الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكلمة الثلاثون: مقتطفات من سيرة سعد بن معاذ رضي الله عنه
-
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فهذه مقتطفات من سيرة علمٍ من أعلام هذه الأمة؛ وبطل من أبطالها، وفارسٍ من فرسانها، صحابي جليل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، نقتبس من سيرته العطرة الدروس والعبر.
هذا الصحابي شهد بدرًا وأحدًا والخندق، وكان ممن لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة؛ وأن عرش الرحمن قد اهتز لموته، أسلم بالمدينة على يد مصعب بن عمير.
قال ابن حجر: فكان من أعظم الناس بركة في الإِسلام
(1)
، وله مناقب كثيرة.
قال الذهبي في ترجمته: السيد الكبير الشهيد أبو عمرو سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري الأوسي الأشهلي كان رجلاً أبيض طوالاً جميلاً، حسن الوجه، حسن اللحية
(2)
: قالت عائشة: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة لم يكن أحد أفضل منهم سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر
(3)
.
قال ابن إسحاق: لَمَّا أَسلَمَ وَقَفَ عَلَى قَومِهِ فَقَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ
(1)
الإصابة في تمييز الصحابة (3/ 86).
(2)
سير أعلام النبلاء (11/ 279).
(3)
سير أعلام النبلاء (11/ 279).
الأَشْهَلِ كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي فِيكُمْ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا وَأَفْضَلُنَا نَقِيبَةً، قَالَ: فَإِنَّ كَلَامَكُم عَلَيَّ حَرَامٌ رِجَالُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ، حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: فَوَاَللهِ مَا بَقِيَ فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَاّ أَسْلَمُوا
(1)
.
روى البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: انْطَلَقَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُعْتَمِرًا؛ قَالَ: فَنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا انْطَلَقَ إِلَى الشَّامِ فَمَرَّ بِالْمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ، فَقَالَ أُمَيَّةُ لِسَعْدٍ: انْتَظِرْ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ، وَغَفَلَ النَّاسُ انْطَلَقْتُ فَطُفْتُ، فَبَيْنَا سَعْدٌ يَطُوفُ إِذَا أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا الَّذِي يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ؟ فَقَالَ سَعْدٌ: أَنَا سَعْدٌ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: تَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ آمِنًا، وَقَدْ آوَيْتُمْ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ؛ فَقَالَ: نَعَمْ. فَتَلَاحَيَا بَيْنَهُمَا. فَقَالَ أُمَيَّةُ لِسَعْدٍ: لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ عَلَى أَبِي الْحَكَمِ، فَإِنَّهُ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِي. ثُمَّ قَالَ سَعْدٌ: وَاللهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ لأَقْطَعَنَّ مَتْجَرَكَ بِالشَّامِ؛ قَالَ: فَجَعَلَ أُمَيَّةُ يَقُولُ لِسَعْدٍ: لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ، وَجَعَلَ يُمْسِكُهُ، فَغَضِبَ سَعْدٌ. فَقَالَ: دَعْنَا عَنْكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم يَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلُكَ؛ قَالَ: إِيَّايَ؛ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ وَاللهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ؛ إِذَا حَدَّثَ. فَرَجَعَ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَمَا تَعْلَمِينَ مَا قَالَ لِي أَخِي الْيَثْرِبِيُّ؟ قَالَتْ: وَمَا قَالَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلِي. قَالَتْ: فَوَاللهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ.
قَالَ: فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى بَدْرٍ، وَجَاءَ الصَّرِيخُ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَمَا ذَكَرْتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ الْيَثْرِبِيُّ؟ قَالَ: فَأَرَادَ أَنْ لَا يَخْرُجَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: إِنَّكَ مِنْ أَشْرَافِ الْوَادِي، فَسِرْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، فَسَارَ مَعَهُمْ فَقَتَلَهُ اللهُ
(2)
.
ويظهر في الموقف السابق شجاعة سعد وشدته على الكافرين، واعتزازه بدينه؛ فمع أنه بمكة لوحده إلا أنه كان يهدد سادات قريش في
(1)
سيرة ابن هشام (2/ 40).
(2)
صحيح البخاري برقم (3632).
عقر دارهم؛ وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس رضي الله عنه أنه: أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم جُبَّةٌ مِنْ سُنْدُسٍ، وَكَانَ يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا؛ فَقَالَ:«وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ مَنَادِيلَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا! »
(1)
.
ومن مواقفه العظيمة: مَا رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْعَرِقَةِ، رَمَاهُ فِي الأَكْحَلِ
(2)
، فَضَرَبَ عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ يَعُودُهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْخَنْدَقِ وَضَعَ السِّلاحَ فَاغْتَسَلَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهْوَ يَنْفُضُ رَاسَهُ مِنَ الْغُبَارِ، فَقَالَ: وَضَعْتَ السِّلاحَ؟ وَاللهِ وَمَا وَضَعْنَاهُ، اخْرُجْ إِلَيْهِمْ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«فَأَيْنَ؟ » فَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَقَاتَلَهُم رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْحُكْمَ فِيهِم إِلَى سَعْدٍ، قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ وَالنِّسَاءُ، وَتُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ، قَالَ هِشَامٌ: قَالَ أَبِي: فَأُخبِرتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَقَد حَكَمَ فِيهِم بِحُكمِ اللهِ عز وجل» ، ثُمَّ إِنَّ سَعْدًا قَالَ: وَتَحَجَّرَ كَلْمُهُ لِلْبُرْءِ
(3)
: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَ فِيكَ، مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ صلى الله عليه وسلم وَأَخْرَجُوهُ.
اللَّهُمَّ فَإِنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْءٌ فَأَبْقِنِي أُجَاهِدْهُمْ فِيكَ، اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَإِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَافْجُرْهَا وَاجْعَلْ مَوْتِي فِيهَا. فَانْفَجَرَتْ مِنْ لَبَّتِهِ
(4)
فَلَمْ يَرُعْهُمْ (وَفِي الْمَسْجِدِ مَعَهُ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ) إِلَاّ وَالدَّمُ
(1)
صحيح البخاري برقم (3802)، وصحيح مسلم برقم (2469) واللفظ له.
(2)
عرق في وسط الذراع إذا قطع لم يرقأ الدم.
(3)
أي يبس جرحه وكاد أن يبرأ.
(4)
أي: نحره.
يَسِيلُ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا أَهْلَ الْخَيْمَةِ مَا هَذَا الَّذِي يَاتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ؟ فَإِذَا سَعْدٌ جُرْحُهُ يَغِذُّ دَمًا
(1)
فَمَاتَ»
(2)
.
وقد حزن النبي صلى الله عليه وسلم لفراق سعد كثيرًا، وأخبر أن عرش الرحمن قد اهتز لموته، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ»
(3)
، ومع هذه المنزلة العظيمة لسعد إلا أنه لم يسلم من ضمة القبر، فروى النسائي في سننه من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن سعد بعد وفاته:«هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ»
(4)
، وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً لَوْ كَانَ أَحَدٌ نَاجِيًا مِنْهَا نَجَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ»
(5)
،
قال الذهبي: وهذه الضمة ليست من عذاب القبر في شيء؛ بل هو أمر يجده المؤمن كما يجد ألم فقد ولده وحميمه في الدنيا، وكما يجد من ألم مرضه وألم خروج نفسه، وألم سؤاله في قبره وامتحانه، وألم تأثره ببكاء أهله عليه، وألم قيامه من قبره، وألم الموقف وهوله، وألم الورود على النار ونحو ذلك؛ فهذه الأراجيف كلها قد تنال العبد وما هي من عذاب القبر ولا من عذاب جهنم قط، ولكن العبد التقي يرفق الله به في بعض ذلك أو كله، ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه؛ قال تعالى:
(1)
يغذ دماً أي يسيل يقال إذا الجرح يغذ إذا دام سيلانه.
(2)
صحيح البخاري برقم (4122)، وصحيح مسلم برقم (1769).
(3)
صحيح البخاري برقم (3803)، وصحيح مسلم برقم (2466).
(4)
سنن النسائي برقم (2055)، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (2/ 441) برقم (1942).
(5)
مسند الإمام أحمد (40/ 327) برقم (24283)، وقال محققوه: حديث صحيح ..
{وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ} [مريم: 39]، وقال:{وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآَزِفَةِ إِذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18]، فنسأل الله تعالى العفو واللطف. ومع هذه الهزات فسعد ممن نعلم أنه من أهل الجنة، وأنه من أرفع الشهداء رضي الله عنه، كأنك يا هذا تظن أن الفائز لا يناله هول في الدارين، ولا روع ولا ألم ولا خوف، سل ربك العافية وأن يحشرنا في زمرة سعد. اهـ
(1)
.
وكانت وفاته سنة خمس من الهجرة، وهو في ريعان شبابه، عمره آنذاك سبع وثلاثون سنة، صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ودفن بالبقيع، رضي الله عن سعد وجزاه عن الإِسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(1)
سير أعلام النبلاء (1/ 290 - 291).