرابع قبل الزوال ثم يرجع الى منى فيصلي بها الظهر وبقية الصلوات كل صلاة في وقتها ويقصر الصلاة جميع الحاج بمنى إلا أهلها ويكبرون دبر الصلوات من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الصبح في اليوم الرابع والتكبير أن يقول الله أكبر ثلاثا أو يقول الله أكبر الله أكبر لا إله الا الله والله أكبر ولله الحمد ويكثر الحاج من هذا الذكر ويسن للإمام في هذا اليوم أعني ثاني النحر أن يأتي إلى مسجد منى فيصلي بالناس الظهر ثم يخطب خطبة واحدة كالخطبة التي في اليوم السابع فيعلمهم فيها بقية أفعال الحج وحكم التعجيل والنزول بالمحصب وهذه الخطبة قد تركت منذ مدة فإذا زالت الشمس من اليوم الثالث رمى الجمار الثلاث بعد الزوال قبل صلاة الظهر على الصفة المتقدمة ثم إن شاء الله أن يتعجل إلى مكة فله ذلك ويسقط عنه المبيت ليلة الرابع ورمي يومها ويشترط في صحة التعجيل أن يخرج من منى قبل غروب الشمس من اليوم الثالث وإن غربت قبل أن يجاوز جمرة العقبة لزمه المبيت بمنى ورمي اليوم الرابع فإذا زالت الشمس في اليوم الرابع رمى الجمار الثلاث كما تقدم وقد تم حجه وإلى خروج الحاج بعد الإفاضة إلى منى وصلاته بها الظهر فما بعدها من الصلوات إلى تمام ثلاثة أيام بعد يوم أو يومين إن تعجل ورميه الجمار الثلاث أثر الزوال من كل يوم منها بسبع حصيات لكل جمرة ووقوفه إثر رمي الأولين للدعاء وتكبيرة مع كل حصاة وتأخيره جمرة العقبة أشار الناظم بقوله (وارجع فصل الظهر في منى وبت) إلى آخره فقوله وارجع أي من مكة إلى منى قوله وبت أي بمنى وإثر ظرف زمان متعلق بارم وضمير غده ليوم النحر لأن الكلام الآن في الأفعال الواقعة فيه وثلاث مفعول ارم ومعنى لا تفت بضم التاء مضارع أفات الشيء إذا أخرجه عن وقته أرم إثر الزوال ولا تخرج الرمي عن وقته المذكور وسيأتي بعض ما يتعلق بوقت الرمي وفهم من قوله إثر الأولين أنه لا يقف

ص: 522

إثر الثالثة وهو كذلك كما تقدم ومعنى آخر أعقبه أي قدم في الرمي الجمرة التي تلي مسجد منى ثم الوسطى وأخر رمي جمرة العقبة وألف أخرا بدل من نون التوكيد الخفيفة ومعنى افعل كذلك ثالث النحر أي من الرمي بعد الزوال قبل صلاة الظهر وتقديم الجمار بعضها على بعض والوقوف إثر الأولين والتكبير مع كل حصاة وفهم من قوله وزد إن شئت رابعا أنه إذا لم يشأ الزيادة فلا يزيدها وهو كذلك وهذا هو المتعجل لكن بشرطه وهو خروجه من منى قبل الغروب وإن لم يتعجل وزاد رمي الرابع فعل الصفة المذكورة في اليومين قبله ومعنى وتم ما قصد أي فرغ الآن وكمل ما قصد بيانه وصفته وهو الحج فإذا رمى في اليوم الرابع فينفر من منى ويؤخر الظهر فإذا وصل الى الأبطح نزل به فصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويقصر الرباعية على القول الذي رجع اليه مالك وما خاف خروج وقته من الصلوات قبل الوصول إلى الأبطح فليصله حيثما كان النزول بالأبطح إنما يسرع لغير المتعجل ووسع مالك لم لا يقتدى به في تركه فإذا صليت العشاء فاقدم الى مكة وقد تم حجك فأكثر من الطواف مدة إقامتك ومن شرب ماء زمزم والوضوء به ولازم الصلاة في الجماعة الأولى ويسن لمن كان أحرم بالحج مفردا أن يخرج إلى الجعرانة أو التنعيم فيحرم بعمرة ثم يدخل إلى مكة فيطوف ويسعى ويحلق وقد تمت عمرته فإذا عزمت على الخروج من مكة فليكن آخر عهدك الطواف بالبيت ويسمى طواف الوداع ويرجع له من تركه إن لم يخف فوات أصحابه وإذا اشتغل بعده بشغل خفيف من بيع أو شراء أو تحميل لم يبطل وإن أقام يوما أو بعض يوم أعاده وإن حاضت المرأة قبل طواف الوداع تركنه وسافرت وإن حاضت قبل طواف الإفاضة انتظرت حتى تطهر ويفسخ الكراء بينها وبين كريها في هذا الزمان للخوف فان كان أمن فيحبس عليها الكرى والولى حتى تطهر فإذا فرغ من طواف الوداع وقف بالملتزم ودعا فاذا فرغ خرج كما هو ولا يرجع القهقرى فإن ذلك بدعة عند المالكية واستحب ذلك بعض العلماء من الشافعية والحنفية وللشيخ العارف الولي الزاهد الإمام العالم سيدي أبي العباس أحمد زروق نفعنا الله ببركاته في شرحه على الرسالة في بيان صفة الحج والعمرة لكن باختصار وتقريب

أحرم ولب ثم طف واسع وزد

في عمرة حلقا وحجا إن ترد

فزد منى وعرفات جمعا

ومشعرا والجمرات السبعا

وانحر وقصر وأفض ثم ارجع

للرمي أيام منى وودع

وكمل الحجة والزياره

متقيا من نفسك الأماره

ص: 523

فالسر في التقوى والاستقامه

وفي اليقين أكبر الكرامه

انتهى وجمعا هي المزدلفة وهو بفتح الجيم قاله في المشارق وقد اشتملت الأبيات مع اختصارها على الاشارة إلى جل أفعال الحج والعمرة مما لابد منه والله أعلم

(تتمة) وشرط صحة الرمي في يوم النحر وفي الأيام الثلاثة بعده أن يكون بحجر لا بطين ولا بمعدن وأن يكون رميا فلا يجزيء وضع الحصاة على الجمرة وأن يكون الرمي على الجمرة وليس المراد بالجمرة البناء القائم فإن ذلك البناء قائم في وسط الجمرة علامة على موضعها والجمرة اسم لجميع موضع الحصى فإن رمى البناء ووقعت في أي موضع منها أجزأت وإن وقعت في البناء ففي الإجزاء خلاف للمتأخرين والظاهر الإجزاء وأن تكون الحصاة قدر حصى الخزف بل استحب مالكأن تكون أكبر من حصى الخزف قائلا لأنه أبرأ للذمة فإن الصغيرة جدا لا تجزيء والكبيرة تجزيء مع الكراهة ويشترط في الرمي في غير اليوم الأول الترتيب بين الجمار فلا يصح رمي الجمرة الثانية حتى يكمل رمي الجمرة الأولى ولا يصح رمي الثالثة حتى يكمل رمي الثانية وأما الموالاة بين الجمار الثلاث وبين حصر كل جمرة فمستحبة ووقت أداء رمي جمرة العقبة في يوم النحر من طلوع الفجر إلى الغروب وأفضله من طلوع الشمس إلى الزوال ووقت الأداء في اليوم الثاني والثالث والرابع من الزوال إلى الغروب ووقت قضاء كل يوم من غروب شمسه إلى غروب الشمس من اليوم الرابع فاليوم الرابع ليس له وقت قضاء ويجب الهدي بالتأخير إلى وقت القضاء على المشهور كما تقدم اهـ من مناسك الإمام الحطاب وإياه اعتمدت في كتاب الحج وربما نقلت بعض المسائل من مناسك الشيخ خليل رحمه الله ونفعنا به آمين

وَمَنَعَ الإِحْرَامُ صَيْدَ البَرِّ

في قَتْلِهِ الجَزَاءُ لا كالْفَارِ

وَعَقْرَبٍ مَعَ الحَدَا كَلْبٍ عَقُورْ

وَحَيَّةٍ مَعَ الغُرَابِ إِذْ يَجُورْ

وَمَنَعَ المُحِيطَ بالعُضْوِ وَلَوْ

بِنَسْجٍ أَوْ عَقْدٍ كَخَاتَمٍ حَكَوْا

وَالسَّتْرَ لِلوَجْهِ أو الرَّاسِ بِما

يُعَدّ سَاتِراً ولكِنْ إنَّما

تُمْنَعُ الأُنْثى لُبْسَ قُفْازٍ كَذَا

سَتْرٌ لوَجْهٍ لَا لِسَتْرٍ أُخِذَا

وَمَنَعَ الطِّيبَ وَدُهْناً وَضَرَرْ

قَمْلٍ وَألقاَ وسَخٍ ظُفْر شَعَرْ

وَيَفْتَدِى بِفِعْلِ بَعْضِ مَا ذُكِرْ

مِنَ المُحِيطِ لِهُنا وإِنْ عُذْر

ص: 524

وَمَنع النِّسَا وأَفْسَدَ الجِمَاعْ

إلى الإِفاضَةِ يُبَقَّى الامْتِنَاعْ

كالصَّيْدِ ثُمَّ باقِي ما قَدْ مُنِعَا

بالجَمْرةِ الأُولى يَحِلُّ فاسْمَعَا

وَجَازَ الاسْتِظْلَالُ بالمُرْتَفَعِ

لا في المَحَامِلَ وَشُقْدُفٍ فَع

تقدم قبل قول الناظم (والواجبات غير الأركان بدم) الأبيات الست إن للحج أفعالا مطلوبة وأفعالا محظورة منهيا عنها وأن الأفعال المطلوبة على ثلاثة أقسام

الأول واجبات أركان لا تجبر بالدم الثاني واجبات أركان تجبر بالدم بمعنى أن من تركها عليه دم والثالث سنن ومستحبات لا يجب على تاركها شيء وأما الأفعال المحظورة فعلى ثلاثة أقسام أيضا

الأول محظور مفسد للحج وإليه أشار بقوله وأفسد الجماع

الثاني محظور غير مفسد بل يجبر بالدم أو ما يقوم مقامه بمعنى أن من فعله فعليه الدم وأشار بقوله (ومنع المحيط) إلى قوله و (يفتدى) البيت

الثالث محظور لا يجب بفعله شيء ولم يذكره الناظم اكتفاء عنه بذكر القسمين الأولين إذ يفهم من كلامه أن من عداها لا يجب بفعله شيء ومعنى الخطر فيه الكراهة وذلك كمشي المرأة من المكان البعيد وركوبها البحر إن لم تخص بمكان والإحرام بالحج أو بالقران قبل أشهر الحج والاحرام قبل الميقات المكاني والاحرام بغير صلاة أو بغير غسل من غير عذر والالحاح في التلبية ورفع الصوت بها جدا والسلام على الملبي إلى غير ذلك انظر مناسك الحطاب والحظر بالظاء المنع والمراد به في القسمين الأولين التحريم وفي هذا الثالث الكراهة وحاصل الأبيات أن الإحرام أحد النسكين الحج والعمل يمنع المحرم من ستة أشياء

الأول التعرض للحيوان البري فيحرم ذلك على المحرم ولو كان في الحل وعلى من في الحرم ولو كان حلالا بخلاف الممنوعات الخمس الباقية فإنما تحرم على المحرم كان في الحل أو في الحرم ولا تحرم على الحلال في الحرم وعلى هذا اقتصر الناظم لاشتراك الجميع فيه فيحرم بالاحرام أو بالكون في الحرم قتل الحيوان البري مأكولا كان أو لا وحشيا أو مستأنسا مملوكاً أو مباحاً ويحرم التعرض له ولأفراخه وبيضه ونصب شرك له أو حبال ويجب الجزاء بذلك إن مات لا إن برىء ناقصا فلا جزاء عليه ويستثنى من ذلك ما صاده الحلال في الحل وأدخله الحرم فيجوز في للحلال تملكه وذبحه

ص: 525

ولا يجوز ذلك للمحرم وكذلك الوزغ بقتله الحلال في الحرم ولا يقتله المحرم ويستثنى من ذلك أيضا الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والحية وابن عرس فيقتلهن المحرم والحلال في الحل والحرم وإن لم يبتدئن بالأذى وصغيرها ككبيرها والعقور والمراد به السباع العادية كالأسد والنمر والذئب ونحوها إذا كبرت ولا يقتل صغيرها فإن قتلها فلا جزاء فيها وأما الكلب الإنسي فحكمه في الإحرام كحكمه في غير الإحرام لا شيء في قتله صرح به سند ولا يقتل سباع الطير إلا أن يبتدئن بالأذى فلا جزاء حينئذ ولا يقتل المحرم الزنبور خلافا للقاضي عبد الوهاب ولا البق ولا الذباب ولا البعوض ولا البرغوث فإن فعل ذلك أطعم ما تيسر من الطعام بحكومة وكذلك الوزغ وإذا رأى الصيد معرضا للتلف فلا يجب تخليصه وإلى تحريم الاصطياد أشار بقوله (ومنع الإحرام صيد البر) البيتين فقوله ومنع الإحرام ويريد وكذلك الكون في الحرم من غير إحرام فإنه يمنع ذلك أيضا كما تقدم وصيد إما مصدر بمعنى الاصطياد على حذف مضاف أي منع الإحرام اصطياد حيوان البر وأما أنه اسم للحيوان وهو على حذف مضاف أي قتل صيد البر يريد والتعرض له إما بطرد أو جرح أو برمي أو إفزاع وغير ذلك والجميع حرام لكن إنما يجب الجزاء بالقتل وإما ابتداء وإما بفعل شيء مما ذكر فينشأ عنه الموت ولذا علق الناظم المنع على التعرض الذي هو أعم من القتل ووجوب الجزاء على القتل دون غيره والله أعلم إلا في المستثنيات بجواز القتل إجمالا من جهة أن غير الطير يجوز قتله ابتداء وإن لم يبتديء بالأذى وسباع الطير إنما يجوز قتلها إذا ابتدأت بالأذى والخطب سهل الثاني اللباس وهو يختلف باعتبار الرجل والمرأة فالرجل يحرم عليه محل ستر إحرامه بما يعد ساترا وستر جميع بدنه أو عضو منه بالملبوس المعمول على قدر جميع البدن أو على بعضه إذ لبس باعتبار ما خيط له ومحل إحرامه وجهه ورأسه فيحرم عليه سترهما بما يعد ساترا من عمامة وقلنسوة وخرقة وعصابة وطين وغير ذلك ويحرم عليه أيضا لبس المخيط كما ذكر وذلك القميص والقباء والسراويل والبرنس والقفازان الخفان

ص: 526

إلا أن يجد نعلين فليقطعهما أسفل من الكعبين ويلبسهما وفي معنى الخياظة الأزرار وهي العقد والنسيج والتلبيد والتخليل والملصق بعضه على بعض ودرع الحديد والخاتم وله أن يستر بدنه بما ليس على تلك الصفة كالإزار والرداء والملحفة ونحو ذلك والمرأة إنما يحرم عليها محل ستر إحرامها فقط وإحرامها في وجهها وكفيها فيحرم عليها ستر وجهها بنقاب أو لثام أو برفع ستر بدنها بقفازين ولها سدل ثوب على وجهها للستر من فوق رأسها وليس عليه أن تجافيه ولها إدخال يديها في كمها وجلبابها وإلى هذا أشار الناظم بقوله (ومنع المحيط بالعضو) الأبيات الثلاث وفاعل منع ضمير الإحرام والمحيط بالحاء المهملة اسم فاعل من أحاط بالشيء إذا دار به والتعبير بالمحيط بضم الميم بالمهملة أعم منه بفتحها وبالمعجمة لشموله ما كانت إحاطته بالخياطة أو النسج أو العقد أو اللصق أو غير ذلك كالخاتم وهو على حذف مضاف أي لبس المحيط بالعضو وإذا حرم لبس المحيط بعضو فلبس المحيط بجميع البدن أحرى بالمنع وقوله والستر بالنصب عطف على المحيط وحرمة لبس المحيط وستر الوجه والرأس إنما هو على الرجل ولذا قال ولكن إنما تمنع الأنثى من لبس قفاز وهو ما يفعل على صفة الكف من قطن ونحوه ليقي الكف الشعت وتمنع أيضا من ستر وجهها لأن إحرامها في وجهها وكفيها كما مر إلا أن سترت وجهها على النظر إليها فلا بأس ولذا قال لا لستر فإن فعل أحدهما شيئا مما حرم عليه من ذلك فعليه الفدية بشرط حصول الانتفاع ومن حر أو برد أو طول كاليوم وتجب الفدية سواء فعل ذلك لضرورة أو لغير ضرورة ولكن عليه الاثم إن فعل ذلك من غير ضرورة ولا إثم عليه إن فعل لضرورة وقد نبه الناظم على وجوب الفدية في ذلك وما يذكر بعده بقوله (ويفتدى بفعل بعض ما ذكر) البيت

الثالث الطيب وإليه أشار بقوله (ومنع الطيب) ولفظ الطيب على حذف مضاف وصفه أي ومنع الإحراماستعمال الطيب المؤنث وهو ماله جرم يعلق بالجسد والثوب كالمسك والعنبر والكافور والعود والورس والزعفران قال الشيخ خليل في مناسكه وأما ما ذكره كالورد والياسمين فلا فدية فيه ويكره والحناء من المذكر عندهم لكن إنما أسقط الفدية فيها في المدونة في الرقعة الصغيرة قبل الكبيرة اهـ وعلى هذا فيشكل ما كان أنشد فيه شيخنا الإمام العالم سيدي أبو الحسن علي البطيوي جدد الله عليه رحمته لشيخه الإمام المفتي سيدي أبي عبد الله محمد القصار رحمه الله تعالى من قوله:

ص: 527

أفد المؤنث كمسك عنبر

والورد والحنا من المذكر

باعتبار الورد فانظر ذلك فان عنى ماء الورد فلا شك أنهم نصوا على وجوب الفدية فيه لكن عللوا ذلك ببقاء أثره في البدن والثوب فيصدق عليه حد مؤنث الطيب ولا شكال في وجوبها في مؤنثة قال في الجواهر ومعنى استعمال الطيب إلصاق باليد وبالثوب فإن عبق الريح دون العين كجلوسه في حانوت عطار أو بيت تجمر ساكنوه فلا فدية عليه مع كراهة تماديه على ذلك اهـ وتجب الفدية باستعماله وبمسه فإن مسه ولم يعلق به أو علق ولكن أزاله سريعا ففي وجوب الفدية قولان، والمشهور الوجوب، وذلك لو جعل الطيب في الطعام إلا أن يطبخ فلا فدية حينئذ وإن صبغ الفم ويحرم على المرأة والرجل لبس الثوب المزعفر والمورس والمعصفر المشبع وتجب الفدية بذلك ولا فدية فيما تطيب به قبل إحرامه وبقيت رائحته بعد الإحرام وإن كان مكروها أو ألقته الريح أو ألقاه غيره عليه وأزاله مكانه وإن تراخى وجبت الفدية وحيث لا تجب الفدية على المحرم لإزالته سريعا فتجب على الملقي ولا فدية فيما أصابه من خلوق الكعبة وهو مخير في نزع يسيره وأما الكثير فإن نزعه وإلا افتدى والكحل إن كان لضرورة ولا طيب فيه فلا فدية وإلا فالفدية والمرأة كالرجل في ذلك كله ويؤخر وجوب الفدية في استعمال الطيب من قوله (ويفتدي بفعل بعض ما ذكر) البيت، والرابع الدهن أي استعماله فيحرم على المحرم دهن اللحية والرأس ولو كان أصلع وكذا سائر الجسد وتجب الفدية بذلك ولو لم يكن فيه طيب أو كان ادهانه لضرورة إلا إذا دهن باطن كفيه وقدميه لشقوق بغير مطيب فلا فدية ويجوز أكل الدهن غير الطيب كالسمن والزيت ونحوهما وتقطيره في الأذن وإلى وجوب الفدية في ذلك أيضاً أشار بقوله (ويفتدي) البيت، الخامس قتل القمل أو طرحه وإزالة الوسخ وقلم الظفر وإزالة الشعر وإلى ذلك أشار بقوله (وضرر قمل وإلقا وسخ ظفر شعر) فقوله وضرر عطف على دهنا وهو على حذف مضاف أي ومنع الإحرام دفع ضرر قمل وذلك صادق بقتله وطرحه وإلقاء عطف على ضرر وظفر عطف على وسخ بحذف العاطف للوزن وتقدير مضاف أي وقلم ظفر وشعر عطف على ظفر كذلك أي وإزالة شعر ويحرم قص الأظفار ولو ظفرا واحدا وإزالة الشعر ولو شعرة واحدة وقتل القمل ولو قملة واحدة وتجب الفدية إن قص ظفرين من غير كسر أو ظفراً واحداً لإماطة الأذى كأن يقلقه طوله أو يريد مداواة قرحة تحته أو أزال شعراً كثيراً كالعانة وموضع المحاجم والشارب والإبط والأنف أو قتل قملا كثيرا وإذا انكسر ظفره فقطع المكسور وسواه فقطع ما يتضرر ببقائه

ص: 528

فلا فدية قال التونسي وكذلك لو انكسر ظفران أو ثلاثة وان قص ظفرا واحدا لا لإماطة الأذى ولا بكسر أطعم حفنة وهي ملء يد واحدة وكذا يطعم في شعرة أو شعرات أو قملة أو قملات ولا شيء عليه فيما تساقط من شعر رأسه ولحيته عند وضوئه أو غسله ولو كان تبردا أو جريدة عليها بلا وضوء ولا غسل أو حمل متاعه الحاجة أو فقر ومن أنفه إذا أدخل يده لمخاطة ينزعها أو أسقط بالركوب والسرج ولو اغتسل وقتل قملا كثيرا من رأسه فلا شيء عليه في الجنابة وعليه الفدية في التبرد وطرح القمل كقتله بخلاف طرح البرغوث فلا شيء عليه وقوله (ويفتدى) البيت تعرض فيه لحكم من فعل شيئاً من هذه المحرمات الأربع وأن الواجب عليه الفدية وأما قتل الصيد ففيه الجزاء كما تقدم ولذا قال من المحيط لهنا ولا فرق في وجوب الفدية فيما تجب بين أن يفعل ذلك لعذر أو اختيارا ولذا قال (وإن عذر) إلا أن المختار آثم دون المضطر لذلك فلا إثم عليه كما تقدم، السادس النساء وإليه أشار بقوله ومنع النساء ولفظ النساء على حذف مضاف أي ومنع الإحرام قرب النساء يريد بوطء أو مقدماته أو عقد نكاح ثم إن كان قربهن بالوطء سواء كان في قبل أو دبر من آدمي أو غيره أنزل أو لم ينزل ناسياً أو متعمدا مكرها أو طائعا فاعلاً أو مفعولا أفسد ذلك الحج والعمرة ولذا قال وأفسد الجماع وفهم منه أن قربهن بغير الجماع من مقدماته وعقده لا يفسد وهو كذلك فقربهن ممنوع بأي وجه كان والافساد إنما هو بخصوص الجماع دون غيره وإنما يفسد الحج بالجماع إن وقع قبل رمي جمرة العقبة وطواف الإفاضة في يوم النحر أو قبله وإن وقع بعد أحدهما في يوم النحر أو قبلها بعد يوم النحر لم يفسد لكنه يجب الهدي به وتجب العمرة إن وقع قبل ركعتي الطواف وحيث فسد الحج يجب التمادي في الفاسد حتى يكمله والقضاء على الفور في القابل سواء كان ما أفسد تطوعا أو واجبا ويجب الهدي وينحره في حجة القضاء وإن قدمه أجزأ وتفسد العمرة بالجماع أيضا إن وقع قبل كمال السعي فإن كمل ولم يحلق لم تفسد لكن يجب بذلك الهدي والانزال إن كان بقبلة أوجسة أو وطء فيما دون الفرج أو تقبيض من المرأة على فرجها أو إدخال شيء فيه أو استمناء باليد أو استدامة نظر أو فكر أو حركة دابة كالجماع في جميع ما تقدم أما لو أمنى في غير استدامة نظر أو فكر لم يفسد لكن يجب الهدي وأما مقدمات الجماع فيحرم على المحرم المباشرة بشهوة والمعانقة والقبلة واللمس والغمزة وكل ما فيه نوع من الاستلذاذ بالنساء ثم ما كان منها لا يفعل إلا باللذة كالقبلة ففيه الهدي على كل حال وما عدا القبلة فممنوع لقصد اللذة ثم إن حصل منه مذي فالهدي وإلا فقد غر وسلم وأما عقد النكاح

ص: 529

فيحرم على المحرم أن يتزوج أو تزوج وكل نكاح كان الولي فيه محرما أو الزوج أو الزوجة فهو باطل يفسخ قبل البناء أو بعده ولو ولدت الأولاد ولا يتأبد تحريمها ولا يكون المحرم سفيرا في النكاح لغيره ولا يحضر غيره لكن يفسخ النكاح بذلك واعلم أن المانع من هذه الأشياء الست يستمر إلى التحلل وحينئذ تصير حلالا لا شيء على فاعلها ثم اعلم أن للحج تحللين أصغر وأكبر فالأول رمي جمرة العقبة أو خروج وقت أدائها ويحل به كل شيء إلا اثنين قرب النساء بجماع أو مقدماته أو عقد نكاح والصيد فلا يحلان بجمرة العقبة بل وما زال ذلك حراما عليه إلى التحلل الأكبر وهو طواف الإفاضة وإلى ذلك أشار الناظم بقوله (إلى الإفاضة يبقى الامتناع كالصيد) البيت، أي يستمر الامتناع المذكور قريبا وهو قرب النساء وكذلك الصيد إلى طواف الافاضة وهذا هو التحلل الأكبر يريد وكذا ينهى عن الطيب حينئذ لكن على الكراهة فإن تطيب فالفدية وأما باقي الممنوعات من اللباس والطيب والدهن وإزالة الشعث فيحل برمي الجمرة الأولى يوم العيد وهي جمرة العقبة يريد أو بخروج وقت أدائها كما تقدم وهذا هو التحلل الأصغر وإليه أشار بقوله (ثم باقي ما قد منعا) البيت، وإنما يكون طواف الإفاضة تحللا أكبر لمن سعى قبل الوقوف وإلا فلا يحصل التحلل إلا بالسعي لعد طواف الإفاضة ويحل به كل شيء إن حلق وإلا فهو ممنوع من الجماع فإن جامع فعليه الهدي ومنتهى المنع في العمرة السعي إلا أنه إن وطيء قبل الحلاق فعليه الهدي ويكره أن يفعل شيئا من ممنوعات الإحرام غير الوطء قبل الحلاق فان فعل فلا شيء عليه ثم ذكر الناظم مسألة كالمستثناة من منع المحرم من تغطية رأسه فقال (وجاز الاستظلال) البيت، وحاصله أن المحرم يجوز له أن يستظل بالمرتفع على رأسه مما هو ثابت كالبناء والخباء والشجر لا ما كان غير ثابت كالمحمل والشقدف فلا يجوز له الاستظلال في ذلك فإن فعل ففي وجوب الفدية عليه واستحبابه قولان مشهوران وفهم من قوله لا في المحامل حيث أتى بفي الدالة على الظرفية أن الممنوع الاستظلال بالمحمل وهو فيه أما لو استظل به وهو ليس فيه بل إلى جانبه وسواء كان المحمل سائرا أو نازلا فلا يمنع من ذلك وهو كذلك ومن هذا التفصيل يفهم أن جواز الاستظلال بالمرتفع كالبناء والشجر عام لمن كان تحته أو إلى جنبه وهو كذلك أيضا «وع» آخر البيت فعل أمر من وعى بمعنى حفظ تكميل للبيت والفاء الداخلة عليه عاطفة ابن الحاجب ويجوز استظلاله بالبناء والأخبية وما في معناهما مما يثبت في الاستظلال بشيء على المحمل وهو فيه بأعواد أو الاستظلال بثوب على عصا قولان التوضيح قال في الاستذكار أجمعوا أن للمحرم أن يدخل تحت الخباء وأن ينزل

ص: 530

تحت الشجرة واختلفوا في استظلاله على دابته وعلى المحمل فمنعه مالك وأحمد وقال ابن عمر أصح لمن أحرمت له وبعضهم يرفعه عنه قال مالك إن استظل في محمله افتدى وأجاز ذلك أبو حنيفة والشافعي وغيرهما قال مالك ولا يعجبني أن يستظل يوم عرفة بشيء وذكر المصنف يعني ابن الحاجب في الاستظلال على المحمل بشيء والمحرم فيه قولين يريد سواء كان سائرا أو نازلا وكذلك ذكر غيره واحترز بقوله وهو فيه مما استظل به وهو إلى جنبه فانه جائز انتهى ونحوه في مناسك الشيخ خليل والحطاب

(تنبيهات) الأول تلخص من كلام الناظم أن محرمات الإحرام ستة فالخمس الأول منها منجبرة أولها بالجزاء والأربعة بعده تليه بالفدية ويأتي قريبا تفسيرهما إن شاء الله والسادس وهو قربان النساء إن كان بالجماع فمفسد كما مر وإن كان بقدماته فمجبر بالهدي على التفصيل المتقدم وإن كان بعقد النكاح فلا يوجب شيئا هديا ولا فدية وإنما فيه الاستغفار فقط وتلخص من هذا المحل أيضا ومما تقدم في قوله (والواجبات غير الأركان بدم قد جبرت) أن الجابر لترك ما يطلب فعله مما ليس بركن أو لفعل ما يطلب تركه مما ليس بمفسد ثلاثة أنواع هدي وجزاء الصيد وفدية فالفدية ما وجب للبس أو استعمال طيب أو دهن أو إزالة وسخ أو ظفر أو شعر أو قتل قمل وهي ثلاثة أنواع الأول نسك بشاة فأعلى العزيزي النسك الذبائح واحدتها نسيكة المشارق والنسيكة الذبيحة وجمعها نسك قال تعالى {أو صدقة أو نسك} والنسك كل ما يتقرب به إلى الله تعالى والنسك الطاعة اهـ النوع الثاني إطعام ستة مساكين مدان لكل مسكين بمد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم النوع الثالث صيام ثلاثة أيام بفعل أحد الثلاثة أحب، غنيا كان أو فقيرا ولا تختص بزمان ولا مكان إلا أن ينوى بالنوع الأول من هذه الثلاثة الهدي فيسمى هديا ويجري عليه حكم الهدي إلا أنه لا يأكل منه/ ابن عرفة فدية الأذى على التخيير في صوم ثلاثة أيام فيها ويصومها حيث شاء أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مدان سويان أو ينسك بشاة فيها ويذبحها أيضا حيث شاء/ ابن المواز في ليل أو نهار وإن شاء أن ينسك ببعير أو بقرة ببلده فذلك له وله أن يجعله هديا ويقلده ويشعره ثم لا ينحره إن قلده إلا بمنى أو بمكة إن أدخله من الحل فيها وكذلك الاطعام والصيام حيث شاء من البلاد ولم يذكر الله للفدية محلا وسماها نسكا ولم يسمها هديا فأينما ذبحت أجزأت اهـ ويستحب تتابع صيام الأيام فإن فعل موجبات للفدية بأن لبس وتطيب وحلق وقلم وأزال الوسخ وقتل القمل فإن كان ذلك

في وقت واحد أو متقارب ففدية واحدة وكذلك تتحد الفدية وإن تراخى

ص: 531

الثاني عن الأول إذا ظن الإباحة أو كانت نيته فعل الجميع ومنه نية التكرار وهو أن يلبس مثلا لعذر ثم يزول العذر فيخلع وينوي إن عاد إليه المرض عاد إلى اللبس ومحل النية من حين لبسه للعذر إلى حين نزعه وأما من لبس ثوبا ثم نزعه ليلبس غيره أو نزع ثوبه عند النوم ليلبسه إذا استيقظ فقال سند هذا فعل واحد متصل في العرف ولا يضر تفريقه في الحس وصرح في المدونة بأن فيه فدية واحدة وأما جزاء الصيد فهو ما وجب لقاتل الصيد وهو على التخيير أيضا وصفة ذلك أن يحكم القاتل حكمين سواء عدلين فقيهين بذلك فيخيرانه بين إخراج مثل الصيد أو مقاربه من النعم إن كان له مثل أو مقارب وبين إخراج قيمته طعاما بالموضع الذي قتله به إن كان له قيمته فيه وإلا فيقربه فتصدق به على المساكين لكل مسكين مد وبين عدل ذلك صياما أي وبين تعويض تلك القيمة صياما بأن يصوم عن كل مد يوما ولكسر المد يوما كاملا فيتخير بين ثلاثة أشياء وإن لم يكن للصيد مثل ولا مقارب فيخيرانه بين شيئين فقط بين إخراج قيمة الصيد طعاما وبين تعويض تلك القيمة بالصيام فيصوم لكل مد كما ذكر ولا بد من لفظ الحكم ولا يجزئه الاخراج بغير حكم الا حمام مكة والحرم ويمامه ففي كل واحد شاة بغير حكومة فإن لم يجدها صام عشرة أيام وفي الجنين والبيض عشر دية اوم ولو تحرك فان استهل ومات فكالكبير فإن ماتت الأم معه فجزاءان فإن تيقن موت الفرخ في البيضة قبل كسرها برائحة ونحوها فلا شيء عليه وإذا اختار المثل فحكمه كحكم الهدي إلا في جواز الأكل كما سيأتي وإن اختار الإطعام فيطعم في محل الإصابة فإن لم يكن فيه مساكين فيخرجه بقربه فإن أخرج بمحل آخر لم يجزه إلا أن يتساوى سعرهما فتأولان وإن اختار الصوم صام حيث شاء

وأما الهدي فهو ما وجب لنقص في حج أو عمرة بترك واجب من الواجبات المنجبرة المتقدمة قال الحطاب وجملتها اثنان وأربعون من المتفق عليه والمختلف فيه ويضاف لذلك أيضا الهدي الواجب في مقدمات الجماع مع المذي وفي القبلة وفي الانزال من غير إدامة فكر ونظر وفي الوطء قبل الحلاق وفي الوطء بعد طواف الإفاضة وقبل جمرة العقبة إذا خالف الترتيب وفي الفساد وفي الفوات وفي التمتع والقران وفي العمرة إذا وطىء قبل الحلاق وجزاء الصيد إذا كان من النعم والفدية وإذا جعل النسك هديا ويضاف الى ذلك على قول المغيرة الهدي الواجب على من طاف محدثا ورجع الى بلده وأما على المشهور فلا بد من رجوعه فتم جملة الخصال الموجبة للهدي خمساً وخمسين خصلة فقد صح ما ذكر ابن عرفة عن الطرطوشي أن الهدي يجب في الحج في نحو أربعين خصلة وسقط اعتراضه عليه حيث قال قلت إن أراد بالنوع لم يتجاوز الثلاثين وإن أراد بالشخص فهي الى الألف أقرب لإمكان بلوغ الألف بآحاد الصيد اهـ الحطاب بل

ص: 532

الخصال التي يجب بها الدم على المشهور تتجاوز الثلاثين وتقارب الأربعين اهـ المشارق الهدي والهدي وبالتثقيل والتخفيف ما يهدى إلى بيت الله من بدنة واختلف الفقهاء على ما يطلق عليه هذا الاسم فمذهبنا أنه لا يطلق إلا على ما سبق من الحج قال ابن المعذل وما لم يسبق من الحج فليس بهدي وقال الطبري سمي الهدي لأن صاحبه يتقرب به ويهديه إلى الله تعالى كالهدية يهديها الرجل لغيره فتأول بعضهم أن ظاهره عدم اشتراط الحج يقال منه هديت الهدي اهـ محل الحاجة منه وفي الغريب لالعزيزي أن الهدي ما أهدى إلى البيت الحرام واحدته هدية وهدية اهـ ويستحب في الهدي الإبل ثم البقر ثم الغنم فإن عجز عن جميع ذلك ولم يجد ما يشتري به الهدي ولا من يسلفه صام عشرة أيام فإن كان الهدي وجب لنقص في حج وكان ذلك النقص متقدما على الوقوف كالتمتع بالقران ومجاوزة الميقات صام ثلاثة أيام قبل عرفة وسبعة إذا رجع من منى وفي ابن الحاجب صام ثلاثة أيام الحج ومن حين يحرم بالحج إلى يوم النحر فإن أخرها اليه فأيام التشريق وقيل ما بعدها صام سبعة أيام إذا رجع من منى إلى مكة وغيرها وقيل إذا رجع إلى أهله فإن أخرها صام متى شاء التتابع في كل منها ليس بلازم على المشهور اهـ وجب عليه هديان وعجز عنهما صام عن كل واحد ثلاثة أيام قبل عرفة وسبعة إذا رجع لكن لا يصوم الثلاثة حتى يحرم بالحج فإن صام قبل الاحرام بالحج لم يجزه فإذا أراد أن يصوم أحرم في اليوم الرابع من ذي الحجة أو قبله وصام الثلاثة فإن لم يفعل ذلك فإنه يصوم أيام النحر وإن كان النقص متأخرا عن الوقف كترك النزول لمزدلفة ورمي الجمار والمبيت بمنى بعد يوم النحر وأخر الثلاثة ولو عمدا صام العشرة جميعا ولو قدم السبعة قبل الوقوف لم تجز ويستحب فيها التتابع ويشترط في الهدي سواء كان واجبا أو تطوعا من السن والسلامة من العيب ما يشترط في الأضحية والمعتبر في سلامته من العيوب وقت التقليد والأشعار والتعيين فلو كان سالما وقت تعيينه وجعله هديا ثم طرأ عليه عيب أجزأ واجبا أو تطوعا قاله في المدونة وهو المشهور كما صرح به ابن الحاجب والشيخ خليل في توضيحه خلافا لما في المختصر والشامل من تخصيص الإجزاء بالتطوع ولو عين وهو معيب ثم سلم

(فائدة) تلخص من هذا التنبيه أن الدم في الحج على ثلاثة أوجه كما تقدم الأول الهدي وهو ما وجب لنقص في حج أو عمرة إما بسبب نقص ما يجب فعله أو سبب فعل ما يجب تركه أو ما تركه أولى أو ما فعل من غير اختيار الثاني جزاء الصيد الواجب على قاتله الثالث الفدية وهي ما يجب في اللبس والطيب والدهن وإزالة الوسخ والقمل وقلم الظفر ونحو ذلك فالدم أحد مثلثات الحج وأن الهدي قد

ص: 533

يطلق أيضا على أحد أنواع الفدية وأحد أنواع الجزاء

(التنبيه الثاني) كما يحرم التعرض للحيوان البري في الحرم فكذاك يحرم فيه قطع ما ينبت بنفسه من الأشجار وغيرها إلا الأذخر والسنا للحاجة إليهما اهـ ابن الحاجب ويكره اختلاؤه للبهائم لمكان دوابه لا رعيه، التوضيح والاختلاء القطع وأما ما يستنبت فيجوز قطعه ابن يونس ولا يقطع أحد من شجر الحرم شيئا يبس أو لم ييبس من حرم مكة أو المدينة فإن فعل فيستغفر الله ولا جزاء فيها ولا يقطع ما أنبتته الناس في الحرم من الشجر مثل النخل والرمان والفاكهة كلها والبقل كله والكرات والخس والسلق وشبهه والقثاء/ اللخمي والاصطياد في حرم المدينة حرام فإن صاد ففي المدونة لا جزاء فيه أو الأقيس أن فيه الجزاء ولا يؤكل ابن الحاجب والمدينة ملحقة بمكة في تحريم الصيد والشجر ولا جزاء على المشهور التوضيح ودليلنا ما في الصحيح أن رسول الله قال إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها بين الحرار الأربع ابن حبيب وغيره وإنما ذلك في الصيد وأما في قطع الشجر فبريد وعبارة الباجي على بريد من كل شق حولها واللابتان الحرتان إحداهما حيث ينزل الحج والأخرى تقابلها شرقي المدينة قال ابن نافع وحرتان أخريان أيضا من ناحية القبلة والجوف ابن الحاجب قال مالك وبلغني أن عمر رضي الله تعالى عنه حدد معالم الحرم أي مكة بعد الكشف وحد الحرم مما يلي المدينة أربعة أميال إلى منتهى التنعيم ومن العراق ثمانية المقطع ومن عرفة تسعة ومما يلي اليمن سبعة إلى إضاة ومن جدة عشرة إلى منتهى الحديبية ويعرف الحرم بأن سيل الحل إذا جرى نحوه وقف دونه

(التنبيه الثالث) اعلم أن دماء الحج الثلاثة والهدي والمتطوع به والمنذور باعتبار جواز أكل معطيها منها إن ذبحها أو نحرها أما بعد بلوغ محلها أي منحرها أي الموضع الذي يحل فيه نحرها إن سلمت إلى أن بلغته وهو منى إن وقف به بعرفة وإلا فمكة وأما قبل بلوغ محلها إذا عطبت وهلكت فذبحها أو نحرها قبله ومنعة من ذلك على أربعة أقسام نذكرها قريبا ثم الهدي المنذور قسمان مضمون في الذمة ومعين وكل منهما أما أن يسميه للمساكين بلفظه أو بقصده لهم بنيته فقط ولا يسميه لهم بلفظه ولا يقصده لهم بنيته فالهدي المنذور إذا على أربعة أوجه ودماء الحج ثلاثة وهدي التطوع المجموع ثمانية وترجع باعتبار جواز أكل مخرجها منها ومنعه إلى أربعة أقسام القسم الأول يجوز أكله منه قبل بلوغ المحل وبعده وهو كل هدي وجب لنقص في

ص: 534

حج أو عمرة والهدي والمنذور المضمون إذا يسمه للمساكين ولا نواه لهم فهذا يأكل منه قبل المحل لأنه مضمون يجب عليه بدله ويأكل منه بعد المحل لأن أكله غير معين فهو على سنة الهدايا وقد قال تعالى {فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} القسم الثاني لا يأكل منه لا قبل المحل ولا بعده عكس الأول وهو نذر المساكين المعين إذا سماه للمساكين بلفظه أو نواه لهم كقوله لله علي أن أهدي هذه البدنة أو هذه البقرة أو هذه الشاة للمساكين فهذا لا يأكل منه قبل المحل لأنه غير مضمون ولا بعد المحل لأنه قد عين آكله وهم المساكين القسم الثالث يأكل منه قبل بلوغ المحل إذا عطب ولا يأكل منه بعد بلوغ المحل وهو ثلاثة أشياء جزاء الصيد وفدية الأذى إذا جعلها هديا ونذر المساكين المضمون إذا جعله لهم بلفظ أو نية وإنما أكل من هذه الثلاثة قبل إذا عطبت لأنه يجب عليه بدلها لكونها مضمونة في الذمة ولم يأكل منها بعد لأن آكلها معين وهم المساكين فنذر المساكين ظاهر وأما فدية الأذى وجزاء الصيد فلأن ذلك من مقابلة الطعام وهو للمساكين فكذلك بدله القسم الرابع ما يأكل منه

بعد المحل لا قبله وهو هدي التطوع والهدي المنذور المعين إذا لم يكن سماه للمساكين بلفظ أو نية وإنما لم يأكل من هذا القسم قبل المحل لأنه غير مضمون وجاز أكله منه بعد المحل لأن آكله غير معين وقد نظم هذه الأقسام على الترتيب الشيخ ابن غازي آخر نظائر الرسالة فقال

كل هدي نقص والذي ضمنتا

إن لم تكن سميت أو قصدت

ودع معينا إذا فعلتا

قبل كل جزاء صيد نلتا

وهدي فدية الأذى إن شئتا

وما ضمنت قصدا أو صرحتا

وبعد كل طوع وما عينتا

إن لم تكن سميت أو أضمرتا

فإن أكل معطي الهدي من هدي لا يجوز له الأكل منه وجب عليه بدله هديا كاملا إلا نذر المساكين المعين ففيه قولان مشهوران أحدهما أنه كغيره والثاني أنه يجب عليه قدر ما أكل فقط والله أعلم

وَسُنَّةُ الْعُمْرَةِ فاَفْعَلَها كَما

حَجَّ وَفي التَّنْعِيمِ نَدْباً أَحْرمَا

وَإثْر سَعْيكَ احْلِقَنْ وقَصِّرَا

تَحِلَّ مِنْهاَ وَالطَّوَاَف كَثِّرا

ص: 535

ماَ دُمْتَ في مَكَّةَ وارْع الحُرْمَهْ

لِجَانِبِ الْبَيْتِ وَزِدْ في الخِدْمَةْ

وَلازِم الصَّفاَ

فَإنْ عَزمْتَ

عَلَى الخُرُوجِ طُفْ كَمَا عَلمْتَ أخبر رحمه الله أن العمرة سنة أي مؤكدة مرة في العمر وهو كذلك على المشهور وأن الاحرام بها يستحب أن يكون من التنعيم أي لأنه أمر عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق أن يخرج بأخته عائشة رضي الله تعالى عنها اليه وتقدم عند تعرض الناظم لبيان مواقيت الحج المكانية بيان ميقاتي العمرة الزماني والمكاني وإن صفة الإحرام بها في استحباب الغسل والتنظيف وفيما يلبسه وما يحرم عليه من اللباس والطيب والصيد وغير ذلك وفي التلبية والطواف والرمل والركوع بعده والسعي بعده كالحج سواء بسواء ولذا قال (فافعلها كما حج) فما زائدة على حد فبما رحمة الله فإذا فرغ من السعي وحلق وقصر فقد حل منها وإلى ذلك أشار بقوله (وإثر سعيك احلقن أو قصرا تحل منها) ف «أو» في قوله أو قصرا للتخييروقدم الحلق لأنه أفضل ثم أفاد بقوله (والطواف كثرا) الخ أنه يستحب للآفاقي أن يكثر الطواف بالبيت ما دام بمكة لتعذر هذه العبادة العظيمة عليه بعد خروجه منها وأن يراعي حرمة مكة المشرفة لجانب البيت المعظم الكائن بها بتجنبه الرفث والفسوق والعصيان وبكثرة فعل الطاعات والخدمة لله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وملازمته الصلاة في الجماعة وغير ذلك من أفعال البر وإن كان ذلك مطلوبا في كل مكان وزمان ففي هذا المكان آكد لما تقرر أن المعصية تغلظ بالزمان والمكان باعتبار الإثم والأدب عليها وأن الطاعة تعظم ذلك أيضاً فيكثر ثوابها وأنه إن عزم على الخروج من مكة يستحب له أن يطوف طواف الوداع على الصفة التي علمتها مما تقدم من الابتداء بتقبيل الحجر وجعل البيت على اليسار إلى آخر ما ذكر من صفة الطواف

واعلم أن الأفعال المطلوبة في العمرة ثلاثة أقسام أركان لا تجبر وواجبات تجبر وسنن لا شيء في تركها

فأركانها ثلاثة الاحرام والطواف والسعي وأما الحلاق فليس بركن بل يجبر بالدم إذا تركه حتى رجع لبلده أو طال كما تقدم في موجبات الدم وواجباتها المنجبرة بالدم فهي كالحج فيما يتأتى فعله فيها من ذلك وذلك أربعة عشر على المشهور وأما السن والمستحبات فكالحج أيضا فيما يتأتى فعله فيها من ذلك وذلك نحو السنن قاله الحطاب في مناسكه وتفسد بالجماع وما في معناه إذا وقع قبل انقضاء أركانها ويكره تكرارها في العام الواحد على المشهور وأجاز ذلك مطرف وابن الماجشون وعلى المشهور فأول السنة المحرم فيجوز لمن اعتمر في آخر الحجة

ص: 536

أن يعتمر في المحرم قاله مالك ثم استثقله وقد تقدم قبل قوله ومنع الاحرام صيد البر ما يستحب لمن كمل حجه وفرغ منه ورجع الى مكة من كثرة التطوع بالطواف وشرب ماء زمزم إلى آخر ما ذكر هنالك وقد سئل مالك رضي الله عنه أيهما أحب إليك المجاورة أو القفول فقال السنة الحج ثم القفول وكان عمر رضي الله عنه إذا فرغ من حجه يقول يا أهل اليمن يمنكم ويا أهل العراق عراقكم ويا أهل الشام شامكم ويا أهل مصر مصركم وهذا والله أعلم لأن الغالب العجز عن آداب المجاورة إذ الجناب العظيم لا سيما معه عليه الصلاة والسلام ولا يخلو الانسان من الهفوات والكسل غالبا وقد حكي عن بعض كبار الصوفية أنه جاور بمكة أربعين سنة ولم يبل في الحرم ولم يضطجع فمثل هذا تستحب له المجاورة وقال الشيخ أبو عبد الله محمد بن الحاج حكى الشيخ الجليل أبو عبد الله الفاسي رحمه الله تعالى أنه احتاج الى حاجة الانسان وهو بالمدينة المشرفة فخرج الى موضع من تلك المواضع وعزم أن يقضي فيه حاجته فسمع هاتفا ينهاه عن ذلك فقال الحجاج يعملون هذا فأجابه الهاتف بأن قال وأين الحجاج ثلاث مرات وقد لوح الناظم لهذا المعنى بقوله وارع الحرمة لجانب البيت وزد في الخدمة

وسُرْ لِقَبْرِ الْمُصْطَفَى بأَدَبٍ

ونيَّةٍ تُجَبْ لِكُلِّ مَطْلَبِ

سَلِّمْ عليْهِ سِرْ إِلَى الصِّدِّيق

ثُمَّ الَى عُمَرَ تَفُوزُ بِالتَّوفِيقِ

وَاعلَمْ بِأَنَّ ذَا المَقَامِ يُستَجابْ

فِيْهِ الدّعا فَلا تَمَلَّ مِنْ طِلَابْ

وَسَلْ شَفَاعَةً وَخَتْماً حَسَناَ

وَعَجِّلِ الأَوْبَةَ إذْ نِلْتَ المُناَ

وادْخُلْ ضُحىً وَاصْحَبْ هَدِيَّة السُّرُورْ

الَى الأَقاَرِبِ وَمَنْ بِكَ يَدُورْ

إذا خرج الحاج من مكة يستحب له الخروج من كدا ولتكن نيته وعزيمته وكليته زيارته وزيارة مسجده وما يتعلق بذلك لا يشترك معه غيره لأنه صلى الله عليه وسلم متبوع لا تابع فهو رأس الأمر المطلوب والمقصود الأعظم فإن زيارته سنة مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها وليكثر الزائر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في طريقه ويكبر على كل شرف ويقول ما تقدم ويستحب أن ينزل خارج المسجد فيتطهر ويركع ويلبس أحسن ثيابه ويتطيب ويجد التوبة ثم ليمش على رجليه فإذا وصل المسجد فليبدأ بالركوع إن كان وقت يجوز فيه الركوع وإلا فليبدأ بالقبر الشريف ويكون ركوعه في محراب النبي إن قدر أو في الروضة أو في غيره من المواضع ثم يتقدم إلى القبر الشريف ولا يلتصق به ويستقبله وهو متصف بكثر الذل والمسكنة والانكسار والفقر والفاقة والاضطرار ويشعر نفسه أنه واقف بين يديه صلى الله عليه وسلم إذ لا فرق بين موته وحياته فيبدأ بالسلام عليه قال مالك فيقول السلام عليك أيها

ص: 537

النبي ورحمة الله وبركاته ثم يقول صلى الله عليك وعلى أزواجك وذرياتك وعلى أهلك أجمعين كما صلى على ابراهيم وآل ابراهيم وبارك عليك وعلى أزواجك وذرياتك وأهلك كما بارك على ابراهيم وآل ابراهيم في العالمين إنك حميد مجيد فقد بلغت الرسالة وأديت الأمانة وعبدت ربك وجاهدت في سبيله ونصحت لعباده صابرا محتسبا حتى أتاك اليقين صلى الله عليك أفضل الصلاة وأتمها وأطيبها وأزكاها» ثم ينتحي على اليمين نحو ذراع ويقول «السلام عليك يا أبا بكر ورحمة الله وبركاته صفي رسول الله وثانيه في الغار جزاك الله عن أمة رسول الله خيرا» ثم ينتحى الى اليمين قدر ذراع فيقول «السلام عليك يا أبا حفص الفاروق ورحمة الله وبركاته جزاك الله عن آله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خيرا» وكره مالك لأهل المدينة الوقوف بالقبر كلما دخل أحدهم المسجد وخرج وإنما قال للغرباء لأنهم قصدوا ذلك قال مالك ولا بأس لمن قدم من أهل المدينة من سفر أو خرج الى سفر أن يقف بالقبر فيصلي على النبي ويدعو له ولأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وليحذر الزائر مما يفعله بعض الجهلة من الطواف بالقبر الشريف على ساكنه أفضل الصلاة وأزكى السلام والتمسح بالبناء وإلقاء المناديل والثياب عليه ومن تقرب العامة بأكل التمر في الروضة وإلقاء شعورهم في القناديل وهذا كله من المنكرات ويستحب أن يزورالبقيع والقبور المشهورة فيه ومسجد قباء ويتوضأ من بئر أريس ويشرب منها وهذا في حق من كثرت إقامته وإلا فالمقام عنده صلى الله عليه وسلم أحسن ليغتنم مشاهدته صلى الله عليه وسلم وقد قال ابن أبي جمرة لما دخلت مسجد المدينة ما جلست إلا الجلوس في الصلاة وما زلت واقفا هناك حتى رحل الركب ولم أخرج إلى البقيع ولا غيره ولم أر غيره صلى الله عليه وسلم وقد كان حضر لي أن أخرج الى البقيع فقلت إلى أين أذهب هذا بيت الله المفتوح للسائلين والطالبين والمنكسرين والمضطرين والفقراء والمساكين وليس ثم من يقصد مثله صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وعظم اهـ اللهم إنا نتوسل اليك بقدره عندك وجاهه لديك أن تغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت أعلم به منا ربنا آتنا في الدنيا حسنة وغي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر اللهم لنا ولآبائنا وأمهاتنا وأشياخنا وأزواجنا وذرياتنا وبلغ بجودك وكرمك مقصودنا فيهم من العلم والعمل لجميع الأخلاء والأحباب ومن له علينا حق من الإخوان والأصحاب وجميع المسلمين وأمتنا وإياهم على قول لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله تائبين بلا محنة واقبل على الجميع بفضلك واحسانك يا ذا الفضل العظيم والاحسان والجود والامتنان إنك جواد كريم متفضل إن لم نكن لرحمتك أهلا أن ننالها فرحمتك أهل أن تنالنا وفقنا للدعاء كي تستجيب لنا وأنت أكرم من وفى بما وعد وقول الناظم تجب بضم التاء مبنيا للمجهول وتمل بفتح التاء والميم مضارع ملل بالكسر مللا وطلاب مصدر طلب وحسنا منصوب على إسقاط الخافض أي وسل الختم

ص: 538

بالحسنى وهو الموت على قول لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والأوبة الرجوع والمنى المطلوب والمراد هنا هو الحج والزيارة واالأصل في استحباب تعجيل الأوبة قوله صلى الله عليه وسلم «السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله» وفي الحديث أيضا النهي عن أن يطرق الإنسان أهله ليلا كي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة والأولى أن يكون أول النهار ضحى واذن قال: وادخل ضحى وأما استحباب استصحاب هدية يدخل بها السرور على أقاربه ومن يدور به من الحشم ونحوه فظاهر وذلك سنة ماضية لكن ذلك مقيد بما إذا لم يلحقه في ذلك كلفه وبهذه المسألة ختم أيضا الشيح خليل رضي الله عنه مناسكه وقد رأيت أن أختم هذا الكتاب أعني كتاب الحج بكلام عجيب لا يصدر إلا ممن نور الله قلبه وفتح بصيرته ذكر الشيخ خليل في الفصل الرابع من الباب الأول من مناسكه فيما اشتملت عليه صفة الحج من الأقوال والأفعال قال رضي الله عنه ونفعنا به اعلم نور الله قلبي وقلبك وضاعف في النبي المصطفى حبي وحبك أن الحج محتو على أحكام عديدة وقل من تعرض لها من المصنفين فأولها أن الله تعالى شرف عباده بأن استدعاهم لمحل كرامته والوصول الى بيته ولما كان الله تعالى منزلها عن الحلول في محل إقامة البيت الحرام مقام بيت الملك فإن الملك إذا شرف أحدهم دعاه لحضرته ومكنه من تقبيل يده وأمره باللياذ به وجدير به حينئذ أن يقضي حوائجه وكذلك الله تعالى استدعى عبيده لبيته الحرام وأمرهم باللياذ به وأقام الحجر الأسود مقام يد الملك فأمرهم بتقبيله وأمرهم بطلب حوائجهم إذا كان اللائق بملوك الدنيا قضاء الحوائج في هذه الحالة فكيف بملك الملوك المعطى بغير سؤال وشرع الغسل عند الاحرام لأن من استدعاه الملك ينبغي أن يكون على أكمل الحالات ويطهر قلبه ولسانه لأن الظاهر تبع للباطن فإذا أمر بتطهير الظاهر فالباطن أولى وشرع خلع الثياب إشعارا بحالة الموت ليتخلى عن الدنيا ويقبل على باب ربه وعبادته لأن نزع ثيابه كنزع ثياب الميت على المغسل ولبس ثياب الاحرام كلبس الأكفان وتشبيها بنبيه سيدنا موسى عليه السلام لما

ص: 539

قدم على المناجاة قيل له (اخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى) والحاج قادم على الأرض المباركة المقدسة ثم قصد بمخالفته حالته المعتادة ليتنبه لعظيم ما هو فيه فلا يوقع خللا ينافيه ثم أمره بالاحرام لأنه لما دعي وأتى مجيبا قيل له قدم النية وأظهر ما أتيت إليه فقال لبيك إجابة بعد إجابة وأمره أن لا يفعل ذلك إلا بعد الصلاة لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر فكأنه قيل له انته عن الرعونات البشرية وتهيأ على الاقدام لله تعالى وقد أمر الله تعالى سيدنا موسى عليه السلام قبل مناجاته بصيام أربعين يوما لكن لما علم منك أيها العبد من الضعف ما علم لم يأمرك بذلك واكتفى منك بالصلاة مع حضور القلب وترك ما نهاك عنه ثم جعل ميقاتين زمانيا ومكانيا إشارة الى تعظيم هذه العبادة وأن العبد يحصل له بها الشرف فإنه إذا أعطي الزمان والمكان شرفا وحرمة بسبب القرب وهما مما لا يعقل كان العبد أولى وأمر عبيده بترك الرفاهية وإلقاء التفث إشارة إلى حظوظ النفس وأن العبد إذا قدم على مولاه لا يأتيه إلا خاضعا ذليلا ولا يشتغل بغير الله ونهى العبد عن الصيد إشارة إلى أن من دخل الحرم فهو آمن ولطمع العبد حينئذ في تأمين مولاه وشرع الغسل لدخول مكة إشارة إلى تطهير قلبه مما عساه اكتسبه من حال إحرامه الى وقت الدخول في محل الملك وأنه لا ينبغي أن يدخل إلا بعد تصفيته من جميع الأكدار وشرع طواف القدوم إشارة إلى تعجيل إكرامه لأن الضيف ينبغي أن يقدم إليه ما حضر ثم يهيأ له ما يليق به وكان سبعة أشواط لأن أبواب جهنم سبعة فكل شوط يغلق عنه بابا ثم يركع بعد الطواف زيادة في القرب والتداني لأن أقرب ما يكون العبد من مولاه وهو ساجد وأمره بعد ذلك بالسعي والبداية بالصفا إشارة إلى أن العبد إذا أطاع مولاه أوصلته طاعته إلى محل الصفا وصفاء القلوب ثم أمره بالنزول والمسير إلى المروة إشارة إلى أن العبد ينبغي له أن يتردد في طاعة ربه بين صفاء القلوب بخلوه مما سوى ربه وبين المروة بالسمت الحسن وترك المجانة وأمره أن يفعل ذلك سبعا إما للمبالغة في الإبعاد عن جهنم وإما لما في السبع من الحكم التي لا يحيط بكنهها إلا رب الأرباب جعل الأيام والأقاليم سبعا والأفلاك سبعا وتطور الإنسان سبعا وطباق العين سبعا وأمره أن يسجد على سبع وجعل السموات سبعا والأرضين سبعا وجعل رزق الانسان سبعا وأبواب جهنم سبعا إلى غير ذلك ثم أمره بالخروج إلى منى إشارة إلى بلوغ المنى ثم بالسير الى عرفات لأنه محل المعرفة والمناجاة تشبيها بنبيه سيدنا موسى عليه السلام وتنبيها على شرف هذه الأمة بأن شرع لها ما شرع لأنبيائه مثله وخصها بأشياء وأمره بالدعاء لأنه ينور القلب

ص: 540

ويوجب انكساره وتذلله وأباح الجمع والقصر رفقا بهم واشعارا بارادته طول المناجاة معهم وسماع أصواتهم ثم أمرهم بطلب حوائجهم ولهذا استحب لهم الوقوف ليكون أبلغ في التضرع ثم ان وقوفهم في هذا اليوم تنبيه بوقوفهم في المحشر ألا ترى أن بركة بعضهم على بعض هناكبركة الأنبياء والرسل على المؤمنين يوم المحشر قد روي أن من صلى خلف مغفور غفر له فمن لطفه بك شرع الجماعة وحض على الإتيان إليها لعل أن تصادف المغفور له فيغفر لك وشرع الجمعة احتياطا ليحضر أهل البلد كلهم لاحتمال أن يكون في تلك الجماعة مغفور له وشرع العيدين لهذا لأنه يجتمع في العيدين أكثر من الجمعة ثم احتاط فشرع الموقف الأعظم ثم أمرهم بالنفر إلى منى إشارة إلى نيل المنى وإشعارا بقضاء حوائجهم ثم أباح لهم الجمع بين المغرب والعشاء رفقا بهم وأمرهم بالوقوف بالمشعر الحرام مبالغة في إكرامهم كما أن الملك إذا بالغ في إكرام شخص أدخله بستانه ومقاصيره وأمرهم بالمسير إلى جمرة العقبة ورميها بسبع حصيات إشعارا بالابعاد عن النار إذ الجمار مأخوذة من الجمر وطرد الشيطان إذ سبب ذلك ما قيل أن الشيطان تعرض لاسمعيل عليه السلام لما ذهب مع أبيه للذبح وقال له إن أباك يريد أن يذبحك فاهرب منه فأمره ابراهيم عليه السلام أن يرميه بسبع حصيات فكأنه جل وعلا يقول يا عبادي قد شرفتكم بدخول حرمي وأهلتكم لمناجاتي وأدخلتكم في زمرة أوليائي فابتروا الجمرة بالحصى وأبعدو عن محل من عصى وتلك الجمار فكاك رقابكم من النار قال تعالى في صفة النار وقودها الناس والحجارة وأنتم قد بعدتم عن النار فاجعلوا مكانكم الجمرة ثم انقلبوا إلى منى وانحروا وكلوا واشربوا فقد بلغتكم المنى واستحققتم القرى وشرع لهم الهدايا إشعارا باكرام قراهم فإنه كذلك يفعل بالكبير وكانت السنة الفطر على زيادة الكبد تشبيها بأهل الجنة فإنهم أول ما يفطرون على زيادة كبد الحوت الذي عليه الأرض ثم نهاهم عن الصوم ثلاثة أيام لأن الضيافة كذلك ثم شرع ذلك لأهل الأقاليم كلهم فمنعهم من صيام أيام التشريق زيادة في الاكرام للحجاج لكونه أدخل سائر الناس في ضيافتهم ولم يطلب الشرع فطر ثلاثة أيام متواليات إلا هنا ولهذا قال بعضهم أنه لا ينبغي أن يمكث الإنسان أربعة أيام متوالية من غير صوم ثم أمرهم بحلق رؤوسهم ليزول ما في الشعر من الدرن والعفن وفيه إشارة إلى نبذ المال لأن الشعر يقي الدماغ من البرد كما أن المال يقي الانسان من الفقر ولذلك قال المعبرون من رأى أن شعر رأسه قد ذهب فهو ذهاب ماله ثم أمرهم بلبس المخيط وأحل لهم ما منعوا منه من النساء والطيب بعد

ص: 541

الإفاضة إشارة إلى آخر التعب في الدنيا والنصب بالعبادة أن يدخلوا الجنة مستحلين ما حرم عليهم من الشهوات متلذين بالطيب والزوجات ثم أمرهم بالرجوع إلى منى ليرموا الجمرات ويكبروا في سائر الأوقات مبالغة في الابعاد من النار وتعظيم الملك الجبار وفي ذلك إشارة إلى التخلي عن الدنيا لأن وقوفهم عند الجمرات تشبيه بوقوفهم عند الموقف الذي في المحشر والسؤال عن كل موقف ولتعلم يا أخي أن تكثير أسباب المغفرة دليل على أن الله رحيم بهذه الأمة فإنه إذا أخطأ العبد سببا من أسباب المغفرة لا يخطئه سبب آخر فنسأل الله العظيم أن يصلح قلوبنا ويحقق رجاءنا وأملنا وأن يقدمنا عليه وهو راض عنا ويطهر قلوبنا من رعونات البشرية فإنه قادر على ذلك اهـ

*****

ص: 542