الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأشقى الناس من يتوقع الشقاء وهو لا يعلم من حاضره ما الله صانع به، ولا من مستقبله ما الله قاض فيه، وكأنه يتظنى بالله فيرى أنه تعالى قد وكله إلى نفسه وأيأسه من رحمته وصرف عنه تيار الغيب المتدفع بالحوادث والأقدار بين شاطئ الليل والنهار، فلا يدفع إليه جديدا ولا يصرف عنه قديما وكأن الزمن كله يتحرك وهو ثابت قار قد حصره الهم من هذا الفلك في زاوية، ووضعه الدهر من بين الأحزان موضع القافية، والمصيبة في مثل هذا أكبر من كل شيء لأنها لا شيء
…
ولا ينفع المرء أنه من الناس إذا لم يكن من نفسه، وهذا لا نفس له أن كأنه لا نفس له، إذ لا ثقة به ولا قوة فيه، ولو كان وجهه جلدة مما بين عيني الأسد لما ظهر إلا جبانا، ولو اختلط الحاضر بالمستقبل على شيء لما اجتمع منهما ما يجتمع من غضون جبهته في تعاسته التي يظن أنه خص بها، فهو يتوهم الخوف، ثم يخاف مما يتوهم، ثم يخاف أن يكون الأمر أكبر مما توهم، ثم يخيفه أن تخذله الأقدار فلا يقوى على ذلك، ثم يكون أشد خوفه من أن يستمر ذلك
…
فمن خوف إلى خوف، وهو تتابع يصور الرعدة التي تعتريه لجبنه كما يصور ضحك القهقهة من هذا الجبن.
وذلك يا بني ضرب من ضروب استحالة النفس، كأنه ليست في صاحبها أو ليست له، فهو يمر على الحقائق فزعا كما يمر الطائر على الأخيلة التي تنصب له على الثمر، ويجزع منه كما يجزع الطفل من أرواح المردة والشياطين التي تسكن ألفاظ التهويل ونحوها يفزع به، ثم هو من المصيبة الواحدة في مصيبتين: إما الأولى فشدة الخوف التي تفقده لذة ما يكون فيه من النعم، والنعم لا حصر لها فلا يشتهيها، ولا يجد لها مساغاً بعد أن لبسه مرض الهم، وأما الثانية فقوة اليأس التي تضعف قدرتها على الحيلة للخلاص مما نزل به، فكأنما شد عزمه وثاقا، ثم لا يكون من اجتماع المصائب الثلاث معا ألا يورثنه الذل وسقوط الهمة وتخلخل الفؤاد واضطراب النفس، حتى كأنه من هذه الوساوس بين جدران وثيقة محكمة لا نافذة منها على فضاء الغيب، والغيب ملء الأبد، فيصبح جلدا بلا جلادة، وعظما أوهنت منه البلادة، ورجلا لو أطاعته كل قوة في الدنيا لما أطاعته الإرادة، وصنما من أصنام الحياة يعرفه العاقل للتحطيم ويحسبه الجاهل للعبادة
…
وهم الحياة والسعادة
قال" الشيخ علي": ولقد عرفنا الحياة ما هي، لأننا أمثلة عليها، ولكن البحث في معنى هذه الحياة لم ينته بعد، لأن هذا المعنى لا يزال كما كان فوق السموات، ولو استطاع الكاتبون من أهل العلم أن يخطوا في كتبهم بمداد من أضواء النجوم التي يسكبها الخلود كل ليلة على الأرض ملء محبرة الليل، لكان عسى أن تستنير مباحثهم في ظلمات الحياة، وأنى لهم ذلك وليس وراء النفس الإنسانية إلا الذي هو وراء السماء، ولا وراء السماء إلا الذي هو وراء النفس؟ ألا فاعلم يا بني أنه ما دام هؤلاء العلماء يتعاقبون على تفسير المعاني الإلهية ولم ينتهوا بعد، فمعنى ذلك عندنا نحن الجهلاء أنهم لم يبدأوا بعد
…
وما مر الحياة؟ أما إنها ليست طريقا مسافته كذا، ولا قياسا ذرعه كذا، ولا وزنا مبلغه كذا، كذا، ولا شيئا من هذه المعاني التي تضرب الأقلام والألسنة في مفاصلها، بل هي فيما وراء ذلك من عال إلى بعيد إلى غامض إلى مبهم، حتى تنتهي إلى منبع النور الذي تلتطم على ساحله موجة الأبد.
وإن أبيت إلا هو دون ذلك وضوحا وانكشافا في التأويل فقل إنها في كلمة واحدة: فتح السماء بفكرة واحدة.
ولتدعني يا بني من لغة هذه الكتب، فإنها متى انتهت إلى السماء رايتها أكثر ما تراها ألفاظا لا معنى، إذ ليس هناك من جلال الله إلا ما يشبه أن يكون معنى لا ألفاظ له.
ودعني أحدثك عن الحياة بما أفهمه، أنا الرجل الطبيعي من فلق الصبح ومن روعة الشمس، ومن إقبال الليل وإدباره، وبما أعرفه من هذه اللغة التي تنزل بها السماء ما يتصل بنا من معانيها، لغة القضاء حين يسأل ولغة القدر حين يجيب، وبما استوحيه من معاني هذه الإشارات التي تتحرك بها جوارح الطبيعة، وهي مزيج من لغة البقاء الأرضي الذي يريد أن ينتهي ولغة الخلود السماوي الذي يريد أن لا يفنى، فالحياة يا شاعري العزيز لا تخرج من الدواة ولا تقطر من القلم، بل أنا أحسب هذا المداد الكثير الذي أراقه عليها الناس هو الذي جعلها كما يقول الناس سوداء
…
ولا يكفي أن بعلم الرجل كيف يسوق المقدمات وكيف يحسن القياس وكيف يخرج معنى من معنى حتى تكون النتيجة على ما توهم والحقيقة على ما يقيس والصواب كما يستخرج. وفي علم الحياة خاصة وهو العلم الذي لا مادة له إلا من الحوادث، أن بناء من المنطق لا يتخذه بيتا إلا ساكن من الخيالات
…
ولست أعرف الناس قد غالوا بشيء قط مغالاتهم في قيمة هذه الحياة، فقد والله استجمعوا لها كل ما في الرغبة من الحرص، وكل ما في الخوف من الحذر، وكل ما في الأمل من الترقب، وكل ما في الحب من الخيال، واستجمعوا فوق ذلك تلك المعاني التي لا قرار لها في الأرض ولا في السماء: معاني النظرات الوهمية التي يرسلها المخلوق من أرضه إلى عرش الله، كأنه لا يجرؤ على أن يشك في نهاية الحياة إذ هي تنتهي على أعين الناس، ولا أن يجزم بهذه النهاية إذ هو لا يريد الموت وكأن الحياة لا تكفيه.
وما دام للحياة غد يرتقب، وهو الذي يسمونه المستقبل، فكل وهم يسهل على الحياة أن تهلكه أو تمرضه أو تضعف منه، إلا تلك المغالاة الممقوتة، فإنها أبدا في خصب وعافية ما بقي لها غذاء من ذلك المستقبل المحبوب.
قال " الشيخ علي": وأنت إذا سألت رجلا هن مسألة فسدد الجواب وأحكم الصواب، قلت: هذا جواب يحسن السكوت عليه، ولكنك إذا سألتني أنا: ما هي الحياة كما يفهم الناس؟ قلت لك: هذا سؤال يحسن السكوت عليه.. لأن اللغة هي التي أسمتها الحياة واستخرجت لهذا الاسم العذب معانيه من أوهام الأحياء، وكم فيما وراء السماء من معان تملأ الأبد ولعلها لا تملأ سطا أو سطرين في معاجم اللغة! ولكن دع هذا وسلني: ما هو الزمن الذي يقضيه الإنسان من يوم يولد فلا يقدر أن يرفض هذه الدنيا إلى يوم يموت فلا تستطيع هذه الدنيا إلا أن ترفضه؟ وما هو هذا المهد الذي يكبر شيئا فشيئا حتى ينتهي إلى الفراغ فيغيب فيه؟ وما هي هذه الحوادث التي تزلزل الناس في طريق القدر حتى يخروا على وجوههم فتتحول أجسامهم في الأرض إلى تراب في طريق المنفعة، ويتحول تاريخهم ترابا على طريق الموعظة؟
…
... سلني كذلك يا بني أجبك: هذا الفناء المحتوم وهذا الشقاء المقضي، وهذا الأمل الباطل، وهذا النسب الضائع، وهذا العمل الذي لا يراد لنفسه ولكن لما بعده، كل ذلك هو الحياة، أفلا ترنا نخادع أنفسنا إذا سألنا عن الحقيقة التي يسوؤنا أن نعرفها فنحرف السؤال إلى جهة بعيدة لكيلا نرى الجواب الصحيح مقبلا علينا ولكن مدبراً عنا؟ فما عسى أن تكون هذه الآمال، وهذه المنافسات، وهذا النزاع، وهذا الصراع، وهذه الأفراح، وهذه الأتراح، وكل ما إلى ذلك مما هو مدلول الحياة، إلا باطلا نستمتع به قليلا ثم يظهر أنه متاع الغرور؟ ما عسى أن تكون الحياة بكل ما فيها إلا مدة محدودة على ظهر الأرض تجعلها أوهام الإنسان ومطامعه وحماقته وجهله وكبريائه كأنها الأبد كله، فيكيد ويكيد، ويعمل ويدخر، ويهنأ ويحزن، ويطمع ويحرص، على نسبة من ذلك لا من نفسه، أي نسبة أبدية لا إنسانية.
ألا إنما مثل هذا الإنسان المغرور مثل رجل جمع الله عليه المصيبتين في باصرته وبصيرته، فضل في مكان، فهو يقبل ويدبر في دائرة من فضاء الأرض لا يهتدي إلى الوجه ولا يذهب على السمت، فيتوهم أن الطريق لا ينتهي وأنه وقع في صحراء لم تدرسها عكازته
…
وليست من علم رجليه في جغرافية هذه المسكونة
…
وكما لا تكون الطرق عند هذا الأعمى إلا عن علم رجليه، فأكثر طرق الحياة عند هؤلاء المغفلين الذين يطمس الله على بصائرهم هي من علم بطونهم، وما أدراك ما علم بطونهم
…
! وما رأت الحكماء أحدا قط جهل حقيقة معنى الحياة إلا وجدوا هذه الحقيقة في بطنه.... ولذلك قالوا: من كانت همته ما يدخل جوفه كانت قيمته ما يخرج منه
…
وإنما البطن جوع فشبع وشبع فجوع، وعلى هذا القياس لا تكون حياة هؤلاء إلا جوعا في الشهوات والآمال، فلا يطفئه إلا ما يسعره، ولا يجلب الراحة فيه إلا ما لا بد أن يرجع التعب به، جوع في الشهوات والآمال بالعقل لا بالبطن، لأن علم الحياة عندهم علم بالبطن لا بالعقل، وكلاهما مثلة بهذا الإنسان، ويالله كيف يريد الإنسان أن يحيا كما يحب ثم يحب ما لا يتفق مع سنن الحياة؟
من أجل ذلك شقي أكثر الناس بالعقل، غذ يقبلون به الأمور، ويحتالون منه الحيل، ويكرهونه أن يعمل على السخرة في لذة الجسم، يحضرونه من هم الشهوات الحيوانية ما لا قبل لهذا الروح الإلهي أن يستلب فيه، وإذ يخضعونه بدلا من أن يخضعوا له، ويسيرون به بدلا من أن يسير بهم، فكان من ذلك طغيان الحواس وطمسها على الروح، وتعفيتها على آثارها الإنسانية، ولا جرم كان من وراء ذلك طغيان هذه الفوضى المترامية في الاجتماع وانبثاقها بالشر من كل ناحية، وتداخلت حدود المطامع بعضها في بعض فصار الناس كالأمواج: لا تقوم القائمة إلا من سقوط الساقطة.
وكان الناس يتعلمون كيف يسبحون في بحر الدموع ليأمنوا الغرق فيه وليستنقذوا الغرقى منه، فجدت بهم الحوادث حتى تعلموا القتال عليه وصار من لم يستطع أن ينقد نفسه يجتهد في أن يغرق غيره.
الإنسان حيوان لولا العقل، فلما أخضع لشهواته العقل صار إنسانا لا حد له في الحيوانية، فهو من هذه الجهة لا إنسان ولا حيوان وإن كان الشيطان مطرودا من رحمة الله فخير ما يقال في هذا الإنسان إنه شيطان فيه موضع للرحمة!
…
وقد خلق الله هذه الحواس ولا ضابط لها إلا العقل يحكم تحديدها ويتولى تسديدها، ويستعين في أمرها بكل على كل، ومن ثم يستقيم من هذا الإنسان شيء معقول، ويصبح قد ضربت عليه الحدود لا يتعداها، ورسمت له دائرة في الإنسانية لا يجاوزها، فيقر كل امرئ في حيزه وقد صار عنده من الناس وعند الناس منه وثائق من العقل وبينات من الحق إذا هو حاكم إليهم ضلالة منهم أو حاكموا إليه ضلالة منه وهناك يرى كل عمل طيب ثواب نفسه، لأنه هو من فضائله كأنه شريعة لنفسه، ومتى كان العمل الطيب مما يجزئ في ثوابه عند الرجل من الناس أنه عمل طيب، فقد أصبح ولا غرو من سعادته، إذ لو لم يجد به سعادة لما لقي منه ثوابا، وبذلك، بذلك وحده من دون كل الوسائل الأخرى تصبح السعادة عمل من الأعمال يمكن أن يمارسه الإنسان فيسعد ما شاء الله أن يسعد، ثم تكون الحياة على ذلك واجبات يقضيها، فإن تحققت أو لم تتحقق فإما دخلت على نفسه بسرورها وإما خرج منها بعذره وقد أبلى عذرا.
ومتى صارت حياة رجل من الناس إلى أن تكون واجبات يتنجزها ويستقضيها من نفسه، فما لشهوات البدن موضع إلا كموضع النار من يدي المصطلي: لا يراد منه إلا حرا، ولا يراد من حرها إلا قدر معلوم، ولا يبتغي هذا القدر إلا مدة بعينها، ولا تكون هذه المدة إلا بمقدار ما يصلح أو يدفع الأذى، لأسرف في كل ذلك ولا هوان ولا مضيعة.
قال "الشيخ علي": ولكن كل شر العالم يا بني في لفظ واحد: هو طغيان الحواس، وبمعنى واحد: هو إذلال العقل، ولغرض واحد: هو هذا الموت الأدبي الذي يسميه المغفلون سعادة الحياة.
منذ طغت الحواس أصبحت الحدود بين مطالب الإنسان من فضائله إلى رذائله ولا أثر لها، لأن الشاطئ لا يعرف تحت السيل إذا طم عليه، فما أنت ولا أنا ولا أحد يدري ما هو حد الكفاية في رغبات هذا الإنسان وأهوائه، بل صارت هذه الكفاية وما ينطوي تحتها من ألفاظ القصد والقناعة والرضا وما إليها ألفاظا خيالية يساير ظلها ظل الإنسان، فلا حد لها ما دام هو لا يثبت لنفسه حداً، ولا تتأخر ما دام هو يتقدم، وأصبح أكثر الناس في رغباتهم الخيالية وما يعملون لها مدى الحياة كرجل ائتلى أن يخط دائرة مركزها ليس في محيطها، فكلما رسم دائرة رأى مركزها في داخلها، فيجتاز به وراء المحيط ثم يدير يده فإذا واحدة أخرى تقاطع الأولى ولم يصنع شيئاً صحيحاً مما يحاوله، ولا هو يرى من عمله شيئا صحيحاً، وما بقي من الأرض فضاء لم يخط عليه بعد، فهناك
…
هناك يرى هذا الأحمق الدائرة المتوهمة التي يخرج مركزها عن محيطها.
من هذا ونحوه أصبحت السعادة وهما من الأوهام، إن لم تعد في إشباع العواطف وتغذية الشعور، وليست في موضعها الذي هو بين الضمير والعقل ولكنها في إشباع جسد لا يشبع ما دام حيا، وفي تغذية حاسة لا يزيدها الغذاء إلا شراهة وضراوة، فلن تكتفي إلا إذا بطلت، وفي موضع مجهول بين هذه الحواس لا حد له إلا كالحد بين ما يجد المعدم وما يتمنى، فالسعادة على ذلك هي دائما في الاستعداد للسعادة
…
وكفى بهذا عبثاً.
ولعمري ماذا تكون الحياة، بل كيف تكون؟ أليس يعلم الإنسان أنه سائر إلى الموت، ويعلم كذلك أنه طالب ما لا يموت؟ فلا جرم كان شعوره بهذا التناقض مؤلما، وكان هذا الألم هو منشأة الهموم التي لا تدعه لنفسه ولا تدع نفسه له، وكانت حقيقة هذه الهموم التي يجمعها كلها هي شعور الإنسان شعورا فطريا جرى منه مجرى العادة بالمنازعاة بين ما يطلب هو في الحياة وبين الحقيقة التي تطلبه هو من الحياة، أي الموت، ومن ثم يضطرب كيانه العقلي. فيؤثر كل شيء في نفس هذا الإنسان تأثيرا أكبر من حقيقته، لأن حقيقة هذا الإنسان لم تعد في نفسه، بل في مطامعه، فهو يا بني كالوعاء المثقوب: تصب فيه البحر ولا يزال فارغاً! والحياة عنده هي طلب الحياة، وكفى بهذا عبثاً! ولا تحسبن أنه لا يبالي بما مضى من عمره، بل هو يستشعر فوق ذلك الخوف من أن يكون الذي مضى هو أكثر العمر وأطيبه، ولذلك لا يبرح شقيا بما يحاول، إذ يحاول أن يجمع طيبات الحياة ويستحوذ عليها في القليل من عمره، ليستمتع بها فيما وراء ذلك، كأن الحياة التي قوامها من الغذاء لا تفارق الإنسان ما دام الغذاء في بيته، وكأن الله يبيع المستقبل لمن اجتمع له من الدنيا ما يتوهم أنه يقوم ثمنا للمستقبل.....
لا يبرح هذا الإنسان شقيا، وهو أبدا من الهم والغيظ والتوقد واشتعال الأمل والاضطراب في أسباب الحياة كالسكة المحماة: يحسب ذلك من نفسه قوة وفضلا وسعة في الحيلة، ولا يدري أن هذه النار المشبوبة في صدره تقطع منه أكثر مما تقطع به، وأنها كما تعطيه قوة المضي في هنات الحياة وهيناتها، تعطي الأقدار الصلبة مثل هذه القوة عليه، فلا تكاد تصدمه من أي قطاره حتى يتثلم ويتفلل.
وهل تحسب مثل هذا يكون عداده في أهل السعادة، وهو من الحرص على الحياة يكاد يشم تراب قبره في كل حادثة تلم به، ولا يزال يصلب على كل باب من أبواب الأيام حتى يفتحها الصباح وحين يغلقها الليل، ويرمي بالنبل المسموم من فضوح الدنيا وشهوات النفس الدنيئة، ويقتل ضميره كل يوم قتلة الكذب والغدر والإثم، لأن ذلك من وسائل الحياة التي تبسط عليه الدنيا؟ وما ظنك بسعادة أولها حب النفس وآخرها بغض الناس، ومن مقدمتها منازعة الفرد للمجموع، ومن نتائجها منازعة المجموع للفرد، ومن مبدئها درس الشر علما، ومن غايتها مزاولة الخبث عملا، ولها اسم السعادة وفيها معنى الشقاء، ومن شروطها على صاحبها أنها لا تمتعه إلا بما يمله، ولا تتبرج فيه إلا فيما لا يناله، ولا تظهر للناس أبدا إلا ليروا فيه رذيلة من الرذائل، ثم لا تكون مع ذلك كالفقر في موضعها: هذا توازن بين نعم السماء التي تنزل على الضمير وبين هموم الأرض، وتلك توازن بين هموم السماء التي تنزل على الضمير وبين نعم الأرض، وآخر أمرها أن لا يعرفها صاحبها إلا على الضد مما يعرفها الناس: فهم يسمعون لها الأصوات العالية من الأمر والنهي والجاه وما إليها، وهو يعلم أن هذه الأصوات لم تخرج منها إلا لأنها كبيرة فارغة.....
قال "الشيخ علي": وبذلك يا بني خسر الناس لذة الحياة، فلا أدري أهم بشر أم آلهة، لأني أرى كل حي كأنما يريد أن يردم صدعا في الكون، وأن يصلح من هذه الدنيا ونظامه ما لم يصلح له، ولماذا؟
…
لأن الدينار الواحد نواة ذهبية، ولكن هذه النواة لا تخرج لكل إنسان نخلة من الذهب....
ولماذا أيضا؟
…
ولأن هذه النخلة حين تؤتي أكلها لا يكون إلا مراً! ولكن أليس في الأرض غبر المال ما يمكن أن يستلذ وأن يسمى نعمة؟ وأين هي تلك السوق التي تعرض فبها النعم الهنيئة ويقف إلى جانبيها ملائكة الله يبيعون بالدرهم والدينار، ويبيعون المريض من تلك الأغنياء عافية، والضعيف قوة، والحزين مسرة، والخائف أمنا، والفزع اطمئنانا، والهرم شباباً، والمهزول جسماً روياً، والميت رجعة أخرى
…
؟
ألا فليعلم الإنسان أن هذا العالم لا يصلح على ما هو عليه وما لابد منه لنظام الحياة، فسيأتي إن خير أو شرا، فكلنا يسمي الصعاب التي تعرض له في طريق الحياة عقبات: لأننا لا نبصر ما وراءها ولا نعرف في أي وضع تقر من نظام الحاضر أو نظام المستقبل، وهي لو تعلمون وسائل لما بعدها، فما تراد لنفسها أكثر مما تراد لغيرها، وهي بأن تكون مقيدة بهذا أحرى من أن تكون مقيدة بذاك، ورب صخرة حالت في طريقك لتلفتك إلى هاوية من ورائها، أو تتقي بها عدوا يدلف إليك من ورائك! والأعرج الذي يتأبط سناده ويتخذ منه رجلا تبدأ من الكتف، لا يكاد يعرج بضع سنين حتى يستفيض صدره ويكتنز عضله ويتفتل ويصبح لحيماً بادناً كأنما جمع في زنده حجم يده إلى حجم رجله التي رمي فيها، وكان مرهفا دقيقا متهدم الصدر بارز الأضلاع خاوي العروق ممسوحا في جملته، ثم أنت لا تراه إلا ساخطا متبرما يكاد يتحطم غيظا ويلعن سناده وما حمل
…
واليوم الذي حمل فيه، والسبب الذي حمله به، ويرى كأن العرج هو الذي قطعه عن شأو المعالي وكان سباقا
…
ويظن عند نفسه أن هذا العرج قد جعله في مشيته الممثل المضحك على مسرح الحياة! ولا كل هذا يا رجل، فهل نسيت ويحك أن السعال كان ينفضك نفضة الموت، وأن البرد كان قد اتخذ من أضلاعك سقفا يأوي إليه، وأن الأمراض لم تبرح ترميك آونة بعد أخرى كأنها تلين عظامك القاسية للضجعة الأخيرة، ولأنك كنت لا محالة هالكا تنفث رئتيك من شفتيك، وتبصق روحك تحت رجليك، وأنه لولا الداء الذي يسمى العرج، لهلكت بالداء الذي يسمى السل؟ هذه واحدة يا بني، وما من واحدة إلا وهي أختها، وحكمة الله لا تختلف، بل هي هي في كل شيء وإن كنا لا نعلم، وما خلق شيء عبثا، فتعالى الله الملك الحق، ولقد أعرف أن ما لم يقض لي فهو مقضي لغيري، وأنه لا بد أن أذهب في هذه الحياة بقسط من مصائبها، لأنه جزء من نظامها يتوقف على وجودي عليه، وهل أنا بدن يملأ الأرض ورأس طبق السماء، فيكون الفلك عمامتي، والقضاء غمامتي، وكل خير لهامتي؟. إن أنا يا بني من هذا الناس في أقدار الحياة المكتوبة إلا كالجندي في العسكر نصبته الحرب آلة حية تحركها ألفاظ وإشارات من حيث تأتي! فهو يندفع إلى الموت ويشوي من لحمه على النار متى أرادت خطة الحرب أن تنبعث وتتحرك، وإنما هو بجسمه وروحه وعقله نقطة صغيرة في خط صغير من خطط كثيرة مثله رسمت بها فكرة أمير الجيش على صفحة الميدان، فليس للجندي أن يسأل عند الحركة: لماذا
…
؟ إذ هولا يجد من يقول له: لأن..! ولكن متى أزفت الآزفة وحقت النهاية بالنصر والهزيمة، رأى العمل الذي وراءه كأنما انقلب أحرفا وكلمات يستوضح منها فكرة القائد كما رسمها! قال "الشيخ علي": ومن الأسئلة في هذه الحياة ما يولد حين يموت جوابه كما رأيت، فهو حمق من السائل ومضيعة، لأنه لا جواب عليه، وربما اعتده الأحمق معضلة من المعضلات وكد ذهنه فيه وقصر همه عليه وجعل يلقى به الناس ويفتح له الأحاديث، وذلك سخف لا يوجد به الجواب الصحيح ولكن يضيع فيه السائل، إذ يستفيد من وسعه وعمله وحيلته، ثم لا يرد عليه من كل ذلك إلا بالخيبة، وهذا، أعزك الله، سر من أسرار ضيق الناس بالحياة وتبرهم بأقدارها، لأن أكثر أعمالهم وآمالهم من جنس ذلك السؤال، فما أقل من ينتهز من يومه قبل أن يذهب يومه، وما أكثر من يريد غدا قبل غد
…
ولكأني بهذا الإنسان يود لو أسرع الفلك في دورته وجعل يرتمي به المرامي البعيدة لينهب ما في الغيب نهبا ولينال الممكن كله وشيئا من المستحيل أيضا
…
فيحيا بعد ذلك حياة طيبة عذراء لا تلد لياليها من مواليد الغيب قليلا ولا كثيراً
…
دونك آمال الناس فانظر هل تجد في هؤلاء الحمقى من يصب آماله إلا في قالب يسع ضعفيه على الأقل، وهو يحسب أنه بتوسيعه لها يخفي جانب الاستحالة فيها ولا يدري أنه يخفي جانب الممكن المعقول أيضا
…
، يصبها في قالب التمني، وما موضع التمني في عالم الحس وفي هذه الحياة الأرضية التي لا تزال تضرب جيلا بجيل، وتدفن قبيلا بأيدي قبيل، ويهملها الإنسان في الكثير وهي لا تهمله في القليل؟ وهل التمني أن تكون حوادث الحياة ما أريد أنا وما تريد أنت وما يريد فلان، إلا كما يتمنى كل إنسان من هؤلاء أن تكون غير نفسه، وكما يتمنى الطفل حين يجيب معلمه خطأ ويعلم أنه أخطأ أن يكون الجواب حقيقة كما أخطأ..؟ وقد يقال إنه ليس في العلماء أحمق ممن يكد ذهنه في ابتكار جواب غريب لمسألة لا تقع لإنسان ولا يحتاج أحد إلى جوابها، فكذلك لم أرى في الجهلاء أحمق ممن يسأل الحياة سؤالا لا جواب عليه أو لا يفهم الجواب عليه، كل ذلك حمق، وكل ذلك سخف، وكل ذلك عبث باطل، ولكن يا أسفا على الناس! كل ذلك من مذاهب الحياة، وكل ذلك من الواقع! فالناس من بين طامع جريء إن نفعته الجرأة ذهب بمنفعتها الطمع، وقانع ساكن إن أفادته القناعة ذهب بفائدتها السكون، ومتحيل على الغيب يستجمع له والواقع قد نفذ فيه، ومتبرم بحاضره يبني على السماء والأرض تهدم منه، وقليل من الناس المؤمن الوثيق الذي يشعر بقوة الله في كل ضيق، فإن لم ينصره الله على الحياة لا يخذلها فيها، وتراه لا يشك فيما يعرف ولا يريد أن يعرف ما يشك فيه، وهو يعلم أنه ليس شيء من المصائب والنعم يمكن أن ينزل في غير موضعه المهيأ له، إذ ليس في هندسة الله مكان مختل، وأن النعمة الصحيحة ليست في لذات الإنسان الحي ولكن في حياة هذا الإنسان، إذ الحياة صحيحة هي التي توجد اللذة، وأن القوة التي تسمو بالحياة حتى تسخر لها الطبيعة تسخيرا إنما هي قوة العقل، فإن وهن العقل صارت الحياة طبيعة حيوانية لا لذة فيها ما خص به الإنسان دون الحيوان من روح الله، بل تكون اللذة كل اللذة هي فقدان الألم أو إطفاءه إن تسعر.
وتالله لو أفرغت طيبات الدنيا في جوف هذا الحيوان الإنساني الذي وصفت لك ممن يسمونهم الأغنياء والمستمتعين وأهل الحظ والهناءة، ما زادت في لذته على ما يكون من إفراغ حقل من البرسيم في جوف حمار..! قال "الشيخ علي": وكما يفقد أكثر الناس السعادة في كثرة الاستعداد لها والإغراق في وسائلها، يجدها بعضهم في إهمالها حين لا يبحث عنها باحثا عن حقيقة الحياة.
ويا عجباً للناس! كأنهم ملكوا الأعمار، وضمنوا لأنفسهم دولتي الليل والنهار، فقلما يفكر أحدهم إلا في زاد الدهر البعيد والحياة المتطاولة والأمد الواسع، وهو لا يرتاب في أ، هـ لا يعيش غير عمر واحد محدود، ولكنه لا يدري أنه يحمل على نفسه من تلك الأطماع شقاء بضعة أعمار طويلة عالية السن ويسوقها بين يديه ظالعة عرجاء تطلب السعادة في طريق لا آخرة له، فهي تسير لأن بين يديها غرضا ما ينفك ماثلا على بعد منها، ثم تنبعث لأن الطريق لا تنتهي، ثم تقف عاجزة لأن الحياة قد كلت، ثم تقع وما بها حركة لأنه انتهت إلى الحفرة المجهولة التي تنشق تحت قدمي كل إنسان في الساعة التي هو رهن بها ولو كان طريقه في النعم واللذات على وادي الجنة بين الشمس والقمر! كل شيء ما شئت أن تتوهم، ولكن الحياة هي الحياة: هي الحقيقة التي تريد أن تعرف، والمدة التي تعمل أن تنقضي، والمعنى الذي تطير حوله الأقدار وتقع لتلتف الناس إليه، هي الحياة التي لا تتسع لأكثر من قضاء الواجبات، ولا تحمل جسدها إلا ريثما تبليه، واسمه الحياة ومعناها النجاح، وهي الحياة لا المال، والحياة لا الشهوات، والحياة لا المطامع، وإنما قيمة الحياة فيما نذهب لا فيما يذهب بها، فكل لذة لا تجد لروحك أثرا فيها لذة ميتة، وحقيق بك عندها أن تحسب أن شيئاً من عقلك أو من فضيلتك قد مات فيها.
ولقد نقلوا في أساطير الأولين عن "ميداس" أنه بلغ من فرط الغنى أن لا يلمس بيده شيئا إلا استحال ذهبا، فأرادت آلهة الخرافات أن لا ينخدع الناس فيه ولا يسحر أعينهم أو يسترهبهم، وأن يعلموا أنه إنسان، وأن فرط الغنى مثلة به، فمسخ "أبولون " أذنيه فكانتا
…
أذني حمار
…
ولعل فرط الغنى يا بني لا يكون في الأعم الأغلب إلا مع هذه الآذان....وما أملحها نادرة وأبعها إشارة وأحكمها ملحة! فإن كل ما في الحمار لا بد منه لتكوينه حمارا سويا، إلا أذنيه الطويلتين، فلو حملها إنسان كميداس رزق غنى الحيوانية فهما برهان على أنه ليس بإنسان صحيح ولم يستطع أن يكون شيئا حتى ولا حمارا من الحمير! وأي شيء هذا الغني الذي يأكل ويتمتع ولا يرتعي من لذات الحياة إلا الخضراء الناضرة، وقد سلط على هلكه ماله أو سلط ماله على هلكته فإن ذهبت تعتبر 'نسانا لم ترى فيه من الإنسان إلا النصف الأسفل....
أهو حيوان؟ فأين عمله الطبيعي إذن، فإني لا أرى هذه الحيوانات كلها إلا عاملة لنظام الطبيعة كما تعمل الطبيعة لها. أم هو إنسان؟ فأين عمله الاجتماعي الذي يسني منزلته إذا أصبح الناس على منازلهم، وأين الحد الإنساني الذي يصله بمجد الماضي أو يدل عليه في عمل الحاضر أو يلحقه بأمل المستقبل؟ إن الطبيعة يا بني لا تغفل خطأ ولا تنسى مذنبا ولا تصفح عن إساءة، ولكنها تضرب بيد ألطف مسا من الهواء وأخف موقعا من الضوء، على حين أن صفعتها زلزلة لا يقوم لها بناء حي، فلو أن مثل هذا الغني قد أعطي معدة حمار أو أعصاب بغل أو قوة فيل أو نحو ذلك، لتم تمامه بالمال فوجد في هذا المال مسد حاجته كيف مست، غير أنه أعطي شره الحمار دون معدته، وأعطي في هذا الباب من البغل والفيل وغير البغل والفيل دون ما يحمل ذلك وما يبعث عليه، فكأنما مسخ من باطنه مسخا على حين أن طبيعته الإنسانية لا تخلو على هذه الأبواب من هذه الشهوات ولا تصلح بها ولا تطعم فيها من الحياة. وقد حدثوا عن امرأة من ذوات النعمة الفاشية في أميركا اتخذت كلبا فوقع منها بموضع محبة شديدة، فاستصفته وتحفت به وذهبت كل مذاهبها في ترفيهه وفتحت عليه من دنياها العريضة، فنصت له السرير، وفرشت له الحرير، وأبدلته سماع الموسيقى من سماع الهرير، ومنتعه العظم يعالجه ويقرضه، وحرمته على الجوع يقعده وينهضه، وما زالت به ترأمه وتحنو عليه. فإذا هو يذوي ثم يضعف ثم يمرض ثم يهلك، وكانت المرأة كأنما تقتله بالنعمة شر قتلة، وتصب عليه العذاب صبا من ألوان ذلك النعيم، فكيف بصاحبنا الغني حين تبالغ الطبيعة في ترفيهه على من يشاء له الهوى من سنة الحمار والبغل والفيل وجماعتها كما بالغت صاحبة الكلب في ترفيه كلبها على سنة الإنسان؟ قال " الشيخ علي": الحياة يا بني مدة، والمدة ضائعة لولا العمل، والعمل على مقدار المنفعة، والمنفعة بآثارها، وهذه الآثار هي تاريخ الحياة، فالأحمق الشره الذي يعيش مقبورا في بطنه، والغني اللئيم الذي يعيش مقبورا في خزانته، والفاسق العاهر الذي يعيش في مقبورا في رذائله ومخازيه، والدنيء السفلة الذي يعيش مقبورا في جرائمه وآثامه، كل أولئك لا تاريخ لحياتهم ولا حياة لتاريخهم، فهم أناس خلقوا بخصائصهم لتمثيل ألوان العذاب وأصناف العقاب، يقع ذلك عليهم من الله ثم يقع منهم على الناس، وإنما يعان المخذول منهم على احتمال أمره بما هو فيه من الغرور وما يطوع له، وما كان الغرور وصاحبه في عاقبة الحياة ورجع الأمر كرجلين من الحمقى ضمهما طريق فاصطحبا، ثم أفضى بهما السير إلى جبل قطع عليهما، فقال أحدهما لصاحبه: إني أراك شديد الأسر قوي البضعة، وما أرى إلا أن تحمل هذا الجبل وتلقيه بعيدا من هنا، فلا مذهب لنا إلا من ورائه.....قال له صاحبه: أما إني كما وصفت، وإن بي لقدرة على حمله، فما عليك أنت إلا أن تضعه على ظهري!
…
فلا الحامل أطاق فحمل ولا المعين استطاع فأعان، وإنما هما كحماري العبادي الذي قيل له: أي حماريك شر؟ فقال: هذا ثم هذا
…