الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السلطان بعد البسملة: " المملوك قلاوون، أعز الله أنصار المقام العالي المولوي السلطاني الملكي المنصوري الناصري، ولا عدمه الإسلام ولا فقدته السيوف والأقلام، وحماه، من أذى داء، وعود عواد، وإلمام آلام المملوك يجدد الخدمة التي كان يود تجديدها، شفاهاً ويصف ما عنده من الألم لما ألم بمزاجه الكريم، حتى أنه لم يكد يفتح بالحديث فاهاً. ولما وقفنا على الكتاب المولوي المتضمن بمرض الجد المحروس، وما انتهى إليه الحال، كادت القلوب تنشق، والنفوس تذوب حزناً، والرجاء من الله أن يتداركه بلطفه، وأن يمن بعافيته التي رفع في مسألتها يديه، وبسط كفيه، وهو يرجو من كرم الله، معاجلة الشفاء، ومداركة العافية، الموردة بعد الكدر، مورد الصفاء، وإن الله يفسح في أجل المولى ويهبه العمر الطويل، وأما الإشارة الكريمة إلى ما ذكره من حقوق يوجبها الإقرار، وعهود أنت بدورها من السرار، ونحن بحمد الله، فعندنا تلك العهود ملحوظة، وتلك المودات محفوظة، فالمولى يعيش قرير العين، فما تم إلا ما يسره من إقامة ولده مقامه، لا يحول ولا يزول، ولا يرى على ذلك ذلة ولا ذهول، ويكون المولى طيب النفس، مستديم الأنس، بصدق العهد القديم، وبكل ما يؤثر من خير مقيم ".
ولما وصل الكتاب، اجتمع لقراءته الملك الأفضل والملك المظفر وعلم الدين سنجر، المعروف بأبي خرص، وقرئ عليهم، وتضاعف سرورهم بذلك، وكان الملك المنصور محمد صاحب حماة المذكور، ملكاً ذكياً فطناً، محبوب الصورة، وكان له قبول عظيم عند ملوك الترك، وكان حليماً إلى الغاية، يتجاوز عما يكره ويكتمه، ولا يفضح قائله، من ذلك أن الملك الظاهر بيبرس قدم إلى حماة، ونزل بالدار المعروفة الآن بدار المبارز، فرفع إليه أهل حماة عدة قصص يشكون فيها من الملك المنصور، فأمر الملك الظاهر دواداره سيف الدين بلبان، أن يجمع القصص ولا يقرأها، ويضعها في منديل، ويحملها إلى الملك المنصور صاحب حماة، فحملها الدوادار المذكور، وأحضرها إلى الملك المنصور وقال: إنه والله دعاء الملك المنصور لصداقة الملك الظاهر، وخلع على الدوادار، وأخذ القصص، وقال بعض الجماعة: سوف نرى من تكلم بشيء لا ينبغي، وتكلموا بمثل ذلك، فأمر الملك المنصور بإحضار نار، وحرق تلك القصص، ولم يقف على شيء منها لئلا يتغير خاطره على رافعها، وله مثل ذلك كثير، رحمه الله تعالى.
ذكر ملك الملك المظفر حماة
ولما بلغ السلطان الأعظم الملك المنصور، وفاة الملك المنصور صاحب حماة، قر ابنه الملك المظفر محموداً ابن الملك المنصور محمد في ملك حماة، على قاعدة والده، وأوصل إليه إلى عمه الملك الأفضل، إلى أولاده، التشاريف، ومكاتبة إلى الملك المظفر بذلك، ووصلت التشاريف ولبسناها في العشر الأخير من شوال من هذه السنة، أعني سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
ونسخة الكتاب الواصل من السلطان بعد البسملة: " المملوك قلاوون، أعر الله نصرة المقام العالي المولوي السلطاني الملكي المظفري التقوي، ونزع عنه لباس البأس، وألبسه حلل السعد المجلوة على أعين الناس، وهو يخدم خدمة بولاء، قد تبجست عيونه، وتأسست مبانيه، وتبابست ظنونه، وحلت رهونه، وحلت ديونه، وأثمرت غصونه، وزهت أفنانه وفنونه، ومنها: وقد سيرنا المجلس السامي جمال الدين أقوش الموصلي الحاجب، وأصحبناه من الملبوس الشريف، ما يغير به لباس الحزن، وينجلي في مطلعه ضياء وجه الحسن، وينجلي بذلك غيوم تلك الغموم، وأرسلنا: أيضاً صحبته ما يلبسه هو وذووه، كما يبدو البدر بين النجوم ". وآخر الكتاب، وكتب في عشرين شوال سنه ثلاث وثمانين وستمائة.
وكان قد وقع الاتفاق عند موت الملك المنصور، على إرسال علم الدين سنجر أبي خرص الحموي، لأجل هذا المهم، فلاقى سنجر المذكور، جمال الدين الموصلي بالخلع في أثناء الطريق، فأتم سنجر أبو خرص السير، ووصل إلى الأبواب الشريفة السلطانية، فتلقاه السلطان بالقبول، وأعاده بكل ما يحب ويختار، وقال: نحن واصلون إلى الشام، ونفعل مع الملك المظفر فوق ما في نفسه، فعاد علم الدين سنجر أبو خرص إلى حماة، ومعه الجواب بنحو ذلك.
ثم دخلت سنة أربع وثمانين وستمائة - ذكر ركوب الملك المظفر صاحب حماة بشعار السلطنة - في هذه السنة في صفر، كان ركوب السلطان الملك المظفر محمود صاحب حماة، بشعار السلطنة بدمشق المحروسة، وصورة ما جرى في ذلك، من السلطان الملك المنصور قلاوون، وصل في هذه السنة في أواخر المحرم، بعساكره المتوافرة، إلى دمشق المحروسة، وسار الملك المظفر صاحب حماة، وعمه الملك الأفضل، ووصلا إليه إلى دمشق، فأكرمهما السلطان إكراماً كثيراً، وأرسل إلى الملك المظفر في اليوم الثالث من وصوله، التقليد بسلطنة حماة، والمعرة، وبارين، والتشريف، وهو أطلس أحمر فوقاني، بطراز زركش وسنجاب، ودائرة قندس، وقباً أطلس أصفر تحتاني، وشاش تساعي، وكلوته زركش، وخياصة ذهب، وسيف محلى بالذهب، وتلكش، وعنبر بناً، وثوب بطرز مذهبة، ولباس. وأرسل شعار السلطنة، وهو سنجق بعصائب سلطانية، وفرس بسرج ذهب، ورقبة وكبوش، وأرسل الغاشية السلطانية.
فلبس الملك المظفر ذلك، وركب بشعار السلطنة، وحضرت أمراء السلطان، ومقدموا العسكر، وساروا معه من الموضع الذي كان فيه، وهو داره المعروفة بالحافظية، داخل باب الفراديس بدمشق المحروسة، إلى أن وصل الى قلعة دمشق، ومشت الأمراء في خدمته، ودخل الملك المظفر إلى عند السلطان، فأكرمه وأجلسه إلى جانبه على الطراحة، وطيب خاطره وقال له: " أنت ولدي، وأعر من الملك الصالح عندي، فتوجه إلى بلادك وتأهب لهذه الغراة المباركة، فأنتم من بيت مبارك، ما حضرتم في مكان إلا