الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ترجمة المؤلِّف الإِمام جلال الدِّين السيوطي
الإِمام السيوطي أشهر من أن يُعرَّف أو أن يترجَم له، وقد صدر حديثًا عن مجمع اللغة العربية بدمشق كتاب عنوانه "بهجة العابدين بترجمة الحافظ جلال الدِّين السيوطي" لتلميذه الشيخ عبد القادر بن محمَّد بن أحمد الشافعي الشاذلي، فأحببتُ أن أنقل منه ما يتعلق بموضوع علم الحديث، مع مقدمته لترجمة شيخه التي أكثر فيها من التبجيل وبالغ في المديح، غير أنه ساق عباراتها بأسلوب سجع لطيف وترادف فريد.
قال رحمه الله: هو سيِّدُنا ومولانا الأستاذ الجليلُ الذي لا تكادُ الأعصار تسمحُ له بنظير، الشيخ الإِمام والحبر الهُمام، شيخُ الإِسلام وارِث علوم الأنبياء عليهم السلام، فريدُ دهره ووحيدُ عصره، مميمتُ البِدْعة ومحيي السُّنَّة، ويكفي ما وردَ في إحيائها من عظيم المنَّة من قوله عليه السلام:"مَنْ أحْيَا سنَّتي فقد أحبَّني، ومَنْ أحبَّني كان معي في الجنَّة"(1).
العالمُ العلَّامة، البحرُ الفهّامةُ، مُفْتي الأنام، وحَسَنَةُ اللّيالي والأيام،
(1) في مختصر شرح الجامع الصغير 2/ 274 ذكره السيوطي عن السجزي عن أنس، وضعَّفه.
جامعُ أشتات الفضائل والفنون، المستخرِجُ من غوامضِ مخبّآتها كلَّ درّ مكنون، فاتحُ أقفال مشكلات العلوم، ومحيي مَوات ما اندرسَ منها من المعالم والآثار والرسوم، ختامُ دائرة الحفاظ، وفارسُ المعاني والألفاظ، رحَّالة الزمان، ومجتهدُ الوقت والأوان، آخرُ المجتهدين وبقيةُ الأئمة المجدِّدين لهذه الأمَّة أمرَ الدِّين.
أستاذُ الأستاذين، وأوحدُ علماءِ الدين، إمامُ المرشدين، وقامعُ المبتدعة والملحدين، والسيفُ الصارم في قَطْع رقابِ المعاندين، حجَّةُ المناظرين، وإنسانُ عين النَّاظرين، سلطانُ العلماء ولسانُ المتكلِّمين وعمدةُ المعلمين، وهدايةُ المتعلمين، شيخُ الإِسلام والمسلمين والدّاعي إلى ربّ العالمين.
إمام المحدِّثين في وقته وزمانه، والفائقُ على نظرائه ومشايخهِ وأقْرانه، والقائمُ بنصرة دينِ الله في سِرّه وإعلانِه، والنَّاصرُ للسُّنَّة الشَّريفة بقلمه ولسانه.
مَنْ له اختيارٌ في المذهب وترجيح، واجتهادٌ وتقويةٌ وتصحيح، ومَنْ اجتمعت فيه شروطُ المجتهد وصفاتُه، وكَمُلَت فيه علومُه وآلاتُه، وانفردَ في زمانه بالاجتهاد، وبلَّغه ربُّه غايةَ السؤال والمُراد.
خادمُ السُّنَّة الشريفة، وحاملُ ألويتها المنيفة، سلالةُ السَّلف الصالح، وخلاصةُ الخلفِ النَّاجح، متبع السُّنَّة النبوية، ومقتفي الآثار المحمدية.
مربِّي المريدين، ومرشدُ السالكين، وعمدةُ المحققين، وقدوةُ النَّاسكين، الورعُ الزاهدُ النَّاصر للشريعة، المجاهدُ الحافظ النَّاسك المجتهدُ المطلق، العالمُ بفنون العلومِ المحقَّقُ منها والمدقَّق، الجامع بين العلمِ والدِّين، والسالكُ سبيلَ السَّادة الأقدمين.
كانَ للعلومِ جامعًا، وفي فنونها بارعًا. ومقدّمًا في معرفةِ عِلل الحديث
على أقْرانه، متفردًا بهذا الفن في زمَانه، بصيرًا بذلك، سديدَ النظرِ في تلك المسالك، لا يُشَقُّ له غبارُ، ولا يَجْري معه سواه في مضمار.
وكانَ حسنَ الاستنباط للأحكام والمعاني من السُّنَّة والكِتاب، بِنُكَت تسْحَر الألباب وفكر يستفتح له ما يستغلق على غيره من الأبواب، مبرّزًا في العلوم النَقْلية والعقلية والمسالك الأثرية والمدارك النظرية.
فهو العالمُ العاملُ المرشدُ المربِّي المكمِّل الكامل، ذو الأخلاق الرضيّة المرضيّة، والأفعال السُنِّية السَّنية، المشهورُ علمُه وإمامتُه وجلالتُه، وزهدُه وورعُه وعفتُه وصيانتُه، المعرِضُ عن الدنيا وعن زينتِها، وعن أهلها ونعيمها ولذَّتها.
لم يزلْ طولَ عمره متنزِّهًا في رياضِ العلوم والمعارف، مقتطفًا من أوراقها ثمراتِ الحِكَمِ واللطائف، حريصًا على سلوكِ طريقةِ أهل السُّنَّة والجماعة، مواظبًا على الخير، لا يَصْرِفُ من أوقاتها ساعةً في غير طاعة، محافظًا لأزمانه وأوقاتِه، مقبِلًا على طاعاتِ ربّه وعِباداته، عارفًا بمذاهبِ العلماء المشهورة.
حَسَنَ الصِّيتِ والسِّيرة، نيِّرَ القلبِ والسَّريرة، والعلوم الرفيعة، والفنون البديعة، والتصانيف الباهرة الفائقة، والتآليف الزَّاهرة الرَّائقة النَّافعة الحميدة، والجامعة المفيدة، التي انتشرت في غالب الأَقطار، وعمَّ النفعُ بها في أكثرِ الأمصار، وسارتْ بها الركبانُ، واشتهرت بأقاصي البلدان، حتّى صارتْ كالبدرِ في الإِشراق، وتلقّاها النَّاس بالقَبُول في سائر الآفاق. وظهرَ علمُه فيها، وشَهِدَ له به أهلُ الوِفاق والافتراق، وبلغتْ عدةُ ما أثبتَه منها في فِهرست مؤلفاته إلى وقْتِ السِّياق، نحو خمسمائة وخمسين مؤلَّفًا ممَّا رقَّ وراق، وتشرَّفت بكتابته الدفاتر والأوراق.