الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خبير، ذلك لأن الله ذو علم غير محدود، والعقل محدود المعرفة، محدد الفهم، ومحال أن يدرك المحدود المخلوق، علم الخالق اللامحدود {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} [البقرة: 255]، وأن من رجاحة عقل المرء، أن يسلم في الأمور التي لا يدركها، والتي هي من لدن علام الغيوب.
فالعقل لا يدرك أسباب كثير من العبادات، فهو لا يدرك لماذا كانت صلاة النهار سرية، وصلاة الليل جهرية، ولا سر عدد ركعات الصلاة، ولا لماذا كان الطلاق ثلاث مرات، وهكذا، ولذلك وجب على العاقل التسليم، بل لا يكمل غيمان المرءن ولهذا كان علامة العاقل التسليم إلا بالتسليم، وهذه القاعدة العظيمة هي وسط بين قاعدتين:
الأولى: إذا ورد النقل بطل العقل
، ووجه مخالفتها لقاعدة أهل السنة والجماعة، الطائفة الناجية من وجهين:
1 -
أنهم لا يدققون في حصة النقل بل مجرد ورود النص من طريق علمائهم وأئمتهم عندهم يعني الصحة.
2 -
أنهم يعطلون وظيفة العقل، ويجعلونه مقيدًا لا حراك به.
والجماعة التي تؤمن بهذه القاعدة وتسير وفقها، يكثر عندها الابتداع، ويقل فيهم العلم، وتفشوا فيها الخرافة والخطوات السخيفة.
القاعدة الثانية: إذا ورد النقل حكم العقل:
وأصحاب هذه القاعدة الفاسدة، يحكِّمون عقولهم في
آيات الله تعالى، وأحاديث نبيه صلى الله عليه وسلم، فإذا خالف عقلهم حديثًا صحيحًا، فسرعان ما يردونه، ولو أجمعت الأمة على صحته، وأما إذا كان النص آية فسرعان ما يؤولونها بتأويلات باطلة، تدل على ضعف عقولهم وفساد فهمهم، بل قال سفيههم: لو سمعت هذا الحديث من رسول الله لما صدقته، والعياذ بالله.
والطائفة التي تؤمن بهذه القاعدة، ينعدم عندهم العلم، ويصبح دينهم وسبيلهم فكرهم، فتقسو قلوبهم، وتقل ديانتهم، ولذلك تجدهم يتقربون إلى الله تعالى بجلد أئمة الإسلام، وإكراههم على معتقداتهم الفاسدة، وفلسفتهم الدخيلة، فقتلوا أحمد بن نصر، وجلدوا أحمد رحمه الله وغيره، وسجنوا عباد الله ظلمًا وجورًا، وهؤلاء هم المعتزلة، وأذنابهم في كل عصر ومصر، وقانا الله وإياكم شرهم وشر عقولهم وفلسفتهم.
ولقد أدرك الصحابة رضوان الله عليهم هذه القاعدة العظيمة "إذا صح النقل شهد العقل"، فآمنوا بها، والتزموا بمقتضاها، فقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا فَقَالَتْ إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا، إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ، فَقَالَ النَّاسُ سُبْحَانَ اللَّهِ بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ، فَقَالَ: فَإِنِّى أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ـ وَمَا هُمَا ثَمَّ" أي وليسا موجودين، يسمعان القصة.
فانظر يا عبد الله، إلى هذا الإيمان العظيم، والتسليم الصادق لله عز وجل ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، إذ لم يناقشوا القضية من الوجهة العقلية، فإن العقل المجرد عن الإيمان، يأبى أن يؤمن بأن الحيوان يتكلم، غير أن الرسول صلى الله عليه وسلم شهد لأبي بكر وعمر بالتصديق رغم أنهما غائبان لم يسمعا القصة، فأين شذاذ الآفاق اليوم من أذناب المعتزلة، دعاة المدرسة العقلية المنحرفة من هذا؟ !
ثم مسألة أخرى، أي عقل هذا الذي نحكِّم في شرع الله .. ففضلاً عن أن العقل عاجز عن إدراك كل شيء حوله، فكيف يمكنه إدراك الغيبيات فضلاً عنه أنه مختلف متناقض، ليس له قاعدة مطردة، ولا أصل يرجع إليه، فعقلي غير عقلك غير عقله، فأي العقول نصدق، وأي العقول نحكم؟ !
ولذلك قال سلفنا الصالح قولتهم المشهورة: "من الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم"
ومثل الذين يردون النصوص الشرعية، بحجة عدم قبول عقلهم لها، كمثل الطفل الذي يسأل: لماذا لا تقرص النحلة الخشب، ولا تستطيع الفراشة أن تخرج من الزجاج، وعندما يتعلم الطلاب كروية الأرض، يتساءلون لماذا لا يسقط الذين هم من الطرف الآخر.
[هذه هي سذاجة من قَدَّم العقل على النقل، ومَن تعالى بفكرُه على الشرع.][*]
[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين المعكوفتين بالنسخة الإلكترونية فقط وليس بالمطبوع