المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثانيا: السؤال في قصة موسى والخضر عليهما السلام - السؤال في القرآن الكريم وأثره في التربية والتعليم

[أحمد ضليمي]

الفصل: ‌ثانيا: السؤال في قصة موسى والخضر عليهما السلام

فهم الذين يستطيعون أن يحلوا العقد، ويعالجوا العضل من المسائل والعويص من القضايا"1.

وقد استعمل السؤال في القرآن لزيادة طمأنة الرسول صلى الله عليه وسلم بشأن نبوته ورسالته وذلك بسؤال أهل التوراة والإنجيل عن وجود هذه الحقيقة في كتبهم2. قال تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} 3.

ومرة ثالثة يوجه القرآن الكريم إلى أخذ الحقائق من أهلها العارفين بها4 ويكون أقرب الطرق وأصدقها في ذلك هو السؤال، قال تعالى:{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} 5.

1 د. يوسف القرضاوي: العقل والعلم في القرآن الكريم؛ ص:212.

2 تفسير الطبري: م: 7، ج: 11، ص:168.

3 سورة يونس: آية: 94.

4 تفسير القرطبي: م:7، ج: 13، ص:63.

5 سورة الفرقان: آية: 58، 59.

ص: 266

‌ثانياً: السؤال في قصة موسى والخضر عليهما السلام

لقد كان السؤال في هذه القصة من أهم طرق التعلم ووسائله، وقد حقق السؤال الكثير من الفوائد والإيجابيات، نبين بعضها في هذا الجزء من البحث، ونبين البعض الآخر في مكانها المناسب من البحث.

وقد تكرر استعمال السؤال مرات عديدة في هذه القصة، وكان استعماله فيها جميعها استعمالاً راشداً وموفقاً

ص: 266

1-

فقد استخدم نبي الله موسى عليه السلام السؤال ليعرف مكان الخضر عليه السلام ويتعلم منه، روى الإمام البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى فمرّ بهما أُبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه، هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه؟ فقال أُبي: نعم سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه يقول: "بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال: أتعلم أحداً أعلم منك؟ فقال موسى: لا فأوحى الله عز وجل إلى موسى: بلى عبدنا خضر. فسأل السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه

الحديث"1.

2-

كما استخدم عليه السلام السؤال في اتباعه الخضر والتعلم منه، قال تعالى:{قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} 2 قال الإمام القرطبي في تفسير الآية: "هذا سؤال الملاطف المستنزل المبالغ في حسن الأدب، والمعنى هل يتفق لك ويخف عليك"3. وقد استخدم نبي الله موسى عليه السلام السؤال هنا لتحقيق أغراض منها: الاتباع، والتعلم الراشد.

3-

إن طلب الخضر من نبي الله موسى أن لا يسأله عن شيء حتى يبينه له، يدل على أن السؤال من الوسائل الأولية والهامة لمعرفة أسباب القيام ببعض الأمور التي لا يرى لها حكماً ظاهرة، فيكون السؤال من أهم أسباب اجتلاء كنهها، ومعرفة أسرارها وخفاياها.

1 فتح الباري بشرح صحيح البخاري: 1/173- 174. كتاب العلم: باب الخروج في طلب العلم: ح78.

2 سورة الكهف: آية: 66.

3 تفسير القرطبي: م:6، ج: 11، ص:17.

ص: 267

4-

إن السؤال هو الوسيلة الوحيدة التي استخدمها نبي الله موسى عليه السلام للتعبير عن إنكاره لما جرى أمام عينيه من تعدٍّ وظلم، كما كان ظاهر ما حدث، وذلك كما جاء في قوله تعالى:{قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} 1 وقوله تعالى: {قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْس} 2 وقوله تعالى: {قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} 3.

5-

إن أسئلة نبي الله موسى المتكررة هي التي جعلت الخضر عليه السلام لا يجد مناصاً من تبيين حكمة ما فعل لموسى عليه السلام، وهذا يدل على فاعلية السؤال وقوة تأثيره في القصة، إذ أثمر معرفةً وفهماً وتفسيراً لأمور كانت أسبابها غير معروفة وغير ظاهرة للعيان.

6-

إن التزام المتعلم بعدم سؤال المعلم فيما لا يجب أن يسأل فيه من الأسباب المؤدية إلى استمرار العلاقة بين المعلم والمتعلم وقوتها4، فالاستخدام الحكيم للسؤال يدل على أهمية السؤال في تحقيق الهدف المتقدم وغيره من الأهداف التعليمية والتربوية الإيجابية.

1 سورة الكهف: آية:71.

2 سورة الكهف: آية: 74.

3 سورة الكهف: آية: 77.

4 عبد الرحمن بن ناصر السعدي: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: 5/36.

ص: 268