الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفهوم الثاني: التغيير إنما يكون بما في النفوس قبل كل شيء:
قال تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]
فالتغيير الحقيقي لأوضاع المسلمين، يبدأ من المسلمين ومن أنفسهم، لا من قتال عدوهم، أو من إزالة طواغيتهم.
وقال صلى الله عليه وسلم: "إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ"[رواه أبو داود والبيهقي في سننهما]، فأشار الحديث إلى أن: تسليط الذل إنما كان بتغيير ما في النفس، من حب للدنيا وارتكاب للمحرمات، وأن رفع الذل عنهم إنما يكون بتغيير ما في النفس، وبالرجوع إلى الدين والتمسك به.
المفهوم الثالث: توحيد الصف قبل قتال العدو:
قال تعالى {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4]
فمقتضى الآية: إن الله لا يحب المتفرقين.
وبالتالي: إن الله لا ينصر نصر استحقاق من لا يحب، وقال تعالى {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]
وقال صلى الله عليه وسلم: إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا" [رواه مسلم وأحمد في مسنده].
ولقد أدرك الصحابة رضوان الله عليهم هذا المفهوم، فقاتَل علي معاوية رضي الله عنه بحق قبل قتال الروم والفرس، وقاتل الخوارج وقتلهم قبل أن يقاتل الأعداء.
ولا يفهم أحد أننا ندعوا إلى قتال المسلمين، فهذا إنما يكون عندما يكون خليفة ثم يخرج أحد عليه، وإنما ندعو إلى الاهتمام بتوحيد الصف، والسعي لأجله.
ووالله، ما أصاب المسلمين ما أصابهم، من احتلال الكفار ديارهم وانتهاك أعراضهم، وسلب أموالهم، إلا بسبب تفرقهم، وبعدهم عن دينهم، فإلى الله المشتكى، وهو المستعان.
وخلاصة المقال في مقام التربية أن يدرك المبرمجون والمربون ما يلي:
1 -
إدراك ما كان عليه الجماعة الأولى، كيف تربت؟ وبماذا تربت؟ وكيف سارت؟ أصولها .. قواعدها .. عقيدتها .. منهاجها .. أخلاقها .. تصرفها، ما موقفها من المسئولين، ما موقفها من الخلاف العقدي، أو الفكري، أو الفقهي .. المنهجي؟ !
2 -
تربية النشء على ذلك حتى لا تجتالهم الفرق الضالة، ولا تنحرف بهم الأفكار الخادعة، ومن الملفت للنظر حقًا، والداعي إلى التأمل والتفكر والدراسة، أن أحدًا من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن في أي فرقة من الفرق الضالة، فلم نجد صحابيًا واحدًا؛ خارجيًا .. شيعيًّا .. معتزليًّا .. أشعريًّا .. صوفيًّا .. وإن أحدًا من الصحابة رضوان الله عليهم لم يكن ليطمئن لدخول الجنة والنجاة من النار حتى المبشرون بالجنة، بل حتى سيدهم أبو بكر، ومن منه تفر الشياطين عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين، كانوا أخوف الناس من الله، ويذكرون من ذنوبهم ما لو كانت لنا لكانت حسنات.
ونحن نرى هؤلاء الضالين في زماننا، وكأنهم أمسكوا بمفاتيح الجنة، وأخذوا العهود والمواثيق من الله أن لا يعذبهم أبدًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
3 -
دراسة مشكلاتنا الراهنة، وبخاصة مشكلات الشباب، وحلها على ضوء الكتاب والسنة، وفي إطار منهاج أهل السنة والجماعة.
4 -
إخضاع واقعنا المعاصر بما فيه من علم، وتقدم مدني، ومشكلات مختلفة، لقواعد الدين ومنهاجه، لا إخضاع الدين بهذا الواقع.
5 -
عدم الانصباغ بصبغة معينة، أو حزبية ضيقة، أو جزئية من جزئيات الدين، ولو كانت صحيحة، أو سلوك طريق معين غير طريق السلف الصالح، أو التقوقع حول علم دون بصيرة بما يدور حوله،
أو الاهتمام بالمهم دون الأهم، أو التعصب للهيئات والأشخاص، أو الجماعات، أو العمل بلا علم، أو العلم بلا عمل، أو معاداة بعض الجماعات الإسلامية بدل النصح لها، أو تفسير النصح بالمعاداة، أو اتباع أسلوب في دعوته منافيًا للحكمة، أو يكون في دعوته مداهنًا.
بل يكون بالإسلام ملتزمًا، ولدينه داعيًا ومدافعًا، وبالرسول صلى الله عليه وسلم مقتديًا، وبصحباته والأئمة الأربعة ومن سار على منهجهم متبعًا وعنهم منافحًا، وأمثلة ذلك كثيرة في واقعنا الإسلامي.
فإنك تجد أن كثيرًا من الجماعات قد بنت حولها أسوارًا عالية، وأقامت جدرًا غليظة، تمنع الناس من دخولها .. والاشتراك معها .. بدعاوي ظاهرها الحق، وباطنا الخطأ، فلا تدخل الجماعة إلا بإذن ولا تخرج إلا بإذن، في الوقت الذي لو خالفت الأمر أو اعترضت على أمر مخالف الشرع فصلوك، وقاطعوك، في الوقت لا يؤنبون مرتكب الكبيرة عندهم، بل ولا ينصحونه ما دام في صفهم، مطيعًا لأوامرهم، فهم بهذا أقرب إلى الأحزاب الكافرة العلمانية منهم إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
فقد يكون المرء من الجماعة، ولا يحسن صلاة ولا يقيم كثيرًا من الواجبات، بل ويستهزئ بالعقيدة أو السنن، ومع ذلك فهو مرموق المكان، معزز الجانب، لأنه عضو في هذه الجماعة.
وكم من عالم عامل، تقي ورع، داعية مصلح، ينظل إليه من قبل الجماعة، نظر ازدراء واستكبار .. بل ومعاداة، وربما تتعاون الجماعة مع الشيطان، والطاغوت، لأذيته
والتشهير به، وليس له ذنب إلا أنه لم ينضم إلى حزبهم. فهم يرفعون شأن من كان في حزبهم ولو كان من الفاسقين، ويعادون من كان من غيرهم ولو كان من الصالحين.
وآخرون اهتموا بجزئيات من الدين، وأهملوا الأصول والقواعد، وربما اختلفوا على سنة، وتشاققوا في مندوب، ينزغ الشيطان بينهم، ليفرق شملهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
وقد تجد أناسًا أحبوا شخصًا معينًا، فهم لا يرون قولاً غير قوله، ولا منهاجًا غير منهاجه، أعمى الحب قلوبهم، وأصم الاحترام آذانهم عن الحق الذي عند غيره .. الطاعن فيه عندهم أعظم من الطاعن بأبي بكر وعمر، ولذلك تجدهم يمتدحون شاتمي أبو كبر وعمر بحجة تأليف القلوب وتوحيد الصف، ويعادون من خطأ عالمهم! !
وربما تعثر على قوم بذلوا أنفسهم للإسلام، وقدموا الغالي والثمين، وجاهدوا وقتلوا، ثم بين عشية وضحاها، تفرقوا واختلفوا .. وكان ما بينهم أشد مما كان بينهم وبين عدوهم، وسبب ذلك: خروج عن منهاج النبوة، أو إيثار للنفس على مصلحة الجماعة، أو اتباع الهوى، أو .. أو سوء في الخلق والتربية، وقد تجدها مجتمعة عند بعضهم والعياذ بالله
وأعجب من هذا كله أنهم لا يدرون أنهم على الباطل، وأن فعلهم هذا أقبح من فعل المعاصي.
6 -
التركيز بالقدوة على الخق والعلم والعمل، وأن لا يتخذ هذا الإسلام غرضًا، وهذا الدين ماربًا، إلا غرض الدار الآخرة ونعيمها، فكم رأينا من قادة للمسلمين، ما أن وصلوا إلى ما وصلوا إليهن إلا وتكشفت نياتهم، وكان شرهم على الإسلام والمسلمين أعظم من خيرهم، وكانوا على المسلمين من بلاياهم.
7 -
التركيز على التعاون مع المسلمين جميعًا، والحب في الله لا في الأشخاص، والانتساب إلى الإسلام لا إلى حزبية معينة، فإذا كان كل احد منا ينتسب إلى حزبية ويعمل لها، فمتى نتحد، ومتى ننتصر؟ ، والاعتصام شرط من شروط النصر، والتنازع سبب من أسباب الفشل {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا} [الأنفال: 46]
8 -
الأصل في تجمع الجماعة الإسلامية، هو التوحيد والمنهاج، يعدى لهما، وفيهما، وعليهما، ومن مستلزمات التوحيد وموجباته، طاعة الله عز وجل ورسوله، واتباع خيرة صحبه، فلا يعادي لحزبية، ولا يفارق لجماعة، ولا يخاصم في فقه، ولا يعادي في سنة، ولا يخاصم في واجب، فضلاً أن يعادي في درهم أو دينار.