المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر ما جرى لحميضة والدرفندي - المختصر في أخبار البشر - جـ ٤

[أبو الفداء]

فهرس الكتاب

- ‌ذكر فتوح قيسارية

- ‌ذكر موت هولاكو

- ‌ذكر فتوح صفد وغيرها

- ‌ذكر دخول العساكر إلى بلاد الأرمن

- ‌ذكر قتل أهل قارا ونهبهم

- ‌ذكر موت ملك التتر بالبلاد الشمالية

- ‌ذكر مسير الملك الظاهر إلى الشاموفتح أنطاكية وغيرها:

- ‌ذكر فتح حصن الأكراد وحصن عكار والقرين

- ‌ذكر ملك يعقوب المريني مدينة سبتةوابتداء ملكهم:

- ‌ذكر دخول الملك الظاهر إلى بلاد الروم

- ‌ذكر وفاة الملك الظاهر بيبرس

- ‌ذكر مسير الملك السعيد بركة إلى الشاموالإغارة على سيس وخلاف عسكره عليه:

- ‌ذكر خلع الملك السعيد بركة ابن الملك الظاهر

- ‌إقامة سلامش ابن الملك الظاهر بيبرس في المملكة

- ‌ذكر سلطنة الملك المنصور قلاوون الصالحي

- ‌ذكر خروج سنفر الأشقر عن الطاعةوسلطنته بالشام:

- ‌ذكر الوقعة العظيمة مع التتر على حمص

- ‌ذكر موت أبغا

- ‌ذكر وفاه الملك المنصور صاحب حماة

- ‌ذكر ملك الملك المظفر حماة

- ‌ذكر فتوح المرقب

- ‌ذكر مولد مولانا السلطان الأعظممولد الملك الناصر

- ‌العرب المستعربة

- ‌ذكر فتوح طرابلس

- ‌ذكر وفاة السلطان الملك المنصور قلاوون

- ‌ذكر سلطنة والده الملك الأشرف

- ‌ذكر فتوح عكا

- ‌ذكر فتوح عدة حصون ومدن

- ‌ذكر فتوح قلعة الروم

- ‌ذكر إحضار صاحب حماة البريد إلى مصروعمه علي، البريد إلى مصر ثم مسيرهما من مصر مع السلطان الملك الأشرف إلى

- ‌ذكر مسير العساكر إلى حلب

- ‌ذكر مسير الملك الأفضل إلى دمشق ووفاته بها

- ‌ذكر غير ذلك من الحوادث

- ‌ذكر مقتل السلطان الملك الأشرف

- ‌ذكر مقتل بيدرا

- ‌ذكر سلطنة مولانا السلطان الأعظم الملك الناصر

- ‌ذكر القبض على الوزير ابن السلعوس وقتله

- ‌ذكر قتل الشجاعي

- ‌ذكر استيلاء زين الدين كتبغا على المملكة

- ‌ذكر قتل كيختو ملك التتر وملك بيدو

- ‌ذكر مقتل بيدو وتملك قازان

- ‌ذكر أخبار ملوك اليمن ووفاة صاحبها

- ‌ذكر مسير العادل كتبغا من دمشقوخلعه واستيلاء لاجين على السلطنة:

- ‌ذكر غير ذلك من الحوادث

- ‌ذكر تجريد العساكر إلى حلبودخولهم إلى بلاد سيس وعودهم إلى حلب، ثم دخلولهم ثانياً، وما فتحوه:

- ‌ذكر فتح حموص وغيرها من قلاع بلاد الأرمن

- ‌ذكر قتل الملك المنصور حسام الدين لاجينصاحب مصر والشام:

- ‌في هذه السنة، وثب على لاجين المذكور جماعة من المماليك الصبيان، الذين

- ‌ذكر تجريد العسكر الحموي إلى حلب

- ‌ذكر وفاة الملك المظفر صاحب حماةوخروج حماة حينئذ عن البيت التقوي الأيوبي:

- ‌ذكر وصول قراسنقر إلى حماةالجوكندار إلى حماة نائباً بها:

- ‌ذكر غير ذلك من الحوادث

- ‌ذكر المصاف العظيمالذي كان بين المصلين والتتر وهزيمة المسلمين واستيلاء التتر على الشام:

- ‌ذكر المتجددات بعد الكسرة

- ‌ذكر غير ذلك من الحوادث

- ‌ذكر مسير التتر إلى الشامومسير السلطان والعساكر الإسلامية إلى العوجا، ورجوعهم:

- ‌‌‌ذكر غير ذلك من الحوادث

- ‌ذكر غير ذلك من الحوادث

- ‌ذكر وفاة الخليفة

- ‌ذكر الإغارة على بلاد سيس

- ‌ذكر فتح جزيرة أرواد

- ‌ذكر دخول التتر إلى الشاموكسرتهم مرة بعد أخرى:

- ‌ذكر المصاف الثاني والنصرة العظيمة

- ‌ذكر وفاة زين الدين كتبغاوولاية قبجق حماة

- ‌ذكر وفاة قازان ملك التتر

- ‌ذكر قدوم قبجق إلى حماة

- ‌‌‌ذكر غير ذلك

- ‌ذكر غير ذلك

- ‌ذكر إغارة عسكر حلب على بلاد سيس

- ‌ذكر من ملك في هذه السنة بلاد المغرب من بني مرين

- ‌ذكر وفاة عامر ملك المغربوذكر من تملك بعده:

- ‌ذكر قتل صاحب سيسوقتل ابن أخيه

- ‌ذكر مسير السلطان إلى الكركواستيلاء بيبرس الجاشنكير على المملكة

- ‌ على ذلك

- ‌ذكر تجريد العساكر إلى حلب وما ترتب

- ‌ذكر مسير مولانا السلطان من الكركوعوده إليها

- ‌ذكر مسير مولانا السلطان إلى دمشقواستقرار ملكه بها

- ‌ذكر مسير مولانا السلطان إلى ديار مصرواستقراره في سلطنته

- ‌ذكر القبض على بيبرس الجاشنكيرالملقب بالملك المظفر

- ‌ذكر وصول أسندمر إلى دمشقمتوجهاً إلى حماة

- ‌ذكر القبض على سلار

- ‌ذكر استقراري بحماة وعودها إلى البيت التقويوما يتعلق بذلك:

- ‌ذكر ملوك الغرب

- ‌ذكر القبض على أسندمر نائب السلطنة بحلب

- ‌ذكر وفاة طقطغا وملك أزبك

- ‌ذكر نفل قراسنقر من نيابة السلطنة بدمشق إلى حلبوولاية كريه المنصوري دمشق وإعطاء العساكر الذين بحلب الدستور:

- ‌ذكر مسير قراسنقر إلى الحجازوعوده من أثناء الطريق وهربه

- ‌ذكر هروب الأفرمواجتماعه بقراسنقر، ثم مسيرهما إلى خربندا:

- ‌ذكر وصول الدستور إلى العسكر

- ‌ذكر وفاة صاحب ماردين

- ‌ذكر وصول النائب إلى حلب

- ‌ذكر مسيري إلى مصر

- ‌ذكر تجريد العسكر إلى حلبووصول العدو ومنازلة الرحبة

- ‌ذكر مسير السلطان بالعساكر الإسلامية إلى الشامثم توجهه إلى الحجاز:

- ‌ذكر وصول السلطان من الحجاز الشريف

- ‌ذكر خروج المعرة عن حماة

- ‌ذكر مسيري إلى الحجاز الشريف

- ‌ذكر فتوح ملطية

- ‌ذكر أخبار أبي سعيد ملك المغرب

- ‌ذكر مسيري إلى مصروعود المعرة:

- ‌ذكر ما جرى لحميضة والدرفندي

- ‌ذكر الوقعة العظيمة التي كانت بالأندلس

- ‌ذكر مسيري إلى مصر ثم الحجاز الشريف

- ‌ذكر خروج السلطان وتوجهه إلى الحجاز

- ‌ذكر قدوم السلطان إلى مقر ملكه

- ‌ذكر ما أولاني من عميم الصدقات وجزيل التطولات

- ‌ذكر الإغارة على سيسر وبلادها

- ‌ذكر قطع أخبار آل عيسىوطردهم عن الشام

- ‌ذكر هلاك صاحب سيس

- ‌ذكر مقتل حميضة

- ‌ذكر وفاة صاحب اليمن

- ‌ذكر فتوح إياس

- ‌ذكر السنة الحمراء

- ‌ذكر المتجددات في بلاد الروم

- ‌ذكر المتجددات باليمن

- ‌ذكر عمارة القصور بقرية سرياقوس والخانقاه

- ‌ذكر إرسال السلطان العسكر إلى اليمن

- ‌ذكر وفاة أخي بدر الدين حسنرحمه الله تعالى:

- ‌ذكر أخبار أبي سعيد وجوبان

- ‌ذكر سفري إلى الأبواب الشريفة

- ‌ذكر خروج السلطان إلى عند الأهرام

- ‌ذكر أخبار تمرتاش بن جوبان

- ‌ذكر أخبار الصبي صاحب سيس

الفصل: ‌ذكر ما جرى لحميضة والدرفندي

وساروا من حماة إلى حلب يوم خروجي من حماة إلى الديار المصرية، فأقاموا بحلب، ثم جردهم نائب حلب إلى عين تاب ثم إلى الكختا، ثم عادوا إلى حماة في أول شعبان بعد قدومي بقريب شهر.

وفيها مرض الأمير سيف الدين كستاي نائب السلطنة بطرابلس والقلاع في يوم الأربعاء تاسع عشر ربيع الآخر، الموافق لثامن أيلول، فولى السلطان موضعه الأمير شهاب الدين قرطاي أحد أمراء دمشق حينئذ.

وفيها في جمادى الآخرة، سار مهنا بن عيسى، وكان نازلاً بالقرب من عانة، إلى خربندا، واجتمع به بالقرب من قنغرلان، ثم عاد إلى بيوته.

وفيها في ثاني عيد الفطر الموافق لتاسع عشر كانون الأول، وقع بحماة والبلاد التي حواليها ثلوج عظيمة، ودامت أياماً، وبقي على الأرض ذراع، ودام على الأرض أياماً وانقطعت الطرق بسببه وكان ثلجاً لم أعهد مثله، وكان البرد والجليد شديداً عاماً في البلاد، حتى جلد الماء في الديار المصرية، ووقعت الثلوج باللاذقية والسواحل.

وفيها جهزت صحبة لاجين المشد، تقدمة لطيفة، ومملوكاً يسمى يلدز، إلى المواقف الشريفة، فوصل بذلك وقدمه فقبله وشملتني صدقات السلطان صحبة لاجين المذكور، بمسامحات ما علي بضائع أجهزها مع كافة التجار في جميع البلاد، وكذلك زادني على المعرة بجملة غلال بلادها، وضاعف علي صدقاته، وكان وصول لاجين بذلك إلى حماة بالسابع والعشرين من شوال من هذه السنة أعني سنة ست عشرة وسبعمائة.

وفيها قصد حميضة بن أبي نمي خربندا مستنصراً في إعادته إلى ملك مكة، ودفع أخيه رميثة فجرد خربندا مع حميضة الدرفندي، وهو النائب على البصرة، وجرد معه جماعة من التتر وعرب خفاجة.

وفيها في ذي القعدة خرجت المعرة عني، وسبب ذلك أن محمد بن عيسى طلبها ليحضر إلى الطاعة، فأجيب إلى ذلك؛ وتسلمها نواب المذكور، وكتب إلى السلطان بما طيب خاطري من جهتها.

وفيها بلغ السلطان أن حميضة قد جهزه خربندا بعسكره وخزانة، صحبة الدرفندي، ليملكه مكة، فجهز السلطان نائبه في السلطنة، وهو المقر الأشرف السيفي أرغون الدوادار، فحج وحج العسكر صحبته، وعادوا سالمين وأما حميضة والدرفندي، فكان من أمرهما ما سنذكره.

وفيها لما قدم عسكر مصر إلى مدينة الرسول، كان مقدمهم المقر السيفي أرغون، فحضر إليه منصور بن حماد الحسيني صاحب مدينة الرسول فطلع معه يودعه إلى عيون حمزة، فخلع نائب السلطنة على منصور المذكور، وعلى ولده كبش بن منصور، وأعادهما إلى المدينة، فلما حضر المحمل المصري وصحبته العسكر خرج إليهم منصور فقبضوا عليه، وأحضر معتقلاً إلى بين يدي السلطان إلى ديار مصر، فتصدق عليه السلطان وأفرج عنه، وأمره بالعود إلى بلده.

وفي هذه السنة أعني سنة ست عشرة وسبعمائة في السابع والعشرين من رمضان مات خربندا أرغون بن أبغا بن هولاكو بن طلو بن جنكزخان، وكان جلوسه في الملك في أواخر في الحجة سنة ثلاث وسبعمائة، ومات بالمدينة الجديدة التي سماها السلطانية، وكان اسم بقعتها قنغرلان، فلما مات خطب بالسلطنة لولده أبي سعيد بن خربندا، وكان عمره نحو عشر سنين، واستولى على الأمر جوبان ابن الملك ابن تناون.

‌ذكر ما جرى لحميضة والدرفندي

وكان خربندا قد جهز حميضة وجهز معه الدرفندي نائب السلطانة بالبصرة، وجهز معه عسكراً وخزانة، ليسير الدرفندي بالعسكر مع حميضه ويقاتل عسكر المسلمين الواصلين إلى الحج. ويملك حميضة بدل أخيه رميثة. فصار الدرفندي وحميضة ومن معهما من عسكر التتر والعرب، حتى جاوزوا البصرة، فبلغهم موت خربندا فتفرقت تلك الجموع، ولم يبق مع الدرفندي غير ثلاثمائة من التتر، وأربعمائة من عقيل عرب البصرة، وكان قد استولى على البصرة ابن السوايكي، فأرسل استوحى محمد بن عيسى على الدرفندي، فجمع محمد بن عيسى عربه عن خفاجة، وعرب إخوته وأولاد إخوته، وسار إلى الدرفندكط، فأحرز له بالقرب من البصرة واتقع معه، في العشر الأخير من ذي الحجة من هذه السنة، أعني سنة

ص: 80

ست عشرة وسبعمائة، فانهزم الدرفندي في بضع وثلاثين نفساً من أزلامه، وانهزم حميضة برقبته، وأخذ حريم حميضة وما كان معه من الأموال، وكذلك الخيم والأثقال والجمال وكان ذلك شيئاً عظيماً، وفيها هرب التراكمين الكنجاوية إلى طاعة السلطان وفارقوا التتر.

فسارت التتر في طلبهم، فأنجد الكنجاويين عسكر البيرة واتقعوا مع التتر، فانهزم التتر هزيمة قبيحة، وأسر منهم نحو خمسين من المغل، وقتل منهم جماعة، ووصل الكنجاوية سالمين بذواتهم وحريمهم إلى البلاد الإسلامية.

ثم دخلت سنة سبع عشرة وسبعمائة ولما دخلت هذه السنة، كان الصبي ابن خرابندا، واسمه أبو سعيد، قد حضر من خراسان صحبة سونج، وغيره من الأمراء إلى ظاهر السلطانية، واجتمعوا مع جوبان، ونزلوا جميعهم بظاهر السلطانية مع ذيل الجبل، ومضى من أول هذه السنة عدة أشهر، ولم يجلس هذا الصبي على سرير الملك، بل اسم السلطنة للصبي، والحاكم جوبان، وفي الباطن بينه وبين سونج الوحشة. وكل من سونج وجوبان يختار أن يكون هو الذي يجلس الصبي ويكون نائبه فتأخر جلوسه لذلك.

ثم إنهم اتفقوا وأخرجوا استقطلو عنهم، وجهزوه إلى خراسان، وكان قد تحرك على خراسان التتر الذين بخوارزم وما وراء النهر، وقيل إن ملكهم ياشور.

وفيها في يوم الثلاثاء السابع والعشرين من صفر الموافق لعاشر أيار من شهور الروم، كان السيل الذي خرب بعلبك. فإنه جاء من شرقيها بين الظهر والعصر، فسكره السور، وقوي السيل وقلع

ص: 81

برجاً وبعض التنأتين اللتين على يمين البرج وشماله، وسار بالبرج صحيحاً يخرب بالبلد، ويخرب ما يمر به من الدور مسافة بعيدة، قيل إنها خمسمائة ذراع، ودخل السيل الجامع وغرق به جماعة، ورمى المنبر وخرب بعض حيطان الجامع، وبلغ السيل إلى رؤوس العمد، وكذلك دخل السيل المذكور الحمامات، وغرق فيها جماعة، وذهب للناس بذلك أموال عظيمة، وخرب دوراً كثيرة، وأسواقاً وغرق عدة كثيرة من الرجال والنساء والأطفال، وأتلف كتب الحديث والمصاحف وكانت مضرته عظيمة.

وفيها في ربيع الآخر، كانت الإغارة على آمد وسبب ذلك أن نائب السلطنة بحلب، جهز عدة كثيرة من عسكر حلب، وغيرهم من التراكمين والعربان والطماعة، ومدم عليهم شخصاً تركمانياً من أمراء حلب يقال ابن جاجا، وكان عدة المجتمعين المذكورين ما يزيد على عشرة آلاف فارس، فساروا إلى آمد وبغتوها ودخلوها ونهبوا أهلها المسلمين والنصارى، ثم بعد ذلك أمر بإطلاق من كان مسلماً، فأطلقوا بعد أن ذهبت أموالهم، وبالغ المجتمعون المذكورون في النهب، حتى نهبوا الجامع، وأخذوا بسطه وقناديله، وفعلوا بالمسلمين كل فعل قبيح، وعادوا سالمين وقد امتلأت أيديهم من الكسوبات الحرام التي لا تحل ولا تجوز شرعاً، وخلت آمد من أهلها، وصارت كأنها لم تغن بالأمس.

وفيها في الثاني والعشرين من ربيع الآخر وصلني من صدقات السلطان حصان برقي بسرجه ولجامه، صحبة موسى أحد أمراء خورية، فوصلته بالخلع والدراهم وقابلت الصدقات بمزيد الدعاء.

وفيها خرج السلطان الملك الناصر خلد الله ملكه من الديار المصرية في رابع جمادى الأولى، الموافق لرابع عشر تموز إلى حسبان من البلقاء، ووصل إليها في سادس عشر جمادى الأولى، ووصل إليه في حسبان المقر السيفي تنكز نائب السلطنة بالشام، ووصل إليه صحبته جماعة من الأمراء، وكنت طلبت دستوراً بالحضور؛ فرسم بتجهيز خيل التقدمة ومقامي بحماة، فجهزتها وأقمت وقدمت خيلي؛ يوم نزوله على حسبان يوم الثلاثاء سادس عشر جمادى الأولى، وكنت قد جهزتها صحبة طيدمر الدوادار، فقبلت وتصدق السلطان وأرسل إلى صحبة طيدمر تشريفاً كاملاً على جاري العادة من الأطلس الأحمر والأصفر والكلوته الزركش والطرز الزركش بالذهب المصري، وكذلك تصدق بثلاثين ألف درهم وخمسين قطعة وقماش، وركبت بالتشريف المذكور الموكب بحماة نهار الإثنين سادس جمادى الثانية من هذه السنة، أعني سنة سبع عشرة وسبعمائة، ثم عاد السلطان إلى الديار المصرية من الشوبك ولم يصل في خرجته هذه إلى دمشق، بل رجع من بلاد البلقاء.

فيها وصل مثال السلطان بالبشارة بالنيل وأن الخليج كسر في رابع جمادى الأولى وسلخ أبيب، قبل دخول مسرى، وهذا مما لا يعهد، فإنه تقدم عن عادته شهراً.

وفيها بعد رحيل

ص: 82

السلطان عن الكرك أفرج عن الأمير سيف الدين بهادراص. ووصل بهادراص إلى دمشق، وأتم السلطان السير ودخل مصر يوم الأربعاء منتصف جمادى الآخرة من هذه السنة.

وفيها في أثناء ذي الحجة ظهر في جبال بلاطنس إنسان من بعض النصيرية، وادعى أنه محمد ابن الحسن العسكري، ثاني عشر الأئمة عند الإمامية، الذي دخل السرداب المقدم ذكره فاتبع هذا الخارجي الملعون من النصيرية جماعة كثيرة، تقدير ثلاثة آلاف نفر، وهجم مدينة جبلة، في يوم الجمعة الحادي والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة، والناس في صلاة الجمعة ونهبت أموال أهل جبلة، وسلبهم ما عليهم. وجرد إليه عسكر من طرابلس، فلما قاربوه تفرق جمعه وهرب واختفى في تلك الجبال،، فتتبع وقتل لعنه الله، وباد جمعه وتفرقوا، ولم يعد لهم ذكر.

ثم دخلت سنة ثمان عشرة وسبعمائة في أوائل هذه السنة سار فضل بن عيسى إلى ابن خربندا وجوبان إلى بغداد واجتمع بهما، وأحضر لهما تقدمة من الخيول العربية، فأقبل جوبان عليه وأعطى فضل المذكور البصرة، واستمرت له إقطاعاته التي كانت له بالشام بيده مع البصرة، وأقام فضل عندهما مدة، واجتمع بقراسنقر هناك، ثم عاد إلى بيوته، وبعد مسير فضل عنهما، سار جوبان وابن خربندا عن بغداد إلى قنغرلان وهي المدينة الجديدة المسماة بالسلطانية، وفي هذه السنة توجهت من حماة إلى الديار المصرية، وخرجت الخيل قدامي من حماة في نهار السبت، منتصف جمادى الأولى، الموافق لنصف تموز أيضاً، وتأخرت أنا بحماة ثم خرجت من حماة وركبت خيل البريد، في نهار الاثنين، الرابع والعشرين من جمادى الأولى والرابع والعشرين من تموز، ولحقت خيلي وثقلي بغزة نهار الأحد، غرة جمادى الآخرة وهو اليوم الثلاثون من تموز، وسرت بهم جميعاً ووصلت إلى قلعة الجبل، وحضرت بين يدي مولانا السلطان الملك الناصر خلد الله ملكه بها، في نهار الخميس ثاني عشر جمادى الآخرة، الموافق لعاشر آب الرومي، وشملتني صدقاته بالتنزيل في الكبش، وترتيب الرواتب الكثيرة، بعد ما كان رتب لي في جميع المنازل من حماة إلى الديار المصرية، الرواتب الزائدة عن كفايتي وكفاية كل من هو في صحبتي من الأغنام والخبز والسكر وحوائج الطعام والشعير. وألبسني تشريفاً في حال قدومي من الأطلس بطرز الزركش والكلوته على العادة، وأركبني حصاناً بسرج محلى بالذهب، وأقمت تحت صدقاته في الكبش، على أجمل حال.

ثم إنه عن لي أن أرى مدينة الإسكندرية، فسألت ذلك، وحصلت الصدقات السلطانية بإجابتي لذلك، وتقدمت المراسيم أنني أسير إليها في المراكب، وأعود في السير على الخيل، فسرت أنا ومن في صحبتي في حراقتين، وتوجهت من الكبش في يوم الاثنين الثالث والعشرين من جمادى الآخرة، وهو الموافق للحادي والعشرين من آب، وسرت في النيل إلى أن وصلت إلى

ص: 83

فوه، وسرنا منها في الخليج الناصري، ووصلت الإسكندرية في بكرة يوم الأربعاء الخامس والعشرين من جمادى الآخرة، ووصلني بها من صدقات السلطان مائة قطعة قماش من عمل إسكندرية، وأقمت بها حتى صليت الجمعة، وخرجت من إسكندرية وركبت الخيل وبت في تروجة، ووصلت إلى الكبش بكرة الاثنين الثلاثين من جمادى الآخرة وأقمت به، وكسر الخليج بحضوري في يوم الأربعاء ثاني رجب، الموافق للثلاثين من آب وأول يوم من توت، من شهور القبط.

ثم شملتني الصدقات السلطانية بزيادة عدة قرايا من بلد المعرة، على ما هو مستقر بيدي، وأفاض علي وعلى من هو في صحبتي بالتشاريف، وأمرني بالعود إلى بلدي، فخرجت من بين يديه من الميدان، في نهار السبت ثاني عشر رجب من هذه السنة، الموافق لثامن من أيلول، ووصلت إلي حماة نهار الخميس مستهل شعبان الموافق للثامن والعشرين من أيلول، واستقريت فيها.

وفي هذه السنة أعني سنة ثمان عشرة، عند توجه الحاج من مصر، أرسل السلطان الأمير بدر الدين ابن التركماني، وكان المذكور مشد الدواوين بديار مصر، فأرسله السلطان مع الحجاج إلى مكة بعسكر، وسار المذكور حتى وصل ووقف الوقفة، وفي أيام التشريف، أرسل رميثة صاحب مكة حسبما أمر به مولانا السلطان، بحكم تقصيره ومواطاته في الباطن لأخيه حميضة، وأرسله معتقلاً إلى ديار مصر، واستقر بدر الدين ابن التركماني المذكور نائباً وحاكما في مكة، ولما دخلت سنة تسع عشرة وسبعمائة، أرسل السلطان عطيفة، وهو من إخوة حميضة، وكان عطيفة المذكور مقيماً بمصر، فأرسله السلطان ليقيم بها مع بدر الدين ابن التركماني المذكور. وفي أواخر هذه السنة، أعني سنة ثماني عشرة وسبعمائة حالفت عقيل عرب الإحساء والقطيف، على مهنا بن عيسى وطردوا أخاه فضلاً عن البصرة، فجمع مهنا العرب وقصد عقيل، والتقى الجمعان وافترقا على غير قتال ولا طيبة، بعد أن أخذت عقيل أباعر كثيرة تزيد على عشرة آلاف من عرب مهنا المذكور، وعاد كل من الجمعين إلى أماكنهما، وكانت هذه البرية وغالب بلاد الإسلام مجدبة لقلة الأمطار، وهلك العرب، وضرب دواب تفوت الحصر.

وفيها قريباً من منتصف هذه السنة، خرج اللحياني، وهو أبو زكريا يحيى الحفصي من ملك تونس، وكان اللحياني المذكور قد ملك إفريقية، حسبما سقنا وقدمنا ذكره مع جملة الحفصيين في سنة اثنتين وخمسين وستمائة، فلما كانت هذه السنة، جمع أخو خالد الذي مات في حبس اللحياني، فقصد اللحياني فهرب منه إلى طرابلس وتملك أخو خالد تونس، ولم يقع لي اسم أخي خالد المذكور. وكان للحياني ولد شهم، وكان اللحياني المذكور يخاف منه، فاعتقل ولده المذكور. فلما استولى أخو خالد المذكور على تونس، وطرد اللحياني عن المملكة، أخرج اللحياني ولده من الاعتقال، وجمع إليه الجموع؛ والتقى مع أخي خالد، فانتصر أخو خالد وقتل ابن اللحياني، واستقر اللحياني بطرابلس

ص: 84