المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الأول: ما حول الأرض من نجوم وكواكب - القرآن وعلوم الأرض

[محمد سميح عافية]

الفصل: ‌الفصل الأول: ما حول الأرض من نجوم وكواكب

بسم الله الرحمن الرحيم

‌الفصل الأول: ما حول الأرض من نجوم وكواكب

قصور الحواس البشرية:

إن علم الله قد وسع كل ما في الكون فالكون من خلقه ومن صنعه.

{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255] .

{وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 80] .

{وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} [الأعراف: 89] .

{إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طه: 98] .

وقد هدى الله الإنسان إلى الإحاطة بشيء من علمه سبحانه، وإدراك بعض ظواهر الكون، وهداه إلى التمعن في تلك الظواهر، واستنباط القواعد والقوانين الطبيعية، وتراكم علم الإنسان جيلًا بعد جيل، واستفاد كل جيل بما توصلت إليه الأجيال السابقة من علم.

ص: 23

أما التكليف الإلهي للإنسان فهو حسب قدرة الإنسان، فالإنسان محدود في إدراكه بحواسه التي أتاحها له الخالق جل وعلا.

{لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 233] .

{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .

{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الأعراف: 42] .

{وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ} [المؤمنون: 62] .

وعندما نتأمل الكون بإعجاب يجب ألا ننسى أننا نتعرف عليه بحواسنا المعروفة، ففي الكون آلاف الإشعاعات والأضواء، ولكن أعيننا لا تستطيع إلا إبصار سبعة منها فقط، وفي الكون عشرات الآلاف من مصادر الأصوات واهتزازاتها، ولكن آذاننا لا تستطيع إلا التقاط عدد محدود منها، وفي الكون حرارة تصل إلى ملايين الدرجات المئوية، بينما حاسة اللمس عند الإنسان تستطيع التمييز بين درجات الحرارة ضمن فرق يتراوح ما بين 15-20 مئوية، لذا فقد استعان الإنسان ببعض الأدوات في اجتلاء أسرار الكون، حيث قصرت حواسه المجردة وحدها عن اجتلائها.

وتتمتع البشرية في عهدها المعاصر بنصيب وافر من العلم، ولكنه ليس خاتمة المطاف، فما زال العلم التطبيقي واختراع الآلات، والمعدات التي تدعم هذا العلم تتقدم بخطوات حقيقية ويعلم الله وحده مدى مشيئته في إتاحة المزيد من العلم لبني الإنسان في مستقبل الأيام.

لقد كانت الوسيلة الوحيدة في الأرصاد الفلكية من أقدم العهود إلى أوائل القرن

ص: 24

السابع عشر هي المشاهدة بالعين المجردة، فكانت البحوث الفلكية القديمة محدودة بحدود الرؤية بالعين المجردة.

واخترع أول مرقب "أو منظار فلكي" في عام 1608؛ ثم وضع العالم الإيطالي "جاليليو" مرقبا، واستخدمه ابتداء من يناير 1610، وكان مرقب "جاليليو" ذا قدرة على تجميع الأشعة الضوئية، وتكبير الرؤية مائة مرة قدر ما يرى بالعين المجردة، ومع توالي التحسين في المراقب منذ ذلك الوقت زادت قدرتها بدرجة هائلة، فالمرقب الموجود في جبل ولسن بالولايات المتحدة الأمريكية يبلغ قطره حوالي المترين ونصف المتر، وبمقدوره توصيل أشعة ضوئية للعين تبلغ مائتين وخمسين ألف مرة قدر ما تجمعه العين المجردة.

المجرة:

{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [الزحرف: 9] .

إن المجموعة الشمسية، وهي الشمس وتوابعها من كواكب "ومنها كوكب الأرض" وأقمار، هي جزء من مجموعة هائلة من النجوم وتوابعها، وتعرف مثل هذه المجموعة الهائلة باسم "المجرة Calaxy"، وبواسطة استخدام المراقب الحديثة أمكن التعرف على العديد من المجرات، والمجرة التي تضم شمسنا هي مجرة "الطريق اللبني Milky way" التبانة، وكل ما في هذه المجرة من أجرام "شموس وكواكب، وأقمار وتوابع" تدور في أفلاك منتظمة متناسقة ومتوازنة بعضها مع بعض.

ص: 25

ومن عجائب ما يحدثنا عند علماء الفلك عن بعض النجوم في مجرة درب التبانة وجود ما يسمونه بالنجوم النابضة، التي ترسل نبضات قوية من أشعة جاما، ووجدوا أن أحد هذه النجوم، وهو يقع على أطراف درب التبانة، يدور حول نفسه بسرعة مذهلة، مع أنه أكبر من الشمس، وأثبتت القياسات وتحليلات الكمبيوتر أن هذا النجم يتم 600 دورة حول نفسه في الثانية الواحدة، أي 51 مليون و 840 ألف دورة حول نفسه في اليوم الواحد بحساب أيامنا الأرضية، وأثبتت القياسات أن هذا النجم يندفع خارج المجرة بسرعة 1300 كيلو مترا في الثانية، أي أنه بسبيله إلى الخروج تماما من جاذبية المجرة، والتجول في الفضاء الذي يفصل ما بين المجرات، ويقول العلماء: إن أي نجم في مجرة درب التبانة، تزيد سرعته عن 220 كيلو مترا في الثانية يمكنه الخروج من جاذبية المجرة.

ويلي مجرتنا "التي تضم شمسنا وأرضنا"، مجرات أخرى لا يعلم عددها إلا الله، وكل مجرة من تلك المجرات تضم هي الأخرى أعدادا هائلة من النجوم والكواكب والتوابع، وأبعد ما أمكن أن تدركه الحواس البشرية من المجرات بواسطة المناظير العملاقة وغيرها من الوسائل، يبعد عنها مسافة قدرت بستة وثلاثين ألف مليون سنة ضوئية، "وسيأتي ذكر السنة الضوئية كمعيار للمسافات البالغة الطول"، ولا يستطيع العلماء بن أوتوا من قدرات، إدراك حدود هذا الكون، وكلما تقدمت وسائلهم اكتشفوا وجود مجرات، وكواكب أبعد مما كان في تقديرهم.

ولا يسع المتأمل في عظمة صنع الله وما خلق من تلك الأجرام السماوية العظيمة، ومواقعها السحيقة إلا أن يردد بخشوع عميق قوله تعالى:

ص: 26

{فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الواقعة: 75-80] .

وتنبئ الأجهزة التي يستخدمها علماء الفلك بأن المجرات والنجوم والكواكب جميعا في حركة دائبة، وأن هذه الحركة تؤدي إلى تمدد مستمر، وتنبئ الأجهزة بحسابات قد تكون قريبة من الصواب، وقد تكون مخطئة، ومن هذه الحسابات، أن سرعة تمدد الجزء الذي تدركه حواسنا من هذا الكون هي 235 مليون ميل في الدقيقة، وأن هذا التمدد قد نشط من 18 ألف مليون سنة "من السنين التي نعرفها على الأرض"، وأنه بدأ بانفجار هائل تعارف العلماء على تسميته "بج نانج - Big Bang"، وكل المجرات وما تضمنه من أجرام تتحرك في نظام وتوقيت رباني محكم، بما يؤكد التوزان المطلق الذي شاء الرحمن أن يكون في كل مخلوقاته، كبيرها وصغيرها فهناك تجاذب بين الأجرام السماوية والأرض كالتجاذب بين الأرض، والأجسام الواقعة على سطحها، وهناك توازن بين قوى التجاذب بحيث لا تختل حركة الأجرام في دورانها في أفلاكها، وصدق الحق من قائل:

{الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ، الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ، وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ} [الرحمن: 1-8] .

وفي الفضاء الكوني إشعاعات تنتقل على صورة تموجات، وأنواع الإشعاع أو التموجات الأثيرية المعروفة للإنسان حتى الآن:

1-

الأشعة الكونية.

ص: 27

2-

أشعة إكس.

3-

الأشعة فوق البنفسجية.

4-

الضوء.

5-

الأشعة تحت الحمراء.

6-

أمواج الراديو "اللاسلكي".

7-

أشعة جاما.

وتنتشر أشعة الضوء بسرعة 300 ألف كيلو مترا في الثانية، وبرغم أن أشعة الضوء لا ترى في ذاتها، إلا أنها معروفة بأنها الضوء المرئي، فهي حين تخترق الفضاء الكوني لا نراها، ولكننا نراها في حالتين:

"أ" حينما تتناثر في بعض الأوساط المادية الشفافة مثل الغلاف الجوي.

"ب" حينما تنعكس على بعض الأسطح المادية مثل سطح القمر.

ويمكن تحليل الضوء إلى سبع مكونات، بإمراره خلال منشور زجاجي، وهذه المكونات السبع هي ألوان الطيف التي تشعر بها حاسة الرؤية في الإنسان، ويختلف طول الموجة من لون لآخر؛ فأطولها موجة اللون الأحمر، وأقصرها موجة اللون البنفسجي، وألوان الطيف مرتبة حسب طول موجاتها هي: البنفسجي - النيلي- الأزرق - الأخضر - الأصفر - البرتقالي - الأحمر.

وصدق الله العظيم:

{فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ، وَمَا لا تُبْصِرُونَ} [الحاقة: 38-39] .

ص: 28

الشمس:

تدور حول الشمس تسعة كواكب، والأرض ثالث هذا الكواكب -بعدا عن الشمس- وتبعد الأرض عن الشمس مسافة 150× 6 10 كيلو مترا، وللأرض تابع واحد هو القمر، ويبعد عنها مسافة 384400 كيلو مترا في المتوسط.

ويبلغ حجم الشمس 10333 مليون مرة حجم الأرض، والشمس جسم غازي شديد الحرارة، قدرت درجة حرارته "بالدرجات المئوية المتداولة في قياسات أهل الأرض" بمقدار 5760 درجة مئوية على السطح الخارجي، وبمقدار حوالى 16-20 مليون درجة مئوية في مركزها، ويرى العلماء أن هذه الحرارة البالغة الارتفاع هي نتيجة تفاعلات نووية لمكونات مادة باطن الشمس، وأهم المكونات غاز الهيدروجين الذي تلتحم ذراته تحت ظروف درجات الحرارة العالية، وتندمج إلى ذرات الهيليوم مع انبعاث طاقة هائلة، وتتعرض الشمس إلى حدوث ما يسمى بالبقع الشمسية مرة كل 11 عاما "من الأعوام الأرضية" حين تزداد العواصف المغناطيسية على سطح الشمس، وترتفع ألسنة اللهب ممتدة في الفضاء مسافات تصل إلى 20 مليون كيلو متر، وتصل درجات الحرارة داخل ألسنة اللهب هذه إلى مليون درجة مئوية.

وتدل التحاليل الطيفية لضوء الشمس، على أن العناصر الشائعة في القشرة الأرضية لا توجد في الشمس إلا بنسبة ضئيلة، هي حوالي 1% من كتلتها أما باقي الكتلة، وهي 99%، فتتكون من الهيدروجين والهليوم، ويعتقد أن تركيب النجوم لا يختلف كثيرًا عن تركيب الشمس.

ص: 29

وما يصل إلى الأرض من طاقة الشمس لا يتجاوز جزءًا واحدًا من ألف مليون جزء، وما تشعه الشمس في ثانية واحدة من الطاقة يساوي إجمالي ما تحصل عليه الأرض من طاقة الشمس خلال ستين عامًا، ويكفي هذا القدر من الطاقة احتياجات الحياة على سطح الأرض بأنواعها، وهي الحياة النباتية والحياة الحيوانية وحياة الإنسان.

انفصال جسم الأرض:

{قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101] .

انفصل جسم الأرض مستقلا عن بقية أجزاء مجرة الطريق اللبني منذ قديم الزمن، ولعل هذا الانفصال هو ما ذكره الحق سبحانه وتعالى بقوله:

{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء: 30] .

وقد اجتهد علماء الفلك والطبيعة في وضع نظريات متعددة لكيفية حدوث هذا الانفصال، ومنها نظرية الانفجار العظيم، ولا داعي للخوض في تلك النظريات.

واستطاع علماء الجيولوجيا بوسائلهم المتخصصة أن يعطوا تاريخًا مطلقا لبدء وجود الأرض بكيانها المستقل عن بقية الأجرام السماوية، وقدروا أنه كان منذ حوالي أربعة آلاف وخمسمائة مليون عام من أعوامنا المعروفة.

زينة الأرض والسماء:

لقد أودع الله في البشر القدرة على الشعور بالجمال، فالإحساس الصادق

ص: 30

للمؤمن يجعله يشعر بالجوانب الجمالية التي أودعها الله في الأرض وفي السماء، فينشرح صدره ويزداد يقينه.

{إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا} [الكهف: 7] .

ففي الجبال جمال كامن في اختلاف ألوانها وفي عظمتها ورهبتها، وفي الجداول والأنهار جمال كامن في أنغام خرير مياهها حين تنساب رقراقة، وفي البحار جمال كامن يدركه البصر حين يتأمل أمواجها تتكسر متهادية على شواطئها، وحين يمد البصر عبر مياهها إلى ما لا نهاية، وفي النبات جمال طالما تغنى به أصحاب القدرة على التعبير شعرًا ونثرًا، وفي أصناف الحيوان من فراشات وأسماك، وطيور وأنعام وغيرها متعة للعين.

كذلك فإن السماء فوقنا زينة بزرقتها وبما حوت من كواكب مضيئة.

{زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} [الصافات: 6] .

لقد دعانا الله إلى التمتع بزينة الأرض والسماء، وجعلها مجالًا للتأمل والتفكر في عظمته.

سجود الكائنات وتسبيحها:

أخبرنا الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه بسجود كل الكائنات المادية والحية وتسبيحها له.

{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ} [النحل: 49] .

ص: 31