الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 -
مُشْكِلَةُ الثَّقَافَةِ
محاضرة أُلقيت باللغة الفرنسية في الجزائر العاصة بتاريخ: 15 - 1 - 64.
وباللغة العربية في مدينة قسنطينة بتاريخ: 30 - 1 - 64
ــ
في نهاية المحاضرة الأخيرة توصلنا إلى بضعة نتائج منها:
1 -
أن المشاكل العديدة التي نطلق على مجموعها مصطلح (التَّخلُّف)، هي في الواقع تعبيرات مختلفة عن مشكلة واحدة ومفردة تواجه كلَّ بلاد متخلِّفة، أي أنها مشكلة (حضارة)، وذلك بشرط أن نتقبَّل هذه العبارة في استخدامنا لها، بصورة محدودة، وأعني بهذا أن تكون أقلَّ تعميماً من المعنى الذي اعتاد علم الإنسان ( Anthropologie) أن يفهمها عليه.
وبعبارة أخرى فالحضارة ليست كلَّ شكل من أشكال التَّنْظيم للحياة البشرية، في أيِّ مجتمع كان، ولكنها شكلٌ نوعيٌّ خاص بالمجتمعات النامية، بحيث يجد هذا الشكل نوعيته في استعداد هذه المجتمعات لأداء وظيفة معينة ليس المجتمع المتخلف في حالة تكيُّف معها لا من حيث رغبته، ولا من حيث قدرته، أو بعبارة أُخرى: لا من حيث أفكاره، ولا من حيث وسائله.
2 -
وأن هذه الرغبة، وهذه القدرة لدى المجتمع المتحضِّر، ناتجتان ليس عن تكديس منتجات الحضارة، ولكن عن تركيب أصيل لعناصر: التراب، والإنسان، والزمن.
3 -
وأننا إذ نفترض أن مشكلة التراب قد وجدت حلها، أو هي في طريقها إلى هذا الحل، كما هي الحال بالنسبة إلى الجزائر، حيث يتمُّ تحوير وضعيتها القانونية، وإعدادها الفني في علاقتهما الوظيفية بالاختيار الاشتراكي - فإن المشكلتَيْن الأُخْرَيَيْن مرتبطتان بطريقة عضوية بالمشكلة الأُولى، لأننا منذ مواجهتنا لمشكلة الإنسان المطروحة في نطاق النموِّ، نجد أن الزمن يواجهنا بالضرورة كَبُعْدٍ لفعَّالية الإنسان.
هذه هي مجموعة النتائج التي سبق أن توصلنا إليها. وهي تدلّنا منذ عثورنا عليها على الاتجاه الذي ينبغي لنا أن نسلكه إزاءَ مشكلة الثقافة التي تجابهنا
اليوم، والتي نتخذ منها موضوعاً لمحاضرتنا الثانية. فهذه المشكلة لا تواجهنا ألبتة في دائرة المجرَّدات، أي في: المسرح، أو السينما، أو مكتب عمل أحد الروائيِّين، أو في أسلوب إحدى الرقصات الفلكلورية، ولكنها تطرح أمامنا في العالم العَيْنِيِّ الملموس لعملنا اليومي، في إحدى حظائر البناء، أو في حقل نقوم بزراعته، أو في المدرسة حيث نرسل بأطفالنا لتلقي المعرفة، وفي الطرقات التي نعبر بها، والقاطرات التي ننتقل بواسطتها، وأخيراً في كل مكان يوجد فيه شكل من أشكال حياتنا ونشاطاتنا اليدوية أو الذهنية. فالقضية تقوم بالنسبة إلينا ليس في مجرد إعطاء مضمون معين لأوقات فراغنا فحسب، ولكن في إعطاء هذا المحتوى لوجوه نشاطنا الأساسية أولاً وبالذات. وبكلمة واحدة فإن موضوعنا لا يقتصر على نطاق معين فحسب، ولكنه يتعلق بالإطار الاجتماعي كله، حيث تدور حياتنا، وتتساوق نشاطاتنا، وتتشكل المشكلات العديدة التي تستحوذ على أفكارنا تحت اسم (التخلُّف).
وهكذا فنحن عندما نطرح هذا السؤال: (ما هي الثقافة؟)، فإننا لا نجد فكرنا حرّاً، ولكننا نراه محاطاً بكل تلك المشاكل. ومعلوم أن هذا السؤال ليس له المعنى نفسه، عندما يتعلق الأمر بمجرد اهتمام ذهني- له علاقة بجمع الوثائق أو بالناحية العلمية- وعندما يتعلق غرضه بمصلحة اجتماعية أساسية. ففي الحالة الأُولى نواجه مجرد مشكلة تصوّر لواقعٍ اجتماعيٍّ قائم، وفي الحالة الثانية تتمثل المسألة في موقف يُطلَبُ إلينا اتِّخاذه لمواجهة فراغ اجتماعي معين. ذلك أنه توجد بالتأكيد، ومهما تكن وجهة نظر بعض أصدقائنا حيال هذا الموضوع، نوعية خاصة بالمشكلة المطروحة أمامنا دون هوادة، منذ اللحظة الأُولى لصياغتها، كما أنها تزداد مواجهة لنا مع كل خطوة من سيرنا. ومنذ الخطوة الأُولى نجد أنفسنا إزاء طريقَيْن اثنَيْن: ففي الطريق الأول تقوم المسألة في إعداد التقويم الفعليِّ لثقافة معينة سبق إعدادها من قبل، كالحضارة بأثينا أو في إمبراطورية روما.
وفي الطريق الثاني تقتصر المسألة على مجرد تصورها في مجرد محتواها الْمُضْمَر، وفي الخطوط المتفاوتة الغموض التي تكوِّن مشروعها.
فالفهم والعمل غير مترادفَيْن: هذا هو اليقين ذاته. ولكن هناك ما يدعو إلى أن يجد هذا اليقين ترجمته في موقفنا إزاء مشكلة الثقافة، لأنها عندما تطرح علينا من حيث المبدأ، يصبح من الضروري لنا أن نقوم بوضعها في مكانها بالنظر إلى علاقتها بوضعيتنا التاريخية الخاصة.
ولهذا فإن المشكلة يمكن أن تطرح بصفة عامة ضمن ثلاثة أوضاع مختلفة:
1 -
فعندما نتساءل: كيف تتكوَّن ثقافة معيّنة؟ يكون سؤالنا متضمِّناً لجواب عن مرحلة تاريخية معينة.
2 -
وعندما نتساءل: ما هو الدور الذي تؤدِّيه ثقافة معيَّنة؟ أو ما هي الصورة التي تبرز فيها هذه الثقافة؟ نجدنا إزاء وجهة نظر أُخرى للمشكلة.
3 -
أما عندما نتساءل: كيف يتمُّ إعداد ثقافة معيَّنة؟ فإننا نكون إزاء زاوية نظر مختلف عن الوجهتين السابقتين.
وهذه الأوضاع الثلاثة للمشكلة، كلها ذات قيمة على الصعيد النظري، إلا أنه من الواضح أن الوضع المثالث هو الذي يتضن الجواب عن المرحلة التاريخية التي تنتظم بلاداً كالجزائر، باعتبارها بلاداً بصدد الخروج من العهد الاستعماري، مع كل المشاكل التي خلفها لها هذا العهد وراءه.
فنحن عندما نطرح بالجزائر هذا السؤال: ما هي الثقافة؟ لا نفكر بالدرجة الأولى في ضروب التسلية التي يمكن أن تقدمها لنا الفنون الفلكلورية، والمسرح، والشعر؛ ولكننا نفكر أولاً في الحقائق المحسوسة للتخلُّف: في البطالة، والأُميّة، ونقص التغذية إلخ
…
وللتَّخلُّف جغرافيته، وتاريخه.
أما جغرافيته، كما سبق أن بيَّنَّا ذلك في محاضرتنا الأخيرة، فهي تشمل المساحة التي تنتظم على وجه التقريب نصف الكرة الجنوبي، والتي تقع في نطاقها في جميع الأحوال بلدان باندونغ ( Bandoeng) التسعة والعشرون (1).
وأما من الناحية التاريخية، فيجب علينا أن نميِّز بين شكلَيْن اثنَيْن للتخلُّف في هذه الرقعة الجغرافية: الشكل الذي يُعزَى إلى عوامل عرضية كالتَّقهقر الذي ينتاب الآن أو انتاب في الماضي تطور المجتمعات التي كانت نامية سابقاً، كما هي الحال بالنسبة إلى المجتمع الإسلامي حتى آخر عهد الدولة الموحديَّة؛ والشكل الذي يعزى إلى عوامل دائمة ومزمنة من الركود، كما هي الحال بالنسبة إلى العوامل التي انتابت حتى هذا الحين حياة السكان الذين يكوِّنون ما نسميه بالمجتمعات البدائية. وعلاوة على ذلك يجب أن نأْخذ في حسابنا الاستعمار الذي يمكنه أن يصبح عامل ركود أو تقهقر راجح الكفَّة.
ولكن مهما يكن مصدره التاريخي، فإن التخلُّف- عندما نعبِّر بمصطلحات اقتصادية عن الحقائق الواقعية لمجتمع في حالة ركود أو تقهقر- لا يشكل سوى مظهر من مظاهر مشكلة الإنسان الذي لم يتعلم طريقة استعمال وسائله الأولية، التي هي التراب والزمن بصورة فعالة، أو هو قد نسي ما تعلمه من هذا
(1) انظر في هذا الموضوع: (فكرة الأفريقية الآسيوية)، حيث استخرج المؤلّف الاستنتاجات الأولى لمؤتمر باندونج.
ونجد من جهة أخرى في هذا المؤلف الأسس النظرية لعدم الانحياز، وقد وضعت في مجال إمكانية وجود حضارة عالمية.
ولم يظهر بن نبي في كتاب من كتبه كما ظهر في هذا الكتاب كمنظر سياسي في المدى العالمي. [ط. ف].
الاستعمال، مع ملاحظة أن فعَّالية الإنسان بالذات هي التي تقوم بتحديد بقية العوامل الأخرى.
وإذن فإن الإنقاص من عدم فعَّالية الفرد، يعني الإنقاص من تخلُّف المجتمع
…
إلا أنه يتبقَّى لنا أن نعقد الصلة بين الثقافة والفعَّالية باعتبارها صفة ملازمة للإنسان المتحضِّر. فنتيجة الفعَّالية أمر مؤكد بصورة إجمالية في الوضعية الاجتماعية والاقتصادية لمجتمع متحضر معين، باعتبار أن حضارته ليست إلا التعبير عن مستوى معين للإنسان والتراب والزمن، المتَضَمنَة جميعها في كل نتاج من منتجاتها، وفي تركيبها الأصيل بصورة عامة.
كما أن نتيجة الفعالية أمر مؤكد أيضاً في بعض الحالات المعينة، وذلك عندما يوجد مجتمع معين نامٍ على الصعيد الصناعي، في بعض الظروف الخاصة من تاريخه، ضمن حالة لا يملك فيها غير وسائله الأوَّليّة، بحيث لا يستطيع أن يستعمل من أجل إعادة بنائه إلا هذه الرسائل فحسب، أي الإنسان والتراب والزمن. وهذه الحالة هي التي نقدِّم لها على سبيل المثال قضيّة إعادة بناء ألمانيا عقب سنة 1945م. فقد وجد الشعب الألماني نفسه، عقب الحرب، محروماً من جميع أبعاده الأُخرى، وخاصة فقدانه لسيادته السياسيّة، بحيث لم يعد يملك لمواجهة مشاكله إلا عضلاته وأفكاره، أو بعبارة أُخرى طاقته الحيوية، وثقافته.
ولكن فعاليّة الفرد الألماني، من أجل إعادة بناء بلاده، تقتصر في نهاية الحساب، ومن وجهة النظر الاجتماعيّة، على ثقافته لا غير.
وإذا ما دعينا على أية حال إلى القيام بتحديد القسط المعزوِّ إلى العضلات في هذا التحوُّل المدهش، الذي تمَّ في مدة عشر سنوات، فإننا ندعو بدورنا هؤلاء الذين يطرحون علينا هذا السؤال، إلى الالتفات لحظة ما نحو المساحة التي تعاني
التخلُّف، وإلى التساؤل عن السبب الذي أذى بالإنسان الذي يعيش على هذه المساحة إلى عدم الإنقاص من مشاكله الحيويّة بواسطة عضلاته فحسب؟
وإذن فإن مشكلة الثقافة هي التي تواجهنا على رقعة البلدان المتخلفة. ولهذا فنحن عندما نقوم بالموازنة بين النموِّ والتخلُّف، على المستوى الجماعي، أو بين الفعَّاليّة وعدم الفعَّاليّة على المستوى الفرديِّ، نكون قد قمنا بالمقارنة بين مستويات ثقافيّة معيّنة، أي بين ثقافة معيّنة من ناحية، وبين شيء معيّن يمكننا - لكي نحافظ على الروح المنهجيّة التي نعتمدها- أن نَسِمَهُ بطابع يشبه اللاثقافة، من ناحية أُخرى.
وعلى هذا فنحن عندما نطرح مشكلة الثَّقافة في بلاد متخلِّفة معيّنة، لا نملك الخيار عند طرحها، لأن الثقافة محدَّدة بواسطة كل معطيات التخلُّف، وبواسطة المعطى البشري أولاً وبالذات، بحيث يتعيَّن علينا أن نطرح المشكلة بصورة حاسمة في الشكل الدقيق الذي تواجهنا عليه، أي في وضعها المثالث:
- كيف يتمُّ إعداد ثقافة معيّنة؟
وهذا لا يعني وجوب اعتبار الوضعين الآخرَيْن كوضعَيْن قابلَيْن للإهمال، لأن وجهة نظرنا يمكنها على أيّة حال أن تشمل هنا حقلاً أوسع للتَّقصِّيات، وأن تنفتح على ثقافات بلدان أُخرى، حيث تمَّ إعداد الثَّقافة عبر مجرى القرون.
إلا أن المشكلة بالنسبة إلينا تمثل قضيَّة ذات نسق عمليٍّ: فنحن نريد اكتساب الفعَّاليّة الضَّروريّة لنا، والتخلُّص من وجوه عدم فعَّاليّتنا الحاليّة. والمشكلة تطرح علينا تحت المظهر الإيجابيِّ والمظهر السلبيِّ معاً: حيث يتعيَّن علينا أن نكوِّن رصيدنا الثَّقافي الفعَّال، وأن نُصَفِّيَ راسِبَنا السلبيِّ.
والحق أنه قد تمَّ الشروع بالجزائر في عمل مزدوج للبناء، ولإزاحة الأنقاض،
وذلك منذ ميلاد الحركة العصريَّة التجديديَّة، والحركة الإصلاحيَّة. ولكن المحاولة لم تكن في هذا الميدان بالخصوص موجهة بمقتضى عملية تخطيطيَّة، لأنها سلكت طرق الخبرة الساذجة. فقد حدث أن نسي الصبح بالمدرسة أن يقوم بإصلاح نفسه، وكان (رجل الصَّفوة المتعلِّمة) الذي تلقَّى دروسه بالمدرسة العصريَّة، والذي ربما أُتيح له أن يستكمل دراساته بباريس، منفصلاً في قليل أو كثير عن وسط آبائه، وعن المعارك الدائرة بهذا الوسط، فيما عدا بعض المعارك الانتخابيّة (1). إلا أنه يجب علينا على الأقل أن نعزو إلى حساب هذه الحركة الإصلاحيّة عمليّة تصفية ذلك القسط هن راسبنا الثَّقافي السلبيّ المتمثِّل في النَّزعة المرابطيّة.
ولكن (الفراغ الثَّقافي) يبلغ إجمالاً في حالة المتعلِّم المستغرب، حدّاً يضاعف من خطورته فراغ اجتماعي معيّن، وذلك عندما يقوم هذا المتعلِّم بشَجْبِ جميع الرّوابط التي تصله بوسط آبائه، وأحياناً مع أُسرته نفسها. وكان هذا الانْبِتاتُ الاجتماعيُّ يتخذ في بعض الأحيان بُعْدَ الفضيحة عندما تقوم إحدى العائلات بنبذ أحد أبنائها. ومثال ذلك ما حدث حوالي سنة 1930م، عندما نشر أحد المتعلِّمين الجزائريين بباريس كتاباً أثار موجة غضب في سائر البلاد لأنه مَسَّ بكرامتها. كما كان يتَّخذ كذلك شكلاً أكثر شيوعاً وهو ما يتمثَّل في ذلك المروق الذي يدعو الأفراد إلى استبدال جنسيتهم، الأمر الذي كان رائجاً في الجيل السابق.
وهكذا يبدو لنا أن نتيجة المدرسة قد كانت سلبيّة في غالب الأحيان على الصعيد الاجتماعي. ولكن هذا التَّقويم نفسه، يمكننا استخلاص فائدة معيّنة، من تجربة وطنيَّة معاشة، وذلك في اعتبارنا لحدودها في صورتها النسبيّة، ذلك
(1) في هذا القسم يلمح الكاتب إلى الحياة السياسية في الجزائر قبل اندلاع الثورة. [ط. ف].
أن التجربة لم تكن وطنيّة إلا بتأثيراتها، وليس بأسبابها، لأن العائلات في الجيل السابق كانت ترسل بأطفالها إلى المدرسة لا لكي تعدّهم للقيام ببعض الواجبات المعيّنة، ولكن لكي تهيِّئهم للحصول على بعض الفوائد المعيَّنة.
وعلى أيّة حال فقد أتاحت لنا تجربة المدرسة الفرنسية طوالى منتصف القرن المنصرم، أن نلمس بأصابعنا على نحو ما، وفي أكثر من مناسبة، حقيقة معيّنة: وهي أن المتعلِّم الجزائري الذي تمَّ تشكيله على مقاعد هذه المدرسة، كان من الناحية الاجتماعية أقلَّ فعَّالية من زميله الأوروبي أو اليهودي، كما لو كان مصاباً بمُعامِل معيَّن من النقص. ومع هذا فقد كان يبرهن في أكثر من حالة، على صفاته الشخصيّة، بما كان يحظى به من تقديرات متفوِّقة في ختام دراساته. ومنذئذٍ نجدنا إزاء هذه الملاحظة الأولى التي تفرض نفسها، والمتمثِّلة في أن المحصول الاجتماعيّ أو فعَّالية الفرد، ليست بالدرجة الأُولى على علاقة وظيفيَّة باستعداداته الشخصيّة؛ بالإضافة إلى ملاحظة ثانية: وهي أن المدرسة لا تحلُّ وحدها مشكلة الثِّقافة، لأن حلَّها يبدو لنا مُتَأتِّياً عن شروط أكثر عموماً.
وهذه الملاحظة الأخيرة تتيح لنا إذن أن نطرح مشكلة الثَّقافة في علاقتها بالمدرسة بطريقة أفضل، ما دمنا قد عرفنا أن المدرسة لا تقدِّم للتلميذ الصفات المحدّدة للمحصول الاجتماعي أو الفعَّالية- وأعني بها الصفات التي ننتظرها من الثقافة- إلا ضمن شروط معيّنة تتجاوز الإطار المدرسي. ولكن قبل أن نقوم باستخلاص نتيجة معيّنة أصبحت الآن ماثلة في أذهاننا، يتعيَّن علينا أن نزيد في تحديد ما نعنيه بالمحصول الاجتماعي والفعَّالية، وذلك بأن نستشهد لهذه العبارات بشواهد خاصة بالإطار الجزائري.
فقد أُتيح للفرد الجزائري المنتمي إلى الصَّفوة المتعلِّمة أن يبرز على المسرح السياسيِّ خلال عهد (الأمير خالد). وكان يكوِّن مجموعَ هذه الصَّفوة المتعلِّمة:
ثُلّةٌ من الأطبَّاء، وبعض المحامين، وبضعة من الأساتذة، وحفنة من المُعلِّمين. ولا ريب في أن أفراد الجيل الذي عاصرتُه لا يزالون يذكرون أصداء النضال الذي خاضته هذه الصَّفوة المتعلِّمة في سبيل الحصول على حق الالتحاق بالمدرسة. فالمؤكد أن البذور الأُولى للمطالبة بالحقوق الوطنيّة، قد تشكَّلت داخل هذه المناقشة وما دار فيها من أخذٍ وردٍّ. ولكن الذي يهمّنا هنا، ليس هو الجانب التاريخي للحركة الوطنيّة إبان بوادرها الأولى، وإنما هو النتيجة المحسوسة للموقف المتّخذ إزاء مشكلة اجتماعيّة محدَّدة، وذلك لكي نتَّخذ منها معياراً لحكمنا على فعَّالية (نُخبتنا) المتعلِّمة في ذلك العهد.
فهذه النُّخبة لم توفِّر لا من رصيدها الكلامي ولا من أزواد حبرها، فقد كانت خطبها الرنَّانة تتجاوب في الآفاق، كما كانت مقالاتها تملأُ أوراق الصحافة الوطنية. ولكننا يجب أن نسجِّل أن مشكلة الالتحاق بالمدرسة قد ظلّت مطروحة مع ذلك دائماً، ما دامت هذه المشكلة لا تنفكُّ تواجه الحكومة الجزائريّة حتى هذا اليوم بالمدى نفسه من الحدّة (1). وهنا نجدنا إزاء واقع، ومعيار معيَّنَيْن.
وفي مقابل ذلك يجب علينا أن نأخذ في اعتبارنا واقعاً آخر؛ فنحن لا نزال نذكر أن حكومة فيشي ( Vichy) قد قامت خلال سنة 1940م بتمديد تطبيق القرار الهتلري لنورمبورغ ( Décret Hitlérien de Nuremberg) على المجموعة اليهودية الجزائرية. وفي هذه الحالة الدقيقة، رأينا الفرد اليهودي المنتمي إلى الصفوة المتعلِّمة، والذي تمَّ تشكيله في المدرسة الفرنسية نفسها، يجابه المشكلة الاجتماعية نفسها. ولكن المتعلِّم اليهودي لم يتناول هذه المشكلة بالطريقة نفسها
(1) مشكلة إنشاء المدارس في بلادنا لم تكن هي تلك التي كانت قبل 19/ 6/ 65م. إذ أننا لم نكن نستطيع التحدث عنها كمشكلة. فقد كان هذا القطاع امتيازاً وعملاً حكومياً يخصص له الجز الأكبر من وسائل الدولة. [ط. ف].
التي تناولها بها المتعلِّم الجزائري؛ فهو لم يجعل منها موضوعاً للمطالبة، فاتحاً بذلك باب الديماغوجية، بل جعل منها موضوعاً لالتزام شخصي، ولعملٍ مستقلٍّ بذاته. فقد قام بتحويل ذاته، خارج دائرة وظيفته، إلى معلِّم أو أُستاذ، يزاول مهمته تحت سقف بيته الخاص، بحيث كان في إمكان التلميذ أو الطالب اليهودِيَّيْن أن يواصلا دروسهما في البيت بصورة عاديّة تقريباً، حسب مواقيت وبرامج ملائمة.
وفي هذه الظروف التي زادت من خطورة المشكلة بالنسبة إلى أطفالنا نحن، حتى في صورتها النسبيَّة، لأن إجراء الاستيلاء التحكُّميِّ زمن الحرب كان يمارس في حريَّة ضدَّ تعليمنا الحرّ، رأينا الأطفال اليهود ينفلتون مع ذلك من تأْثيرات صرامة الأحكام العنصريّة الخاصّة بقانون العدد المحدود لنورمبورغ ( Numérus Clausus de Nuremberg)، بفضل فعَّالية المتعلِّم اليهوديّ.
وهذه حالة تمكننا عند ملاحظتنا لفعَّالية الآخرين، وكلما قمنا بإعادة النظر إلى أنفسنا، من مشاهدة لافعَّاليّتنا الخاصة على مستوى نخبتنا، أي على المستوى الذي عهدنا فيه عادة أن تحقق ضمنه ثقافةٌ معيَّنة أقصى ما تملك من جهودها ومن تأْثيراتها.
إلا أن هذه الظروف نفسها تمدُّنا بحالة أُخرى، تكون عملية المقارنة ضمنها أكثر إفادة لنا في هذه المرَّة، وذلك على الصعيد السياسي. فالواقع أننا لا نزال نذكر في الثامن من شهر نوفبر سنة 1942م، وعند حلول الحلفاء بالجزائر خاصة، أن غياب نخبتنا المتعلِّمة كان ملحوظاً في هذا الظرف بالخصوص؛ بينما كان أحد الأساتذة اليهود يتقدم في ذلك الحين باسم أبناء دينه مصحوباً بعدد معين من المطالب، كما لو كانت المجموعة التي ينتمي إليها هي المضطلعة بتمثيل الشخصية الجزائرية بكل ما يناط بها من أعباء، وما يُعزَى إليها من مصالح. ويمكننا ابتداء من هنا أن نقوم بملاحظتَيْن اثنتَيْن:
1 -
فالفرد لا يدين بصفاته الاجتماعيّة لتشكيله المدرسي، ولكن لشروط خاصة بوسطه.
2 -
أما من حيث سلوكنا السَّلبي إزاء هذه المشكلة أو تلك، فإن جميع أسباب اللافعَّالية الخاصة بوسطنا هي التي تجعل منا أشخاصاً فاقدين للفعَّالية.
وها هنا نقوم باستخلاص تلك النتيجة التي سبق أن أشرنا إليها منذ حين، والتي أصبحت الآن ماثلة في أذهاننا، كما أنها قد أصبحت مشروعة تماماً، وهي أن الثقافة ليست ظاهرة صادرة عن المدرسة، ولكنها ظاهرة ناجمة عن البيئة.
ومن ناحية أخرى، فنحن لكي نقوم بتفسير كل الأسباب المتفشية في هذه البيئة، والتي تجد ترجمتها في السلوك الفعَّال أو غير الفعَّال، لا نعثر إلا على تفسيرَيْن ممكنَيْن: إذ يمكننا أن نفسِّر تلك الأسباب بمعطيات ذات نسق بيولوجي، بالطريقة التي يعتمدها غوبينو ( Gobineau) ، وهتلر ( Hitler) ، ولويس برتراند ( Louis Bertrand) أو رينان ( Renan) ، أو بالعوامل ذات النسق الاجتماعي التي تنتاب مجتمعاً معيناً خلال مرحلة معينة من تاريخه، إما في طور من أطوار تقهقره، أو في حالة من حالات ركوده.
إلا أن التفسير الأول لا يمكنه أن يصمد في وجه النقد التاريخيّ، وذلك إذا لم نقم بالحكم على أحد المجتمعات في مرحلة معينة من تاريخه، ولكن في دروة كاملة من دورات تطوره.
وحينئذٍ يَمْثُل أمامنا الجنس الذي يمنحه (رينان) الأوّلية (1)، على صورة
(1) نورد بهذا الخصوص نموذجاً لمعلومات القارئ نصّاً من ( Reforme intellectuelle et morale de la France) - أرنست رينان-.
((الاستعمار إنه ضرورة سياسية في الدرجة الأولى
…
إن غزو بلد من عرقٍ أدنى من قبل بلد من عرقٍ أعلى لا يدعو إلى الاستنكار
…
عندما يكون الأمر بين الأعراق المتساوية فذلك أمر يدعو =
لا تبلغ شأْوَ (جنس السادة) عندما نحكم على جهده المتطاول عبر القرون من أجل التخلص من نير الموالي الذين كانوا يرضخونه لأشنع ضروب المقت والهوان، من قبيل حقّ الوَطء ( Droit de jambage) الذي يُقضِّي المولى بمقتضاه الليلة الأُولى على فرايق الزوجية برفقة عروس تابعه.
ومن جهة أخرى فإن الجنس الذي يرصده (رينان) لكي يزجَّ به في غيابات أقبية عمل الرقيق (1)، سيتكشف له تحت ملامح مغايرة لما يتصوره عليه، عندما كان هذا الجنس يحمل مشعل الحضارة في عصور أُخرى.
إلا أنه يتبقَّى لنا مع هذا أن نحسم مشكلة ضروب التباين في السلوك، التي سبق أن لاحظنا وجودها ضمن وضعيات مختلفة.
فقد توصلنا إلى ثلاث نقط في هذا الموضوع، وهي:
1 -
أن التخلف هو نتيجة أو حاصل ضروب اللافعَّالية الفردية؛ فهو فقدان للفعَّالية على مستوى مجتمع معيّن.
2 -
وأن اللافعَّالية لا يمكن التخفيض منها بواسطة تكوين يقتصر تصوُّره على الإطار المدرسي وحده.
3 -
وأن مشكلة السلوك ترجع إلى الثقافة، ولكن هذه الثقافة يجب أن يتمَّ تصورها وإعدادها ضمن إطار اجتماعي يشمل سائر المجتمع، ولا يقتصر على صنف اجتماعي معين. وهذه النقطة المثالثة الناجمة عن ملاحظاتنا المتعلقة بأحداث
= إلى الاستهجان. لكن تجديد الأعراق المنحطة بأعراق عليا فتلك عناية إلهية للإنسانية.
(1)
الطبيعة خلقت عرق (الشغيلة)؛ إنه العرق الصيني ذو المهارة اليدوية المدهشة دون الإحساس بالمهانة من العمل. احكموه بالعدل فسوف يكون راضياً. ثم خلقت عرق عمال الأرض؛ إنه العرق الزنجي، كن معه طيباً وإنسانياً وسوف تجري الأمور كما ينبغي)). [ط. ف].
تجربة تمت في ألمانيا، وبتجربتنا الخاصة بالجزائر منذ خمسين عاماً، وبالتجربة التي احتكَّ بها جيلنا خلال السنوات الواقعة بين عام 1940م وعام 1944م، تثير أمامنا مشكلة الثقافة ضمن حدودها الصحيحة، وفي صورتها التالية:
- كيف يتمُّ إعداد ثقافة معينة؟
أما السؤالان الآخران:- كيف تتكوَّن ثقافة معينة؟ وما هو الدور الذي تؤدِّيه ثقافة معينة؟ أو ما هي الصورة التي تبرز فيها ثقافة معينة؟ فهما سؤالان مهمَّان، ولكنهما ليسا بالأساسيَّيْن بالنسبة إلى موضوعنا.
فالسؤال الأول يمكن أن يحظى باهتهام عالم الاجتماع في بلاد تكفَّل فيها الزمن خلال تعاقب القرون ببلورة القيم الثقافية التي تغذت منها وتشرَّبتها أجيال متوالية، بحيث تمكنت بالتدريج من تغيير عوائدها إلى آليات للسلوك.
والسؤال الثاني يمكن أن يشغل بال الناقد الأدبي أو الناقد الفني، أو أحد هواة الفلكلور إلخ
…
أما السؤال الذي يهمّنا والذي نطرحه بطريقة منهجية، فيجب أن نزيد من تحديده بطريقة نصوغ بمقتضاها في جلاء صريح موضوغ ثقافتنا ذاتها، بحيث يتعين أن يُثار السؤال في علاقته الوظيفية بهذا الموضوع نفسه، ضمن هذه الصورة:- كيف يتمُّ إعداد ثقافة متلائمة مع السلوك الفعَّال؟
لقد تأكد لنا من خلال التجارب التي سلف أن أشرنا إليها في دراستنا هذه، أن السلوك الذي ندعوه بالسلوك الفعَّال، لم يتم تشكيله داخل المدرسة لأن التعليم الفرنسي لم يمنح للجيل الجزائري الذي سبق جيل الثورة عادات الفعَّالية التي نجدها ضمن السلوك الذي شاهدناه في مواضع أخرى.
وإذن فهذا السلوك الأخير لا يتشكل على مقاعد المدرسة، ولكن ضمن مجموع الإطار الاجتماعي- الثقافي الذي يحيط بالفرد.
ومنذئذ يصبح في الإمكان أن نحدد الثقافة باعتبارها نتاجاً للبيئة. فنحن مدعوون إلى صياغة هذا التعريف في الحدود التي نلاحظ ضمنها في البلدان النامية، أن الثقافة باعتبارها مصدراً لوجوه السلوك، ليست مقصورة على صنف اجتماعي معيّن، ولكنها جميع الطبقات الاجتماعية.
فالبيئة تُعدّ إذن بمثابة الرَّحِم بالنسبة إلى القيم الثقافية. الأمر الذي يمكننا ضمن تعريف إجمالي أوَّليّ، من أن نعتبر الثقافة نفسها كبيئة مكونة من الألوان، والأصوات، والأشكال، والحركات، والأشياء المأنوسة، والمناظر، والصور، والأفكار المتفشيّة في كل اتجاه (1).
فهي بيئة تمارس مفعولها على الراعي وعلى العالم سواء. وهي الوسط الذي يتشكل داخله الكيان النفسي للفرد، بالصورة نفسها التي يتم بها تشكل كيانه العضوي داخل المجال الجويّ الحيويّ الذي ينتظمه.
فنحن لا نتلقى الثقافة، وإنما نتنفسها ونتمثلها بالطريقة نفسها التي يتم بمقتضاها تنفسنا وتمثّلنا لأكسجين الهواء.
(1) أ - مالينوفكسي في (النظرية العلمية للثقافة) قد عرفها بأنها ((سيطرة الوسط على أعضاء المجتمع)).
ب - نيتشه رآها ((وحدة الأسلوب في سائر المظاهر الحيوية لشعب)) ( IN (( تحديدات في غير زمانها))).
جـ - إن ما ينشئ ثقافة ( Kultur) عند جوت إنما هو ((تلك العادات المشتركة في الذوق والأفكار بين الفرد والوسط الذي يعيش فيه، هذه هي طرق العيش بالتفكير الجماعي التي يتشكل منها شعب طوال احتكاكه المديد بالطبيعة)).
( Cite in: «Civilisation P le mot et I'idée» publié en 1930 par le CIS)
في المعنى نفسه كونفوشيوس وضع كل ذلك في (( Li)) هذه القيم التي هي في حياة أمة ((تخلق حالة روح ملائمة، مشاركة جادة، ثقة، شروطاً لوجود متناسق في حياة أمة)). [ط. ف].
والمدرسة عامل مساعد من عوامل الثقافة، ولكننا نخطئُ في تقدير وظيفتها عندما نعتقد أن في إمكانها أن تحلَّ مشكلة الثقافة وحدها.
وهي لا يمكنها أن تقوم بدور العامل المساعد إلا في الحدود التي تندمج فيها وظيفتها ضمن الخطوط الكبرى لمشروع ثقافة، على المنوال الذي تجري فيه الآن محاولة إنجاز ذلك في إطار التعليم الجزائري الذي تواجهنا جميع مشاكله، وفي مستوى التعليم الابتدائي بالخصوص، ضمن حدود التكوين بدلاً من حدود المعرفة.
إلا أنه يتعيّن علينا على أيَّة حال أن لا نضيع فائدة تجربتنا، طوال نصف القرن الماضي، وهي المتمثلة في إدراكنا أن الثقافة تمثل ظاهرة بيئة، قبل أن تكون ظاهرة مدرسة (1).
ولكي نقوم بإعداد ثقافة يجب أن نركِّز انتباهنا على مجموع الإطار الثقافي، على المنوال نفسه الذي يتمُّ فيه إنجاز ذلك خلال بعض التجارب الراهنة، وخاصة بالجمهورية الصينية، حيث شرع في تغيير البيئة على مستوى قد يثير دهشة الملاحظ الغربيِّ أحياناً، لا سيما إذا كان قد أنِسَ الوجه التقليديّ للصين القديمة، وذلك عندما يشاهد على سبيل المثال بائع الفطائر وهو يرتدي الكساء الأبيض النقيّ، ويتناول أقراص بضاعته بملاقط من النِّيكل، وكأنه أحد أطباء الجراحة.
ولا يهمنا كثيراً إذا كانت هذه الجزئية، التي ينعكس من خلالها ذلك التحوُّل، ستدعو هاوِي الفلكلور إلى الابتسام حيالها، ولكن الذي يهمنا هو أن ننظر إليها باعتبارها مقابلاً واقعياً لتحوُّل شامل لوجوه السلوك.
(1) بيئة، محيط، ذلك الذي يحيط، وفي إطاره نتطور. إنه الوسط في تعبير علم النفس والجو في علم الطبيعة. [ط. ف].
فكل جزئية تندرج مع علامتها السالبة أو الموجبة ضمن تقويم ثقافة معينة، لأن كل جزئية تافهة أو غير مألوفة تَشيعُ داخل البيئة التي يتطور ضمنها الراعي والعالم سواء، من شأْنها أن تدعو الطفل الناشئ إليها، وتقيم معه منذ ميلاده حواراً يظل مستمراً حتى شيخوخته، بحيث ينطبع في كل حدّ من حدوده على ذاتيته، وعلى شخصيته ووجوه الإلهام الخلاقة التي تسجِّل أعظم لحظات العبقرية البشرية، كانت مرتبطة بجزئيات تبدو في ظاهرها غير ذات معنى، من قبيل: الحوض بالنسبة إلى أرشميدس ( Archimède)، والتفاحة بالنسبة إلى نيوتن ( Newton)، وآنية غليان الماء بالنسبة إلى دنيس بابان ( Denis Papin)، وفوَّارة الماء بالنسبة إلى ليست ( List).
وعلى هذا فإن مشروع ثقافة معينة، يجب أن يشمل سائر البيئة مع اعتباره للجزئية حسب علاقتها السلبية أو الإيجابية، وحسب انخراطها ضمن رصيد ثقافي فعَّال، أو ضمن ركام سالب. فمشكلة الثقافة تطرح ضمن هذا المظهر المزدوج بالذات. إلا أننا في اهتمامنا بالمنهج الذي نعتمده، لا نتناولها هنا إلا ضمن مظهرها الأول أي الموجب، تاركين المظهر الثاني السلبيّ لغيرنا من الباحثين أو لمناسبات أُخرى.
ومع هذا يتعيَّن علينا أن نلحَّ على أهمية مظهرها السلبي، وخاصة عندما يجب على أحد المجتمعات أن يشرع في التخلُّص من رواسبه البالية، وفي وضع الأُسس التي يقوم عليها نظام جديد، كما كان يفعل إبراهيم عليه السلام عندما كان يمسك بمِعْوَلِه ويحطِّم أوثان المدينة التي ولد فيها من بلاد الكلدانيين، لكي يُرْسي الدعائم الراسخة لعالم التوحيد.
فالمسألة تقوم بالنسبة إلى الجيل الذي حقق الثورة الجزائرية، في الاضطلاع بمشروع ثقافة يكون في مستوى مهامِّ الثورة، حسب ما نُصَّ عليها في برنامج
طرابلس، مع أخذه بعين الاعتبار للمشاكل النوعية الخاصة بالتخلُّف وباللافعَّاليّة (1). فقد علَّمتنا تجربتنا بالجزائر أن الثقافة لا تُسْتَورَدُ بنقلها من مكان إلى آخر، بل يجب خَلْقُها في المكان نفسه، لأن البيئة ليست إحدى لوحات الرسم التي نفكُّها من مسمار الجدار الذي عُلِّقت عليه، لكي ننقلها إلى منزلنا.
مضافاً إلى ذلك أن البيئة تقدِّم لنا عناصرها على صورة متراكمة وغير منظَّمة. ولهذا يتعيَّن علينا أن نقوم بترتيب عناصرها لكي ندرج احتشادها ضمن إطار موحِّد.
ونحن نلاحظ في احتكاكنا للوهلة الأُولى بعملية الترتيب هذه، أنها تتمُّ في الحياة الاجتماعية بطريقة تلقائية على نحو ما، في شكل أُسلوب معيَّن للحياة خاص بالمجتمع المتحضَّر، وسلوك معيّن خاص بأفراده.
ويمثل هذا تركيباً أوَّليّاً للعناصر الثقافية، ولكننا نلاحظ في الوقت نفسه وكنتيجة أُولى مترتبة على هذا التركيب المتآلف، وجود نشاط متبادَل بين أُسلوب الحياة، وبين السلوك، بطريقة تجعل أحدهما يرمي إلى الاحتفاظ بالآخر في خط مطلبه واقتضائه الخاص.
وبعبارة أُخرى فإن المجتمع يقتضي سلوكاً معيناً من الأفراد، وهؤلاء يقومون بردِّ الفعل عن طريق اقتضائهم الخاص في صورة أسلوب معيّن للحياة، بحيث يتم هذا التبادل الذي يتولَّى تعديل الإطار الثقافي بطريقة ذاتية في صورة إرغام اجتماعي من ناحية، وعملية نقدية من ناحية أُخرى.
فعندما يقوم مجتمع بدائي بوضع المحرمات ( tabous) حول تقاليده، ومعتقداته، وأذواقه، واستعمالاته، لا يكون (المحرَّم) مَدْعاةً للضحك في ذاته
(1) عندما نشرنا هذه المحاضرات لم يكن قد أعلن الميثاق الوطني بعد. [ط. ف].
- وذلك على افتراض أن هناك ما يدعو إلى السخرية في هذا المجال- ولكنه الفراغ الثقافي، أو اللاثقافة التي يقوم بالدفاع عليها، وأعني بهذا مجموعة الأسباب التي تستبقي هذا المجتمع على ما هو عليه من ركود.
أما بالنسبة إلى مجتمع تاريخيّ، فإن دفاعه عن أُسلوب حياته، هو دفاع عن شخصيته، وعن مبدأ إدماج أفراده في نطاقه، وتحديد علاقاتهم به بحيث يصبحون بمثابة التعريف به، كما يصبح مجتمعهم بمثابة المعرِّف لهم، فالإرغام الاجتماعي، والموقف النقديّ للفرد- سواء كان هذا الفرد واعظاً في جمعية إرشاد، أو صحفياً في جريدة أُسبوعية، أو شاعراً هزلياً، أو فناناً مهتماً بالجماليات، أو ناقداً أدبياً، أو ناقداً سياسياً، أو قاضياً عدلياً- هما المظهران الأساسيان لثقافة معينة في وظيفتها الاجتماعية.
ففي المجتمع المتحضر يقع كل خطأ في الأسلوب تحت طائلة النقد، ويقع كل خطأ في السلوك تحت إرغام المجتمع. وبواسطة هذه الوظيفة الثنائية الجانب يحافظ المجتمع على نقاوة أُسلوبه، وعلى الصفات المميزة لفعَّاليته. وهذه الوظيفة إنما هي على وجه الدقة وظيفة الثقافة بالذات: كما أن كلَّ ثقافة تُحدَّد في أصلها على هذه القاعدة من الضمانات المتبادلة بين الجسم الاجتماعي والفرد.
ومبدأ التبادل هذا هو الذي وضعه القرآن بصورة مجملة عند تعريفه للمسلمين على الوجه التالي: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 3/ 110].
فوظيفة الثقافة الإسلامية هي المعنيَّة في وضوح ضمن هذا الفرض الذي يرمي في جلاء إلى الدفاع عن أُسلوب المدينة المسلمة، كما أن هذا المبدأ قد تناولته السُّنة النَّبوية في أكثر من موضع، وخاصة في مَثَلِ السفينة الرمزيِّ التي يوجد على ظهرها عدد معين من المسافرين، وكان بعضهم على جسرها، في مواجهة السماء،
وهم يمثلون هنا العنصر الواضح المرئيّ من المجتمع، أي المجتمع ذاته، وبعضهم الآخر في قاع السفينة، وهم يمثلون هنا العنصر الْمُعْتم، اللامرئيَّ، والخفيَّ من المجتمع، أي الشُّذَّاذ، وضروب السلوك الهامشية.
ويقدم لنا الرسول صلى الله عليه وسلم هؤلاء الأخيرين ضمن صورة مؤامرة تواطؤوا خلالها فيما بينهم على القيام بثقب حاجز السفينة، حتى يتمكنوا من استجلاب الماء من هذا الثقب دون الصعود إلى الجسر. فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول للأولين: إذا تركتموهم يقومون بذلك، فإنهم سيهلكون وستهلكون أنتم بدوركم معهم، وإذا ضربتم على أيديهم، فإنكم ستنجون وستنجونهم بدورهم معكم.
وكل ثقافة يجب أن تتولى الدفاع عن تراثها وذلك بأن تضع أولاً بين الجسم الاجتماعي والفرد ذلك التبادر الذي يُقَوِّم الأخطاء من حيثما تأتَّتْ ومهما يكن مصدرها.
إلا أن هذه المبادلة لا يمكن أن تمارس إلا إذا تمَّ ربط الفرد بالجسم الاجتماعي؛ بالصورة التي تلتحم بها مادة البناء بكامل البناية، وذلك لكي نستعمل مرة أُخرى صورة مقتبسة عن الرسول.
ودور الثقافة إنما يتمثل على وجه الدقة في خلق هذه اللُّحمة الاجتماعية أولاً وبالذات. وبخصوص هذه الوظيفة يبدوأن الثقافات قد تباينت فيما بينها بحيث آلت إلى نموذجَيْن، متطابقَيْن مع رسالتَيْن اثنتَيْن: فقد أسست الشعوب السامية ثقافتها على احترام القاعدة المتَّبعة، أي على القيم الأخلاقية؛ أما الشعوب الآرية، فقد أقامت حضارتها على القيم الجمالية، وعلى الصورة (أو الشكل) التي بلغت اكتمالها بأثينا، حيث قامت هذه الأخيرة بدورها بنقل شعيرتها هذه إلى عهد النهضة بأُوروبا.
والراجح مما هو مشاهَد أن هناك نموذجاً جديداً بصدد التشكُّل أو هو قد
تشكَّل بالفعل، في المجتمعات التي وَسَمَتْها إرادة القوَّة بمَيسِم القيمة الفنية أو العلميَّة، حسب ما يستخلص من دراسة حديثة النشر خصصت بمجلة الأزمنة العصرية ( Les Temps Modernes) لموضوع (النمو الثقافي بالاتحاد السوفياتي).
ولكن المجتمع يحدِّد باختياره لنموذجه الثقافيِّ الخاص به، جميع شروط تطوُّره حتى منتهاه الأخير- وإن كنت أعتقد أن هذا الاختيار مرتبط بأسباب لا يلتقطها وعيُه في وضوح- ذلك أن ثقافة ما يمكنها أن تَنْتَهِيَ إلى نزعة قطعية معتمة، تستغلُّها إحدى نزعات الدروشة المرابطية، أو إلى خلاعة مطلقة العنان تحكمها إحدى الامبراطوريات الماجنات، كما تمَّ ذلك في عهد الانحلال الذي شاع تحت حكم الإمبراطورة مِسَّالين ( Messaline)، ويمكنها كذلك أن تؤول إلى كارثة نوويَّة محتملة.
والجزائر مدعوة اليوم للقيام باختيارها، ليس لكي تقدِّم محتوى لضروب التسلية الخاصة بصنف معين من الناس، ولكن لكي تعطي مضموناً للنشاطات الأساسية الخاصة بشعب يقف في مواجهة مشاكل حيويَّة.
مضافاً إلى ذلك أنها قد أصبحت على بصيرة من أمرها في قيامها بهذا الاختيار، حيث تُنير أمامها السبيل تجربتها الخاصة، وتجربة الآخرين حتى لا تعمد إلى اختيار مجْحِفٍ بقيمها الثقافية الموروثة، وبوجهاتها المفاهيمية والسياسية، ولا إلى اختيار قاصر لاقتصاره على ذاته.
وإذا كان الوفاءُ للقاعدة المتبعة، والتعلُّق بالقيمة الأخلاقية يجب أن يعملا على شدّ وحدتها الملتحمة، في ربطهما للفرد بالجسم الاجتماعي، فإن الاهتمام بالصورة (أو الشكل)، وشعيرة القيمة الجمالية، يجب أن يعملا على الاحتفاظ لأُسلوب حياتها برونقه. لأنه يتعين أن يكوّن التركيب المتآلف للحقيقة والجمال أساساً لثقافتها. فشعيرة الحق يجب أن تسود في حياة شفافة متخلصة من أوشاب
زواياها المعتمة حيث تتلاقى الأرواح الخبيثة للتآمر على أسلوبها، كما يتكاتف قُطَّاع الطرق عادة ضد أمن بلادٍ ما. وشعيرة الجمال لا يجب أن تقتصر هياكلها الخاصة على المسرح، والموسيقى أو الشعر، ولكن يتعيَّن أن تنبثَّ في سائر وجوه النشاط، حتى في طريقة زراعة (الكرنب) و (البصل) بتربة أحد الحقول.
والمؤكد أن المسرح الذي يبذل في هذه الآونة جهوداً محمودة، بمعيّة فرقتنا الوطنية الفتية، وموسيقيّينا وشعرائنا الذين توفرت لهم الموهبة، وكذلك فنوننا الفلكلورية الثمينة القيمة، تكوّن بالنسبة لنا رصيداً يجب أن يحتل مكانته المرموقة ضمن مشروع ثقافة وطنية جزائرية.
ولكن يجب أن تكون حياتنا جميعها لوحة جميلة، وأنشودة منغومة، قصيداً خلاباً، وحركة موقعة متناغمة، وعطراً متضوعاً آسراً، من مثل ذلك الأريج الذي أوحى إلى أحد المغنّين الفرنسيِّين، بتلك الأغنية التي طالما ردّد جيل الحرب لازمتها القائلة:
((ما أطيب أريجك العبق يا فرنسا!))
…
ونحن عندما نشاهد خرقاً في كساء أحد المتسوِّلين، يجب أن نشعر بوجود خرق في ثقافتنا. وعندما نسمع صوتاً ناشزاً، كضوضاء أبواق السيارات التي ترعد صاخبة في شوارعنا أحياناً، حتى لتكاد تمزق صماخ آذاننا، يجب علينا أن نحسَّ بوجود تمزّق في ثقافتنا، وبانتهاك يتمُّ عن حمق أو عن وعي ضدّ أسلوب حياتنا، وبتحدٍ لسُلوكنا.
إلا أن هذا الشأْن الشاغل ينخرط ضمن فصل من الثقافة لا يدخل في نطاق هذه المحاضرة، وربما تناولناه مستقبلاً في مبحث مستقل تحت عنوان: المعركة المفاهيمية (1). ومهما يكن من شيء، فإنه يتعين على الجزائر أثناء قيامها باختيارها
(1) انظر للكاتب نفسه (الصراع الفكري في البلاد المستعمرة). [ط. ف].
أن تأْخذ بعين الاعتبار واقعاً جديداً يتمثل في معرفة أن كل قيمة ثقافية محدَّدة في إطار وطني، قد أصبحت تمتزج من هنا فصاعداً في تيار ثقافة عالمية شاملة.
مضافاً إلى ذلك أن هذا الواقع الجديد هو الذي يفرض علينا اليوم أن نضع كلَّ مشاكلنا في حدود النسبيَّة. وإذا كنا نضع إحدى هذه المشاكل- وأعني بها مشكلة الثقافة- في حدود التخلُّف واللافعَّاليَّة، فذلك لأن المجتمعات النامية تفرض علينا سُلَّم نُمُوِّها ومعايير فعَّاليَّتها.
ويتعيَّن علينا نحن، أن نتولَّى بأنفسنا فرض المعايير ضمن وجوه نشاطنا، مع إدماجنا لمفهوم الزمن داخلها؛ إذ لا يكفي أن نقتصر على مجرد القيام بصنع شيء من الأشياء، وإنما يتعيَّن أن نتوفَّر على إنجازه في أقصر فترة ممكنة من الزمن.
فالعمل يجب أن يقترن بتَعْليلِه الأخلاقيِّ والاجتماعيّ، كما يجب أن يتَّخذ شكلاً معيّناً، وأن يكون ملبِّياً لبعض المقاييس الجمالية المعينة: وهذا يمثِّل شرطاً من شروط فعَّاليته.
وعلاوة على ذلك يجب أن يتوفَّر للعمل نَسَقُهُ الخاص أيضاً، وهذا لكي يُلَبِّي معايير الفعَّالية في عالم أصبح يسيطر فيه على وجوه النشاط من هنا فصاعداً مفهوم سرعة الإنتاج.
ولهذا يتعيَّن أن نُدْخل في تحديد ثقافة ما، علاوة على المعطى الأخلاقيِّ والمعطى الجماليِّ مفهومَ المنطق العمليِّ في الوقت ذاته.
فهذا المفهوم يجد تبريره بصورة ملموسة على نحو ما في المجتمعات النامية التي يمتدُّ فيها مبدأُ تطبيق المنهج (التِّيْلُورِيِّ) - باعتباره المنهج الذي يَعْمَدُ إلى تنظيم العمل بشكل مُنَمٍّ لمحصوله- ليشملَ جميع أشكال النشاط قاطبة. أما تبريره العام
فيتولَّى التاريخُ تقديمَه لنا، لأن التاريخ نفسَه ليس إلا تقويماً لحركات اليد والفكر، فهو لا يعدو أن يكون في حدِّ ذاته غيرَ ذلك فِعْلاً في نهاية الحساب.
وأخيراً فإن المنطق العمليَّ ليس هو على نحو من الأنحاء إلا مدخلاً للفصل الموالي من فصول الثقافة، وهو المتمثِّل في الفنِّ الصياغيِّ الذي يتعلَّق بالعمل في مستوى التخصُّص، مع العلم بأن هذا التَّخصُّص يشمل الراعي كما يشمل فنَّ العالِم سواء.
فالثقافة التي يتمُّ تصوّرها في صيغة بيداغوجية هي كل هذا جميعاً؛ فهي تركيب متآلف للأخلاق، والجمال، والمنطق العملي، والفنِّ الصياغي.
وإذ تحقِّق بلاد كالجزائر هذا التركيب المتآلف، تكون قد حدَّدت أُسلوبَها في الحياة العامة، والسلوكَ الفعَّال لكل فرد من وَطَنِيِّيها. وتكون قد خلقت في النهاية مجموع الشروط التي تُهَيِّئُها لمواجهة مشاكل التَّخلُّف. ولكي يتمُّ إنجاز ذلك يتعيَّن أوَّلاً أن تكون البلاد المتخلِّفة على اقتناع بأن تثقيف الإنسان أكثر أهميَّة من تَثْقِيف نَباتِ الأرض من قبيل زراعة البطاطس على سبيل المثال
…
ومهما يكن من شيء فإنه يتعيّن على الجزائر أن تؤول إلى حظيرة للثقافة، ومدرسة يتاح فيها لكل فرد أن يتعلَّم ويُعَلِّم، ومُخْتبَر يتمُّ فيه إعداد القيم الثقافية المتطابقة مع ضرورات النموِّ، ومُلتَقىً يتمكن الشعب داخله من إثارة قضايا الحقيقة والجمال ومناقشتها.