المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌كمال التشريع الإسلامي (ولو كره الكافرون) - المستشرقون والمبشرون في العالم العربي والإسلامي

[إبراهيم خليل أحمد]

الفصل: ‌كمال التشريع الإسلامي (ولو كره الكافرون)

‌كمال التشريع الإسلامي (ولو كره الكافرون)

وللرد على مثل هذه المفتريات لا يسعني إلا أن آتي بإقرار رجل من رجال القانون البارزين، وعالم من العلماء الإنكليز هو مستر بنتام الذي يقول في كتابه (أصول الشرائع) في نقد النظام الكنسي:

"حقاً إن الزواج الأبدي هو الأليق بالإنسان، والملائم لحاجته، والأوفق لأحوال الأسرة، والأولى الأخذ به.... ولكن إن اشترطت المرأة على الرجل إلا تنفصل عنه حتى لو حلت في قلبيهما الكراهية الشديدة مكان الحب والثقة لكان ذلك أمراً منكراً، لا يستسيغه أحد من الناس، على أن هذا الشرط موجود بدون أن تطلبه المرأة، إذ القانون الكنسي يحكم به، فيتدخل بين العاقدين حال التعاقد، ويقول لهما: أنتما تقترنان لتكونا سعيدين، فلتعلما أنكما تدخلان سجناً سيحكم غلق بابه، ولن أسنح بخروجكما وإن تقاتلتما بسلاح العداوة والبغضاء".

ويعلق الفيلسوف بنتام على هذا بقوله: ولو كان الموت وحده هو المخلص من زواج هذا شأنه لتنوعت صنوف القتل واتسعت مذاهبه، ولكن لحسن الحظ استحدث المسيحيون من القوانين المدنية

ص: 91

ما يفتح لهم أبواباً للطلاق، ويعفيهم من أن يلجأوا إلى القتل أو الانتحار للخروج من هذا السجن.

وهذه الظاهرة - وهي السير في الأحوال الشخصية وفق قانون مدني يختلف عن تعاليم الدين - لا تكاد توجد في غير شعوب الغرب المسيحي، فجميع أهل الملل والنحل الأخرى حتى البرهميون والبوذيون، والوثنيون، والمجوس، يسيرون في أحوالهم الشخصية وفق تعاليم دياناتهم.

وقد نجد من بينهم من استحدث في الأحوال العينية قوانين مدنية تختلف عن تعاليم دينه، ولكننا لا نكاد نجد من بينهم من استحدث قوانين مدنية في الأحوال الشخصية، أي في شئون الزواج والطلاق، وما إلى ذلك

وأمكن لهذه النحل والملل أن تساير الحياة العملية، وتجاري طبيعة البشر في هذه الشئون، والمسيحيون وحدهم هم الذين كفروا بدينهم من الناحية العملية في الأحوال الشخصية على العموم، وفي شئون الطلاق على الخصوص، لأنهم هم أنفسهم قد وجدوا أن تعاليمه في هذا الصدد تنكر الواقع، وتتجاهل طبيعة الإنسان، ولا تصلح للتطبيق في الحياة.

ولم يستطع رجال الدين المسيحي سبيلاً إلى صد هذا التيار، ولا الوقوف في وجه المنطق والعقل وضرورات الحياة الإنسانية، فتركوا الأمور تجرى في أعنتها، واكتفوا بأن يظهروا من حين إلى حين على مسرح الحوادث حينما يتعلق الأمر بملك أو عظيم، وحينما تكون الظروف السياسية مواتيه لظهورهم، كيما يثبتوا وجودهم، وكيما يبقوا على شيء من سلطانهم الديني، كما حدث في موضوع ملك إنكلترا الأسبق "إدوارد الثامن" الذي أراد أن يتزوج

ص: 92

بعشيقته، وهذا ما تندد فيه الكنيسة إذ أن مسز سمبسون مطلقة، وتعتبر في نظر الكنيسة زانية، وهذه المطلقة قد ملكت على الملك قلبه وحواسه، وكانت الظروف السياسية لسوء الحظ مواتية لإحراج هذا الملك، والوقوف في سبيل رده عم نزواته، فظهرت الكنيسة بأناجيلها، وبأن من يتزوج بمطلقة يزني، وخير له أن يمتثل لهذا الخرافات، ويحتفظ لنفسه بالعرش الإمبراطوري العظيم، أو ينزل على حكم قلبه فيتنازل عن العرش، وكان أن آثر الملك إدوارد الثامن أن يتنازل عن العرش على أن يستسلم إلى خرافات الكنيسة.

ومن الغريب في الأمر إنه كان معروفاً لدى الخاص والعام ولدى الكنيسة والشعب أن هذا الملك كان يعاشر خليلته هذه وهي لا تزال في عصمة زوجها مستر سمبسون، قبل أن تطلق منه، وكان لها جناح خاص في قصره، ولم يرتفع صوت الكنيسة، ولا صوت الشعب بالاحتجاج على ذلك.

فمعاشرة الملك لها كخليلة لم يثر فيهم غضبة أو نفوراً إطلاقاً، بل كانوا غاضين النظر عن تعاليم الإنجيل، ولما أبدى رغبته في أن سنة الأب والابن والروح القدس، وأن يعاشرها معاشرة شرعية، لا معاشرة الرفيق لرفيقته - بعد أن تمت إجراءات طلاقها من زوجها الأول اللورد سمبسون - إذا بالكنيسة تهب في وجهه، ويجتمع رجال الدين ويلوحون بالتعاليم الكنسية.

وموقف آخر لرجال الدين في إحراجهم للأميرة مرجريت، التي أحبت كابتن تاونسد، وكانت ترافقه في رحلاته، فلما شرعت في الزواج منه هبت الكنيسة في وجهها بأن هذا الكابتن الذي

ص: 93

عشقته مرجريت مطلق، ولا يجوز لها أن تتزوج بمطلق لئلا تعتبر زانية في نظر الكنسية، مع أن طلاقه كان قد تم وفق الأوضاع الكنيسية نفسها، إذ أقرت زوجته السابقة بتهمة الخيانة الزوجية وثبت ذلك عليها بأدلة مادية قاطعة، وأعتقد الرأي العام المسيحي أنها زانية، ولابد أن تطلق.

وهكذا لا يظهر رجال الكنيسة بسخافاتهم هذه إلا حينما يكون الأمر متعلق بملك أو عظيم، وحينما تكون الظروف السياسية مواتية لظهورهم، فهم لا يقصدون بذلك إلا انتهاز الفرص لإثبات وجودهم في صورة بارزة، والإبقاء على شيء من سلطانهم الديني، والظهور أمام الشعب بمظهر الجلال والقدسية، وإقامة الدليل بطريق عملي على أن مكانتهم فوق مكانة التيجان، ومنزلتهم فوق منزلة الأمراء والملوك.

ولا أدل على ذلك من أن حالات الطلاق وزواج المطلقين والمطلقات تحكم بها المحاكم الأوربية والأمريكية، وتنفذها الهيئات المدنية في مختلف شعوب الغرب المسيحي على مرأى من الكنيسة، ومسمع من رجال الدين، دون أن تحرك ساكناً، أو تقوى على الاعتراض على القوانين التي تبيح ذلك، أو على الحالات في تطبيقها.

ولا أدل على ذلك أيضاً من أن رئيس وزراء إنكلترا السابق (السير أنطوني إيدن) قد طلق زوجته الأولى التي هربت مع عشيقها إلى أمريكا، وهو الآن متزوج من غيرها، ولم يرتفع صوت الكنيسة بالاعتراض عليه، ولا على توليه أكبر منصب في الدولة، لأن الظروف السياسية لم تكن مواتية لارتفاع مثل هذا الصوت، أو التلويح بالأناجيل في وجهه.

ص: 94

هذا هو النظام المسيحي الذي أهمله أهله أنفسهم، وهذا هو إقرار من سادتهم من رجال القانون، ومع عدم ملاءمة شريعة الزواج عند النصارى للتشريع الإلهي وصلته بالإنسان، يحاولون أن يذيعوا بين الأوساط الإسلامية استنكار تعدد الزواج، واستنكار الطلاق، ويتابعهم في هرائهم هذا المتفرنجون من أبناء وبنات المسلمين، وهم لا يدرون أن الفرنجة لا يقصدون بذلك إلا الكيد للإسلام، وتشويه تعاليم الإسلام القدسية، وتوهين منزلته في نفوس معتنقيه، وإشاعة الفوضى والانحلال في الأمم الإسلامية.

ص: 95