المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ مشكلة المفهومية - القضايا الكبرى

[مالك بن نبي]

الفصل: ‌ مشكلة المفهومية

3 -

‌ مُشْكِلَةُ الْمَفْهُومِيَّةِ

DE L'IDEOLOGIE

محاضرة أُلقيت (باللغة الفرنسيَّة) في الجزائر العاصة بتاريخ 24/ 2/ 1964م

ونشرت كاملة بجريدة الشعب (الفرنسية) في فيفري (شباط) سنة 1964م.

ــ

ص: 91

تكوِّن المفهومية بصورة عامة جزءاً من ظاهرة القرن العشرين الذي تَمَّ تعميده عند ميلاده، باسم: قرن البخار.

إلا أن العامل الفنِّي قد حوَّل منذ ذلك الحين جميع شروط الحياة البشرية، وعجَّل حركة التاريخ؛ ومن ثَمَّ أُعيد تعميد قرننا على التوالي باسم: قرن الكهرباء، ثم الطاقة الذريَّة، وأخيراً: قرن الفضاء.

ولكن هذا القرن كان يولد تحت جميع تلك المظاهر الفنيَّة حقيقة بشرية كبرى: فمفعول القوة الذي أطلق عنان الحربين العالميتين قد تمَّ وقفه بمفعوله المضادِّ، نتيجة إبرازه لبؤرة حرب عالمية ثالثة.

ومنذئذ تخلَّت علاقات القوة عن مكانها لعلاقات جديدة، راضخة لمعايير الأفكار؛ بحيث أصبحت الديموقراطية، والاشتراكية، والسلام، تمثِّل فواتح لجميع الدساتير الوطنية، وتطبع بمَيْسِمها القبلة التي يتَّجه صوبها تطور البشريَّة.

ويبدو أن هذه الأفكار الثلاثة، تصور مقدَّماً عناصر دستور شامل، وتكوِّن منذ الآن مبادئ مفهوميَّة عالميَّة، لكي تتوِّج عمل الإنسان وهو ينخرط في العهد العالمي (1).

ولكن هذه المفهومية لمّا تحقِّق بعد شروط وحدتها داخل العالَم. إذ يبدو في الواقع أن هناك ثلاث جبهات: جبهة الديموقراطية مع مواقعها الاستراتيجية في

(1) نلاحظ أن هذا المصطلح المستخلص من قبل بن نبي لأول مرة منذ ما يقارب الثلاثين عاماً في مؤلفه (وجهة العالم الإسلامي) قد ألهم فلسفة سياسية تجد أصداءها غالباً على فم الرئيس الفرنسي الحالي. [ط. ف].

ص: 93

أوروبا الغربية وفي أمريكا؛ وجبهة الاشتراكية التي يقع مركزُ جاذبيتها بالمعسكر الشرقي؛ وأخيراً جبهة السلام التي جمعت أركانها ذات مرَّة في باندونغ ( Bandoeng).

وتحت هذا المظهر العام بالذات توضع مشكلة المفهومية في العالم، مع تلك المناطق البيضاء المنبثَّة هنا وهناك للبلدان التي توجد في حالة تقاعد بالنسبة إلى المعركة المفاهيمية، أعني البلدان المتغيبة فعلاً عن المأساة البشرية الكبرى لعصرنا.

وعلاوة على ذلك فإن مشكلة المفهومية تثار على المستوى الوطني داخل كل بلاد فرضت فيها شروطها الخامة ضمن طور معين من أطوار تاريخها، أنماطاً من العمل الجماعي، أعني حيث يطرد تأثير الشروط الفنية لنشاط مشترك على مساحة جغرافية فسيحة بما فيه الكفاية، ومخطَّطة في قليل أو كثير. ودراسة هذا النشاط ترجع بنا على أيِّ وجه إلى دراسة المقومات التي يقوم عليها تركيبه.

فالنشاط الفردي الذي يمثل أحد مركبات ذلك النشاط الجماعي خاضع في حدِّ ذاته لشروط تجعله لا يستطيع التحقُّق بدونها.

فقد تعودنا بالنسبة إلى الآلة على الواقع القائم في أن عملها لا يمكنه أن يتحقق إذا نقصتها حَزْقة أو صامولة ( écrou).

ولكننا لم نُقِرَّ في ذهننا نفسَ القاعدة بالنسبة إلى العمل البشريِّ. بينما يبدو جيداً في حالات معينة، أن الإنسان تنقصه هذه (الحزقة) بالذات: حيثما فَقَد نشاطُه تَمكُّنَه من الأشياء، فكان نشاطاً رخْواً، أو هو لا يندمج بطريقة منتظمة مع النشاط المشترك للجماهير. ويمكننا أن نقول الكثير عن هذه الظاهرة التي تنطبع مؤثِّراتُها على أبعد الصور عن التوقع، وعلى أكثر الميادين تنوُّعاً؛ في موقف التلميذ مثلاً، حينما يتخلَّى عن دراسته في منتصف الطريق، وفي موقف الكاتب (الوجودي) الباحث عن معناه في هذا العالم، أو الذي يتخلى عن هذا

ص: 94

البحث كما هي الحال بالنسبة إلى (كلولن ولسن) مؤَلِّف (اللَاّمَنْتَمي)(1)؛ وبصورة عامة في كل مكان لا ينخرط فيه النشاط الفرديُّ ألبتَّة ضمن النشاط الجماعي. ففي جميع هذه الحالات يمكننا القول بأنه حَيْثُما تُفْتَقَدُ المفهومية، فإن الآلة الاجتماعية تظل فاقدة لإحدى الحزقات.

وقد أُتيح لنا في الجزائر أن نلاحظ النشاط الفردي والنشاط المشترك في فسحة زمنية قصيرة نسبياً، ضمن مرحلتين مختلفتين: طوال الثورة، وبعدها. فقد اقتادت الثورة الجميع إلى نشاط جماعي مسلح انخرط ضمنه كل فرد بنشاطه الخاص.

وعقب سنة 1962 حدث كما لو أن الثورة قد اسْتَلَّت شُعْلَتَها من نشاط الفرد؛ فنحن لكي نضطلع بالعمل على المستوى الوطني؛ وهو العمل الذي يقتضيه بناءُ حضارة، وتستدعيه مهام ثقافة، نظل نفتقد (صامولة) بالفعل.

وإذن فهذه الثغرة تضع أمامنا مشكلة سياسية واجتاعية جديرة بأن تطرح في صراحة. وهي قد طرحت بالفعل عند عقد المؤتمر الأخير للطلبة الجزائريين منذ بضعة أشهر (2).

فمن النادر أن يصارح رئيس دولة بلاده بأن قوسها السياسي ينقصه وَتَرٌ معين. ومع ذلك فقد قال الرئيس لشبيبة البلاد المثقفة المجتمعة في هذا المؤتمر: ((إننا نمتلك برنامجاً، ولكننا لا نمتلك مفهومية)). فهذا التصريح قد قضى أولاً على حكم مسبق متسلط على أذهاننا، كنا قد ورثناه عن ماض عكر، وقامت الثورة لحسن الحظ بوضع حدٍّ له.

(1) L'auteur du: «Non-engagé» ، Collin Wilson

(2)

هذا المؤتمر كالمؤتمرين السابقين نذكر تاريخه شباط 1964م. [ط. ف].

ص: 95

وقد ورثنا هذا الحكم المسبق عن ذلك (البوليتيك)(1) الذي يدفعه الْخَلْطُ إلى تسمية نفسه (بالسياسة) والذي يقوم بفَصْلِ الفكرة عن النشاط بطريقة تظل بها الأُولى عاجزة، ويظل الثاني أعمىً فاقداً للبصيرة والبصر.

ولقد ترتب عن ذلك تلك المظاهرات المناهضة للثقافة التي أصبحت تسفر عن وجهها بصورة متكررة داخل حركتنا الوطنية. إلا أن هذه النزعة ليست قاصرة على بلادنا وحدها، فقد سبق لماركس أن عرفها، ومجادلاته ضدَّ العمَّاليِّين ( Ouvriéristes) جديرة بالتذكُّر في هذا الصدد. كما سبق لسقراط أن وسم هذه النزعة في المجتمع الأثيني وقرع ممثليها بأن أطلق عليهم اسم (مفترسي الأفكار)( Idéophages) .

وإذن فالداءُ ليس وليد هذا القرن فحسب، ولا هو خاص ببلاد واحدة.

إلا أن تفكير (مفترس الأفكار) في بلادنا نحن بالذات ليس مجرد سمة من سمات سجيَّة شخصية وكفى، ولكنه علامة عامة من علائم تخلُّفنا، وخاصة في الميدان السياسي حيث تتطابق (صبيانيتنا) مع سنٍّ نفساني معين، وهو السن الذي لم يدخل فيه الطفل بعدُ إلى عالم الأفكار.

ومع تصريح رئيس الدولة نجتاز على وجه الدقة خطوة حاسمة؛ فبعد أن اجتزنا بصورة لا هي بالحسنة ولا هي بالرديئة، الطور الذي تمثل فيه (الأشياء) لدينا مقياساً لجميع المعطيات، ننتقل اليوم إلى الطور الذي تتحول فيه مراكز اهتمامنا من عالم الأشخاص، إلى عالم الأفكار.

وإذن فنحن نخرج من (البوليتيك) وندخل إلى (السياسة)، ولكن مع

(1) البوليتيك ( Boulitique) : اصطلاح شعبي محض يطلقه الإنسان الشعبي في بلدان المغرب العربي عموماً على (احتراف الدجل السياسي). (المترجم).

ص: 96

امتلاكنا لبرنامج، وافتقادنا لمفهومية (1).

وهذه الأولية التي تمت صياغتها بمؤتمر الطلبة تترتب عليها نتائج نظرية وعملية جَسيمة فهي تَسْتَحِثُّنا إلى القيام بمراجعة موقفنا العقلي، وإلى معاودة مراجعة سياستنا من جديد.

ولكن لنحدِّدْ أوَّلاً معنى مصطلحاتنا:

فالبرنامج، وليكن برنامج طرابلس مثلاً، يمثِّل تَعْداداً للمهامِّ المطلوب إنجازها.

و (الفهومية): ما عساها تكون إذن؟ إنه في إمكاننا أن نعطيها تعريفاً حرفياً لا يقدِّمنا في شيء. كما يمكننا أن نعطيها تعريفاً عن طريق المماثلة باستنادنا إلى المناهج المفاهيمية القائمة، فلا يزيد ذلك من تقديمنا في شيء، لأنه توجد بلدان يبدو لنا منها أنها تمتلك سياسة، ومع ذلك فهي لا تمتلك مفهومية؛ وهذا المظهر من شأنه أن يخدعنا في البلدان ذات الحضارة الموطدة؛ فإنكلترا على سبيل المثال، تمثل بلاداً تبدو فيها السياسة مستوحاة دائماً من اعتبارات عملية، بدلاً من أن تكون مستوحاة من اعتبارات مفاهيمية؛ ومع ذلك فقد تساوق نمو سياستها منذ قرون بمقتضى مفهوميَّةٍ إمبراطوريةٍ، وجدت في شخص كبلنغ ( Kipling) حادِيها.

وفي أيامنا هذه، يبدو لنا أن (فرنسا) تخط سياستها- بوصفها بلاداً أُخرى ذات حضارة وطيدة- حسب مجرد اعتبارات اقتصادية بسيطة. ولكن عندما

(1)((لقد كان لنا منذ البداية الشجاعة لنؤكد بأنه ليس لدينا نظرية ولكن فقط مبادئ ثابتة بحزم. لقد أكدنا بأن طريقتا ستكون طريقة التجربة والخطأ)). هذا ما قاله عبد الناصر. هذا إذن شعور منقسم ويكفينا أن نورد قول ناصر هذا لنفهم بأن القضية لا تستطيع بل لا يمكن أن تكون مطروحة على مجموعة البلاد العربية على الأقل. [ط. ف].

ص: 97

يستحدث دي غول ( De Gaulle) الفرنك الجديد، فإنه من العسير أن نؤوّل مبادرته هذه، باعتبارها مجرد إجراءٍ بسيط متعلق بالاقتصاد أو بالنظام المالي، إذ هو يمثل على النقيض من ذلك مبادرة مستوحاة بصورة مشاهدة من مفهومية العَظَمَة (1).

وبصورة عامة فإن المظهر يمكنه أن يخدعنا في البلدان المتحضرة، حيث تتولى الثقافة في كلِّيتها تحريك السياسة، كما تُحَقِّقُ في دفعة واحدة جميع شروطها النفسية- الزمنية.

والذي يجب أن نقوله هو أن هذه الشروط ليست هي ذاتها في بلاد سبق لها أن أصبحت في حالة حركة، وفي بلاد يتعين عليها أن تنتج الحركة الضرورية لكي تتغلب على جميع ضروب العطالة ( inerties) الخاصة بمرحلة الانتقال. فالجزائر تمثل بلاداً فَتِيَّة يتعين عليها أن تجد الدافع المحرك لسياستها في علاقته الوظيفية بشروطها التاريخية الخاصة؛ وبتعبير آخر، يجب عليها أن تجد بمجهودها الخاص أفضل الوسائل والطرق الملائمة لشروطها، مع علمها بأن ما يكون ممكنناً ببلاد في طور من الحضارة متقدم في قليل أو كثير، قد لا يكون كذلك دائماً ببلاد لا تزال في فجر حضارة، أعني عندما يتعين الانطلاق من الصِّفر. فكل شعب يجب أن يصنع تاريخه بوسائله الخاصة، وبأيديه ذاتها.

والتاريخ، في أي مستوى من الحضارة يتمُّ إنجازه، إنما يمثل النشاط المشترك للأشياء، والأشخاص، والأفكار المتاحة في ذلك الحين بالذات، أي في نفس الأوان الذي يُواكِب عمليَّةَ إنجازه.

(1) لقد أضحى اليوم من المعروف تقريباً اقتران اسم ديغول بعظمة فرنسا في العبير المعاصر. وقد أشار إليه بنفسه بقوة حين قال: ((أنا موجود في زمن محاط فيه من كل ناحية بالبسطاء، وينبغي علي في هذا الزمن أن أعمل بقوة من أجل العظمة)). الأمل طبعة 1970م Mémoires d'Espoir. [ ط. ف].

ص: 98

وهذا الحكم المسبَّق يجب أن نجعله قابلاً للإدراك بتطبيق طريقة التقسيم، والتحليل؛ ومن هنا يتعين علينا أن نحلل التاريخ إلى أجزائه الذَّريَّةَ، فالنشاط الفردي يمثل ضمن بعض الشروط المعيّنة:(ذرَّة) من التاريخ. ويمكننا أن نتمثله ضمن أكثر أشكاله بساطة، في صورة نشاط الصانع اليدوي المنْكَبِّ على عمله والمِقَصُّ في يُمْناه؛ أو في صورة نشاط الجندي المسلَّح بِبُنْدُقِيَّتِه في ميدان القتال.

فهذان الآدميان يصنعان التاريخ إذا تحقق لهما توفر الشروط العادية. ونحن نلاحظ في كلا الحالتين، أن نشاط العمل اليدوي أو الفلاحي أو الحربي، إنما يتم إنجازه ابتداء من حدّيْن مشاهدين هما: الإنسان وأداته؛ وإن كان الواقع أن هذين الحدَّيْن المشاهدين يُخْفِيان واقعاً أشد تعقيداً، لأن النشاط لا يتمُّ إنجازه فعلياً إلا ضمن شروط من شأنها أن تقدّم بالضرورة جواباً عن سؤالين هما:((كيف)) يكون ذلك؟ .. ، و ((لماذا)) يكون؟

فالإنسان لا يتصرف كيفما اتَّفق، ولا دونما أسباب، وإلا جازف بالاضطلاع بمهمة مستحيلة أو لا معقولة.

والنشاط البشري لا يمكنه أن يُحدَّد بمعزل عن الطرائق التي تشرط إنجازه العملي، ولا بمعزل عن بواعثه الْمُعَلِّلَة (أ)( Ses motivations) . ولذا فهو يتضن

(أ)( motivation) : يمكن ترجمتُها في حالة الإفراد (بالباعِثِيَّة)، وفي حالة الجمع (بالباعِثِيَّات)؛ ولكنني فضّلتُ ترجمتها باتفاق مع المؤلف:(بالباعِثِ الْمُعَلِّل)، تيسراً لفهمها على القارئ، على أن يُفهَم من هذا الاصطلاح هنا نفس التعريف رقم (أ) الذي وضعه له (لالانْدْ)، أي:((علاقةُ الفِعْل بالبواعث التي تُفَسِّرُهُ أو تُبَرِّرُه)).

A. «Relation d'un acte aux motifs qui L'expliquent ou le Justifient» .

ولا مانع من أن تأخذ نفسُ عبارة المصطلح العربي- ولكن في مجال آخر- معنى التعريف رقم (ب) الذي وضعه (لالاند) لنفس المصطلح، أي:((بيانُ البواعث التي يقوم عليها قرارٌ ما)). B. «Exposé des motifs sur lesquels repose une décision» . راجع:

Vocabulaire technique et critique de: la philosophie par. André Lalande. (1962) . P. 658

ص: 99

بالضرورة مُحْتَوىً فكريًّا يتلخَّص فيه كل التقدم الفنيّ والاجتماعي، والأخلاقي لمجتمع ما. ولا ريب في أن (ماركس) كان يشير إلى ذلك بطريقة أخرى عندما قال:((إن ما يميِّز في دفعة واحدة أسوأ المعماريين عن (النَّحْلَة) الأكثر خبرة، هو أن المعماريَّ يبني الْخَلِيَّة في دماغه قبل أن يَبْنيها داخل قفير النَّحْل، وأن عمله يفضي إلى نتيجة كانت سابقة الوجود فكريّاً في مخيِّلته)).

وأعتقد أن هذا التحليل الماركسي للنشاط لا يزال غير كافٍ في حدود المعنى الذي لا يتعلق فيه بغير الطريقة التي تشرط إنجازه العملي؛ فهو يسكت عن ذكر (الباعث الْمُعَلِّل) القائم في المحتوى الفكري، بينما الباعث المعلّل بالذات هو الذي يحدد على وجه الدقة الطابع الاجتماعي أو اللَاّاجتماعي ( Anti -social) للنشاط؛ فالصانع اليدوي ومِقَصُّه يمكنهما أن ينجزا عملاً فنيّاً، أو أن يقوما بتحطيمه، والإنسان وبُنْذُقِيَّتُه يمكنهما أن يدافعا عن المجتمع، أوأن يهدِّدا أَمْنَه.

وإذن فمشكلة الباعث المعلِّل داخلة بالضرورة ضمن مشكلة النشاط الفردي أو الجماعي. ففي إمكان النشاط أن يصنع المجتمع أو أن يقوم بتقويضه، وذلك حسب العلامة المقترنة بباعثه المعلِّل.

إلا أن نشاط المجتمع المشترك لا يتكون في بساطة من مجرد مجموع النشاطات الفردية، حتى ولو كانت هذه الأخيرة من نفس الجنس، وحتى ولو كانت متحدة كلُّها في نفس الاتجاه؛ إذ يجب أيضاً أن يتمَّ تنظيمها في كنف النشاط الإجمالي حسب مخطَّط تنظيمي ( Organigramme) يتولى تحديد فعالية هذا النشاط. فهذا (التنظيم) للنشاطات الفردية بالذات في كنف نشاط إجمالي مشترك هو الذي يضع على وجه الدقة مشكلة المفهومية.

لأن (العمل الصالح) و (العمل الصالح) لا يَنْضافانِ إلى بعضهما البعض بالضرورة، بل ويمكنهما في بعض الحالات المعينة حتَّى أن يُلْغِيا بعضَهما البعض.

ص: 100

فنحن قد تعوَّدنا الدقة البالغة التي يمتاز بها (النمل) أثناءَ قيامه بعمله، عند أداء كل (نملة) لعملها الخاص على حدة؛ إلا أن (النمل) يبدو لنا أحياناً عندما يتشكل في مجموعة أنه قد ضلَّ سبيله حتى لكأن غريزته تعوزه في هذا الحين بالذات، حيث نراه على سبيل المثال منهمكاً حول فريسة يحاول كما هو الشاهد أن يسحبها إلى مسكنه، ولكن بما أن كل (نملة) تمضي في سحب الفريسة إليها، فإن الذي يحدث فعلاً هو أن الفريسة تظل باقية في مكانها لا تَريم.

وإذن فالعمل المشترك يستلزم بالضرورة: تنظيم وتنسيق جميع المعطيات، وخاصة جميع الأفكار التي تنهض بالنشاطات الفردية.

وهذا هو السبب الذي يجعلنا نرى اليوم في الميدان الديني على سبيل المثال: انعقاد مجمع في (روما) يتمثل موضوعه في تنظيم (النشاط المسيحي) بطريقة لا تؤدِّي (بنشاط صالح بروتستانتي)، و (نشاط صالح كاثوليي) إلى أن يُلْغِيا بعضَهما البعض.

والواقع أن هذا الموقف المتخذ من طرف الفاتيكان ( Vatican) للبحث عن مفهومية مسيحية، يعني تطوراً مزدوجاً؛ تطور الوضعية الدولية التي تنتقل من طور التسلح الذريِّ، إلى طور التسلح المفاهيمي؛ وتطور المسيحية نفسها، التي أصبحت تجابه تحدِّياً جديداً في عالم ينتقل من (الاستعمار) إلى (تصفية الاستعمار)؛ فالنشاط المسيحي إذا تعذَّر عليه الاستناد من هنا فصاعداً إلى الحجج العسكرية أو التأييدات الإدارية في عالم يتمُّ فيه (نزع الأسلحة النوويَّة) و (تصفية الاستعمار)، يتعين عليه لا محالة أن يبحث عن وسائله الجديدة

وهذا هو المشكل الذي يوضع حالياً (بالفاتيكان)؛ فالمجمع المنعقد (بروما) مدعوٌّ حسب كل احتمال لإيجاد وسائله الجديدة ضمن مفهومية ملائمة للطور الجديد من النشاط المسيحيِّ

ص: 101

ومن جهة أخرى فإن التجارة نفسها سيعرض لها مثلُ هذا التحوُّل؛ بل لقد عرض لها ذلك بالفعل، حيث لم تعد (باريس) و (لندن) توفدان أيّاً كان من (السَّماسِرَة) الأغنياء بالأقوال المنمَّقة المعسولة لتقديم بضائعهما في البلدان (الأفريقاسيويَّة)، ولكنهما أصبحتا توفدان أشخاصاً موهوبين بحس تجاريٍّ حادٍّ ولا ريب، كما أنهم مزوَّدون برصيد وازنٍ من الأفكار كذلك. وضمن هذا الاتجاه تُعَدُّ زيارة الدكتور شاخت ( Dr. Schacht) إلى الجزائر العاصمة منذ بضعة أشهر، علامة من علامات الأزمنة.

وإذن فإن الجزائر تجابه اليوم: مشكلة الأفكار على مستوى النشاط المشترك لجماعة وطنية في مرحلة معينة من تاريخها.

فقد توصل الشعبُ الجزائري إلى الاستقلال من خلال ثورة كَهْرَبَتْ جهدَه البطولي طوال سبع سنوات، التحمت خلالها جميعُ (النشاطات الفردية) دونما تحفُّظ ضمن الانطلاقة الثورية.

وقد كانت الأشياءُ مكتفيةً بنفسها على نحو من الأنحاء، بقدر ما كانت تلك (الانطلاقة) توفِّر للنشاطات الفردية بواعثَها المعلِّلَة (من حيث كانت تفرض على العموم- وعلاوة على ذلك- ضروباً من السلوك البسيطة بما فيه الكفاية) كما توفر في ذات الوقت الباعثَ المعلِّل لنشاط مشترك مسلح، قائم على محورِ هدفٍ بسيط، مُفرَدٍ ومُحَدَّدٍ هو: الاستقلال.

ولقد تمَّ اليوم بلوغ ذلك الهدف. وفي الحدِّ الذي فَقَدَ فيه (النشاط المشترك) على نحو من الأنحاء باعثَه المعلِّل المعتاد، حدث عندئذ ما يشبه الانحسار في النشاط الفرديِّ الذي انسحب من النشاط المشترك، مِمَّا نتج عنه ظهور النزعات الفردية كَرَّةً أخرى في نفس الحدود التي لم يَعِ فيها الشعبُ الجزائري بعدُ البواعثَ المعلِّلة لنشاطه المشترك الجديد.

ص: 102

فوجوه الإهمال في بعض المصالح، والمخالفات أو التَّعَدِّيات التي نلاحظها في بعض ضروب السلوك الفردية يمكنها أن تُفسَّر باعتبارها أعراضاً لهذه النُّقلة بين المرحلة الثورية وما بعد المرحلة الثورية.

ويُعزَى الباقي في جانب منه على الأقل إلى قصور في (التَّرويض) الإداري لموظفينا، وفي (التَّرويض) المدنيِّ على وجه العموم. ويمكننا أن نضيف إلى هذا الواقع النصيبَ الْمَعْزُوَّ إلى (الميكيافيليَّة). فالاستعمار قد ارتحل، ولكنه ترك لنا أَنْسالَهُ الصغار الذين ما انْفَكُّوا يُعْرِبونَ لنا عن وجودهم بواسطة تلك الحوادث المؤسفة من قبيل حوادث (وَهْران).

وعلى هذا النحو أصبح الشعب الجزائري يواجه تحدِّياً جديداً، هو: تحدِّي استقلاله.

فنحن عندما نشاهد جزائريّاً قليلَ الاكتراث بدفع الضرائب المستحقَّة عليه، أو مواطناً يهمل العمل الذي يجب عليه إنجازه، أو يرفض أن يراعيَ نظاماً نافذ الفعول بحجَّة أننا لم نعد (مستعمرين) الآن، فإننا نرى في هذا علامة للأزمة الصبيانية التي نجتازها، أي علامة لذلك الهبوط الخطير في الطاقة الكامنة الذي يشير إلى أن المجتمع بصدد استرجاع أنفاسه بعد المجهود الكبير الذي بذله، حتَّى ينخرطَ في المرحلة الموالية.

وفي هذه الآونة يوجد بالجزائر فراغ مفاهيميّ في نفس الحدِّ الذي لم يَعِ فيه الشعب الجزائري بعدُ بما فيه الكفاية البواعثَ المعلِّلة الجديدة لنشاطه المشترك، أو بصورة أصرح، في الحدّ الذي لم تجد فيه بعدُ المهامّ المعدِّدة في (برنامج) طرابلس جذورَها داخلَ روحه بصورة كافية.

ويمكن تلخيص هذه المهامّ على هذا الغرار:

ص: 103

فهي تتمثل في تصفية راسب العَسْفِ المتخلِّف عن العهد الاستعماري؛ ومجموع ضروب العطالة التي ندين بها إلى القابليَّة للاستعمار؛ وفي الاضطلاع بالبناء الاشتراكي؛ وفي توجيه البلاد صوب قِبْلَةِ مُنْتَمَى جماعتها التاريخيَّة المغربية، والعربية، والإسلامية.

أما الجهد الثوري فلا يجب أن يَتَباطأ، ولكن يتعين أن ينمو في علاقته الوطيفية بتأخُّرنا: ذلك أن المشاكل التي تبقى معلَّقة لا تظل في حالة عقم؛ بل هي تضاعف إنْسالَها.

والواقع أنه يجب علينا اليم أن نجابه مشاكل (قصورنا) قبل الاستقلال، ومشاكل (بلوغنا) بعده.

فالمشاكل لا تكتفي بالتضاعف فحسب، ولكنها تتعقَّد بمظاهر نفسانية جديدة. فمن وجهة النظر الأُولى، يكون من السهل أن نفهم ذلك في بساطة عندما نأخذ في اعتبارنا مجرد العامل السُّكَّانيِّ الذي يَبْهَظُ جميع مهامِّنا الاجتماعية في كل عام أكثر من الذي سبقه بأن يقرن بها مُعامِلاً مضاعفاً.

أما من وجهة النظر الثانية، فإن المهام تتعقد في علاقتها الوظيفية ببعض العقد الجديدة، وذلك على سبيل المثال عندما تصبح كلمة (الاستقلال) مبرراً لبعض ضروب الإهمال التي تُثْقِلُ بعبئها الوازن على سَيْرِنا. إلا أنه يتعين على المجتمع في الساعات الخطرة أن يقوم بقفزة يتخطَّى بها الهاوية، أو أن يخرج من التاريخ ويتخلَّى عن مكانه لمجتمع آخر. فبعد موقعة (آليزيا)(1) تعيَّن على المجتمع الغالي ( Gaulois) أن يترك مكانه للمجتمع الروماني.

(1)( Alésia) : هي الساحة المحصنة (الغالية) التي حاصر فيها يوليوس قيصر ( Julius Caesar) القائد الغالي فرسنجيتوريكس ( Vercingétorix) سنة 52 ق. م، ثم أخذه أسيراً، بعد اضطراره إلى الاستسلام، حيث اقتاده إلى روما، وأعدمه عقب ستّ سنوات من الأسر. (المترجم).

ص: 104

وفي مثل هذه الفترات يجب أن توضع المشاكل ضمن حدود جديدة، ذلك أن التحديدات الأساسية يعاد وضعها موضع الاستفهام من جديد.

فعندما يجد المجتمع نفسه أمام محنة حاسمة من مِحَنِ تاريخه لا يستطيع التفوُّق عليها بواسطة العمل الذي يتمُّ تصوره ضمن المعايير المعتادة، فإنه يكون مرغماً آنَئِذٍ على قلب هذه المعايير، وعلى إعطاء (العمل) تعريفاً ثوريّاً. وعندما يتعين على المرء القفز فوق الهاوية، يكون مرغماً على تمديد طاقته الكلية للقيام بوثبة؛ وعندئذ يصبح العمل كلَّ طاقة الشعب المحتشدة في نشاطه المشترك لاجتياز محنة حاسمة. وفي مثل هذه الفترات لا تتمثل المسألة في العمل من أجل مجرد العيش، ولكن من أجل البقاء.

والواقع أن النساءَ الجزائريات اللَاّتي وَهَبْنَ حُلاهُنَّ في السنة الماضية، قد أطَعْنَ أوامِرَ مثل هذا العمل الحافِز، بِخَلْقهِنَّ لِجَوِّهِ المفاهيميِّ.

فالحِليَةُ التي وُهِبَتْ قد لا تكون ذات أهميَّة من حيث قيمتها المادِّية، ولكنها تتضمن قيمة رمزيَّة، إنها إسهام المرأة التي قَدَّمَتْها في النشاط المشترك. وهي بهذا الاعتبار تحملُ فعَّاليَّة المشْحَذ ( Catalyseur) الْمُسَرِّع للطاقة الوطنية المجنَّدة في عمل حافز. فقد رأينا بالنسبة إلى مجتمع آخر كيف استطاعت ألمانيا الْمَنْزوفة الدماء سنة 1945م، أن تدهش العالم بنهوضها العجيب من جديد سنة 1955م، كما سلف أن بَيَّنَّا ذلك في محاضرة سابقة.

وهذه الأعجوبة لم تحدث من تلقاء نفسها، ولا بطريق الصدفة: إنها نتيجة للعمل التطوُّعي، المتمثِّل في ذلك (العمل الآليِّ) الذي انخرط فيه الشعب بأكمله، حيث قام كل ألماني- سواء أكان رجلاً، أو امرأة، أو طفلاً- بتقديم ساعتين إضافيتين من العمل إلى وطنه وهذا الرَّأسمالُ الضخم المتجمع من ساعات العمل هو الذي صنع تلك العجزة.

ص: 105

فنحن نشاهد هنا، ضمن مثال ملموس، كيف لا يكتفي النشاط الفردي في الساعات الخطرة من التاريخ بمجرد المضاعفة من حِدَّتِه فحسب، ولكنه ينخرط (طوعيّاً) كذلك في النشاط المشترك لأُمة كاملة يُنْهِضُها الحكماس في قَوْمةٍ واحدة عقب أخطر هزيمة لها في تاريخها (1).

كما أن (المفهوميَّة الألمانية) هي التي أحدثت هذا الحكماس، وقادت الشعب الألماني إلى حظائر الشغل كما يقود النشيد الوطني الفيالق إلى ميادين القتال.

لأن (المفهومية) يجب أن تكون أولاً وبالذات: النشيد الذي يقود عمل الشعب بأسره، فهي الصوت الحادي الذي يضبط إيقاع مجهود الأمة، وهي تنادي الجماعة بِـ:(هَبَّا ارْفَعْ!) لكي تتضافر على إنهاض مصيرها إلى أعلى (2).

فالعمل المشترك يستدعي إيقاعاً ووزناً يُوَتِّران الجهود الفردية، ويُفْرِغانِها في الوقت نفسه داخل الجهد الجماعي.

وتقدم لنا أغاني المجذِّفين السود على أنهار إفريقيا، تلك التي تواكب مجاذيفهم في ارتفاعها وانخفاضها لدفع الزَّوارق بمزيد من السرعة، أبسطَ صورة

(1) هذه ليست المرة الأولى التي تجد فيها ألمانيا في ذاتها جوهر العوامل الملائمة لنهوض سريع. في فترة أخرى من تاريخها عرفت كيف تصل إلى نهاية التجربة حين بدا أن الأرض قد مادت من تحتها، فالتاريخ حفظ ذلك الخطاب السامي لفريدريك جيوم الثاني:((ينبغي على الدولة البروسية أن تعوض بطاقتها الروحية قوتها المادية التي فقدتها)). [ط. ف].

(2)

يمكن أن نقارب بين المفهومية ( L'ideologie) عند بن نبي، والتوافق ( Concord) عند شيشرون. فالكاتبان استوحيا الاستعارة ذاتها. إنها الغناء، النغم.

فشيشرون في معالجته لموضوع (الجمهورية) في (الكتاب الثاني الفصل العاشر السطر 11) كتب يقول: ((ما يسمى في الأغنية نغماً يسمى توافقاً في المدينة. لا يوجد في الجمهورية صلة أكثر قرباً ولا ضمانٌ أكثز تأكيداً للسلام كالتوافق)).

وفي سرده لكيفية ولادة المدينة الرومانية، أوضح المؤثرات الناشئة عن سيف روميلوس ديانة نوما Numa في ولادة المدينة حيث قال: ((من كثرة تائهة ومبعثرة

برزت مدينة)).

ص: 106

للعمل المشترك؛ كما تمثِّل تلك الأغاني الحانية لِنَواتِيِّ نهر الفولغا ( Volga) التي ترافق انهِماكَهُمْ في سحب الحبال الجاذبة للقوارب، صورة مُفْصِحَةً أخرى للوضع نفسه الذي ينتظم العمل البشري عندما يُنَفَّذُ بأيدٍ عديدة.

وفي حالة ألمانيا تتَّحد المفهومية من حيث هَوِيَّتُها مع الثقافة الألمانية ذاتها، وهي ثقافة (الأنا) و (الإنسان الأعلى) لكلٍّ من فِخْتَهْ ونِيتْشَه ( Fichte et Nietzsche). ويمتلك العمل في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية نشيده كذلك، وهو النشيد الذي أدَّى بعمال السكك الحديدة في موسكو سنة 1921 إلى التطوع بتقديم ساعات إضافية، كما شحَذَ هِمَّة الأودارنيكيِّين ( Oudarnikis) فانقضُّوا على البريَّة ورَوَّضوها، ثم اسْتَحَثَّ الستاخانوفيِّين ( Stakhanovistes) لذلك الكدح الجبَّار الذي تَوَّجَهُ غاغارينْ ( Gagarine) بغَزوِ الفضاء

وقد كانت للمجتمع الإسلامي الوليد نفسُ الهِمَّة عندما كان يسمع نشيد الإسلام الفتيِّ في أعماق روحه، ذلك النشيد الذي كان يسوق الأبطال إلى ميادين القتال، أو إلى حظائر الشغل سواء.

فقد كان (عمَّار بن ياسر) بطلَ الشُّغل الذي سمع هذا النشيد في غور روحه، عندما كان يحمل صخرتين بدل صخرة واحدة لبناء المسجد الأوَّل للإسلام (بالمدينة).

إلا أن هذا النشيد الذي يقود الشعب، عندما تتعلق القضيَّة بمصيره، إلى ميادين القتال أو إلى حظائر الشغل، لا ينبعث من العدم، أو من مجرد ارتجال أدبيٍّ أو موسيقيّ، ولا حتى من صرخة الألم التي يطلقها إنسان جريح؛ فهذا النشيد لا يمكن أن ينبعث إلا من روح الشعب ذاتها، من تقاليده، ومن تاريخه، ومن كل ما يجعل عمَلَه أو نضالَه مقدَّساً في ناظرَيْه.

ص: 107

ويتعيَّن عليَّ أن أُشير هنا إلى قضية فرانز فانون ( F. Fanon)، مع كل التأثُّر والتقدير اللَّذيْن يسْتَشْعِرُهُما كلُّ جزائريٍّ عند ذكر هذا الاسم. فعمل فانون - الذي سوف يبقى في نظرنا ذا قيمة لا تُقَدَّر- لا يقدم ولا يمكنه أن يقدم نشيد النِّضال والعمل للشعب الجزائري، لأنه لا يغوص إلى الجذور العميقة من ذاتية هذا الشعب، ولا هو يعانق كُلِّيَّةَ موضوعيَّته الاجتماعية والتاريخية؛ فالنشيد الذي يحشد طاقة الشعب، كما يحشد المكثِّفُ الشُّحنة الكهربائية، لا يمكنه أن يتشكَّل على سجلٍّ أجنبيٍّ، حتى في مجرد تعبيره الفنيِّ أو الموسيقي أو الأدبي؛ لأن عملية تركيبه تتمُّ داخل روح الشعب أولاً، لكي يُتَرْجَمَ فيما بعد ضمن فكر إنسان يكوِّن جزءاً من تلك الروح الجماعية.

فليس رفاق (غاندي) من الإنكليزيِّين- أمثال: بيرسن والآنسة سلاد ( Pearson et Miss Slade) - هم الذين ألَّفوا النشيد العظيم الذي اقتاد الجموع الهنديَّة إلى (التحرير)؛ ولكن (المهاتما غاندي) نفسه هو الذي جمَّع جوهره من ذات روحه الْمُفْعَمَة بحَمِيَّة الهند. كما لم يكن أمريكيّاً ذلك الذي ألَّف النشيد الوطني الفرنسي المدعوّ بالمارسيليَّة ( La Marseillaise) أو نشيد تجمُّع العمال الثوريِّين المدعوّ بالدُّوليّة ( L'Internationale)؛ والمؤكد أن (فانون) يمثل الموسيقي العظيم القادر على استخراج أصفى النبرات الثورية من الروح الإفريقيَّة، فقد كان فنُّه رائع الحكمِيَّة، كما كانت شبَّابته تقدم أحياناً أشجى الألحان الثوريَّة وأشدَّها إثارة للعواطف؛ ولكن سجله الشخصيّ- البالغ الخصب من جوانب أُخرى- كان يفتقد اللَّمسة التي تهزُّ الروح الجزائرية، وتصلها بذلك الرَّعْش المقدَّس الذي دفع بالشعب الجزائري إلى النضال المحرَّر، والذي يتعيَّن اليوم أن يدعم انطلاقته الثوريَّة إلى حظائر الشغل والعمل.

وإننا لنظم (فانون) نفسه، عندما نجعله- كما أُريدَ به ذلك- يلعب دور

ص: 108

صاحب النظرية الثوريَّة الجزائريَّة؛ فلكي يتكلم المرء لغة شعب معين يجب أن يقاسمه معتقداته: وقد كان (فانون) إنساناً مُلْحِداً.

ولكنا سَنَظْلِمُه كذلك إذا ما نسينا أو قلَّلْنا من قيمة دوره في تشييد مفهوميَّة إفريقيَّة، ففي هذا الميدان يمثِّل (فانون) كُلاًّ متكاملاً، لأنه يحمل في روحه: كلَّ روح إفريقيا، وكلَّ تاريخها، وكلَّ مأساتها.

ومن ناحية أخرى فالمفهومية التي يجب أن تحمل الانطلاقة، يتعين عليها كذلك أن تحمل مبدأ نظاميّاً؛ فقبل أن يُرَوِّض المجتمعُ الطبيعة، يتعين عليه أن يروِّض نفسَه، حيث ينصاعُ إلى القاعدة، وينضبط مع المعيار الضروري للعمل المشترك.

صحيح أنه لا مَعْدى عن الطاقة التي تَمْهَرُ بها الطبيعةُ كلَّ فرد لإنجاز المهامِّ اليوميَّة؛ ولكن هذه الطاقة إذْ تُحرَّرُ دونَما اشتِراطٍ تكون مُكْتَسِحَةً مُجْتاحَةً، بحيث تقوِّض النظام، وتلتهم الانضباط، وتحطم القاعدة والمعيار، وتجعل العمل المشترك مستحيلاً.

ومن هنا يجب أن تُصَدَّ هذه الطاقة بحواجز، وأن تَتِمَّ تَقْنِيَتُها؛ أو هي- إذ نستخدم المصطلحات البافلوفية ( Pavloviennes) - يجب أن تُرْضَخَ (لِمشْروطِيَّةٍ) تجعل منها طاقة مخصَّصة للمرامي الدقيقة التي يستهدفها مجتمع بصدد بناء كيانه.

فمشكلة الحرِّيَّة إنما توضع ضمن هذه الحدود الدقيقة، وليس ضمن حدود اعْتِباطِيَّة.

ذلك أن حريَّة (القِرْد) يمكنها أن تكون كليَّة دون أن تضرَّ بمصلحة النَّوع (القِرَدِيِّ)، ولكن حريَّة (الإنسان) لا يمكنها أن تكون مطلقة إلا مقابل فوضى غير متلائمة مع جميع ضرورات التنظيم الاجتماعي، والنظام العام.

ص: 109

وقد جاءَت كلُّ الديانات- وأعني هنا جميع المفهوميَّات الدينية- لترويض الطاقة الحيويَّة للإنسان، وجعلها مخصَّصة للحضارة. وبناءً على ذلك يضع الدين الحرية الفردية بين حدود عمل المجتمع، ومقتضيات الحرية الخاصة بهذا المجتمع.

والتشريعات المدنية نفسها لا يمكنها أن تُخِلَّ بهذا المبدأ دون أن تعرِّض للخطر نظامَ المجتمع في الداخل، وكرامَتَهُ في الخارج.

وتتمثل خاصِّيَّةُ المفهومية السياسية في ترسيخها لمثل هذا المبدأ بقرارة الفرد، بطريقة تجعله يدرك كيف ينخرط في حريَّة: بحريَّته ونشاطه الفرديَّيْن داخل حرية المجتمع ونشاطه المشترك (1) وحرية بلاد ما إنما تُشادُ مع مثل هذه التَّقييدات للحرية الفردية؛ ثم يَتَبَقَّى لهذه البلاد أن تختار جنسَ هذه التقييدات وذلك إما بفرضها عن طريق الإكراه الحكوميِّ (الذي يقدِّم مصلحة الدولة على ما عداها)؛ وإما بترسيخها في الأفراد عن طريق تربية كل فرد بصورة تجعل سلوكه راضخاً لمراقبة وازِعِه الأخلاقي الخاص.

وقد أعرب الشعب الجزائري عن وجهة نظره في هذا الموضوع بتَبَنيهِ للمبدأ الديمقراطي في دستوره؛ ولذا يجب على التربية الوطنية أن تُفْهِمَ الجيلَ الفَتيِيَّ أن دربَ الحريَّة يمرُّ بين أقصى طرفين هما: المحافظة المفرطة، التي تفضي إلى تحجُّر الفكر داخل الغشاوة السياسيَّة، وتعمّد (عدم المحافظة) بطريقة منهجيَّة، مما يؤدِّي إلى فوضى الأشخاص، والأشياء، والأفكار، وبالتالي إلى انفجار الإطار السياسيِّ.

(1) أتى أحدهم يوماً وسأل ( Yenorate) عما علمه لطلابه فأجاب: ((علمتهم أن يعملوا بأنفسهم ما يلزمهم به القانون)) (عن الجمهورية لشيشرون. Cète in) بالنسبة لمنتسكيو (الفضيلة السياسية) هي ((أن يذهب المرء للخير العام وهو يعتقد أنه يذهب من أجل مصلحة الخاصة)) (الكتاب الثالث الفصل السابع روح الشرائع). [ط. ف].

ص: 110

ففي إحدى الحالين: نصل إلى نموذج من المجتمع المُتَراصِف النَّضْدِ، العاجز عن التقدُّم كما كان المجتمع الهندي والمجتمع الصينيُّ طوال قرون طويلة؛ وفي الحالة الأخرى: نؤول إلى نسق من المجتمع الْمُذَرْذَرِ (الْمُفَكَّكِ الذَّرَّات) كما كان المجتع العربيُّ الجاهلي، مجتمعاً عاجزاً عن الاضطلاع بنشاط مشترك، وبالتالي محكوماً عليه بأن يَقْبَعَ على هامش التاريخ.

ومن وجهة النظر النفسانيَّة، يجب أن تُبَيِّن تربيتُنا كذلك أنَّ خطَّ سَيْرِ نشاطنا الشخصي أو الجماعي يجب أن يَمُرَّ بين ذُهانَيْنِ ( Deux Psychoses) يبدو أنهما يَنْتابانِ سائر البلدان الإسلامية، وهما: ذُهانُ (الشيء السهل)، الذي لا يستدعي أيَّ مجهود، والذي يَسْتَمِيلُنا إلى الكسل؛ وذُهانُ (الشيء المستحيل) الذي يجعلنا نحم مُسَبَّقاً ومن أول وهلة بأنَّ النشاط فوق مستوى وسائلنا، مِمَّا يفضي بنا على هذا المنوال إلى الشَّلَلِ التَّام.

فمُهِمَّةُ تربيتنا الشَّعبيَّة والمدرسية، إنما تتمثل في تبْصيرِها لنا بأن: ليس هناك (شيءٌ سهل) ولا (شيء مستحيل)، وإنما لكل مشكلة واقعية حلها الذي تنحصر القضية في تطبيقه بالجهد الذي يستلزمه.

لقد حان الأوان لكي نتحرَّر من جميع ضروب العطالة التي توقف الجهد، ومن سائر أعذار العطالة التي تُبَرِّرُ كَسَلَنا.

وإنه لمن المستحسن أحياناً أن نعيد التفكير في تجربة غيرنا عندما تكون قابلة للتطبيق على حالتنا نحن، لكي نكيِّفها مع شروطنا الخاصة.

وضمن هذا الاتجاه نرى أن التطهير النفساني الذي استخدمَهُ النظامُ الصِّينيُّ الحالي أثناءَ بداياته، لا يخلو من بعض الفائدة إذا ما اسْتُعْمِلَ في مجتمع مُعَقَّد ينطوي على الكثير من (الْمُرَكّبات النَّفسية) القائمة في العديد من ضروب الْخَجَلِ المكبوتة؛ فقد فهم المسيِّرون الصينيُّون مدى صعوبة تحقيق الوحدة

ص: 111

الأخلاقية والإرادة الجماعية داخل بلادهم دون القيام بتصفية عُقَدِها المخجلة، تلك العقد التي لا يقبل المواطنون الإقرار بها، والموروثة عن النظام السابق، عندما كان الصينيُّ يُخْضِعُ مواطنَه لكي يَبْتَزَّهُ، أو هو يَتَّجِرُ على كاهله مع الاستعمار.

فقد كانت مثلُ هذه العُقَد تقيم بين المواطنين ضمن النظام الجديد تُخوماً أخلاقية يزداد مَحْذورُها بالقدر الذي تتمكَّن فيه ضروبُ الخجل المكبوتة تلك من الإفصاح عن ذاتها في بساطة بالارتكاس الْمُتَمَحِّضِ إلى (الجريمة)، أو بموقف من المغالاة الاعتباطية التي تُقَنِّعُ عمليَّة (تَعْويضٍ) مُجْحِفَةٍ بانسجام العمل الاجتماعي. فالإدماج المتكامل لجميع المواطنين داخل الجماعة يستدعي إلغاءَ تلك التُّخوم؛ ولقد أدرك المسيِّرون الصينيُّون ذلك، ولذا فتحوا حملة النَّزاهة الشهيرة، التي قدَّمت لكل مواطن صينيٍّ فرصة الإقرار بأخطائه الماضية، وإراحة ضميره من عبء إثْمٍ كان يُرْضِخُهُ لِضَغْطٍ داخليٍّ لا يُحتَمل، جاعلاً منه شخصاً فاقد الصَّلاحية بالنسبة إلى النشاط المشترك.

ولقد ورثت الجزائر عن العهد الاستعماري ما لا يُسْتَهان به من جِنْسِ هذه العُقَد؛ وإنه لمن الحكمة أن نفكِّر في أنَّ ضروب الارتكاس إلى (الجريمة)، ووجوه المغالاة الاعتباطية المؤذية، تظل ممكنة الحدوث ما لم تتمَّ تصفيةُ العقد المخجلة داخل مجتمعنا. ويمكننا القول بأن هذه العقد هي التي كوَّنت (رأس المال) الذي استثمره الاستعمار في جهازنا الإداري لكي يَسْتَبْقِيَ داخله ثغرات ملامئة لنشاطه المباشر، أو أسباباً للاختلال يمكنها أن تُبَلْوِرَ استياءَ من تتولَّى الإدارة شؤونَهم.

ومن ناحية أُخرى فإن هذا التطهير النفساني لا يمثل ابتداعاً صينيّاً محضاً، إلا في شكل نشاطه العمومي، ومن حيث غاياته السياسيَّة.

فقد سبق أن مارسه المجتمع المسيحيُّ بشكل آخر، ولغايات مغايرة، فيما يُعْرَفُ عنده (بكرسيِّ الاعتراف).

ص: 112

ولقد مارسه المجتمع الإسلامي الوليد كذلك، لغايات تطهيريِّة في تلك الضروب الذائعة الصيت من (الإقرار بالذَّنب، أو الإعلان عن الخطيئة) من مثل اليوم الذي اعتقد فيه الخليفة (عمر) أنه قد أثْمَلَتْهُ نَشْوَةَ السُّلطة، فما كان منه إلا أن استدعى (الصحابة) وجمعهم حذو المِنْبَر، ليعلن أمامهم ما مُؤدّاه: أنه لم يكن شيئاً مذكوراً، بل هو أقلّ من اللَاّشيء؛ وأنه لا يعدو كونه مجرد راعي ماشية جعل منه الإسلام خليفة. وهكذا كان (عمر) العظيم الذي نعرف مدى حساسيته الأخلاقية المتوفِّرة، أوَّلَ من فتح طريق (النقد الذَّاتي)(1).

ففي جميع هذه الحالات الخاصة، أو العمومية، سواءً أتَمَّتْ لغايات أخلاقية، أو سياسية، تتمثل القضية في تطهير نفساني يتكفل بإدماج الفرد، ومُكامَلَتِه أخلاقياً في قلب جماعة من المواطنين أو المؤمنين.

والملاحظ أن مشكلة المكاملة الاجتماعية للفرد، تمثّل مشكلاً قائماً على وجه العموم في (جزائر) ما بعد الثورة.

فقد تمَّ تفكيك المجتمع الجزائريّ من طرف الاستعمار بمقتضى المبدأ الرُّومانيِّ الذَّائع: (فَرِّقْ تَسُدْ)!

ولقد دَحَرَتْ البِنائِيَّاتُ الاستعمارية الفردَ وألْجَأَتْهُ إلى الحياة من أجل ذاته؛ بل ولقد بلغ الأمر ببعض الأفراد أن نَما لديهم: (خُلاعُ الاحتكاك) بالآخرين، ( Phobie de Contact) ، حتى جعلهم يقضون على أنفسهم بالانعزال والانزواء، الأمر الذي يحملهم أحياناً على الانقطاع الاجتماعي التَّام في نفس كنف أُسْرَتهم الخاصة

وهكذا تم تجريد الأفراد من إنسانيَّتهم، وانْتُزِعَ منهم حتَّى مجرد انْتواء الاحتكاك البشريّ-، بحيث مات المجتمعُ في قرارة طواياهم.

(1) ليس النقدُ الذاتي ( Autocritique) مجرد النَّجْوى المحدودة التي نقوم فيها بمُسارَّةِ الزَّميل الْمُجْتَبَى ضمن خلوة حَميمة؛ ولكنه الإعلان المشهود عن الخطأ على رؤوس الملأ. (المؤلف).

ص: 113

ولقد تَمَّ بعثُ المجتمع الجزائري من جديد كمجتمع، بفضل الثورة التي أدَّتْ بالأفراد- وأعني أغلبيَّةَ الشعب- إلى إقامة صلاتهم الاجتماعية لخدمة القضيَّة الوطنية، إما في نطاق المقاومة المدنية التي بلغت حدَّ الرَّوْعَة، وإما ضمن النشاط المسلَّح الذي بلغ ذَرْوَةَ البطولة (1).

ولكن ابتداءً من وقف إطلاق النار، اتَّضَحَ أن الفردية قد ولدت من جديد، ضمن تلك الحالات العديدة التي جدَّد فيها الفردُ شَجْبَ روابطه الاجتماعية لكي يَنْقَضَّ على إحدى الوظائف التي تُدِرُّ دَخْلاً دونما كبير عمل، أو لكي يَجْتازَ إحدى الملكيَّات الشاغرة؛ ولقد فَصَمَ التسابق على المغنم الشخصيِّ على نحو من الأنحاء عُرَى الروابط التي أنشأها (مَوْثِقُ) الثورة الوطنيَّة (2).

ومن أجل الحقيقة التاريخيَّة يجب أن نضيف إلى ذلك أن أعضاء (الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية) هم الذين أعطوا المثال بأن كانوا القدوة الْمُحْتَذاةَ لهذا السِّباق المُنْهِكِ المِتْلاف! ..

(1) نفس الاعتبارات قادت شبنجلر ليعرف مفهوم (الشعب) هكذا: ((الشعوب ليست وحدات لغوية سياسية أو حيوانية ولكنها واحدات نفسية. بالنسبة لي؛ الشعب إنه وحدة الروح. إن سائر الأحداث الكبرى في التاريخ لم تكن تماماً عمل الشعوب، ولكنها أنشأت تلك الشعوب. إن العمل يؤثر في روح فاعله. لا الوحدة في اللغة ولا التحدر من أصل واحد أمور فاعلة في هذا الإطار. فالذي يميز الشعب من الجمهور هو دائماً الحدث الداخلي لـ (نحن) فكلما كان هذا الشعور عميقاً كان هناك حتماً القوة الحيوية للمجتمع)) [آفاق التاريخ العالمي؛ الجز الثاني للعمل الذي ترجمه الجزائري مهند تزيروت نحو عام 1930م تحت عنوان (أفول الغرب)]. وقبله فيخته La Philosophie Toutoiius) Fiehte) كتب بان ليس العرق ولا الجغرافيا ولا اللغة هي التي أنشأت ني البداية العلامة الفارقة لأمة إنها (الفكرة الغيبية)(رسالة) قد حددت الانتماء لأمة. وهكذا يرجع فيخته (الجنسية) الألمانية إلى سائر الذين ينضوون في خدمة فكرة (رسالة) حتى ولو كانت هذه الأخيرة ليست ألمانية تماما. [ط. ف].

(2)

((أحياناً يحلمون بأن يصبحوا أبطالاً إنهم الآن عابثون)) هكذا تكلم زرادشت، بهذه الطريقة أنَّب نيتشه الأبطال التعبين، والذين ينتهون إلى الوقوع في مزايا الحياة السهلة دون قضية، ولا الرغبة في الذهاب أبعد ما يمكن. [ط. ف].

ص: 114

فقد تخلَّى البعضُ عن مشروع كامل في طرابلس، حيث لم يُستكملْ بعدُ حتَّى مجرد تحرير (البرنامج)، والتحقوا (بتونس) لترتيب (شؤونهم الشخصية)، والتفرُّغ لاسْتِتْمام (تشكيلاتهم) قبل أن يضعوا أقدامهم على أرض الوطن في لَبوس المحرِّرين وبادر البعضُ الآخر إلى السَّبْق باجتياز خَطِّ موريس ( Ligne Morice) فركضوا حثيثاً إلى قرية (بومرداس)(1) لمباغتة ما يقدرون عليه من سُلْطَةِ دَوْلَةٍ لم يكن مولدُها سوى مجرد احتمال، أو هي لَمَّا تخرجْ بعدُ من أقْماطِها في جميع الأحوال، دون أيّ اكتراتٍ بما إذا كان هذا السلوك الْمُسْتَغْرَبُ في بابه سوف يؤدِّي إلى قتل الوليد الغَضَّ في مهده! ..

وعندما اشْتَمَّ بعضُ الذئاب أثناءَ مغادرتهم للمقاومة بالأدغال رائحة الوليمة (الزَّرْدَة) تحدَّروا من الجبل إلى المدن لاغتصاب كل ما يقدرون عليه: محطة إرسالط إذاعية هنا، ومَبْنًى إدارياً هناك!

وعلى النقيض من ذلك اتَّجه بعضُ الضِّباع في بَزَّةِ (الْحَرْكِيِّين) أو زِيِّ المدنيِّين صوب شعاب الجبل لكي ينحدروا ثانية من هناك في صورة أبطال، بعد أن أَنْسَوْا غيرهم أنهم قد شبعوا حتَّى البِطْنَة طوال سبع سنوات ممَّا نهشوه من لحم الشعب وما امتصُّوه من دمائه! ..

ونحن نعلم بقية القصة، وكيف ألقى الشعبُ بنفسه تحت تأثير قَرَفِه وتقزُّزه، دونما سلاح في قلب الاشتباك (أو الزَّحْمَة) لكي يسدَّ الطريق في وجه عصبَّة الولايات ( Le Wilayisme) .

لقد قيل: إن الْحكم هو التَّبَصُّر. و (الحكومة المؤقَّتة للجمهورية

(1)( Rocher Noir)( الصخرة السوداء)، وهو علم القرية بالفرنسيّة، أما الشعب فيسميها (بومرداس). (المترجم).

ص: 115

الجزائرية) لم تكتف بعدم التبصُّر بالوضعيَّة التي تَلَتْ وَقْفَ إطلاق النار فحسب، ولكنها استحثَّتْ قيام هذه الوضعيَّة بسلوك أعضائها.

أجَل! إنها لم تتَبَصَّر عواقبَ هذه الوضعيَّة، وهو واقع لا نزاع فيه؛ ولكننا عندما نعيد مراجعة الاطراد المتساوق الذي اقْتادَنا إلى ذلك، نكون محولين على القول بأنها لم تكتف بالتعجيل من خَطْوِها فحسب، ولكن بلغ بها الأمرُ حَدَّ خلق هذه الوضعيَّة أثناءَ مرحلة سيادتها.

فحتى اليوم الذي فَزِعَ فيه هؤلاء (المحرِّرون) إلى (بومرداس) للاستيلاء على النُّفوذ، لم تكن لِتَدورَ برؤوسهم سوى فكرة واحدة وهي: احتلال الجزائر من جديد بقدر إجلاء الاستعمار لقوَّاته الخاصة، وذلك حتى لا تتاح للشعب الجزائريّ أيَّةُ إمكانية لمحاسبتهم على تسييرهم للبلاد.

ففي (القاهرة) وفي (تونس) لم تكن مشكلةُ الثورة لتُثار بالنسبة إليهم في حدود (التَّحرير) ولكن في حدود احتلال جديد.

وكان الشعب هو الذي اضطلع بأعباء التحرير مع قوات (جيش التحرير الوطني) المنخرطة في النضال حَقّاً وواقِعاً.

لأن جيش التحرير الوطني نفسَه، قد انْتابَهُ هذا العملُ المفَكَّكُ من طرف الحكومة المؤقَّتة للجمهورية الجزائريَّة، التي كان كلُّ عضو فيها يريد أن يضمن لنفسه ثُلَّةَ من هذا الجيش لاستخدامها في اجتياح إقطاعيَّة خاصة. فالتَّفَكُّك الذي برز لوضح النُّور منذ الوهلة الأولى التي تَلَتْ وَقْفَ إطلاق النار، قد وجد أصلَه البعيد في هذا العمل التَّقسيميِّ الذي قام به أعضاءُ الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية قبل إبرام (اتِّفاقيَّات إيفيان) بوقت طويل جدّاً. وهؤلاء هم المسؤولون في نهاية الحساب عن ذلك الانفجار الذي حاقَ بالوحدة المعنويَّة للبلاد في شهر جويلية (تموز) سنة 1962، أو عن تخريب هذه الوحدة على

ص: 116

الأقلِّ. فالذي حصل هو أن الجماعة الوطنية التي انصهرتْ ولُحِمَتْ في نار الثورة، قد فُتِّتَتْ وذُرْذِرَت من جديد في مضمار السِّباق على المنفعة الشخصيَّة.

لقد خلق الشعب بنفسه مفهوميَّتَه الخاصة طوال سنوات الثورة، باستثماره فيها لجيع قِيَمِه الأخلاقية، تلك القِيَم التي جعلت نضالَه مقدّساً في نظره الخاص ولكنَّ مفعول هذا التقديس أخذ يتدهور شيئاً فشيئاً تحت تأثير طوفان جَرَّافٍ من انتهاك الحرمات، وتدنيس المقدَّسات؛ فالأشخاص الذين استلموا سُكَّانَ القارب وَدَفَّتَهُ عقب حادثة السطو على الطائرة التي كانت تُقِلُّ (بن بلَّة) من (الرباط) إلى (تونس)، كانوا أبعد ما يكون عن تقدير الأهمية السياسية لهذا الانحطاط الذي ساد الجوّ الأخلاقي، وخاصة بالنسبة إلى حقبة ما بعد الثورة، أعني في الطور الجديد من المعركة الشعبية.

وإن مسيِّرينا في تلك المرحلة الذين لم (يفكِّروا) - بالمعنى الدقيق للكلمة- في أي مشكلة من مشاكل الثورة، لا يمكنهم من باب أَوْلى أن (يفكِّروا) في المشاكل العامة التي كانت متوقَّعة في الجزائر عقب الثورة؛ وبالتالي فهم أبعد ما يكون عن الانشغال بوضع مشكلة (مفهوميَّة) ما بعد الثورة.

تلك هي الوضعية الحالية للمسألة.

فالمشكلة التي توضع اليوم أمام شعبنا، وأمام حكومتنا، إنما تتمثَّل في تجديد الموثق (أو الحلف) القابل للاضطلاع من جديد بإقامة الوحدة المعنوية للأُمَّة، والنهوض كَرَّةً أخرى بالطاقات التي انْتابَها التَّخاذُلُ والتَّقاعُسُ لفترة معينة من جرَّاء الاستقلال.

إذ يتعين على الشعب الجزائري أن يستأنف سَيْرَهُ مجدَّداً نحو مَرامِيَ جديدة؛ كما يتعيَّن على هذه المقاصد أن تمدَّه بالبواعث المعلِّلَة الجديدة لنشاطه المشترك، و (بالقاسم المشترك) الذي سيعضد سائر النشاطات الفردية: سواء منها

ص: 117

نشاطات المهتمِّ بالشؤون الفكرية، أو نشاطات التاجر، أو العامل، أو الفلاح. فقد تَقَشَّعَت اليوم الهالةُ التي كانت تحجب بِطُفاوَتِها المشاكل الملموسة عن عيون الشعب الجزائري أثناءَ الثورة، كما جُرِّدَت المشاكل من ظُلامَتها المضَلِّلَة.

ومن هنا فصاعداً يجب أن يُسَمَّى القِطُّ قِطّاً، بحيث لا يجب أن يوجد ألبَتَّة أمام أنظار الشعب الجزائري مُثَقَّفون زائفون، وأبطال مصطنعون، ومشاكل مفتعلة؛ إذ يجب البدءُ أولاً بتصفية مشاكل الاستقلال الطُّوباويّ (أو الخياليّ) الذي تركت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية سَطْوَتَه تَنْمُو وتتفوَّق على بعض الأذهان في بلادنا؛ حتى لقد أصبحنا نلاحظ في أيامنا هذه وجود علائم قائمة قَلْباً وقالباً للتَّخاذل والتراخي في بلادنا كما لو كان يتعيَّن على (الاستقلال) أن يحلَّ جميع مشاكلنا العموميَّة والخصوصيَّة بطريقة آليَّة؛ بينما يجب علينا أن نفهم أن قطاعنا العمومي بالخصوص لا يزال يَحْيا على ما تركه لنا المستعمر بعد رحيله؛ وعندما يُسْتَنْفَذُ هذا الرَّأسمال، فما عسانا نصنع إذا كانت الضرائب لا تدخل الخزينة، وإذا أهمل الموظَّف أو المستخدم واجبه؟

فالمعدَّات المتنقلة من شبكة السكك الحديدية على سبيل المثال ماضية إلى النَّفاد على مَرْأى من أبصارنا، لأنه قد تمَّ إهمال صيانتها كما هو المشاهد؛ وذلك مع إغفالنا للحديث عن تكرار عدم مراعاة جدول المواقيت على خَطٍّ حديديٍّ هام مثل خط قسنطينة- الجزائر العاصمة

وإذن فإنه من المقتضيات الملحَّة أن نعيد التفكير في مشاكل البلاد، على ضوء إدراكنا لكون المشاكل القائمة في مرحلة ما بعد الثورة إنما هي مشاكل (البنْيَة القاعِدِيَّهَ)، أعني مشاكل: الإنسان، والتراب، والزمن، وأنها هي التي يجب أن تُثار قبل غيرها؛ كما يجب أن نُوجِدَ (القاسم المشترك) لحلولها؛ وهذا القاسم المشترك إنما يتمثَّل في المفهومية التي يجب أن تكوّن (حِلفاً) بين الأشخاص، و (فَنّاً) صِياغِيّاً تجاه الأشياء، و (مَنْهَجاً) على صعيد (الأفكار).

ص: 118

فمن الناحية التاريخيَّة تَمَّ خَتْمُ (موثق) الجماعة في دم المليون ونصف المليون من الشهداء.

ومن الجانب الرمزيِّ تُرْجِمَ هذا الموثقُ في البادرة الجميلة التي قامت بها النِّساءُ الجزائريَّات عند تطوّعهنَّ بِمَنحِ حُليّهنّ من أجل إعادة تشييد البلاد.

ومن الزاوية السياسيَّة كان الرئيس بن بلة هو الذي أطلق صيغته المتمثلة في: الاشتراكية، والعروبة، والإسلام؛ وهي الصيغة التي ستوحّد الشعب الجزائري ضمن نشاطه المشترك الجديد، حيث أنها مسجلة في ميثاق الأمَّة.

وهذه الكلمات الثلاثة تعرّف في دفعة واحدة المحتوى المفاهيمي لعمل الشعب الجزائري المشترك، كما تحدِّد بالتالي الطرائق التي تشرط سير هذا النشاط وبواعثه المعلِّلَة كذلك؛ وبعبارة أحرى فإن جميع المسائل المتعلقة بخط سيرنا السياسي في شكل السؤالين:(كيف يكون؟) و (لماذا يكون؟)، يتعين أن تجد أجوبتَها ضمن هذا المحتوى المفاهيميِّ.

وعلى وجه التخصيص فإن (برنامج) طرابلس إذا كان قد تولَّى تَعْدادَ المهامِّ المطلوب إنجازها، وكان علينا أن نتساءَل:(كيف؟) لنا أن ننجزها، تكون الاشتراكية هي الجواب الصحيح عن سؤالنا.

فالواقع أن الاشتراكيَّة تقع في مستوى العمل المشترك، كما تمثِّل أكثر الطرق فعَّالية لإنجاز العمل. وتتأتَّى فعَّاليتُها في نفس الوقت من (كَيْفِيَّتِها) باعتبارها (فَنّاً صياغِيّاً) اجتماعيّاً مُطَبَّقاً على الجماعة الوطنية ككُلٍّ؛ ومن وجهة النظر النفسانيَّة باعتبارها عاملاً لإدماج النشاط الفرديِّ ضمن النشاط المشترك بصورة متكاملة. فهي من ناحية تجنِّد إلى الحدِّ الأقصى أشخاصَ المجتمع، وأشياءَه، وأفكارَه؛ ومن ناحية أخرى تمنح جميع هذه المعطيات (مُعامِلاً) مضاعِفاً للفعَّالية، من حيث إنها تعطي للشخص البواعثَ المعلِّلَة القوية، وللشيء أفضل

ص: 119

شروط استخدامه، وللفكرة دَوْرَها وأفضل طرق استعمالها.

فالاشتراكية قد نَمَتْ كطريقة للإنتاج والتوزيع مع التقدم الفنيِّ والمعنوي لمجتمع القرن العشرين؛ فهي النتيجة العاديَّة التي أفضى إليها التطور الاجتماعي الذي بدأ في القرن الأخير مع وسائل الإنتاج الضخم والمواصلات السريعة.

وفي ميدان النظام السياسي يمثِّل حدثُها تكريساً بسيطاً لنَسَقٍ من الأشياء تكوِّن وجوده في نطاق الوقائع منذ الآلة البخارية.

وعندما تختار بلاد كالجزائر الطريق الاشتراكية من أجل تنميتها لنفسها، فهي تسجل ببساطة نتيجة ذلك التطور ضمن مفكّرة أعمالها اليومية السياسيَّة.

وعندما تأمر هذه البلاد بإلغاء الامتيازات، فهي تصدِّق رسميّاً وفي بساطة على واقع يجعل هذه الامتيازات غير قابلة للاحتمال، ويتمثل هذا الواقع في أن المسافات الثقافية بين الأفراد قد تضاءَلت بالقدر الذي بلغت فيه (الرسالةُ الإنسانية) بطريقة أسرع، وإلى مدىً أبعد.

واليوم، فإن الطبيب، والصانع اليدويّ، يعكفان خارج نطاق مهنتهما، على المشاكل نفسها في المدينة، أو البلاد باأكملها، أو العالَم.

لقد كان الشهيد (يوسف زيروت) حدّاداً؛ فمن هم الذين قاموا بالثورة، هل هم أمثالُه، أم هم بعضُ المصابين بالْهَوَسِ الفكريِّ ( Intellectomanes) من أعضاء الحكومة المؤَقَّتة للجمهورية الجزائرية؟!

أجل! لقد تلاشت المسافات الثقافية بين الأفراد، تاركة كلمة (الطَّبَقَة) توشك أن تكون خالية من المعنى، إلا في جانب واحد هو جانب الامتيازات؛ ومن جراء هذا الواقع أصبحت المسافات الاقتصادية غير قابلة للاحتمال قَلْباً وقالباً بين الآدميِّين.

ص: 120

ولهذه الأسباب مجتمعة، بالإضافة إلى أسباب أخرى كثيرة، وجب علينا أن نختار الطريق الاشتراكيَّة لتنمية أنفسنا.

ولكن: في أي اشتراكية تتمثَّل القضيَّة؟ ..

لقد تكرَّر ورود هذا السؤال كترديدة مرجَّعة للحياة السياسيَّة الجزائريَّة منذ الاستقلال؛ ونحن نشعر أنه يحمل نقطة استفهام خطيرة داخل ضمير الشعب؛ ولذا يجب علينا أن نقدِّم بعض التوضيحات: فقد ولدت الحركة الاشتراكية في الغرب مُتَّسِمَة بطابع تقاليد عقلية تبلغ من العمر ألفين من السنوات؛ ومنذ عهد لوكريس ( Lucrèce) لم يكُفَّ التيار العقليُّ هناك عن نَقْلِ فكرة (مادِّية النزعة) التي يبدو أنها لا تقبل الانفصال عن العبقريَّة الغربيَّة.

وعندما التقت هذه الفكرة بالظاهرة الاجتماعية في القرن العشرين، فإنها لم تَتَوانَ في طبعها بخاصيتها المميَّزة؛ بحيث آلت الاشتراكية والمادِّية إلى الالتحام داخل نفس القالب من التصور. ومنذ ذلك الحين كان كل تصور شائع للاشتراكية في أوروبا يمثِّل حَتْمِيّاً تصوُّراً ماديَّ النزعة. فالمعارك التي كانت تتَّخذ شكلاً (مناهضاً للنزعة الكاثوليكية) في عصر الإصلاح مثلاً، اتَّخذت في القرن التاسع عشر شكلاً مناهضاً للدِّين بصورة عامة في العالم الاجتماعي. ولكن العوامل التاريخيَّة التي لعبت دوراً حاسماً هنا وهناك كانت هي ذاتها؛ فكارل ماركس كان سيتكلم لغة مارتن لوثر ( Martin Luther) لو أنه عاش في عصره؛ وخلال بعض انتقاداته الموجَّهة للكنيسة تهبُّ نَفْحَةٌ نشعر أنها تكاد تكون (لَوْثَرِيَّة)

ولكن في الجزائر، حيث لا تتدخَّل نفس العوامل النفسيَّة- التاريخيَّة، لا يوجد أيُّ سبب أو حجَّة للْخَلطِ بين الاشتراكية والماديَّة.

ص: 121

علاوة على أن معنى اشتراكيتنا قد حُدِّد بما فيه الكفاية عن طريق حَدَّيْ مذهبنا المفاهيمي المتمثِّليْن في: الإسلام، والعروبة.

فكل سياسة لكي تُعْرِّفَ نفسَها كسياسة جزائرية، يجب أن تظلَّ وَفِيَّةً لينابيعها الروحيَّة، ولرسالة الشهداء، وموثق الأحياء.

ذلك أن السياسة التي لا تمتلك جذورها داخل روح الشعب، لا يمكنها أن توجِدَ نشاطاً جماعيّاً لأنها تكون عاجزة عن مَدِّ النَّشاط الفرديِّ بأسمى بواعثه المعلِّلَة. ولا ريب في أن بول فاليري (1) ( P. Valéry) قد أراد الإشارة إلى هذا المظهر من الأشياء عندما قال:((كلُّ سياسة تنطوي- وإن كانت تجهل بصورة عامة أنها تنطوي- على نزعة غَيْبِيَّة كاملة، تبدأُ من الحسيَّة الأشدَّ غلظة، إلى النزعة الروحانيَّة الأكثر إقداماً))

ومهما يكن من أمر، فإن الشعب الجزائريَّ هو الذي صنع الثورة؛ وكان الفلَاّح هو الذي حمل عِبْئَها قبل العامل، والمهتمُّ بالشؤون العقلية؛ فقد كانت الثورة في الواقع ثورة فلَاّحين لا بمجرد عدد شهدائها فحسب، ولكن بروحها كذلك.

وقد بدأت الثورة بمفهومية جدَّ بسيطة تتلخَّص في كلمة واحدة هي: (الاستقلاأل). وكان الفلَاّح الجزائري هو الذي أعطاها محتوى مفاهيمياً، في عبارات جدَّ بسيطة. وقد وضع فيها شعوره بالتضحية، وبالقِرى (أو كرم الضيافة)، وشعوره بالمقدَّسات؛ وهو الذي جعل منها معركة (مقدَّسة)؛ حيث لم يقم بذلك لا المهتمُّ بالشؤون العقلية، ولا حتى العامل الذي كان مُنْبَتَّ الجذور في قليل أو كثير عن أصوله الروحية والاجتماعية.

(1) P. Valéry ( نظرات من العالم المعاصر) ص 99 Regards sur le monde actuel P 9. [ ط. ف].

ص: 122

وقد كان الفلاح يناضل من أجل استقلال الجزائر، وهو على وعي بأنه شخص عربي وإنسان مسلم. وإذن فههنا تتمثَّل (رسالة) المليون ونصف المليون من شهدائنا الذين بذلوا حياتهم من أجل الوطن؛ وههنا يقوم معنى (الموثق الوطني) الذي كتبوه بدمائهم.

إلا أنه يتعين علينا هنا أن نطرح سؤالاً آخر:

ما هي النزعة الإسلامية التي يجب علينا أن نُدْرِجَها في منهاجنا المفاهيمي؟

فعلى الصعيد الاجتماعي، لا يَنْصَبُّ الحكم على قيمة غَيْبِيَّة، وإنما ينصبُّ على نشاط إنسانيٍّ؛ ونحن نلمس هنا كرَّةً أخرى عن طريق المراجعات، وجود ثغرة تُعْزَى للنهضة الإسلامية التي وضَعتْ بطريقة ضمنيَّة مشكلة متعلِّقة بالإيمان في مكان هي غير مثارة فيه؛ فالمسألة لا تتمثَّل في تلقين أو في إعادة تلقين المسلم عقيدتَه؛ ولكنها تتمثَّل في إعادة تلقينه استخدامها وفعَّاليتَها في الحياة. إلا أن المصلحين قد أغفلوا وضع هذه المشكلة.

ومن وجهة النظر الاجتماعية تجابهنا الظروف التاريخية بمأزق أحياناً، بحيث يتعين علينا أن نختار بين التمسك بحرفية الدين، أو بروحه، ما دام التمسك بروح الدين لا يضيع جانباً جوهريّاً منه؟

ولقد جابه (عمر بن الخطاب) ذات مرة مثل هذه الحالة التي وضعته إزاءَ هذا المأْزق بالذات. فقد أدَّى القحط الذي تفشَّى في بداية عهد حكمه، والذي يسمِّيه المؤرِّخون (بعام الرَّمادة)، بأحد مواطني (المدينة) إلى سرقة الخبز لكي يقتات. وكانت هذه الحالة واضحة في نظر الفِقْه؛ حيث يجب قطع يد السارق. ولكن الخليفة العظيم في تعلقه بروح الدين بدلاً من حرفيَّته، أطلق السارق، وقدَّم له مع ذلك نصائحه حتى لا يقع ثانية تحت طائلة العقاب، مع تمويله بالزاد الضروري لحياته في انتظار ظروف أفضل.

ص: 123

وكان (عمر) بعمله هذا قد فتح للفقه الإسلاميِّ طريقاً يحسن بنا أن لا ننساه.

واليوم يمرُّ العالم الإسلاميُّ بأزمة من تاريخه تجعله يواجه مثل هذا المأزق في كل خطوة من خطاه؛ والغالب على الموقف المتزمِّت أنه لا يقتصر على الإخلال بالاقتصاد أو بحفظ الصحة فحسب، فالتزمُّت يخلق في حدِّ ذاته موقفاً معادياً للإسلام بصورة عامة.

وفي هذه الأيام يقوم بالجزائر عراك ناشب بين الإسراف في التزمُّت الذي يدَّعي أنه يمثِّل الإسلام، وبين الإلحاد الذي يعتقد أنه يمثِّل التقدُّم.

وعلى أية حال، فإن رسالة شهدائنا وموثقهم يمثِّلان الينبوعَ الذي يتعين على سياستنا أن تستقيَ منه روحانيَّتَها.

وإذن فإن الرئيس بن بلة عندما صاغ سياسته في ثلاث كلمات هي: الاشتراكية، والعروبة، والإسلام، كان قد التزم بالوفاء لأرواح شهدائنا، وبالإنصاف والعدالة تجاه ورثتهم. وقد عمل على هذا النحو بالسياسة الحقيقية، في استخدامه لبرنامج معين، واستقائه من الينابيع الروحانية لمفهومية معينة.

وهكذا نحقِّق الشرط الأول السياسي والنفساني لتناول مشاكل (البنْيَة القاعديَّة). ويمثل الإصلاح الزراعي الذي سبق له أن تقدَّم أشواطاً في طريقه، خطوة جدِّيَّة نحو حلِّ هذه المشاكل، من شأنها أن تفتح الطريق للمرحلة الثانية من مراحل نموِّنا الاجتماعي، وهي مرحلة التصنيع التي نحن بصدد الشروع فيها هي الأخرى، وخاصة في ميدان النَّفط

ولكن إذا كنا نحتاج في جميع هذه الأطوار إلى سياسة واضحة لاحِبَة، وإلى مفهوميَّة ركينة وطيدة، فإنه يتعين علينا كذلك أن نمتلك أفكاراً فعَّالة باعثة. ومشكلة الأفكار توضع ضمن نفس الحدود تقريباً، في سائر البلدان الإسلامية.

ص: 124

فالمستشرق الإنكليزي، الأُستاذ جيب ( Gibb) ، يتَّهم الفكر الإسلاميَّ (بالذَّرِّيَّة)؛ ولهذه التهمة أساس من الصحة، ولكن مع احتراز معين: إذ يجب أن تُوَجَّه هذه التهمة ليس ضدَّ الفكر الإسلامي ذاته، ولكن ضدَّ تفكير مسلم القرن العشرين.

فقد عانى المسلم على العموم مؤثرات تقهقر المجتمع الإسلامي منذ بضعة قرون؛ فهو الإنسان الذي خرج من حضارة، وكابَدَ مؤثِّرات هذا التَّقَهْقُر حتى من وجهة النظر الذِّهنيَّة. وهذا الإنسان لا يزال في السنِّ النَّفسانيَّة المتطابقة مع (الأشياء)؛ وفي هذه السِّن يكون المجتمع مجرَّداً من ثقته في (الأفكار)(1)؛ فالفكرة لا يتمُّ تَقْييمُها لديه كوسيلة للنشاط الاجتماعي، أو السياسي، أو الاقتصادي، باعتبارها الشبكة العقلية التي يُنْسَجُ عليها هذا النشاط، وإنما هي مجرد حِلْيَة للفكر الْمُتَمَيَّز، وترف زائد

وعالم ما بعد العهد الْمُوَحِّدِيّ يمثل عالَماً ذا بُعدَيْن هما: الشَّيْءُ، والشخص؛ فهو عالم فاقد لبُعْدِ الفكرة

والاتِّصال بيننا لا يتمُّ عن طريق الأفكار؛ وحتَّى الرسائل التي نتخاطب بها إنما نكتبها بلغة (الأشياء)، أي بكلمات جاهزة للاستعمال تَماماً، حسب الآوِنَةِ والظَّرْفِ ونحن نعرف ما يجب أن نقوله في الزواج وفي الدَّفْن، أو في الانتخاب، ما دام (الانتخاب) مرادفاً (للتّويزة)(ب)، أي ما بقي يمثّل شيئاً تقليديّاً.

(1) انظر أكثر تفصيلاً حول هذا المفهوم (وجهة العالم الإسلامي) و (شروط النهضة) للمؤلف نفسه.

(ب)(التويزة) كلمة جزائرية شعبية، تعني التضافر المشترك على أداء خدمة لمن يحتاجها، كواجب خيريّ محض ودون مقابل. ومن بين صورها في القرية: تجمع الفلاحين في موعد محدَّد، مع جميع لوازم ووسائل العمل الضرورية، لحراثة وبذر أرض مواطن مُعْوِز في موسم الحراثة؛ أو لحصاد غلتها له في موسم الحصاد، تطوعاً ودون مقابل؛ مع العلم بأن هذا المواطن لا يملك =

ص: 125

ولكننا لا نعرف ما الذي يجب أن نقوله أمام مشكلة جديدة تستدعي توفُّر الأفكار. وحتى فيما بين (العقول المتميّزة) فإن التجربة تظل عَصيَّة التَّبليغ في صورة رموز فكريَّة، وفي لغة مكتوبة. فنحن لكي نقتنع لا بدَّ وأن تُقَدَّم لنا التجربة برمَّتِها على نحو من الأنحاء، كأن تكون فوق طَبَقٍ من الأطباق؛ أما ترجمة هذه التجربة ضمن رموز فكريَّة فتجعلها بعيدة عن مداركنا، قاصرة عن إقناعنا. وكما هي الحال بالنسبة إلى (القِدِّيس توماس)(1) الذي كان يريد- لكي يؤمن بمعجزة القيامة- أن يَلْمَسَها بيديه، فإن طريقتنا في الفهم، تعدُّ أحياناً طريقة لَمْسِيَّة، بدل أن تكون عقليَّة. ولهذا فإن الاستعمار يمتلك على الصعيد السياسيِّ أهْوَنَ لُعْبَة وأيْسَرَها لبلوغ أغراضه؛ إذ ليس له إلا أن يجعل لعبته غير قابلة لِلَّمْسِ، حتى نكون منذئذ عاجزين عن فهم أيّ شيءٍ منها. وإن الاستعمار ليدرك ذلك جيداً.

= باستثناء رقعة الأرض، لا البذور، ولا الماشية، ولا المعدّات اللازمة لحراثتها وبذرها أو حصادها؛ حيث يتضافر أهل القرية على تقديمها له جميعاً بالإضافة إلى جهدهم. كما نجد لها صورة أخرى في تضافر أهل القرية على بناء سكن لمواطن معْوز أعزب يعتزم الزواج؛ واشتراكهم في تأثيثه باللوازم الضرورية بعد تشييد بنيانه على نفس المنوال السالف، تطوّعاً ودون مقابل. ومن هنا يدرك القارئ مدى القيمة والدلالة الأخلاقية الجسيمة لهذا التقليد الاجتماعي الإيجابي. وتمثل عملية الانتخاب البرلماني- أو هي يجب أن تمثل- من حيث دلالتها النظرية وتطبيقها العملي في الأصل: شكلاً من (التويزة) بالمفهوم الذي أوضحناه، وهو المفهوم المتطابق مع الآية القرآنية المنادية بالتعاون على البر والتقوى؛ ولكن العملية الانتخابية كثيراً ما تنقلب في الحياة السياسية إلى نقيض هذا المفهوم، حيث تصبح عندما تدخلها الأغراض الشخصية، والمنافع العاجلة، مطابقة للنشاط الإبليسي، المتضافر على الشر المحض، والمتعاون على الإثم والعدوان

(المترجم).

(1)

القدّيس توماس ( Saint Thomas) : هو غير القديس توما الإكوينيّ؛ الراهب الدومينيكاني الفيلسوف، فالمعنيّ في النصّ هو أحد رسل المسيح الاثني عشر؛ الذي يقول المسيحيون- طبقاً ملعتقدهم في الصلب- إنه لم يؤمن بقيامته إلا بعد أن رأى آثار جراحاته، ووضع فيها إصْبَعَه

(المترجم).

ص: 126

وباختصار، فإن هذا هو الذي يجعل المستشرق (جيب) يقول: إن (الذَّريَّة) هي خاصية الفكر الإسلاميّ، دون أن يقوم بالاحتراز الذي أوردناه.

ومع هذا الاحتراز، تمثِّل (الذَّرِّيَّة) معياراً ذا قيمة من حيث الدراسة المتعلقة بعلم الاجتماع للبلدان الإسلامية الراهنة؛ فهي تفسر لنا عدداً من مشاكلها، وخاصة منها نزعة (التكديس) التي أوردناها في المحاضرة الأولى؛ فنحن نعتقد أننا نبني إذ نقوم بالتكديس، كما لو كان (البناء) يمثل مرادفاً (لتكديس) المعدَّات والأشياء؟

وحتى عالَم أفكارنا لا يمثل (بِناية) ولكن مجرد (كدس) من الأفكار. (فالذَّريَّة) أعني صعوبة أو استحالةَ إقامة بنْيَة عقلية، إنما تمثِّل الانعكاس البسيط لافتقار عالَمِنا النفسيِّ لِبُعْدٍ معيَّن هو: بُعدُ الفكرة.

وهذا هو الذي يفسِّر لنا كذلك: لماذا لم يَقُمْ (المصابون بالهوس الفكريِّ) من أعضاء الحكومة المؤقَّتة للجمهورية الجزائرية بالتفكير في مشكلة المفهوميَّة، التي يجب أن توضع على وجه الدِّقَّة ضمن الحدود التي كُنَّا بصدد الإشارة إليها. فالمفهومية ليست مجموع أفكارٍ شَتيتَة؛ وإنما هي المسَيِّرَةُ للطَّاقات، والسَّهْمُ الذي يُعَيَّنُ للجماعة طريقها في التاريخ.

إنَّها الاقْتِضاءُ الآمِرُ الذي يطبع الحركةَ على اليد وعلى الفكرة في اتِّجاه محدَّدٍ. ويتعيَّن على مفهوميتنا أن تُحَقِّقَ هذه التركيبة المتآلفة للنشاط الفرديِّ والجماعيِّ، على صعيد أرفع مُقايَسَة نظريَّة، وفي نطاق المِراسِ العمليِّ الأكثر شيوعاً سواء بسواء.

كما يتعين عليها علاوة على ذلك أن تصوغَ بَواعِثَنا المعَلِّلَة في أخْذِها بعين الاعتبار للشُّروط الدَّاخلية والخارجيَّة معاً.

ولقد سبق (لرسالة) شهدائنا أن وَجَدَتْ معناها في جميع النشاطات

ص: 127

التَّحريرِيَّة الْمُتَساوِقَة بالقارَّة الإفريقية، حيث أصبحت فيها شارةُ (جبهة التَّحرير الوطني) تمثِّل مُرادِفاً (للتَّحرير) ذاته، وخاصةً في (أنغولا) وفي (إفريقيا الجنوبيَّة).

وبالأمس قاد (خَيالُ) الثورة الفرنسيَّة المتمثِّلُ في: الحرية، والمساواة، والإخاء، جيش (نابليون) إلى قلب (موسكو) على حِداء نشيد (المارسيليَّة)(1)

واليوم تَقومُ (أخْيِلَةٌ) يوتوبيا ( utopies)(2) أخرى، بصنع التاريخ في أصقاع أخرى من العالَم، بقدر ما تَقْتادُ الجماهير المتحمِّسة إلى العمل.

(1) كيفما نظرنا إلى الأمر فنابليون ليس مجرد ظاهرة بسيطة للهيمنة الفرنسية. لنستمع إليه يكاشف واحداً من المقربين إليه: ((لدي طموحان، أن أرفع فرنسا إلى أعلى درجات القوة الحربية والغزو الكاسح ثم التطوير فيها، ودفع كافة أعمال الفكر إلى مستوى لم تشهده منذ لويس الرابع عشر

إن هذه البلاد لم تعد تستطيع أن تستغني عن إعمال الفكر والعقل بقدر ما هي لا تستطيع أن تستغني عن الهواء. لذا فأنا أشغلها بمعارك تربحها، ولكن يجب الوصول إلى تعهد الروح لدى شعب كبير، عالم صناعي مقدام، عندئذٍ ترتفع باريس عاليةً في أعين الناس التي ستعجب بها بحيث تصبح كاتدرائيتها بشكل طبيعي كاتدرائية العالم الكاثوليكي بأسره)). [ط. ف].

(2)

يجب فهم اليوتوبيا هنا بمعنى (المرافعة والإيديولوجيا) ومن بين هؤلاء الذين أعطوا هذا المعنى لمفهوم تاريخي واجتماعي أكثر مما هو فلسفي نذكر Cioran ( التاريخ واليوتوبيا) فهو يقول: ((تملأ اليوتوبيا في حياة المجتمعات وظيفة تعود إلى فكرة الرسالة ني حياة الشعوب)) [ص:156] ويقول: ((إن مجتمعاً لا يستطيع أن ينجب (يوتوبيا) وأن يكرس نفسه لها مهدد بالجمود والدمار)) [ص:139].

وكذلك غوستاف لوبون في (النتائج الأولى للحرب)(التحول الذهني عند الشعوب) طبعة 1920م الذي يرى في اليوتوبيا (قوة عاطفية وصوفية) قمينة بأن تغير وجه العالم. وهو يذكر كمثال على ذلك الجرمانية والشيوعية والصليية إلخ. [ط. ف].

ص: 128

ورسالةُ شهدائنا يجب أن يكون لها معناها في الجزائر وفي العالَم؛ حيث يجب أن تَعنيَ (البِناءَ) هُنا، و (الْحُضورَ) و (المساهمةَ) هناك.

ففي الداخل يُطْلَبُ إلينا أن نَبْنِيَ، أو أن نعيد بناءَ حضارتنا؛ وفي الخارج، يجب علينا أن نساهم في النشاط المشترك للإنسانيَّة، في عالم صار قابلاً لإيصال التاريخ، حيث أصبح الفكر يتَّجه إلى الوحدة، وحيث يرى مالْرُو ( Malraux) مَوْلِدَ فَنٍّ عالَمِيٍّ.

وبقدر ما يزداد ارتفاعُ الغاية، وبُعدُ مسافتها، بقدر ما يتعيَّن على الإنسان السائر صَوْبَ هذه الغاية: أن يمتدَّ طبقاً لمقياس مُهِمَّاتِه.

فعندما كان القرآنُ يوجِّه هذا الأمْرَ إلى الجماعة المسلمة لكي يدفعها إلى السَّيْر، كان يَلْذَعُ بسياط آستهزائه كذلك أولئك المتخلِّفين عن التَّوقيت، حيث قال للرَّسول في شأنهم:

{لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ} (1).

ولقد بدأ سيرنا في الجزائر على نداء شهدائنا وحتَّى إذا تعيَّن أن تطول علينا الشُّقَّةُ، فإنَّنا سنواصل السَّيْر لا محالة.

فهناك نشيدٌ عظيم يرتفع في أعماق روح الشَّعب الجزائري، وهو الذي سَيَزِنُ وَقْعَ خَطْوِنا على دروب التَّاريخ.

أجل! ها قد بلغ هبوبُه المحرِّر- الحاملُ لرسالة شهدائنا- أقصى الآفاق النَّائية من إفريقيا وآسيا. ولسوف تسمع الأجيالُ الجزائرية المقبلة أصداءَه دون ريب؟

(1) التوبة 9/ 42: وبقية الآية: {

وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}

ص: 129