الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عناية السيوطي بعلم الحديث وبراعته فيه:
وكان الشيخُ رحمه الله أعلمَ أهلِ زمانه بعلوم الحديث وفنونِه وأنواعه كلها، حافظًا متقنًا عالمًا عارفًا بصحيحِه وحَسَنِه وضعيفه وأنواعه كلها: غريبِه وموضوعِه، وطرقِه كلّها وشرح معانيه وغريبِ ألفاظه وإعرابه وحلّ مشكله، واستنباط أحكامه، وفِقْهه، وأسماء رجاله وضبطهم وأَنسابهم ومواليدهم ووفياتهم وبلدانهم، وتجريحهم وتعديلهم، وطبقات الرواة ومراتبهم ومعرفة أزمانهم وتواريخهم. له اليد الطُّولى في هذه الأنواع كلها، بل له فيها مؤلف متكفل لا يُحتاج معه إلى غيره.
واتّفق لشيخ الإِسلام ابنِ حجر رحمه الله تعالى أنه سُئل عن أشياءَ في الحديث وغيره فأجابَ عن بعضها ولم يُجِبْ عن بقيتها بشيء معتذرًا عنها لعدم الوقوف عليها، فأجابَ عنها شيخُنا رحمه الله بما دلَّ على حفظه وَسِعَةِ اطِّلاعه.
وقد خَرقَ اللَّه له انتظامَ العوائد، وأعطاه ما لم يُعْطِ أحدًا في زمانِه من الحفظِ وسرعةِ الاستحضار للعلومِ والفوائد، وساعَده على ذلك بعنايته سبحانه وأمدّه، فكان لا يغيب عن ذهنه شيءٌ ولو طالت المدّة.
وكان رحمه الله إذا سُئِل عن مسألةٍ أجابَ عنها بديهةً في الحال. ثم يقولُ للسّائل: الذهنُ خَوّان، أعطِني ذلك الكتابَ الذي يُشير إليه، فيأخذُه ويفتحه في أول مرة، فكأنَّما ذلك الموضع الذي فيه الجواب مُعلّم معه بعلامة. ويقول للسائل: خذ واقرأ، فيجدُ الجوابَ الذي أجاب به كما ذكره بحروفه.
سُئل رحمه الله في بعض الدروس عن محفوظ شيخ الإِسلام ابن حجر من الحديث: ما قدرُه؟ وعن محفوظِ الشيخ عثمان الدَّيمي، وعن محفوظ الشّيخ شمس الدين السَّخاوي، وعن محفوظ القاضي قطب الدِّين
الخضيري (1)، فأجابَ عن الحافظ ابن حجر بأنه كان يحفظُ ما يزيد على مائتي ألف حديث وذكر تفصيلها. ثم أنصفَ الشيخ عثمان من نفسِه على سبيلِ الأدب معه بأن قال عنه: إنَّه يحفظُ أنسابَ الرجالِ بلا مراجعة وأنا أحفظها بمراجعة. ثم ذكرَ من حفظ الخضيري والسّخاوي ما نسيتُه ولا أستحضره الآن ثم سكت. فقلتُ لشخصٍ هو أخصُّ مني بالِإدْلال على الشيخ: سلْه عن محفوظه هو. فسأله، فقال: أحفظ يا بنيّ مائتي ألف حديث، ولو وجدتُ أكثرَ لحفظته.
وكان رحمه الله يقول: أكثرُ ما يوجدُ على ظهرِ الأرضِ الآنَ من الأحاديث مائتا ألف حديث. وربَّما قال: ونيّف، لا يوجد غيرها.
قلت: ولعلَّ ذلك القَدْرَ الذي ذكرَه هو الذي أرادَ جمعَه في الكتاب الذي سمّاه "جمع الجوامع" وقصدَ فيه جمعَ الأحاديثِ النبويّة الموجودة على ظهر الأرض بأسرها والحكم على كل حديث منها، فجمع فيه نحوَ مائة ألف حديث أو ما يقاربها في أحدٍ وعشرين جزءًا بخطِّه رحمه الله، واخترمته المنيَّةُ قبل تمامه.
قلت: وقد وقفتُ على ورقةٍ صغيرةٍ لطيفةٍ بخطِّه رحمه الله بعد وفاته فيها مكتوب:
"الحمدُ لله والصَّلاة والسَّلامُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ رأيتُ في المنام
(1) قطب الدين الخضيري 821 هـ- 894 هـ محمَّد بن محمَّد بن عبد الله الخضيري الدمشقي. وُلِد بدمشق. اشتغل بتحصيل الحديث وتخرج فيه بابن حجر. ولي كتابة السر ووكالة بيت المال. انظر: الضوء اللامع وتعليقات محقق مقامات السيوطي 2/ 775 وعنه [الدارس في تاريخ المدارس 1/ 7، ودور القرآن في دمشق للنعيمي 7، ومنادمة الأطلال لبدران 6].
ليلةَ الخميس ثاني شهر ربيع الأول سنةَ أربعٍ وتسعمائة كأنِّي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت له كتابًا شرعتُ في تأليفه في الحديث، وهو "جمعُ الجوامع" وقلت له: أقرأُ عليكم شيئًا منه. فقال لي: هاتِ يا شيخَ الحديث".
ثم كتبَ بعد ذلك بخطِّه: "هذه البُشْرى عندي أعظمُ من الدنيا بحذافيرِها" وهذا آخر ما فيها. ولم يذكر رحمه الله هذه الرؤيا لأحدٍ في حياته، وإنِّما رأيتُ هذه الورقةَ بعد وفاتِه، فنقلتُها، ونقلها أصحابُه وطلبتُه من بعده.
* * *
صفحة الغلاف من نسخة (أ)
الورقة الأخيرة من نسخة (أ)
الورقة الأولى من نسخة (م)
الورقة الأخيرة من نسخة (م)
الورقة الأولى من نسخة (ب)
الورقة الأخيرة من نسخة (ب)
الورقة الأولى من نسخة (ز)
الورقة الأخيرة من نسخة (ز)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى (1)، وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد؛ فقد سألني سائل: هل روى الإِمام أبو حنيفة عن الإِمام مالك بن أنس رحمهما الله تعالى شيئًا؟
فقلت له: نعم، في حفظي أنه روى عنه حديثين. ووعدته أن أخرِّجهما له، فكتبت هذا الجزء في ذلك ونحوه، مما وقع من الأحاديث في إسناده لطيفة، وسميته:
الفانيد في حلاوة الأسانيد
(1) سقطت من نسخة (أ) و (ب).