الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النووي، وهو خاتمة الأسماء -رضى الله عنهم أجمعين- ورضى عَنَّا بهم.
وإذ علم هذا الأنموذج الشريف الدال على سعادة الدارين، فنعود إلى ذكر تراجمهم المعطرة للوجود، المرغبة في الخير لكل موجود، مستمدين من الله التوفيق والمعونة فنقول:
1 - الإمام الشافعي
هو أَبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف، جد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشافع بن السائب هو الذي ينسب إليه الشافعي، لقى النبى صلى الله عليه وسلم وهو مترعرع، وأسلم أبوه السائب يوم بدر، فإنه كان صاحب راية بني هاشم، فأسر من جملة من أسر، وفدى نفسه ثم أسلم، كانت ولادة الشافعي بغزة من الشام سنة خمسين ومائة، وقيل: بمنى، حكاه في "التنقيب"، وقيل: بعسقلان، وقيل: باليمن، ثم حمل إلى مكة وهو ابن سنتين، ونشأ بها، وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، و"الموطأ" وهو ابن عشر، وتفقه على مسلم بن خالد مفتى مكة، ويعرف بالزنجى لشدة شقرته من باب الأضداد، وأذن له مسلم في الإفتاء وعمره خمس عشرة سنة، ثم رحل إلى مالك بالمدينة، ولازمه مدة، ثم قدم بغداد سنة خمس وتسعين ومائة، فأقام بها سنتين، فاجتمع عليه علماؤها وأخذوا، عنه وصنف بها كتابه القديم، ثم خرج إلى مكة، ثم عاد إلى بغداد سنة ثمان وتسعين فأقام بها شهرًا، ثم خرج إلى مصر، فلم يزل بها [ناشرًا](1) للعلم، ملازمًا للاشتغال بجامعها العتيق إلى أن أصابته ضربة شديدة،
(1) في أ: مباشرًا.
فمرض بسببها أيامًا على ما قيل، ثم انتقل إلى رحمة الله وهو قطب الوجود يوم الجمعة سلخ رجب سنة أربع ومائتين، ودفن بالقرافة بعد العصر من يومه، وكانت له كرامات ظاهرة، منها: أنه لما حضره الموت نظر إلى أصحابه: فقال للبويطى: يا أبا يعقوب تموت في قيودك، فكان منه ما سنذكره قريبًا، وقال للمزنى: سيكون لك بعدى شئون، فعظم شأنه بعده عند الملوك فمن دونها، وقال لابن عبد الحكم: تنتقل إلى مذهب أبيك، فانتقل لسبب يأتى ذكره، وقال للربيع: أنت راوية كتبى، فعاش بعده قريبًا من سبعين سنة حتى صارت الرواحل تشد إليه من أقطار الأرض، لسماع كتب الشافعي.
وكان رحمه الله أول من تكلم في أصول الفقه، وأول من قرر ناسخ الأحاديث ومنسوخها، وأول من صنف في أبواب كثيرة من الفقه معروفة، ومع ذلك قال: وددت أن لو أخذ عنى هذا العلم من غير أن ينسب إلىّ منه شئ، وقال: ما ناظرت أحدًا إلا وددت أن يظهر الله الحق على يديه، ومعناه كما قال البيهقي: إنه لا يستنكف [عن الأخذ به، بخلاف خصمه، فإنه قد يستنكف](1) فلا يأخذ به، وكان جهورى الصوت جدًا، وفي غاية من الكرم والشجاعة، وجودة الرمى وصحة الفراسة وحسن الأخلاق، وكان قوله حجة في اللغة كقول امرئ القيس ولبيد ونحوهما، نهاية في العلم بأنساب العرب وأيامها وأحوالها ذا، شعر غريب.
طلب رحمه الله من محمد بن الحسن صاحب أَبي حنيفة -رضى الله عنهما- إعارة كتب لما قدم بغداد فمنعها، وكان الشافعي يعظمه ويثنى على علمه ثناءً كثيرًا، فبعث إليه رقعة فيها:
(1) سقط من ب.
قل لمن لم تر عينا من رآه مثله
…
ومن كان من رآه قد رأى قبله
العلم ينهى أهله أن يمنعوه أهله
…
لعله يبذله لأهله لعله
وله:
ولولا الشعر بالعلماء يزرى
…
لكنت اليوم أشعر من لبيد
وأشجع في الوغى من كل ليث
…
وآل مهلب وأبي يزيد
ولولا خشية الرحمن ربى
…
حسبت الناس كلهم عبيدى
وله:
ما حك جلدك مثل ظفرك
…
فتول أنت جميع أمرك
وإذا قصدت لحاجة
…
فاقصد لمعترف بقدرك
وله:
أمت مطامعى فأرحت نفسى
…
فإن النفس ما طمعت تهون
وأحيبت القنوع وكان ميتا
…
ففي إحيائه عرض مصون
إذا طمع يحل بقلب عبدَ
…
علته مهانة وعلاه هون
وله:
إذا ما خلوت الدهر يومًا
…
فلا تقل خلوت ولكن قل على رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة
…
ولا أن ما تخفى عليه يغيب
غفلنا لعمر الله حتى تراكمت
…
علينا ذنوب بعدهن ذنوب
فياليت أن الله يغفر ما مضى
…
ويأذن فى توباتنا فنتوب