المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الرابعفي الآفات التي تنشأ من الفلاكةوتستلزمها الفلاكة وتقتضيها - الفلاكة والمفلوكون

[الدلجي، أحمد بن علي]

فهرس الكتاب

- ‌الفصل الأولفي تحقيق معنى المفلوك

- ‌الفصل الثانيفي خلق الأعمال وما يتعلق به

- ‌الفصل الثالثفي أن التوكل لا ينافي التعلق بالأسبابوأن الزهد لا ينافي كون المال في اليدين

- ‌المقام الأول مقام التوكل

- ‌المقام الثاني في أن الزهد لا ينافي كون المال في اليدين

- ‌الفصل الرابعفي الآفات التي تنشأ من الفلاكةوتستلزمها الفلاكة وتقتضيها

- ‌الفصل الخامسفي أن الفلاكة والإهمال ألصق بأهل العلموألزم لهم من غيرهم وبيان السبب في ذلك

- ‌الفصل السادسفي مصير العلوم كمالات نفسانية وطاعة من الطاعات

- ‌الفصل السابعفي السبب في غلبة الفلاكة والإهمال والإملاقعلى نوع الإنسان وبيان ذلك

- ‌الفصل الثامنفي أن الفلاكة المالية تستلزم الفلاكة الحالية

- ‌الفصل التاسعفي أن التملق والخضوع وبسط أعذار الناس

- ‌الفصل العاشرفي تراجم العلماء الذين تقلصت عنهم دنياهمولم يحظوا منها بطائل

- ‌القاضي عبد الوهاب

- ‌ابن مالك

- ‌النضر بن شميل

- ‌الاخفش الصغير

- ‌التلعفري

- ‌الترمذي

- ‌يحيى بن علي

- ‌الابيوردي

- ‌الشنتريني

- ‌العز

- ‌السهروردي

- ‌الحافظ عبد الغني

- ‌محمد بن عبد الرزاق

- ‌الخليل

- ‌أبو الطيب الطبري

- ‌أبو عثمان

- ‌المازني

- ‌السيرافي

- ‌نجم الدين

- ‌الأنماطي

- ‌بدر الدين بن مالك

- ‌العفيف التلمساني

- ‌الحريري

- ‌القطب الشيرازي

- ‌ابن دريد

- ‌يحيى بن اكتم

- ‌محمد بن علي

- ‌القاضي الرفيع

- ‌البدر التستري

- ‌أبو عبيدة

- ‌ابن هانئ

- ‌صاعد

- ‌ابن النحاس

- ‌أبو الحسن

- ‌التاج المراكشي

- ‌العلم الاصفوني

- ‌الفخر الفارسي

- ‌الشيخ خضر الكردي

- ‌ابن الخشاب

- ‌ابن بري

- ‌الباجي

- ‌الحافظ المزي

- ‌أبو جعفر

- ‌مروان بن أبي حفصة

- ‌محمد بن داود

- ‌الحسن بن سفيان

- ‌بشر بن غياث

- ‌واصل بن عطاء المعتزلي

- ‌أبو حاتم الرازي

- ‌سيبويه

- ‌شريك

- ‌ابن يونس

- ‌أبو بكر النيسابوري

- ‌محمد شمس الدين

- ‌ابن حزم

- ‌أبو الحسن

- ‌أبو حاتم السجستاني

- ‌ابن الجبان الأصفهاني

- ‌السهيلي

- ‌ابن دحية الكلبي

- ‌المسعودي

- ‌الشاطبي

- ‌ القاضي الفاضل

- ‌ابن طارق

- ‌ابن بيان

- ‌ابن بصيلة

- ‌شميم

- ‌الجزلي

- ‌التاج الكندي

- ‌ياقوت

- ‌ابن معطي

- ‌أبو حامد الاسفرايني

- ‌ابن عنين

- ‌ابن حموية اليزدي

- ‌نفطويه

- ‌إمام الأئمة ابن خزيمة

- ‌أبو عمر غلام ثعلب

- ‌أبو الوقت السجزي

- ‌ابن نباتة السعدي

- ‌الزبيدي

- ‌أبو النجيب السهر وردي

- ‌الميداني

- ‌أبو العلاء الهمذاني

- ‌ابن مكتوم

- ‌ابن خالويه

- ‌ابن الجصاص

- ‌الأديب أبو بكر بن بقي

- ‌أبو الحسن

- ‌الصولي

- ‌ابن ظفر

- ‌ابن السكيت

- ‌الأديب أبو جعفر

- ‌الإمام أبو سهل الصعلوكي

- ‌الغزي

- ‌الفارابي

- ‌الهروي

- ‌ابن فارس اللغوي

- ‌ابن الخياط

- ‌الحافظ أبو الفضل

- ‌ابن المنير

- ‌النفيس

- ‌أبو الصلت

- ‌مبرمان

- ‌أبو الحسن الربعي

- ‌القالي

- ‌البيهقي

- ‌أبو سعيد الإصطرخي

- ‌السيد ركن الدين

- ‌أبو هفان

- ‌الرياشي

- ‌ابن بانشاذ

- ‌عبد الرحمن

- ‌الواحدي

- ‌ابن البرهان

- ‌الحريري

- ‌أبو العباس

- ‌الفصل الحادي عشرفي مباحث تتعلق بالفصل قبله

- ‌محيي الدين النواوي

- ‌السهروردي

- ‌والحسن بن العباس السرخسي

- ‌إبراهيم بن إسحاق

- ‌ابن الأنباري

- ‌عزيزي

- ‌المبارك

- ‌مالك ابن أنس

- ‌أبو الحنيفة

- ‌الإمام أحمد بن حنبل

- ‌البويطي

- ‌البخاري

- ‌النسائي

- ‌أبو عمرو

- ‌محمد بن الزيات

- ‌ابن الدهان

- ‌ابن عطاء

- ‌ابن شنبود

- ‌ ابن مقلة

- ‌الفصل الثاني عشرفي أشعار المفلوكين ومن في معناهم من مقاصدشتى وبيان أن الحامل عليها إنما هو الفلاكة

- ‌الفصل الثالث عشرفي وصايا يستضاء بها في ظلمات الفلاكة

الفصل: ‌الفصل الرابعفي الآفات التي تنشأ من الفلاكةوتستلزمها الفلاكة وتقتضيها

أن الغنى وصف الحق والفقر وصف العبد وصفات الربوبية لا ينازع فيها، معارض بأن العلم والمعرفة وصف الرب والجهل والغفلة وصف العبد فليكونا أفضل له.

ثم لا شك أن الفقير القانع أفضل من الغني الحريص، والغني المنفق ماله في الخيرات أفضل من الفقير الحريص.

قال ابن دقيق العبد في شرح العمدة: الذي تقتضيه الأصول إنهما إن تساويا وحصل الرجحان بالعبادات المالية يكون الغنى أفضل، ولا شك في ذلك وإنما النظر فيما إذا تساويا في أداء الواجب فقط وانفرد كل واحد بمصلحة ما يوفيه، فإذا كانت المصالح متقابلة ففي ذلك نظر يرجع إلى تفسير الأفضلية، فإن فسر الأفضل بزيادة الثواب فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدية أفضل من القاصرة، وان كان الأفضل بمعنى الأشرف بالنسبة إلى صفات النفس فالذي يحصل للنفس من التطهير للأخلاق والرياضة لسوء الطباع بسبب الفقر أشرف، فترجح الفقر. ولهذا المعنى ذهب الجمهور من الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر، لأن مدار الطريق على تهذيب النفس ورياضتها وذلك مع الفقر أكثر منه مع الغني، فكان أفضل بمعنى الثرف - هكذا قاله ابن دقيق العيد في الكلام على قوله صلى الله عليه وسلم {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} لما شكى له أن الفقراء قالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم - الحديث.

فقد بان لك واتضح بالكلام في هذين المقامين أن التعلق بالأسباب لا ينافي التوكل، وان وجود المال في اليدين لا في القلب لا ينافي الزهد، والمقصود إلجام المفلوكين

عن التعلق بالزهد أو التوكل في انزواء الدنيا عنهم جدلا مهما كانوا محتجين لا زاهدين حقيقة فإن الزاهد حقيقة لا كلام معه، لأن الزهد كما لا ينافي المال لا يستلزمه، وغايته أن الزهد على قسمين: قسم مع المال، وقسم لا مع المال. فلا منافاة ولا استلزام له.

‌الفصل الرابع

في الآفات التي تنشأ من الفلاكة

وتستلزمها الفلاكة وتقتضيها

وهي أكثر من أن تحصى أو يحملها القلم:

(فمنها) ضيقة العطن والنزق، وذلك

ص: 14

أن طبيعة الفرح والسرور هو تفشي الروح الحيواني وتخلخله، وينشأ من ذلك سعة الصدر وقبول النفس لما يرد عليها وانفعالها له، ولذلك تتحين أصحاب الحوائج بحوائجهم سرور من يسألونه إياها. وطبيعة الكمد والقبض هو تكاثف الروح الحيواني وتجمعه. وينشأ منه ضيقة العطن والنزق وسوء العشرة والانحراف والانكماش عن الخلق.

(ومنها) أن الفلاكة يلزمها القهر والإكراه، ومتى استولى القهر والغلبة على شخص حدثت فيه أخلاق رديئة من الكذب والتخبيب وفساد الطويق والخبث والخديعة، ولذلك كانت اليهود موصوفين بالخبث والذل والخديعة لاستحكام القهر عليهم وغلبة الإكراه على عامة أحوالهم، ولذلك أيضاً ينهى عن إرهاف الحد على الولدان والعبيد ويؤمر بترويحهم ومدّ الطول لهم خشية عليهم من اكتساب هذه الأخلاق الذميمة.

أرسل هارون الرشيد إلى خلف الأحمر لتأديب ولده الأمين، فقال له: إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة فؤاده فكن له حيث وضعك أمير

المؤمنين، أقرئه القرآن وعرفه الأخبار وروه الأشعار وعلمه السنن وبصره بمواقع الكلام وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، ولا تمرر بك ساعة إلا وأنت مغتنم فيها فائدة تفيده إياها من غير أن تخرق به فتميت ذهنه أو تهمله فيستحلي الفراغ ويألفه، وقومه ما استطعت بالتقرب والملاينة، فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة.

(ومنها) الحقد، وذلك إنه إذا استحكمت الفلاكة وعرف بها شخص أوسعه الناس إغاظة استهواناً به وعدم مبالاة بغضبه وأمناً من غائلته ومغبته، فإذا تواردت موجبات الغضب وازدحمت عليه من توقيفه على نقائصه والإغماض عن كمالاته وتفريعه بزلاته وتوبيخه على تقصيره وهتك أستاره وإذاعة إسراره وجبهه بأقبح الكلام في وجهه وعدم اعتباره والمبالغة من عتبه ومعاكسته في مراده، أو عدم إسعافه به وعجزه عن الوقوف في ذلك موقف نكير، أو أن ينفس غيظه منه بنفثة مصدور أو ضربة موتور، واستبحرت أسباب الغيظ وزخرت أمواج العجز عن إطفائه بالانتقام عاد ذلك إلى الباطن وأجج فيه ناراً وتحول حقداً وضغينة وسخيمة، وتعوقه موانع الفلاكة عن أعماله فيصير ألما صرفاً ووسواسا سوداوياً ومعصية مجردة.

(ومنها) الحسد، وتوجبه الفلاكة من وجوه:

(احدها - إنه إذا توالت مقتضيات الغيظ كما قدمنا وعجز المفلوك عن

ص: 15

الانتقام تحول ذلك حقداً وضغناً كما مر، والحقد يقتضي الانتقام فإن عجز أحب أن يتشفى منه انتقام الزمان له منه، وربما يحيل ذلك على كرامته عند الله، وربما إنه لا منزلة له عند الله حيث لم ينتقم منه. وبالجملة فالفلاكة يلزمها الإغاظة، والإغاظة يلزمها الحقد، والحقد يلزمه إرادة الانتقام، والعجز عن ذلك يلزمه حب زوال تلك النعمة التي بها التفاوت اللازم منه الإغاظة، ولازم لازم الشيء لازم لذلك

الشيء).

(وثانيهما) - إن ينقل على المفلوك أن يترفع عليه غيره، فإذا أصاب مساو له في صفات النفس مالا أو جاهاً وخاف أن يتكبر عليه وهو لا يطيق أن يتكبر عليه ولا تسمح نفسه باحتمال صلفه وتيهه وتفاخره عليه وان يستصغره ويستخدمه وعجز عن زوال الفلاكة عنه واللحوق به في تلك النعمة أحب زوالها عن غيره.

(وثالثها) - ما يحدث في نفوس المفلوكين من دعوى الاستحقاق لتلك النعم، ولذلك قال ابن مقلة:

وإذا رأيت فتى بأعلى رتبة

في شامخ من عزه المترقع

قالت لي النفس العروف بقدرها

ما كان أولاني بهذا الموضع

حتى أن من المفلوكين من تنتهي به دعوى الاستحقاق إلى حد يرى أن النعم التي بأيدي الناس استحقاقه ومغصوبة منه، والمالك المستحق طالب لزوال ماله من أيدي الغاصبين لا محالة.

(ومنها) الغيبة والطعن في أعراض الناس والغض منهم، وذلك أن الغضب والحقد والحسد ثلاثها من البواعث العظيمة على الغيبة، إذا امتلأ المفلوك غضباً وحقداً وحسداً وعجز عن الجري على مقتضاها جهاراً ومواجهة التجأ إلى الفكرة والغوص على مساوئ خصومه وإعمال الحيلة في الاطلاع على موراتهم، وضم إليها أكاذيب وتنميقاً ونشرها على وجه الغيبة مرة إرادة الترفع بنفسه بسلامته من تلك النقائص أو لا تصافه بنقائضها الكمالية على سبيل التعريض، كما يقول فلان فاسق أو شرير إرادة سلامته من ذلك، أو فلان جاهل أو ذهنه ركيك وكلامه ضعيف تعريضاً باتصافه بنقائض ذلك، ومرة إرادة صرف الناس عن الاسترسال في تعظيم خصومه وكفهم عن الإفراط في الثناء عليهم ومحبتهم بتوقيفهم على ما يوجب تنقيصهم وصرف القبول عنهم، ومرة بتمهيد عذر نفسه من اتصافه

بالمساوئ والنقائص بمشاركة العظماء له في تلك المساوئ، ومرة على

ص: 16

سبيل اللذة بالطعن في الأعراض تشفياً بحسب المقدور، حتى قال بعض الأعراب: لم يبق من لذات الدنيا إلا الطعن في أعراض اللئام.

ثم يتعود لسانه هذه المعصية العظيمة حتى تصير له خلقاً وفكاهة ونقلا ويساعده على ذلك إمكانها وتسهيلها وعدم افتقارها إلى أدوات وآلات، وكونها عبارة عن النطق الذي هو انضغاط الهواء في المجرى على مقاطع الحروف، والهواء والتنفس طبيعي للحيوان بخلاف غيرها من المعاصي لتوقفه على أدوات كثيرة.

وأيضاً فالإنسان خلق فعالاً بالطبع كما ذكره الشيخ في الإشارات ولا يتخلف عن مقتضى طبعه من الفاعلية إلا لصارف وصاد كما في الأفعال الشاقة التي لا يمكن مزاولتها إلا بتجشم الكلف والمؤن، وكما في الصارف العقلي أو الوهمي من الكلام المضر. فمهما وجد المقتضى وزال الصارف عن الفعل كما في الكلام عملت الطبيعة عملها، ولذلك كان الامتناع من الكلام ولزوم السكوت عسيراً شديداً.

(ومنها) كون الفلاكة غطاءاً وستراً على محاسن المفلوك وكمالاته النفسانية وأدواته ومعارفه، حتى أن الفلاكة تسري إلى نطقه ومصنوعاته ومقاصده، فإما أن يغفل عن محاسن كلامه ومقاصده ولا يعبأ بها ويعرض عنها، وأما أن يصرف كلامه عن ظاهره بوجه من التأويل، وأما أن لا يفهم مراده منه، وأما أن يدعى عليه غير مراده، وأما أن يدعى فساد قصده فيه. ولذلك تروج بعض الكتب بنسبتها إلى رجل مرموق بعين الجلالة كما فعل في الورقات حيث نسبت إلى إمام الحرمين، وليست له بشهادة عباراته الفائقة الرائقة في باقي كتبه ومخالفة الورقات لما في البرهان في التصحيح والحكم، وكما فعل في السر المكنون وفي المضنون به على غير أهله حيث نسبا إلى الغزالي كما قاله الأسنوي في الطبقات وليسأله كما ذكره في الطبقات.

ولذلك أيضاً تجد البحث النفيس يلقيه الباحث بين الأفاضل فيبادرونه بالإنكار والتزييف والمناقشة ويضايقونه فيه حتى يقول لهم هذا البحث قاله الإمام فخر الدين الرازي أو الزمخشري مثلا أو من في معناهما، فحينئذ يرجعون إلى ذلك البحث بالتأويل والتثبت ويعترفون بحسنه، وربما يزيدونه توجيهاً وتقريراً.

ولكون الفلاكة غطاءاً وستراً على المحاسن تجد الشهرة والصيت والسمعة يقعن في غير موقعها غالباً، فرب شخص مشهور بالعلم أو الصلاح وليس هناك، ورب شخص قعدت عنه الشهرة وهو أحق

ص: 17

بها، وذلك لأن الفلاكة متى زالت عن شخص تزلف إليه بالثناء عليه ونشر المحاسن عنه وحمل كلامه وفعله من المحاسن والمقاصد الجميلة فوق طاقته وتناقلته الألسنة تزلفاً إليه، لما يعلمون من أن النفوس مجبولة على حب الثناء، ووقعت المحاباة والإغماض عن أحواله المدخولة وأفرغت في قوالب جميلة بالتأويل والاعتذار وجاءت المغالطات بالتلبيس والتصنيع، فيطير ذكره في الآفاق وتسير به الركبان ويجيء الصيت والشهرة وليس هناك.

وعلى الجملة فالشهرة إنما تقع في غير موقعها من جهة ما يطرق الأخبار من التزلف بالثناء الكاذب أو ما يطرق الأحوال من الخفاء وعدم تطبيقها على الواقع لخفائها بالتلبيس والتصنع، فتنتشر على خلاف ما هي عليه وأنت خبير بأن التزلف بالثناء إنما يكون للأغنياء أو من في معناهم وان الإغماض عن التلبيس والتصنع وعدم كشف الغطاء عنه إنما يكون لهم أيضاً، واعتبر العكس بالعكس.

(ومنها) أن الفلاكة مهما استولت على عالم أو فاضل أو نبيه لزمه بسببها آلام عقلية، ولا شك أن الألم العقلي أقوى من الألم الجسماني، ولذلك يكون التعب القلبي أشد إنهاكاً للبدن من التعب الجسماني، ولذلك يتحمل عظيم المشاق البدنية خوفاً من العتب والتوبيخ والملامة والتقريع كما أن اللذة العقلية أقوى من اللذة الجسمانية.

والدليل على ذلك من ثلاثة أوجه:

(أولها) - أن اللذة عبارة عن إدراك الملائم، وكلما كان الإدراك أشد والمدرك اشرف كانت اللذة أتم، لكن الإدراك العقلي أقوى من الجسمي، لأنه ينفذ في باطن الشيء فيميز بين الماهية وأجزائها وعوارضها وجنسها وفصلها، وأما الحسي فلا شعور له إلا بظاهر المحسوس وسطوحه ومدرك العقل أشرف وهو الله تعالى وصفاته وملائكته وكيفية وضع العالم ومدرك الحس السطوح وعوارضه، وإذا كان كذلك وجب كون اللذة العقلية أقوى من اللذة الجسمانية. (وثانيهما) أنا نعلم بالضرورة أن أحوال الملائكة أطيب من أحوال البهائم، وليس للملائكة شيء من اللذات الحسية فلولا أن اللذة العقلية أطيب وإلا لكان حال البهائم أطيب من حال الملائكة.

(وثالثها) الحيوان قد يرجح غيره على نفسه في المطعوم والمشروب عند حاجته إليه، ولولا أن لذة الإيثار أقوى من لذة المطعوم والمشروب وإلا لما كان ذلك، بل الشجاع قد يلقى نفسه في المعركة مع ظن الهلاك أو يقينه، وما ذلك إلا لأن لذة

ص: 18

الحمد أقوى من لذة الحياة، وإذا ثبت ذلك في اللذة ثبت مثله في الألم العقلي والجسماني، لان نسبة هذا الألم إلى الألم الجسماني كنسبة اللذة العقلية إلى اللذة الجسمانية، وكلام الفلاسفة وابن سينا طافح بأن الألم العقلي أقوى من الألم الجسماني.

إذا تقرر ذلك كله فالمفلوكين من أهل العقل والفضل والنباهة آلام عقلية تلزمهم:

(أولاها) - تشوفهم وتشوقهم إلى المكارم والمعالي ومد أعناقهم نحوها ولا شك أن الشوق إلى المشوق مع عدمه وعدم التمكن من تحصيله وعدم الاشتغال بما يلهي عنه عذاب مذاب، ولذلك لا يبتهجون بالأعياد والمواسم بل تكون زيادة في كمدهم، وستأتي أشعارهم في تشوقهم إلى المعالي وتألمهم على فقدها في الفصل الثاني

عشر إنشاء الله تعالى.

(وثانيها) تألمهم بذكر نقائصهم الواقعة منهم أحياناً بحكم البشرية، لما ركب الله تعالى في البشر من القوة الشهوانية والغضبية والمتوهمة اللواتي هي أصول الفساد، وهي المشار إليها في قوله تعالى:{إلى ظل ذي ثلاث شعب} في أحد الأقوال، ولما أن للقلب ميلا إلى الأخلاق السبعية والبهيمية والشيطانية على ما هو مقرر في كتب الصوفية، ولما ركب أيضاً في الجشم من التسفل، ولما جعل من أن الفساد أدخل تحت القدرة من الصلاح كالبناء والهدم، ولا شك أن إطلاق النفس وطبيعتها ترويج لها وتنفيس من ألم ضبطها، وحينئذ فيكون الترويح والتنفيس بالنسبة إلى المفاليك ناقصاً مخدجاً لما فيه من ترقب التنقيص، ويكون أيضاً عسير الانتظام نادر الوقوع لذلك، ولقد أحسن من قال:

إما ذنابي ولا تعبأ بمنقصة

أو ذروة المجد واحذر أن تقع وسطا

وأشد من ذلك ألما وأعظم مصيبة إضافة النقائص الموهومة أو المكذوبة إليهم وهم منها براء، ولقد عرى أهل الفضل من ذلك شدائد. كان الزمخشري أبو القاسم محمود بن عمرو بن محمد الخوارزمي ساقط إحدى الرجلين، وكان يمشي في حلوب من خشب لسقوطها بالثلج في بعض أسفاره في بلاد خوارزم، فكتب معه محضراً فيه شهادة

ص: 19

خلق كثير بذلك لئلا يرمي بنقيصة السرقة.

وكان ابن فضلان أبو القاسم يحيى بن علي بن الفضل البغدادي الملقب جمال الدين الإمام في الأصول والخلاف والجدل الرئيس الوجيه ذاهب إحدى اليدين، لأنه لما خرج من نيسابور سقط عن دابته ففسدت يده وأدت الحال إلى قطعها، فعمل محضراً بذلك خوفاً من التهمة بالقبيح ومع ذلك فقد كان يجري بينه وبين المجير البغدادي مناظرات فيشنع هو على المجير بالفلسفة والمجير يشنع عليه بقطع يده.

والسبب في تخصيص أهل الفضل بإذاعة نقائصهم وعدم إقالتهم إياها والتلبيس والافتراء عليهم مهما كانت محققة أو موهومة محتملة أن النفوس مجبولة على المساوة والمباهاة ولا تحب لغيرها تفوقا عليها، فمهما وجدت سبيلا للتنقيص من كمال الكمل واو تلبيساً مقبولاً سلكته تنقيصا للكمال وطلبا للمساواة بحسب الإمكان، بخلاف الناقص في نفسه فإنه لا حاجة إلى تنقيصه.

(وثالثها) - ألم الانفراد مع أن الإنسان مدني بالطبع لا يمكنه أن يستقل بنفسه منفرداً عن الغير بحيث لا يستعين بأحد في حاجاته وضروراته بل لأقوام لأحواله إلا بالتعاون، حتى أن الرغيف من الخبز لا يضير رغيفاً إلا بآلات وأعمال تفتقر إلى صناع كثيرين كثرة بالغة.

والمدنية في اصطلاح الحكماء هي الاجتماع، ولما أن الإنسان مدني بالطبع في أحواله الكمالية والمصلحية فلا يمكنه أن يستقل بنفسه منفرداً عن الغير بحيث لا يستعين بأحد في أموره الكمالية والمصلحية والوجدان، والتجربة اصدق شاهد في ذلك والمناسبة والاخالة تصحح القياس والإلحاق والمفاليك يلزمهم الانفراد لزوماً لا انفكاك لهم عنه. والسبب في ذلك أن الناس بالإضافة إلى المفلوك أربعة أقسام: مساوله في الفلاكة، أكثر منه فلاكة، أعلى منه بقليل، أعلى منه مطلقاً. ووجه الحصر المأخوذ بالإضافة إلى المفلوك: إما مفلوك أو غير مفلوك، والأول إما مساو أو انزل، والثاني إما أعلى بقليل أو أعلى مطلقا.

إذا تقرر ذلك فالقسمان الأولان لا فائدة في الاجتماع بهما، لأن حكمة التمدن مفقودة فيهما، وغاية الاجتماع بهما تضاعف الفلاكة وتكاثفها وتغليظ الحجاب الحاجب عن المقاصد، كانضمام ظلمة إلى أخرى وكغسل العذرة بالبول. والقسم الأخير يمنع من الاجتماع به أمور أعظمها أن العظماء والنبلاء يحرصون على سد الذرائع في أطماع المفلوكين في جانبهم بتبعيدهم والإعراض عنهم خشية من

تثقيلهم

ص: 20

بحوائجهم وان يكونوا كلا عليهم، وأنهم يتأنفون المفاليك ويستقذرونهم ويستثقلون ظلهم ويتوقعون من تقريبهم مفاسد وضوحها يغني عن بسطها، ويتوهمون في بعضهم حداً وتملقاً كاذباً صاخياً من غير إخلاص ولا مناصحة. والقسم الثالث يمنع من الاجتماع بهم أمور كثيرة أعظمها عدم تعلق الرجاء والخوف بالمفاليك الذي هو داعية الاجتماع غالبا. وشغل هذا القسم بالمساوين لهم في النباهة بحيث لا يفضون للاجتماع بالمفاليك غالبا وعدم حرص المفاليك على استمالتهم واستعطافهم اضعف الرجاء فيهم. ولكن هذا القسم أقل مانعا من القسم الأخير. ولذلك ربما نال بعض المفاليك حظاً من الاجتماع بهم.

(ومنها) وأوعهم بالأسفار ومخاطرتهم بنفوسهم فيها مع ما فيه من العذاب المذاب، بشهادة قوله صلى الله عليه وسلم (السفر قطعة من العذاب) ولقد صرح بتعليل السفر بالفلاكة من قال:

يقيم الرجال الأغنياء بأرضهم

وترمى النوى بالمقترين المراميا

والسبب في ذلك يفتقر بيانه إلى مقدمة، وهي: أن الظن أقوى من الشك، والعلم أقوى من الظن، ورتب الظنون متفاوتة في نفسها جلاءاً وخفاءاً وأجلى لقوة مستند الظن وضعفه، وكذلك رتب العلوم متفاوتة في المعلومية، فكم بين المشاهدات وبين كل قضية صدق العقل بها بواسطة الحس كعلمنا بحرارة النار وبرودة الثلج، وبين الحدسيات وهي كل قضية يصدق العقل بها بواسطة الحدس كالعلم بحكمة الصانع عند رؤية العالم على غاية الإتقان من التفاوت وان كان كل من المشاهدات والحدسيات مفيداً للعلم، ولذلك لم ينكر العلم المستفاد من الحس إلا السوفسطائية، وكم بين العقلاء من الاختلاف في الحدسيات اختلافاً قوياً وضعيفاً، ولذلك أيضاً فرقوا بين علم اليقين وعين اليقين. ومن هنا ينكشف لك مادة الجواب عن قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم {بلى ولكن ليطمئن قلبي} .

ثم الإنسان متشوف إلى مصلحته، فإذا تعارض عنده في تحصيل مصلحته طريقان احدهما مظنون والآخر مشكوك فيه أو احدهما أجلى في الظن من الآخر أو احدهما أقوى في المعلومية من الآخر فالعمل بهما معاً جمع للنقيضين وتركهما معاً رفع للنقيضين

ص: 21

وكلاهما محال، والعمل بالمرجوح وترك الراجع خلاف صريح العقل، فيتعين العمل بالراجح.

إذا تقرر ذلك فالسبب في كثرة تنقلات المفلوكين في الأرض إنه متى استولت الفلاكة على شخص في بلد واضطراب في ارجائها وتلكع في طرق معاشها وذاق طبائع أهلها وراز شهامتهم وعصبيتهم وارتياحهم إلى المحامد وأريحتهم وامتحن قوته في التسلق إلى مطالبه وأبت تلك البلد عليه إلا نبوا ودفعا وممانعة عن المطلوب ومل وجوهاً لا خير فيها ومج سمعه كلاما لا محصل له وقذفهم بقلبه فقذفوه بقلوبهم بل وبظواهرهم، فحينئذ يظن أو يعلم أن تأتي المصلحة في ذلك البلد مستحيل أو متعسر، والبلد الثاني ظن الخير قائم به ولاسيما فيمن يتوهم في نفسه استعداداً لا فاضة الخير عليه، فيحب حينئذ السفر إلى البلد الثاني.

والأقيسة العقلية وان اقتضت استمرار الفلاكة في البلد الثاني من جهة أن موجبات الفلاكة القائمة بالمفلوك مصاحبة له سفراً وحضراً وكذلك موجبات فلاكته القائمة بالناس موجودة فيهم في كل بلد، لكن الأدلة متعارضة في البلد الثاني، والعلم المستفاد بالتجربة في البلد الأول مفقود في البلد الثاني، والاحتمالات مقتضية للاضطراب، وليس الخبر كالعيان ولا الشر الحاصل المحسوس كالشر المترقب المعقول وان كانا معلومين، ولذلك من قصده شخص بسيف مصلتاً يريد قتله وهو على سطح عال يرمي بنفسه منه إلى الأرض وإن كان ذلك أحد الطريقين في هلاكه، وربما صار السفر للمفلوك طبيعياً لكثرة ما يعاني من الشدائد والمشاق، كمن وقع في ماء أو نار فإنه بطبعه يأخذ إلى محيط النار وساحل الماء.

وإذا اتضح عندك ما قررناه وقفت على الحكمة في تمني المفلوكين تغير الدول وتشوفهم إلى ذلك، فإن الدولة الحاضرة كالبلد الأول والدولة المتمناة كالبلد الثاني، وقوة الرجاء وقيام احتمال الخير المتعلق بالدولة الثانية حكمه حكم البلد الثاني، وقد اشار إلى ذلك من قال:

إذا لم يكن للمرء في دولة امرئ

نصيب من الدنيا تمنى زوالها

(ومنها) تعلقهم بالأسباب المستحيلة كالنجوم والكيمياء والمطالب والحرف الهوائية الضعيفة الصدفية كصناعة الشهود لغير المعروف والدلالة لغير المشهود، والسبب في ذلك إنه إذا أخففت مساعي المفاليك وعجزوا عن المعاش الطبيعي والتعلق بالأسباب المقيسة المطردة ودهشوا وتحيروا وعميت عليهم الأنباء وتعلقت نفوسهم بالدنيا ولذاتها

ص: 22

تمنوا الأماني وقنعوا بمخادعة الإملاق بالمواعيد الكاذبة واستنشقوا الغنى من حيث لا تهب ريحه وأتوا السعادة من غير أبوابها، وأنا أبين وجه استحالة الأسباب الأول وهي الكيمياء والنجوم والمطالب واستحالة إفضاء التعلق بالسبب الآخر إلى المطلوب:

فأما النجوم فنقول: ليس البحث في تأثير شعاع الكواكب في التسخين عند المسامتة أو التبريد عند الانحراف عن المسامتة، ولا في وجود الضياء في المواضع التي تطلع فيها الشمس والقمر وعدمه فيما غابا عنه، ولا فيما يجري مجرى التأثير الطبيعي على حسب ما نصه سبحانه وله الحمد مثل ان النبات ينمى ويقوى ويشتد ويتكامل وينضج ثمره بالشمس والقمر وكما في امتداد القثاء وطوله وغلظه بالقمر، وسرعة نضج التين وادراكه بمقابلة الشمس وبقائه فجاً بطيء الإدراك بخفائه عن الشمس، ومثل أن البرد بسبب بعد الشمس عن سمت رؤوسنا، وكذلك ليس البحث في أن الشمس إذا طلعت فإن الحيوان ناطقه وبهيمته يخرج من أماكنه واكنته وتظهر القوة والحركة فيه وتزداد قوة الحيوان مع ازدياد صعود الشمس في

الربع الشرقي وتنقص وتضعف قوة الحيوان وتفتر مع ميل الشمس عن وسط السماء، ولا في ارتباط فصول العام الأربعة بحركات الشمس، ولا في انفتاح اللينوفر وورق الخطمي وتحركه بطلوع الشمس وضعفه إذا غابت عنه، ولا في المد الحاصل في بحر فارس والهند إذا بلغ القمر مشرقا من مشارق البحر إلى أن يصير القمر إلى وسط سماء ذلك الموضع، ولا في الجزر الحاصل في البحرين المذكورين، ولا في تأثير الشمس والقمر حرارة ورطوبة وبرودة ويبوسة وتوابعها في هذا العالم من الحيوان والنبات بواسطة الهواء وقبوله للسخونة والحرارة بانعكاس شعاع الشمس مثلا عليه عند مقابلتها لجرم الأرض واختلاف حال الهواء بذلك واختلاف أحوال الأبخرة في تكاثفها وبردها ولطفها وحرها، ولا في أن السودان لما كان مسكنهم خط الاستواء إلى محاذاة ممر رأس السرطان وكانت الشمس تمر على رؤوسهم في السنة إما مرة أو مرتين تسودت أبدانهم وجعدت شعورهم وقلت رطوباتهم فساءت أخلاقهم وضعفت عقولهم، ولا في أهل الهند واليمن وبعض أهل المغرب لما كانت مساكنهم اقرب إلى محاذاة ممر السرطان كان السواد فيهم أقل

ص: 23

وطبائعهم وأخلاقهم أحسن وأجسامهم أنصع، ولا في أهل العراق والشام وخراسان وفارس والصين لما كانت مساكنهم على ممر رأس السرطان إلى محاذاة بنات نعش الكبرى والشمس لا تسامت رؤوسهم ولا تبعد عنهم كثيراً وأن لذلك لم يعرض لهم حر شديد ولا برد شديد كانت ألوانهم متوسطة وأجسامهم معتدلة وأخلاقهم فاضلة، ولا في أن هؤلاء مختلفون بحسب اختلاف ذلك: فمن كان من هؤلاء أميل إلى ناحية الجنوب كان أتم في الذكاء والفهم، ومن كان منهم يميل إلى ماحية المشرق فهم أقوى نفوساً واشد ذكورة، ومن كان يميل إلى ناحية الغرب غلب عليهم اللين والرزانة، ولا في أن الترك والصقالبة لما كانت مساكنهم محاذية لبنات نعش والشمس بعيدة عن مساكنهم كان البرد غالبا

عليهم، لأنه ليس هناك من الحرارة ما ينشفها، وكان لذلك ألوانهم بيضاء وشعورهم سبطة شقراء وأبدانهم رخصة وطبائعهم مائلة إلى البرودة وأذهانهم جامدة ولا في أن الأخلاط التي في بدن الإنسان تزيد ما دام القمر آخذاً في الزيادة ويكون ظاهر البدن أكثر رطوبة وحسناً، فإذا نقص ضوء القمر صارت هذه الأخلاط في غور البدن والعروق وازداد ظاهر البدن يبسا، ولا في ازدياد ألبان الحيوانات بتزايد القمر أول الشهر إلى نصفه وتناقصها مع نقصانه، ولا في أدمغة الحيوان وامقال البيض التي تزيد أول الشهر وتنقص آخره، ولا في أن الإنسان إذا نام أو قعد في ضوء القمر حدث في بدنه الاسترخاء والكسل وهاج عليه الزكام والصداع، ولا في بلاء الكتان وفساد اللحم وتغير طعمه بانكشافه لضوء القمر، ولا في كثرة الأسماك في البحر وسمنها أول الشهر وقلتها وضعفها خره، ولا في قبول الرياض والأشجار للنمو والنشو إذا غرست أول الشهر وعدم قبولها لذلك إذا غرست آخره.

إنما البحث في أن النجوم تؤثر في جملة الحوادث السفلية من السعادة والشقاوة والذكاء والبلادة والحسن والقبح والخديعة والمكر والنذالة والشهامة والشجاعة والجبن والأشكال والمقادير ونحوها، وان ذلك كله باتصالات الكواكب وانفصالاتها ومسامتتها ومباينتها، فإن هذا مما لا برهان عليه لا بخبر من لا يجوز الكذب عليه ولا بضرورة العقل ولا بنظره، وغايته حدس وتخمين وظنون كاذبة وتزوق وتفرس وحيلة وخديعة، حتى أن من لا يتقيد بالشريعة كابن سينا

ص: 24

والفارابي بالغا في الرد على الأحكاميين والنجوميين وأطال في ذلك ابن سينا في آخر الشفاء، وحتى أن أبا معشر وهو من أئمتهم اعترف بأنه تخمين، فإنه قال معتذراً: كل الأغراض الغائبة توهم لا يكون شيء منها يقيناً وإنما يكون توهم أقوى من توهم.

وانظر ما كان أقوى تعلق بني برمك بالنجوم حتى في ساعات أكلهم وركوبهم

وعامة أفعالهم وكيف كانت نكبتهم الشنيعة، وانظر حال علي ابن مقلة الوزير وتعظيمه لعلم أحكام النجوم ودخوله داره على طالع سعيد فنكب فيها أشد نكبة وقطعت يده ولسانه.

والدليل على بطلان ذلك أنا نشاهد عالماً كثيراً يقتلون في ساعة واحدة في حرب وخلقاً يغرقون في ساعة واحدة مع القطع باختلاف طوالعهم واقتضائها عندهم أحوالا مختلفة، ولو كان للطوالع تأثير في هذا لامتنع عند اختلافها الاشتراك في ذلك.

ولا ينفعهم الجواب بأن طالع الوقت قد يكون أقوى من طالع الأصل، فيكون الحكم له. لانا نقول: هذا بعينه يبطل الجزم بطالع ويحيل القول بتأثيره، فلعل طوالع الأحوال المتجددة أقوى من طالع الأصل فيرتفع الوثوق بطالع الأصل، إذ لا أمان لاقتضاء الطوالع بعد ضدّ ما اقتضاه، وحينئذ فلا يفيد اعتباره شيئاً.

وأيضاً فإنه لو كان طبيعياً وذاتياً لما اختلف، والتالي باطل فالمقدم مثله. أما الملازمة فظاهرة، وأما بطلان التالي فإن المنجمين قلما يجمعون على شيء ويكون كذلك. فمن ذلك اتفاق حذاقهم سنة سبع وثلاثين عام صفين في مخرج علي رضي الله عنه من الكوفة إلى محاربة أهل الشام على إنه يقتل ويقهر جيشه، فظهر كذبهم وانتصر جيشه على أهل الشام ولم يقدروا على التخلص منهم إلا بالحيلة التي وضعوها من نشر المصاحف على الرماح والدعاء إلى ما فيها.

ومن ذلك اتفاقهم عند ما تم بناء بغداد سنة ست وأربعين ومائة على أن طالعها يقتضي إنه لا يموت فيها خليفة، وشاع ذلك حتى هنأ الشعراء به المنصور حيث قال بعض شعرائه:

يهنيك منها بلدة تقضي لنا

إن الممات بها عليك حرام

لما قضت أحكام طالع وقتها

أن لا يرى فيها يموت أمام

وأكد هذا الهذيان في نفوس العوام موت المنصور بطريق مكة ثم المهدي بما سبذان ثم الهادي بعنيساباد ثم الرشيد بطوس، فلما قتل بها الأمين بشارع باب الأنبار انخرم

ص: 25

هذا الأصل حتى رجع القائل الأول فقال:

كذب المنجم في مقالته التي

نطقت على بغداد بالهذيان

قتل الأمين بها لعمري يقتضي

تكذبيهم في سائر الحسبان

ثم مات ببغداد جماعة من الخلفاء مثل الواثق والمتوكل والمعتضد والمكتفي والناصر وغير هؤلاء.

ومن ذلك اتفاقهم في سنة ثلاث وعشرين ومائتين في قصة عمورية على أن المعتصم إن خرج لفتحها كانت عليه الدائرة وان النصر لعدوه، فخرج ففتح عمورية وما والاها من كل حصن وقلعة، وفي ذلك الفتح قام أبو تمام الطائي منشداً:

السيف أصدق أنباءاً من الكتب

في حده الحد بين الجد واللعب

بيض الصفائح لا سود الصحائف في

متونهن جلاء الشك والريب

والعلم في شهب الارماح لامعة

بين الخميسين لا في السبعة الشهب

أين الرواية أم أين النجوم وما

صاغوه من زخرف فيها ومن كذب

تخرصا وأحاديثاً ملفقة

ليست ينبع إذا عدت ولا غرب

وهي نحو من سبعين بيتا أجيز على كل بيت منها بألف درهم.

ومن ذلك اتفاقهم وفيهم زعيمهم أبو الحسن العاصمي على أن المكتفي بالله أن خرج لقتال القرامطة لم يرجع وتزول دولته وان طالع مولده يقتضي ذلك، وأخافوا وزيره القاسم بن عبيد الله من الخروج معه فخرج إليهم المكتفي وأخذهم جميعاً، ولما عاد وزيره القاسم أمر بإحضار رئيس المنجمين وصفعه صفعاً عظيماً.

ومن ذلك اتفاقهم سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة عندما أراد القائد جوهر بناء مدينة

القاهرة المعزبة وقد كان سبق مولاه الملقب بالمعز إلى الدخول إلى الديار المصرية لما أمره ببنائها وأن يكون نجوم طالعها في غاية الاستقامة ويكون بطالع الكوكب القاهر وهو زحل أو المريخ ولذلك سميت القاهرة فجمع القائد جوهر المنجمين فحققوا الرصد وأمر البنائين أن لا يضعوا الأساس حتى يقال لهم ضعوه وان يكونوا على نهاية من التيقظ والإسراع فوضعت على ذلك الإتقان واتفقوا على أن الدولة الفاطمية لا تخرج الدولة عنهم، فلما استولى عليها صلاح الدين يوسف بن أيوب

ص: 26

وكان المصريون قائمين بدعوة العاضد عبد الله بن يوسف توهم الجهال أن ما قاله المنجمون حق، فلما رد صلاح الدين الدعوة إلى بني العباس ظهر كذبهم وكانت المدة بين وضع الأساس وانقراض الدولة نحواً من مائة وثلاثة وتسعين عاماً والاعتذار عنهم بسبق البنائين الأرصاد بعيد لان تبديل البناء وتغييره مع الاحتياط للدولة مع سهولة التغيير مما لا يتسامح به.

ومن ذلك اتفاقهم سنة خمس وتسعين وثلاثمائة في أيام الحاكم على إنها السنة التي تنقضي فيها بمصر دولة العبيدين، وذلك عند خروج الوليد ابن هشام المعروف بأبي ركوة الأموي، وحكم الطالع له بأنه هو القاطع لدولة العبيدين وإنه لا بد أن يستولي على الديار المصرية ويأخذ الحاكم بذلك وأكبرهم المعروف بالفكرى منجم الحاكم، فكان أبو ركوة قد ملك برقة وأعمالها وكان من تدبير الحاكم أن دعا خواصهم وأمرهم أن يكاتبوا أبا ركوة ويطعموه باختياره على الحاكم ففعلوا، فزحف أبو ركوة بعساكره حتى نزل بوسيم على ثلاثة فراسخ من مصر فخرجت إليه العساكر الحاكمية فهزمته، فتحقق إنها خديعة فهرب وقتل خلق كثير من عسكره وطلب فأخذ أسيراً ودخل به إلى القاهرة على جمل مشهوراً، ثم أمر الحاكم بقتله سنة 397 وأمر الحاكم بالفكرى فقتل.

والسبب في استمالة الفكرى للحاكم أن الفكرى أصاب معه في قضيتين (أحدهما)

أن الحاكم عزم على إرسال أسطول إلى مدينة صور لمحاربتهم فسأله الفكري أن يكون تدبيره إليه ليخرجه في طالع يختاره وتكون العهدة إن لم يظفر عليه، واتفق ظهور الأسطول. (الثانية) إنه ذكر له أن بساحل بركة موريس مسجداً وأن تحته كنزاً، وسأله أن يتولى هو هدمه فإن ظهر الكنز وإلا بناه هو من ماله، فانفق إصابة الكنز.

ولما حكم عليه الفكري بتغير دولته وقضى المنجمون بمثل قضائه وقع في نفس الحاكم أن يغير دولته تغييراً معنوياً، فعمد إلى كل متول في دولته ولاية فعزله منها، وقتل وزيره الحسن بن عماد وصار يأمر في يومه بخلاف ما يأمر به في أمسه، فأمر بسب الصحابة رضي الله عنهم على رؤوس المنابر والمساجد، ثم أمر بقطع سبهم وعقوبة من سبهم، وأمر بقطع شجرة الزرجون من الأرض واوجب القتل على من شرب الخمر ثم أمر بغرس هذه الشجرة

ص: 27

واباح شرب الحمر، وأهمل الناس حتى نهب الجانب الغربي من القاهرة، وقتلت فيه جماعة ثم ضبط الأمر حتى أمر أن لا تغلق الحوانيت ليلاً ولا نهارا، وأمر مناياً ينادي: من عدم له ما يساوي درهماً أخذه من بيت المال درهمين بعد أن يحلف على عدمه أو يعضده بشهادة رجلين، حتى تحيل الناس في ستر حوانيتهم بالجريد لئلا تدخل الكلاب.

ثم لما قتل الفكري لم يزل اثر التنجيم في نفسه لتشوف النفس إلى التطلع إلى الحوادث قبل وقوعها، فجمع المنجمين جمعاً ثانياً بعد أن جمعهم أولا وعملوا له الرصد الحاكمي الذي خالف فيه الرصد المأموني، فألزموه فيما ألزموه بركوب الحمار وأن يتعاهد الجبل المقطم في أكثر الأيام وينفرد وحده يخاطب زحل، وحكموا بأنه ما دام كذلك كان سالم النفس فلزم ما أشاروا عليه به، فخرج بحماره إلى ذلك الجبل على عادته وانفرد بنفسه لكوكبه، وقد استعد قوم بسكاكين فقطعوه هناك وأعدموا جثته فلم يعلم له خبر. فمن هنا تقول أتباعه الملاحدة إنه غائب

منتظر.

ومن ذلك اتفاقهم سنة 482 على خروج ريح سوداء تكون في سائر الأقطار تهلك الناس إلا من اتخذ لنفسه مغارة في الجبال، بسبب أن الكواكب كانت اجتمعت في برج الميزان وهو برج هوائي، كما اجتمعت في برج الحوت زمن نوح عليه الصلاة والسلام وهو برج مائي فحصل الطوفان فاتخذ الرعاع المغاير استدفاعاً لما انذرهم به، فلما جاء الوقت الموعود قل هبوب الرياح حتى أهم الناس ذلك لما هم عليه من الكرب وظهر كذبهم.

ومن ذلك اتفاقهم في الدولة الصلاحية على أن الإسكندرية لا يموت فيها وال، فلما مات بها الملك المعظم شمس الدولة توران شاه ابن أيوب سنة 474 ثم واليها فخر الدين قراجا بن عبد الله سنة 489 ثم واليها سعد الدين ابن سودكين بن عبد الله سنة 604 انخرمت هذه القاعدة.

ومما اتفق عليه المنجمون أن الإنسان إذا أراد أن الله تعالى يستجيب دعاءه جعل الرأس في وسط السماء مع المشتري، أو بنظر منه مقبول والقمر متصل به، أو منصرف عنه متصل بصاحب الطالع، أو صاحب الطالع متصل بالمشتري ناظر إلى الرأس نظر مودة، فهناك لا يشكون أن الإجابة حاصلة. قالوا: وكانت ملوك اليونان يلزمون ذلك فيحمدون عقباه، والعاقل يعلم أن الله تعالى لا يتأثر بحركات النجوم ولا توجب النجوم عليه شيئاً.

ص: 28

وأما الكيمياء فلا بحث في إمكانها على يد ولي من قبيل الكرامات وخرق العادات، وفي في الوصول إلى تصحيح صبغها ظاهراً على وجه التلبيس والغش كما يفعله الفساق، إنما في تصيير النحاس ذهباً حقيقة على طريقة صناعية مطردة، فهذا مما لا اعتقد صحته.

وقد صنف الشيخ تقي الدين بن تيمية رسالة في إنكارها، وكذلك ابن قيم الجوزية

كما حكاه هو عن نفسه في كتابه المسمى (مفتاح دار السعادة).

واضطراب كلام الفارابي في إمكانها فأثبتها مرة ونفاها أخرى والشيخ أبو علي بن سينا سلم إمكان أن يصبغ النحاس بصبغ الفضة والفضة بصبغ الذهب، وان يزال عن الرصاص أكثر ما فيه من النقص. قال: وأما أن يكون الفصل المنوع يسلب أو يكسى فلم يظهر لي إمكانه، إذ هذه الأمور المحسوسة يتشبه أن لا تكون الفصول التي بها تصير هذه الأجسام أنواعاً، بل هي أعراض ولوازمها وفصولها مجهولة، وإذا كان الشيء مجهولاً كيف يمكن قصد إيجاده أو إفنائه.

وللفلاسفة في امتناعها مطلقاً حجج كثيرة: فمن أقواها أن الطبيعة إنما تعمل هذه الأجسام من عناصر مجهولة عندنا، ولتلك العناصر مقادير معينة مجهولة عندنا، ولكيفيات تلك العناصر مراتب معلومة أي في نفسها وهي مجهولة عندنا، ولتمام الفعل والانفعال زمان معين هو مجهول عندنا ومع الجهل بكل ذلك كيف يمكننا عمل هذه الأجسام.

(ومنها) لو كان الذهب الصناعي مثلا للذهب الطبيعي لكان ما بالصناعة مثلا لما بالطبيعة لكن التالي باطل، أما أولاً فلاناً لم تجد شبها، وأما ثانياً لو جاز أن يوجد بالصناعة لما حصل بالطبيعة ولما ثبت امتناع التالي ثبت امتناع المقدم.

(ومنها) أن لهذه الأجساد أماكن طبيعية وهي معادنها هي لها بمنزلة الأرحام للحيوان. فمن جوز تولدها من غير تلك المعادن كان كمن جوز تولد الحيوان من غير الأرحام.

(ومنها) أن هذه الأجساد بفصولها النوعية، وتلك الفصول مجهولة لنا، فلا يمكننا إيجادها ولا إعدامها، وبتقدير أن تكون الفصول معلومة لنا لا يمكننا إزالتها وتحصبلها، لأنه لو جاز أن يجعل نوع نوعاً لجاز أن يجعل الفرس حماراً وبالعكس.

(ومنها) أن الجوهر الصابغ إما أن يكون أصبر على النار من المصبوغ أو يكون المصبوغ اصبر أو متساويين، فإن كان الصابغ اصبر وجب أن يفنى المصبوغ قبل الصابغ، وان كان المصبوغ اصبر وجب أن يفنى الصابغ ويبقى المصبوغ

ص: 29

على حاله الأول عريا عن الصبغ، وان استويا فكلما استويا في المصابرة على النار كانا من نوع واحد، فليس احدهما بالصابغية وآخر بالمصبوغية أولى من العكس.

(ومنها) تكوين الذهب الطبيعي إنما يحصل في سنين كثيرة بإنضاج وطبخ من حرارة الأرض على وجه مخصوص بمواد مخصوصة، ومراعاة الإنسان النار في عمل الذهب على هذا النظام مما لا يفي به علم البشر، ثم إذا كان تكوينه بالقدرة القديمة على الوجه الطبيعي إنما يحصل في سنين فكيف يتكون بالقدرة الحادة في مدة يسيرة.

قال الطبيعيون: أن الزئبق إذا كمل نضجه في الأرض جذبه إليه كبريت المعدن فأجنه وأخفاه في جوفه لئلا يسيل سيلان الرطوبات، فإذا اختلطا واتحدا وذابت الحرارة انعقدا عند تلك ضروباً من المعادن التي يسمونها الفلزات، وهي السبعة الآحاد الذائبة الصابرة على النار المنطرقة، فإن كان الزئبق صافياً والكبريت نقياً واختلطت أجزاؤهما على النسبة وكانت حرارة المعدن معتدلة لم يعرض لها عارض من البرد واليبس ولا من الملوحات والحموضات انعقد من ذلك على طول الزمان الذهب الإبريز، وهذا لا يتكون إلا من الأحجار الرخوة والبراري الرملة، وبذلك يتضح عندك أن قوة الإنسان قاصرة عن إيجاد مثل ذلك مادة وكيفية.

ويزيد ذلك وضوحاً أن المذكور في كتب الكيمياء إنما هو رموز، فلو كان لها حقيقة لصرحوا بها، فقد صرح العلماء بما هو أنفس من ذلك وأجل قدراً مما كان له حقيقة، ولا أقول كحل المشكلات. والجمع بين الأحاديث الصحيحة والنكات

القرآنية الشريفة لئلا يكون تخليطاً في البحث، فإن البحث إنما هو في الأمور الدنيوية، بل ككتب ابن وحشية وغيره في الطلسمات الصحيحة والفلاحة النافعة وأنواع من السحر هي في بابها كفلق الصبح وفي نفاستها كالكيمياء أو فوقها، فلا يصح التعليل بأنهم إنما كتموها تمويها وزرفا وعجزاً عن تصوير مالا حقيقة له أو توهماً كاذباً وتخميناً طمعياً، والله أعلم.

وأما المطالب فلا بحث في إمكان أن يجد الشخص دفيناً جاهلياً أو إسلامياً على الاتفاق والصدف، إنما البحث في أن تحت الأرض مساكن وعمارات مبنية

ص: 30

وفيها كنوز وأموال عظيمة وعليها موانع وطلسمات، ولتلك الموانع طرق تزول بها، وعلى تلك المطالب علامات وأمارات يتوصل بها إلى أمكنتها ويستدل عليها بها، فهذا من مخارق المحتالين وأماني المفلوكين ولا دليل لهم فيما يرجون كذبهم به من أن في القرون السالفة من كان يعتقد العود إلى الدنيا فيدخر ماله لذلك لما سنبينه.

والدليل على أن المطالب لا حقيقة لها وإنما هي من المطامع الفارغة والمخارق والخديعة أن ادخار الأموال العظيمة على هذا الوجه المخصوص إما أن يكون لغرض أولا لغرض، والغرض إما دنيوي أو أخروي، والأقسام الثلاثة باطلة وما أدى إلى الباطل فهو باطل، فالقول بوجود المطالب باطل.

بيانه: إنه لا جائز أن يكون ادخار المال في الأرض لا لغرض بأن يوضع تحت الأرض عبثاً لتأكله الأرض ويذهب سدى، فإن ذلك خلاف صريح العقل لأن الذهب والفضة هما قيم الأشياء وجوهر الثمينة وأسباب المطالب، ولا جائز أن يكون لغرض أخروي، لأن شريعة الإسلام ليس فيها ما يدل على مطلوبية الادخار والكنز ونيل الدرجات في الآخرة بسببه بل هي ناهية عنه وآمرة بصرفه في وجوه القربات والخيرات. وأصحاب الملل غيرها منهم من ينكر المعاد الجسماني

على القطع، ومنهم من تردد فيه، وهؤلاء لا يجوز أن يدخروا المال لأمر أخروي، لما أن أخرويا من غير اعتقاد الآخرة محال، وذلك كعبدة النجوم والصابئة والنصارى على ما قاله الأصفهاني في شرح الطوالع في الكلام على المعاد الجسماني، وان كان فيه نظر. وأما من يقول بالأدوار والتناسح كعبدة الأوثان فالكلام في عدم ادخارهم كالكلام على القسم الثالث. وأما القسم الثالث - وهو أن يكون الادخار لأمر دنيوي يعود على المدخر لاعتقاد عوده إلى الدنيا - فهو أيضاً باطل، لأنه لو كان كذلك لبالغوا في إخفائه وسد طريق العلم به، لكنا قد فرضنا له علامات وأمارات يعرف بها، هذا خلف.

وأما عدم إفضاء حرفة الشهادة إلى المقصود فذلك لأن الحرف والصنائع على قسمين: قسم يلزم من العلم به وإجادته الحصول على ثمرته وقسم لا يلزم بل لا بد من ضميمة أخرى ومنه حرفة الشهادة وسائر الحرف الهوائية الغير المعيشية، وينبغي أن يسمى معاشاً غير طبيعي، وهذه لا وثوق بإفضائها إلى المقصود.

وبيانه فيما نحن بصدده

ص: 31

وهو الشهادة أن حقيقة حرفة الشهادة ملكة يقتدر بها على التعبير عن مقاصد المشهود له وعليه بلفظ صحيح متعارف مسترف لمقاصدهما بشروط شرعية وعلى إفراغ مقاصدهما في قالب شرعي إن كانت غير شرعية، وغايته تحويل عبارة المشهود له وعليه العامية إلى عبارة يرتضيها العلماء وتحويل تصويرهما الفاسد إلى صورة شرعية.

ثم لا يلزم من تحصيل هذه الملكة وإجادتها الحصول على ثمرتها والرواج فيها، بخلاف القسم الأول من الحدادة ونحوها، فإن من علمها وأجادها حصل على ثمرتها.

وحكم سائر الحرف الهوائية كالدلالة والنقابة في عدم إفضائها بالعارف بها إلى مقصودها حكم الشهادة، ولك أن تجعل ذلك حداً رسمياً للحرف الهوائية، فيقال في

حدها: حرفة لا يلزم من العلم بها وإجادتها الحصول على ثمرتها.

والحاصل أن الحرفة الشهادة موانع من حصول ثمرتها والمقصود منها، ولها مفاسد ونقائص عاجلة ومضار أخروية آجلة.

فأما الموانع فأمور:

(منها) أن حرفة الشهادة من قبيل الاحتراف بالعلم، والعلم كما سيجيء تحقيقه في الفصل الخامس أقبل شيء للخفاء والجحد والجهل بقدره من صاحبه، وأقبل شيء للإضافة إلى غير أهله بالحظ والجاه والتلبيس وسكوت معور عن معور، وإذا كان كذلك فقد بدور الرواج في الشهادة مع الهيئة والزي الظاهر واللباس الفاخر، ويخفى مكان الاتصاف بحرفة الشهادة على التفسير السابق، فيفوت الرواج بفوات الهيئة واللباس، وهناك ينشد:

أرى ثياباً ولكن حشوها بقر

بلا قرون وذا عيب على البقر

(ومنها) أن مبنى حرفة الشهادة على العوام، وهم مربوطون بأوهامهم وواقفون مع مألوف عاداتهم ولا تمييز لهم بتفهم كتابة وكتابة والتقليد وظيفتهم وذاتي لهم، فلا يستعملون في وثائقهم ومكاتيبهم مجهولا لهم لتوهمهم فيه إفساد مكاتيبهم، ويلزم من عدم استعمال المجهول استمراره على خمولة ومجهوليته أبد الآبدين ودهر الداهرين.

(ومنها) أن مبنى الرواج على الشهرة، والشهرة إما بقدمية أو بتشهير مقبول القول، فأما القدمية فليس المراد بها طول الإقامة في مكان بل كثرة الكتابة التي للشاهد في أيدي الناس المحركة لدواعيهم في استعماله التي يستلزم بعضها بعضاً، والدخيل خال عن ذلك. وقدمنا أن الشخص المجهول لا يستعمل، والمكث المجرد عن الكتابة لا يفيد شيئاً، حتى لو أقام الدخيل أبد الآبدين

ص: 32

في مكان لا يستكتب فيه لم يكن بينه في الجهالة والخفاء والإهمال والجحد فرق البتة. وأما تشهير مقبول

القول فأعز من بيض الأنوق ومن تصحيح الإكسير، وما أحق هذا بقول القاضي الجرجاني:

إذا لم يكن في الأرض حر بعينني

ولم يك لي كسب فمن أين أرزق

(ومنها) أن الحرفة هوائية صرفة، وصرفها عن الدخيل والأجنبي الذي لا زبون له بالمواطأة والحيلة والاعتذار والشعوذة والدك من إدخال الأشياء تحت الإمكان لاسيما وأهلها بطرق اللؤم أهدى من القطا، مع ما لهم من القسوة والقحة وغلظ الأكباد أحسن الله خلاصنا من أيديهم.

وأما المفاسد والنقائض العاجلة فلأن الشهادة في هذا الزمان تستلزم النذالة والسفالة والدناءة وسقوط الهمة وموت النفس والشح والقحة وتؤدى إلى التباغض والتماقت والتقاطع والتدابر والتحاسد، يتقاسمون الفلس والفلسين ويتغاضبون على الحبة والحبتين ويتراضون بالدرهم والدرهمين ويسرقون ويختلسون. قال عمر بن الوردي من أرجوزة طويلة في ذلك:

يغيب الأشغال من أبيه

ويسرق الأجرة من أخيه

ويحلفون بالطلاق والعتاق على ما كذبهم فيه أظهر من الشمس فضلاً عما يحتمل الكذب، ويعدون ذلك استرضاءً وعقلا، ويتهافتون بسرعة القيام للأشغال ويعدونه حذقاً وكيساً، ويوسعون الدخيل حرماناً وشعبذة ويعدونه دهاءً وكيساً، وقد قلت في تهافتهم ومبادرتهم القيام:

بليت به جهولاً جاهلياً

ثقيل الروح مذموماً بغيضاً

ولم يك أكثر الإخوان علماً

ولكن كان أسرعهم نهوضاً

وأما المضار الأخروية فمن وجوه:

(أولها) - حضور الأنكحة مع عدم الاستظهار في شروطها من انقضاء العدة والأولياء والكفاءة وغيرها. وعلى الجملة فالإقدام على عقد من غير معرفة حكمه

حرام، ثم بتقدير وجود الشرائط فمعهم من أنفسهم المفسد الأعظم وهو فوات العدالة، لما أن كل واحد يعرف من نفسه مالا يعرف من غيره، والعدالة عند

ص: 33

الشافعية عبارة عن عدم مباشرة الكبائر والإصرار على الصغائر مع المروءة، وأين من يجمع هذه الثلاثة مع خطر النكاح وكثرة ما يترتب عليه من الأحكام من التوالد والتوارث وانتشار النسب إلى عدد كثير، وما يترتب على ذلك المنتشر من الأحكام ووجوب مالا يجب إلا بالنكاح وحل مالا يحل به، إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة.

(وثانيهما) - أن شركة الأبدان القائل فيها قائلان: قائل بعدم جوازها البتة كالشافعي، وقائل بجوازها كالحنبلي والحنفي، وليس لنا قائل بوجوبها. وان اثنين ينعقد بينهما شركة الأبدان بغير اختيارهما، ومبنى شركة الشهود غالباً على الإكراه، فقلما يقع بين الشهود شركة أبدان صحيحة بالتراضي، بل كل منهم لا يريد الآخر ولا الكتابة معه، ويمنعه من ذلك موانع هي آكراه أو في معنى الإكراه، ويكتب احدهما مائة سطر والآخر يكتب اسمه ويتقاسمان على السواء ولا شركة بينهما قائمة، فيصير الكسب كله حراماً، مسح أن أكل الحرام مما يظلم القلوب ويمنعها من دخول الحكمة فيها.

(وثالثهما) إنه يجب على كل أحد علم ظاهر صناعته كما ذكره الشافعية في كتب الفقه أول كتاب الجهاد، فيجب على الصيرفي مثلا معرفة أن بيع درهم بدرهمين مثلاً حرام وغير ظاهر صنعته كباقي مسائل الربا التي لا يكثر دورها لا يجب عليه تعلمه، وإذا وقع له شيء منه سأل عنه العلماء. وقياسه أن كل شاهد يجب عليه أن يعلم شروط الرهن والبيع والكفالة والأقارير، لأن هذه الأشياء كثيرة الدور، وباقي مسائل هذه الأبواب يسأل عنها المفتي إذا وقع له، فحينئذ من ترك من الشهود معرفة هذه الأشياء كان عاصياً، ويتكرر عصيانه كل يوم ويترتب

على ذلك ما لا يخفى وأيضاً كثيراً ما يكتب الشهود في الشهادة على من لا يعرفونه وقد عرفه شهوده وهو كذب، لأن المعرفة لا تحصل بالنظرة ولا بالمرة، ويتكرر هذا الكتاب بتكرر الشهادة على المجاهيل، ويترتب على ذلك ما لا يخفى.

(ورابعها) - تضييع الحقوق بالجهل، فرب من يكتب شيئاً ويزيد فيه كلمة أو ينقص كلمة أو يصور صورة يترتب عليها مفاسد شرعية وهو بجهله لا يعلمها، ولا يصح الاعتذار عن ذلك بأن الكلمة الزائدة أو الناقصة هكذا تحملها، لأن بتسببه وتوريطه المشهود له، وعليه في ذلك بتقليدهما إياه ظنا منهما إنه أهل للتقليد.

(وخامسها) - التدليس باسترعاء المشهود عليه بكلمات الفقهاء التي تقصر عن إدراك غوائلها

ص: 34

ودسائسها إفهام العوام من غير أن يعرف العوام ما وراء ذلك من الغور، مع القطع بأنه أو شرح له ما في ذلك من الفساد لما أقدم عليه. ولا يصح الاعتذار عن ذلك بأنه هكذا تحمل وهكذا استرعاه، لأن هذا مما لا ينفع عند العليم الخبير.

(وسادسها) - أنهم يكتبون في كتب الأوقاف كلاماً طويلاً تلقوه عمن تقدمهم من غير أن يعرفوا معناه فضلاً عن الواقف المشهود عليه، بدليل أن العلماء فضلا عن المورقين ندور رؤوسهم في ثاني الحال في فهم المراد منه، والواقف لم يلتفظ به ولا بمعظمه، ولو قرئ عليه لم يفسد لاستحالة إرادة معنى شيء بدون فهمه.

على أن الإنشاءات لا بد فيها من اللفظ من فهم المعنى، بدليل أن الأعجمي لو لقن الطلاق بلا فهم فأوقعه وأراد معناه عند العارف بمعناه لم يقع. وعلى الجملة فشهادتهم على الواقف بما نسب إليه فيه وهو لم يفهمه مشكلة جداً، بل وينشأ من عباراتهم الفاسدة الناشئة عن الجهل حرمان من لعل الواقف لم يرد حرمانه لو روجع فيه ودخول من لم يرد دخوله. وعلى الجملة ففي هذا الموضع نظر ظاهر فليتأمل.

(وسابعها) - تصريح العلماء من الشافعية والحنفية بأنه لا يشهد على خطه ما لم يتذكر الواقعة، فأما القضايا التي يكون فيها مدخل أو يكون هو المورق وله في عبارته وكتابته ما يذكره بالقضية فلا كلام فيها. ولكن ثم من القضايا ما يستحيل التذكر فيه عادة، كالشهادة على الحكام في ظهور السجلات مع طول المدة وما في معنى ذلك، فليستفت الشاهد قلبه في ذلك فإنه من مزال الأقدام.

(وثامنها) - الاكتفاء في الشهادة على الحكام في السجلات الطويلة والمحاضر وصور المجالس الطوال بقول الحاكم له (نعم) جواباً لقول الشاهد له (اشهد عليكم بما فيه) من غير أن يقرأه عليه بل ولا يعرف الشاهد ما فيه لا إجمالاً ولا تفصيلا، وقد قال فقهاء الشافعية في كتاب القاضي للقاضي إنه لو يقرأ على الشاهدين وقال الحاكم لهما أشهد كما علي إنه كتابي أو أن ما فيه خطي لم يكتف بذلك.

(وتاسعها) - رفع الشهود نسب من لا يعرفون نسبه مع أن ذلك شهادة بنسبه ضمنا، كما قاله السبكي في جمع الجوامع في الكلام على أن مورد الصدق والكذب إنما هو النسبة التي تضمنها الخبر لا واحد من طرفيها، ولو سلم أن ذلك ليس شهادة بالنسب لا أصلا ولا ضمناً فقد قال الإمام كما نقله عنه في الروضة والرافعي إنه لو يعرف المشهود عليه إلا باسمه لم

ص: 35