الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذا الكتاب:
بقلم: عمر كامل مسقاوي
ــ
نقدِّمه إلى القارئ تحت عنوان (القضايا الكبرى). لم يكن هذا العنوان من اختيار بن نبي وإنما وقع في يدنا عرضاً طبعة باللغة الفرنسية تحت عنوان ( Les grands thèmes)، أصدرها بعض تلاميذ بن نبي في الجزائر عام 1976م، وقدّم له وعلَّق عليه الأستاذ نور الدين بوقروح بتكليف من السيد عمر بن عيسى.
وحينما اطَّلعنا على مضمون هذا الكتاب باللغة الفرنسية، وخصوصاً مقدمته لفت نظرنا ذلك الاهتمام الكبير بفكر بن نبي، والذي يعكس المكانة اللائقة التي احتلتها أفكار بن نبي لدى الشباب.
ثم تبيَّن لنا أن (القضايا الكبرى) هذه اشتملت على فصول خمسة: الثلاثة الأولى منها نشرت عام 1664م باللغة الفرنسية، وترجمت تحت عنوان (آفاق جزائرية: للحضارة، للثقافة، للمفهومية).
ترجمها الأستاذ الطيب الشريف، وأصدرتها مكتبة النهضة الجزائرية.
أما الفصلان الأخيران، فقد صدر الرابع منهما (الديمقراطية في الإسلام) ضمن سلسلة محاضرات بعنوان (تأملات) أصدرتها دار الفكر بدمشق، والفصل الخامس صدر مستقلاًّ في كتيب تحت عنوان (إنتاج المستشرقين).
وإذ نحن في صدد إعادة نشر مؤلفات بن نبي فقد أغرتنا فكرة الطبعة
الفرنسية التي صدرت تحت عنوان ( Les grands thèmes، القضايا الكبرى) لكي نعيد طبع سائر هذه المقالات تحت هذا العنوان، وبذلك يدخل كتاب (آفاق جزائرية) ضمنها للاعتبارات التالية:
ـ[الاعتبار الأول]ـ: أن عنوان آفاق جزائرية يوحي بأنه يطرح مشكلة خاصة بالجزائر فيما هو فكر بن نبي، يتناول مشكلة الحضارة في العالم المثالث عموماً.
فعبارة (القضايا الكبرى) بدت لنا أكثر اتفاقاً مع توجهات بن نبي، لأنها تشتمل على تحديد منهجي للمفاهيم التي تناولتها هذه المحاضرات المجموعة بين دفتي الكتاب.
ـ[الاعتبار الثاني]ـ: أن هذه الطبعة الصادرة بالفرنسية تشتمل على المحاضرات الخمس التي تترابط فيما بينها وحدة المنهج الفكري لمالك بن نبي.
إذ أنها تناولت مفاهيم الحضارة والثقافة والأيديولوجية، بما ينسجم مع طرح بنية فكرية وسلوكية تتصل بأصول الحضارة الإسلامية ومكوناتها الاجتماعية، التي شرحها في المحاضرة الرابعة تحت عنوان (الديمقراطية في الإسلام). ثم جاءت هذه المجموعة تتحدث عن المدى الذي صاغته الحضارة الغربية في تكوين الفكر والثقافة في مجتمعنا الحاضر عبر (إنتاج المستشرقين). وبذلك ترتسم فكرة بن نبي في تحديد مشكلة الحضارة التي لابدّ لنا في حلِّها من أن نطرح القضايا المرتبطة بفعالية البناء، وأن نُقَوِّم جهود المستشرقين الذين ألهموا فكر النخبة فينا، ونضعها في إطار الصراع الفكري الذي من خلاله تعامل العالم الاستعماري مع العالم المثالث، تعامل استغلال لموارده واسترخاء في إرادته.
ـ[الاعتبار المثالث]ـ: أن الطبعة الفرنسية اشتملت على تقديم يشير بوضوح إلى
نضوج فكر بن نبي في مدارك الشباب الجزائري المثقف، وذلك مؤشر لابدّ من دفعه إلى المدى الذي يؤهل فكر بن نبي ليكون منطلق الفكر والرؤية في جيل الشباب الذي لا يزال منغمساً في فوضى الاتجاه وضبابية الرؤى وابتسار الحلول.
فالمقدمة التي وضعها الأستاذ بوقروح قد طرحت المشكلة في عمقها الحاسم، ومن أجل بناء رؤية تعيد صياغة فكر النهضة عبر جيل لا يستطيع أن يتجاهل طويلاً كما قال الأستاذ بوقروح مالك بن نبي.
وأمام هذه الرؤية التي طرحها مقدِّم الكتاب والمعلِّق عليه نجد لزاماً، أن يطّلع القارئ العربي على هذه الآفاق التي تضع فكر بن نبي في موقعه الملائم.
ـ[الاعتبار الرابع]ـ: إزاء هذه الاعتبارات رأينا من المفيد للقارئ العربي أن يدرك المرامي البعيدة التي طرحها بن نبي في مختلف كتبه، والتي تتمحور حول محور واحد هو مشكلة الحضارة، وقد تضافرت في هذه المحاضرات الخمس حيث ألقيت الثلاثة الأولى منها في الجزائر عام 1964م، إثر عودته إليها بعد الاستقلال مفعماً بالأمل في بناء دولة الاستقلال بعد أن تحقق استقلال الدولة.
ولا نحب في هذه المقدمة أن نشير إلى الإحباط الشديد الذي أحاط ببن نبي حين ساهم كمدير للتعليم العالمي في الجزائر، مما نجد صداه في مجموعة المقالات التي نشرها في مجلة ( La révolution africaine) خلال عقد الستينات كما نجده في كتبه التي صدرت في تلك الحقبة، وبالخصوص كتاب (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي).
لكننا وأمام هذا التجاهل الذي كان الأشد على نفسه، نرى في بادرة الشباب الجزائري عزاء لفكر بن نبي الذي لا يزال لاعتبارات تتصل بالصراع الفكري في البلاد المستعمرة يُسام الإغفال من مخططي الثقافة ويُلقي على فكره ستارٌ كثيفٌ يحول بين الأجيال والمنهج الفاعل في بناء نهضتها.
مالك بن نبي وقد مضى على وفاته سبعة عشر عاماً لا يزال يفتقده شبابنا المعاصر في ظلمة الشتات الفكري، ولكننا نرقب في هذه الظلمة أشعة اهتمام وإعجاب نراها في بعض المقالات والدراسات، وإن كانت لم تشكل حتى الآن تياراً فاعلاً في خطى المستقبل.
ففكر بن نبي لا يزال ينادي الجيل من مكان بعيد، لكنه يقترب رويداً رويداً كلما استفحلت في عالمنا الهزيمة. فما كان غريباً على فهم القارئ من طروحات بن نبي في زمن الرومانسية المتفائلة التي ضجّ بها عالمنا منذ الخمسينات، بدا اليوم أقرب إلى إدراك الجيل، الذي أطبقت من حوله الآفاق وبات وجهاً لوجه أمام مخاطر الاجتياح الإسرائيلي، والتخلي العالمي عن قضاياه، في ظل التوافق الدولي.
فبِنْ ني إذا كنا قد جحدناه في حياته أباً يرسم لنا شروط النهضة الفاعلة المستلهمة خطى الحضارات وتعاقبها؛ فإننا وكلما أفلسنا بالشعارات الرائجة في سوق العالم الغربي المعاصر نقترب من ذلك اليوم الذي يثرينا ميراثه بفعالية الإنجاز وسلامة الاتجاه.
هذا الكتاب الذي يضم مجموعة محاضرات نشرت ثلاث منها في كتاب (آفاق جزائرية)، يحتوي على سائر المقدمات والتعليقات التي تضمنها ذلك الكتاب ترجمة (الطيب الشريف)، ثم إنه يحتوي على سائر المقدمات والتعليقات التي تضمنتها الطبعة الفرنسية التي يأتي هذا الكتاب ترجمة لها.
وسوف نشير إلى تعليقات آفاق جزائرية التي نوردها أولاً، ثم نردفها بتعليقات الطبعة الفرنسية بإشارة ط. ف أي الطبعة الفرنسية. وإنني أشكر الدكتور بسام البركة الذي قام بجهد كبير في ترجمة تعليقات الطبعة الفرنسية وساهم في تحقيقها.
طرابلس 19 رمضان 1410هـ
14 نيسان 1990م
عمر مسقاوي