الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب التاسع
في ذكر فتح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بيت المقدس، وما فعله من كشف التراب "والزبل" عن الصخرة الشريفة
وذكر بناء عبد الملك بن مروان وما صنعه فيه وذكر الدرة اليتيمة التي كانت في وسط قبة الصخرة وقرنا كبش
إبراهيم وتاج كسرى وتحويلهم منها إلى الكعبة الشريفة حين صارت الخلافة لبني هاشم وذكر تغلب الفرنج على بيت المقدس وأخذه من المسلمين بعد فتح "سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه" وذكر مدة مقامه في أيديهم وذكر فتح السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب له واستنقاذه من أيدي الفرنج وإزالة آثارهم منه، وإعادة المسجد الأقصى والصخرة الشريفة إلى ما كان عليه واستمراره على ذلك حتى الآن وإلى يوم القيامة إن شاء اللَّه تعالى.
اعلم أن فتح عمر بن الخطاب رضي الله عنه بيت المقدس قد ورد في كتب الفضائل المعتمد عليها من طرق عديدة ورواياتها مختلفة وقد أحببت أن أجمع بين طرقها وإيراد كل طريق منها بلفظه تيمنا وتبركا بهذا الفتح المبين الواقع على يد هذا الخليفة أمير المؤمنين ثاني الخلفاء الراشدين الذين أعز اللَّه تعالى به الدين وعادت بركة خلافته وعدله على كافة الإسلام والمسلمين، فمنها ما رواه صاحب مثير الغرام بسنده إلى الوليد قال: أخبرني
شيخ من آل شداد بن أوس الأنصاري أنه سمع أباه حدث عن جده شداد رضي الله عنه أنهم لما فرغوا من قتال اليرموك سار جماعة من المسلمين إلى ناحية فلسطين والأردن وأنه كان فيمن سار، قال: فحاصرنا مدينة المقدس فتعذر علينا فتحها حتى قدم علينا ابن الخطاب رضي الله عنه في أربعة آلاف راكب فنزل على جبل بيت المقدس الشرقي -يعني جبل طور زيتا- ونحن على حصارها محيطون بها فانحدر علينا من أصحاب عمر رضي الله عنه قوم يقاتلون بنشاطٍ وأحدث لنا مجيئهم وقدوم عمر رضي الله عنه جدا ونشاطًا رجونا بذلك الفتح فقاتلناهم مليًا إذ أقبل وأشرف علينا منهم مشرف يسأل الأمان حتى يكلمنا ففعلنا فقال: ما هذا العسكر الذي نزل؟ فقلنا هذا عسكر أمير المؤمنين "قال وأرسل إلينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه" يأمرنا بالكف عن القتال وقال إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أخبرني أني أفتحها بغير قتال وأشرف علينا رسول بطريقها يسأل الأمان لرسوله ليبلغ رسالته إلى عمر ففعلنا فأتاه بالترحيب وقال: إنا سنعطي بحضوركم ما لم نكن نعطيه لأحد دونك وسأله أن يقبل منه الصلح والجزية، ويعطه الأمان على دمائهم وأموالهم وكنائسهم فأنعم له عمر بذلك فسأله الرسول الأمان لصاحبه ليتولى مصالحته ومكاتبته فأنعم عليه وخرج إليه بطريقها في جماعة فصالحهم. وأشهدنا على ذلك فقال الوليد: فحدثني شيخ من الجند عن عطاء الخراساني أن المسلمين لما نزلوا على بيت المقدس
قال لهم رؤساؤهم إنا قد أجمعنا على مصالحتكم وقد عرفتم منزلة بيت المقدس وإنه المسجد الأقصى الذي أسري بنبيكم إليه ونحن نحب أن يفتحها ملككم، وكان الخليفة إذ ذاك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فبعث المسلمون إليه وفدا وبعث الروم وفدا مع المسلمين حتى أتوا المدينة فجعلوا يسألون عن أمير المؤمنين فقال:
الروم لترجمانهم عمن يسألون؟ فقال: عن أمير المؤمنين فاشتد عجبهم وقال هذا الذي غلب الروم وفارس وأخذ كنوز كسرى وقيصر وليس له مكان يعرف.
بهذا غلب الأمم فوجدوه قد ألقى نفسه حين أصابه الحر نائما فازدادوا تعجبا فلما قرأ كتاب أبي عبيدة منا حتى أتى بيت المقدس وفيها اثنا عشر ألفا من الروم وخمسون ألفا من أهل الأرض فصالحهم على أن يسير الروم منها وأجلهم ثلاثة أيام عليه بعد ثلاث فقد برئت منه الذمة وأمن من بها من أهل الأرض وفرض عليهم الجزية على القوي خمسة دنانير، وعلى الذي يليه أربعة دنانير وعلى الذي يليه ثلاثة وليس على "فان كبير" شئ ولا على طفل. ثم أتى محراب داود عليه السلام فقرأ فيه "ص" وروينا عن طريق آخر أيضا أن أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه أتى إلى لأرض فعسكر بها وبث الرسل إلى أهل إيليا وسكانها وكتب إليهم: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم من أبي عبيدة بن الجراح إلى بطارقة أهل إيليا وسكانها سلام على من اتبع الهدى وآمن باللَّه تعالى ورسوله أما بعد: فإني أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن اللَّه يبعث من في القبور فإذا شهدتم بذلك حرمت علينا دماؤكم وأموالكم وذراريكم وكنتم لنا إخوانا وإن أبيتم فأقروا لنا بأداء الجزية عن يد وأنتم صاغرون وإن أنتم أبيتم سرت إليكم بقوم هم أشد حبا للموت منكم لشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، ثم لا أرجع عنكم إن شاء اللَّه أبدا حتى أقتل مقاتليكم،
وأسبي ذراريكم".
قال: ثم إن أبا عبيدة بن الجراح انتظر أهل إيليا فأبوا أن يأتوه وأن يصالحوه فأقبل سائرًا حتى نزل بهم فحاصرهم محاصرة شديدة وضيق عليهم فخرجوا إليه ذات يوم ليقاتلوا المسلمين، ثم إن المسلمين سدوا عليهم من كل جانب فقاتلوهم حتى دخلوا حصنهم وكان الذي ولي قتالهم يومئذ خالد بن الوليد رضي الله عنه ويزيد بن أبي سفيان كل رجل منهم في جانب قالوا فبلغ ذلك سعيد بن يزيد وهو على أهل دمشق فكتب:
"بسم اللَّه الرحمن الرحيم إلى أبي عبيدة بن الجراح من سعيد بن يزيد سلام عليك فإني أحمد اللَّه تعالى الذي لا إله إلا هو أما بعد فإني لعمري ما كنت لأوثرك وأصحابك بالجهاد على نفسي ولا على ما يدنينى من مرضات اللَّه تعالى فإذا أتاك كتابي هذا فابعث إليَّ عاملك بمن هو أرغب فيه وأعلمه ما به بذلك فإني قادم عليك وشيكا إن شاء اللَّه تعالى والسلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته".
قالوا: فقال أبو عبيدة حين جاء الكتاب: لنتركها خلوفا ثم دعا بيزيد بن أبي سفيان فقال له اكفني دمشق، فقال له يزيد: أكفيكها إن شاء اللَّه تعالى وسار إليها فولاها له، قالوا: ولما حضر أبو عبيدة أهل إيليا ووجدوا أنه غير مقلع عنهم لم يجدوا لهم طاقة بحربه فقالوا: نحن نصالحك، قال: فإني قابل منكم، قالوا فأرسل إلى خليفتكم عمر فيكون هو الذي يعطينا هذا العهد ويكتب لنا الأمان فقبل أبو عبيدة ذلك وهمَّ أن يكتب وكان أبو عبيدة رضي الله عنه قد بعث معاذا "على" الأردن، ولم يكن سار بعد فقال معاذ لأبي عبيدة: أتكتب لأمير المؤمنين تأمره بالقدوم عليك فلعله يقدم ثم يأبى هو إلا الصلح فيكون مجيئه فضلًا وعناءً فلا تكتب إليه حتى يوثقوا إليك واستحلفهم الأيمان المغلظة والمواثيق المؤكدة إن أنت بعثت إلى أمير المؤمنين فقدم عليهم وأعطاهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وكتب لهم بذلك كتابا ليقبلن الجزية وليدخلن فيما دخل فيه أهل الشام فبعث أبو عبيدة
إليهم بذلك فأجابوا إليه فلما فعلوا ذلك كتب أبو عبيدة إلى عمر رضي الله عنه: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم لعبد اللَّه عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أبي عبيدة بن الجراح سلام فإني أحمد اللَّه تعالى إليك الذي لا إله إلا هو أما بعد فإنا أقمنا على أهل إيليا وظنوا أن لهم في مطاولتهم فرجا فلم يزدهم اللَّه إلا ضيقا ونقصا وهزلا وذلا فلما رأوا ذلك سألوا أن يقدم أمير المؤمنين فيكون هو الموثق لهم والمكاتب فخشينا أن يقدم أمير المؤمنين فيعذر القوم ويرجعوا فيكون سيرك أصلحك اللَّه عناءً وفضلًا فأخذنا عليهم المواثيق المغلظة بأيمانهم ليقبلن وليؤدون الجزية وليدخلن فيما دخل فيه أهل الذمة ففعلوا فإن رأيت أن تقدم فافعل فإن في سيرك أجرًا وصلاحًا أتاك اللَّه تعالى ورشدك ويسر أمرك والسلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته".
فلما قدم الكتاب على عمر رضي الله عنه دعا رؤساء المسلمين إليه وقرأ عليهم كتاب أبي عبيدة رضي الله عنه واستشارهم في الذي كتب إليه فقال له عثمان رضي الله عنه: إن اللَّه تعالى قد
أذلهم وحصرهم وضيق عليهم وهم في كل يوم يزدادون نقصًا وهزلًا وضيقًا ورعبًا فإن أنت أقمت ولم تسر إليهم رأوا أنك بأمرهم مستخفًا ولشأنهم حاقرًا غير معظم فلا يلبثون إلا قليلًا حتى ينزلوا عن الحكم ويعطوا الجزية فقال عمر رضي الله عنه ماذا ترون عند أحدكم رأي غير هذا الرأي؟ فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه نعم عندي غير هذا الرأي قال: ما هو؟ قال: إنهم قد سألوا المنزلة التي فيها الذل لهم والصغار وهو على المسلمين فتح ولهم فيه عز يعطونكها الآن في العاجل في عافية وليس بينك وبين ذلك إلا أن تقدم عليهم ذلك في القدوم عليهم الأجر في كل ظماء ومخمصة وفي كل واد وفي كل نفقة حتى تقدم عليهم، فإذا أنت قدمت عليهم كان الأمن والعافية والصلاح والفتح ولست آمن إن يئسوا من قبولك الصلح منهم أن يتمسكوا بحصنهم فيأتيهم عدو لنا أو يأتيهم منهم مدد فيدخل
على المسلمين "بلاء ويطول" بهم حصار فتصيب المسلمين من الجهد والجزع ما يصيبهم ولعل المسلمين يدنون من حصنهم فيرشقونهم بالنشاب ويقذفونهم بالمناجيق فإن أصيب بعض المسلمين تمنيتم أنكم افتديتم قتل رجل واحد من المسلمين بمسيرك إلى منقطع التراب وكان لذلك من إخوانه أهلًا فقال عمر رضي الله عنه قد أحسن عثمان النظر في مكيدة العدو وأحسن علي النظر لأهل الإسلام سيروا على اسم اللَّه تعالى فإني سائر فخرج فعسكر خارج المدينة ونادى في الناس بالعسكر والمسير فعسكر العباس بن عبد المطلب بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ووحدة قريش والأنصار رضي الله عنهم والعرب حتى إذا تكامل عنده الناس استخلف على المدينة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وساروا فأقبل على المسلمين بوجهه، وقال:"الحمد للَّه الذي أعزنا بالإسلام، وأكرمنا بالإيمان ورحمنا بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فهدانا من الضلالة وجمعنا به من بعد الشتات وألف بين قلوبنا ونصرنا على الأعداء ومكَّن لنا في البلاد وجعلنا إخوانًا متحابين فاحمدوا اللَّه عباد اللَّه على هذه النعمة وسلوه المزيد من المن راغبين" ويتم نعمته على الشاكرين". قالوا: وكان لا يدع هذا القول في كل غداة في سفره كله فلما دنى من الشام عسكر وأقام يعسكر حتى قام إليه من تخلف من العسكر فما هو إلا أن طلعت الشمس فإذا الرايات والرماح والجنود قد أقبلوا على الخيول يستقبلون عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكان أول من
"تضنن تيفنا" من الناس فنادى "أهل لكم يا أمير المؤمنين من علم" فسكتوا ومضوا فأقبل آخرون فسلموا ثم سألوا
عن أمير المؤمنين هل لنا به علم؟ فقال لنا: لا تخبروا القوم عن صاحبكم فقلنا هذا أمير المؤمنين فذهبوا يقتحمون عن خيولهم فناداهم عمر لا تفعلوا ورجع الآخرون الذين مضوا فساروا مضيًا وأقبل المسلمون يصفون الخيل ويشرعون الرماح في طريق عمر حتى "طالع" أبو عبيدة في عظم الناس فإذا هو على "قلوص""يكشفها""بعباده" خطامهما من شعر لابس سلاحه متنكب قوسه فلما نظر إلى عمر أناخ قلوصه وأناخ عمر بعيره فنزل أبو عبيدة وأقبل إلى عمر وأقبل عمر على أبي عبيدة فلما دنى "إلى" أبي عبيدة مد أبو عبيدة يده إلى عمر ليصافحه فمد عمر يده فأخذها أبو عبيدة وأهوى ليقبلها يريد أن يعظمه في العامة فأهوى عمر إلى رجل أبي عبيدة ليقبلها فقال أبو عبيدة "مه" يا أمير المؤمنين تنحى فقال عمر مه يا أبا عبيدة فتعانق الشيخان ثم ركبا يتسايران وسار الناس أمامهما وزعم بعض أهل الشام أنهم تلقوا عمر "ببرذون"
وثياب بعض وكلموه أن يركب البرذون ليراه العدو فهو أهيب له عندهم وأن يلبس الثياب ويطرح الفروة فأبى ثم ألحوا عليه فركب البرذون بفروته وثيابه "فهملج" البرذون به "وخطام" ناقته في يده فنزل وركب راحلته وقال لقد غيرني هذا حتى خفت أن أتكبر وأن أنكر نفسي فعليكم يا معشر المسلمين بالقصد وبما أعزكم اللَّه عز وجل به.
وروى طارق بن شهاب قال: لما قدم عمر رضي الله عنه الشام عرضت له مخاضة فنزل عن بعيره ونزع "جرموقية" فأمسكها بيده وخاض الماء ومعه بعيره فقال لأبي عبيدة لقد صنعت اليوم صنيعًا عظيمًا عند أهل الأرض فضحك عمر في صدره وقال: لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس فأعزكم اللَّه بالإسلام ومهما تطلبوا العز بغيره يذلك اللَّه تعالى وعن يوسف عن أبي حازم عن عثمان عن خالد وعبادة قال: صالح عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن أهل إيليا بالجابية وكتب لهم فيه الصلح لكل كورة كتابا واحدا ما خلا أهل إيليا "بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا
ما أعطى عبد اللَّه أمير المؤمنين عمر أهل إيليا من الأمان، أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم مقيمها وبريها وسائر ملتها إنها لا تسكن كنائسهم، ولا تهدم، ولا ينقص منها ولا من جزها ولا من "صليبهم" ولا يضار أحد منهم ولا يسكن بإيليا أحد من اليهود، وعلى أهل إيليا أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن
وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص فمن خرج منهم آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم ومن أقام منهم فهو آمن مثل ما على أهل إيليا من الجزية، ومن أحب من أهل إيليا أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعتهم وصليبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعتهم وعلى صليبهم حتى يبلغوا مأمنهم ومن كان فيها من أهل الأرض فمن شاء منهم قعد وعليهم مثل ما على أهل إيليا من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أرضه، وإنه لا يؤخذ منهم شئ حتى يحصد حصادهم وعلى ما في هذا عهد اللَّه تعالى وذمته وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة الخلفاء "الراشدين"، وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية شهد على ذلك خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن سفيان، ورواه أيضا بسنده من طريق آخر عن خالد بن أبي مالك عن أبيه قال: لما نزل المسلمون مقامهم بعثوا إليهم أن افتحوها لنا على أن نؤمنكم على دمائكم وأموالكم فبعثوا إليهم إنا لا نثق بأمانكم إلا أن يأتينا خليفتكم عمر بن الخطاب فإنه يذكر لنا عنه فضل وخير صلاح فإن جاء وآمننا ووثقنا بأمانه فتحناها لكم، قال: فكتبوا إلى عمر يخبرونه بذلك فركب عمر من المدينة حتى قدم عليهم وظهر على أماكن لم يكونوا ظهروا عليها قبل ذلك وظهروا يومئذ على كرم كان في أيديهم لرجل منهم له ذمة مع المسلمين فيه عنب فجعلوا يأكلونه فأتى الذمي إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال: يا أمير المؤمنين كان في أيديهم ولم يعرضوا له وأنا رجل لي ذمة مع المسلمين، فلما ظهروا عليه المسلمون وقعوا، قال: فدعى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ببرذون له فركب عريانًا من العجلة ثم خرج يركض في عراض المسلمين،
وكان أول من لقيه أبو هريرة يحمل فوق رأسه عنبا، فقال: وأنت أيضا يا أبا هريرة: فقال: يا أمير المؤمنين أصابتنا مخمصة شديدة وكان أحق من أكلنا من ماله من قاتلنا من ماله من قاتلنا من ورائه، قال: فتركه عمر ومضى حتى أتى الكرم فنظر فإذا الناس قد أسرعوا فيه فدعى عمر الذمي وقال له كم كنت ترجو من غلة كرمك هذا؟ فقال
كذا وكذا وسمى له شيئا، قال: فخل سبيله ثم أخرج عمر الثمن الذي سماه الذمي وأعطاه إياه ثم أباحه للمسلمين، وعن عبد الرحمن بن غنم قال كتب لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صالح نصارى أهل الشام "بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا كتاب لعبد اللَّه عمر بن الخطاب أمير المؤمنين من نصارى مدينةكذا وكذا إنكم لما قدمتم علينا سألنا كم الأمان لأنفسنا وأموالنا وذرارينا وأهل ملتنا وشرطنا لكم علينا وعلى أنفسنا أن لا نحدث في مدائننا ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب ولا نحي ما كان في خطط المسلمين ولا نمنع كنائسهم "أن ينزل" بها أحد من المسلمين في ليل أو نهار وأن نوسع أبوابها للمار وابن السبيل" وأن ينزل من يريد من المسلمين ثلاث ليال نطعمهم ولا نأوي في منازلنا ولا كنائسنا جاسوسًا ولا نكتم غشا للمسلمين ولا نعلم أولادنا القرآن ولا نظهر شركًا ولا ندعو إليه أحدًا من ذوي قربانا الدخول في الإسلام إن أراده وأن نوقر المسلمين ونقوم لهم في مجالسنا إذا أرادوا الجلوس ولا نتشبه في شيء من لباسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فراق شعر ولا نتكلم بكلامهم ولا نتكنى بكناهم ولا نركب السروج ولا نتقلد السيوف ولا نتخذ شيئًا من السلاح ولا نحمله معنا ولا ننقش على خواتمنا بالعربية ولا نبيع الخمور وأن نجز مقاوم رؤوسنا وأن نلتزم زيًّا حيث ما كنا وأن
نشد "زنانيرنا""على" أوساطنا ولا نظهر الصليب على كنائسنا ولا نظهر صلباننا ولا كتبنا في شئ من طرق المسلمين ولا في أسواقهم ولا نضرب في كنائسنا إلا ضربًا "خفيًا" ولا نرفع أصواتنا مع أمواتنا ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين "ولا أسواقهم ولا نجاورهم بموتانا، ولا نتخذ من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين" ولا نطلع عليهم في منازلهم، قال: فلما أتيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالكتاب زاد فيه ولا نضرب أحدا من المسلمين شرطنا لكم ذلك في أنفسنا وأهل ملتنا وقد "بينا" عليه الأمان فإن نحن خالفنا شيئًا مما شرطناه على أنفسنا فلا ذمة لنا، وقد حل لكم ما حل من أهل المعاندة والشقاق رواه الإمام البيهقي وغيره، له طرق جيدة إلى عبد الرحمن بن غنم استقصاها القاضى أبو محمد بن رزين في جزء جمعه وقد اعتمد أئمة الإسلام هذه
الشروط وعمل بها الخلفاء الراشدون ورواه ابن عمر رضي الله عنه عن نافع عن مسلم أن عمر أمر في أهل الذامة أن يجزوا نواصيهم وأن يركبوا على الأكف عرضًا، ولا يركبوا" كما يركب المسلمون وأن يوثقوا المناطق أي الزنانير.
روي عن شداد بن أوس أنه حضر عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين دخل مسجد بيت المقدس يوم فتحها اللَّه تعالى بالصلح فدخل من باب محمد صلى الله عليه وسلم حبوًا هو ومن دخل معه حتى ظهر إلى صحنه ثم نظر يمينًا وشمالًا ثم كبر ثم قال هذا واللَّه أو هذا والذي نفسي بيده مسجد داود عليه السلام الذي
أخبرنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه قال أسري به إليه وتقدم إلى مقدمه مما يلي الضرب فقال: تتخذ ههنا مسجدًا رواه الوليد بن مسلم عن شيخ من ولد شداد بن أوس عن أبيه عن جده أن عمر لما فرغ من كتاب الصلح بينه وبين أهل بيت المقدس قال لبطريقها: دلني على مسجد داود قال نعم وخرج عمر متقلدًا سيفه في أربعة آلاف من أصحابه الذين قدموا معه متقلدين سيوفهم "وطائفة منا ممن كان عليها ليس علينا من السلاح إلا السيوف والبطريق بين يدي عمر في أصحابه ونحن نخلف عمر حتى دخلنا مدينة بيت المقدس فأدخلنا الكنيسة التي يقال لها كنيسة القيامة. وقال: هذا مسجد داود، قال ونظر عمر وتأمل وقال له: كذبت، ولقد وصف لى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مسجد داود بصفة ما هي هذه قال: فمضى بهم إلى كنيسة يقال لها صهيون، وقال: هذا مسجد داود فقال له: كذبت قال فانطلق به إلى مسجد بيت المقدس حتى انتهى به إلى بابه الذي يقال له باب محمد، وقد انحدر ما في المسجد من الزبالة على درج الباب حتى خرج إلى الزقاق الذي فيه الباب وكثر على الدرج حتى كاد يلصق بسقف الزقاق فقال له لا تقدر أن تدخل إلا حبوا فقال عمر ولو حبوا فحبى بين يدي عمر وحبوا خلفه حتى أفضينا إلى صحن مسجد بيت المقدس واستوينا فيه قياما فنظر عمر وتأمل مليًا ثم قال: هذا والذي نفسي بيده الذي وصفه لنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
ورواه أيضا بسنده من طريق آخر عن هشام بن عمار الهيثم بن عمران العبسي قال: سمعت جدي عبد اللَّه يقول لما ولي عمر بن الخطاب زار أهل الشام فنزل الجابية وأرسل رجلا من جديلة إلى بيت المقدس فافتتحها صلحا ثم جاء عمر رضي الله عنه ومعه كعب فقال له يا أبا إسحاق أتعرف موضع الصخرة؟ فقال: أذرع من الحائط الذي يلي
وادي جهنم كذا وكذا ذراعًا ثم احفر فإنك تجدها قال وهي يومئذ مزبلة فحضروا فظهرت لهم فقال عمر لكعب أين ترى
أن نجعل المسجد أو قال القبلة فقال اجعله خلف الصخرة فتجتمع القبلتان قبلة موسى وقبلة محمد صلى الله عليه وسلم فقال له عمر ضاهيت اليهودية يا أبا إسحاق خير المساجد مقدمها، وبنى في مقدم المسجد وروي أيضا بسنده من طريق آخر بزيادة على ما تقدم من رواية إبراهيم بن أبي عبلة المقدسي عن أبيه قال قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بيت المقدس وعسكر في طور زيتا ثم انحدر فدخل المسجد من باب النبي صلى الله عليه وسلم فلما استوى فيه قائمًا نظر يمينًا وشمالًا ثم قال: هذا والذي لا إله إلا هو مسجد سليمان بن داود الذي أخبرنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه أسري به إليه ثم أتى غربي المسجد فقال لي: نجعل لمسجد المسلمين ههنا مصلى يصلون فيه. وعن سعيد بن عبد العزيز قال: لما فتح عمر بن الخطاب رضي الله عنه بيت المقدس وجد على الصخرة زبلا كثيرا مما طرحته الروم غيظا لنبي بني إسرائيل فبسط عمر رضي الله عنه رداءه وجعل يكنس ذلك الزبل وجعل المسلمون يكنسون معه.
وقال الوليد: قال سعيد بن عبد العزيز جاء كتاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى قيصر وهو ببيت المقدس وعلى صخرة بيت المقدس مزبلة عظيمة قد حاذت محراب داود عليه السلام مما ألقته النصارى عليها مضارة لليهود حتى إن كانت المرأة لتبعث بخرق دمها من رومية فتلقى عليها فقال: قيصر حين قرأ "الكتاب أي" كتاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إنكم يا معشر الروم لخلقا أن تقتلوا على هذه المزبلة في انتهاككم من حرمة هذا المسجد كما قتلت بنو إسرائيل على دمي يحيي بن زكريا وأمر بكشفها فأخذوا في ذلك فقدم المسلمون الشام ولم يكشفوا منها إلا ثلثها
فلما قدم عمر رضي الله عنه بيت المقدس وفتحها ورأى ما كان عليها من المزبلة أعظم ذلك وأمر بكشفها وسخر لها أنباط فلسطين.
وروى جبير بن نفير قال لما جلى عمر المزبلة عن الصخرة قال لا تصلون فيها حتى يصيبها ثلاث مطرات قال الوليد: وحدثنى شداد عن أبيه أن عمر مضى إلى مقدمه مما يلي الغرب، "فحثى" في ثوبه الزبل وحثونا معه في ثيابنا ومضى ومضينا معه حتى ألقيناه في الوادي الذي يقال له وادي جهنم ثم عاد وعدنا بمثلها حتى صلينا فيه موضع مسجد يصلى فيه جماعة صلى عمر بنا فيه.
وعن أبي مريم مولى سلامة وهو من بيت المقدس قال شهدت فتح إيليا مع عمر
ثم مضى حتى دخل المسجد ثم مضى نحو محراب داود ونحن معه فصلى فيه ثم قرأ سورة (ص) وسجد وسجدنا معه وقال صاحب كتاب الأنس في ذكر قصة المحراب عن الوليد بن مسلم قال: حدثني بعض شيوخنا أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لما ظهر على بيت المقدس ليلة أسري به فإذا عن يمين المسجد وعن يساره نوران ساطعان، قال: فقلت يا جبريل ما هذا النوران فقال: أما الذي عن يمينك فإنه محراب أخيك داود، والذي عن يسارك فهو "قبر" أختك مريم عليها السلام.
وروى صاحب كتاب الأنس ذكر الفتح بسنده "إلى" طريق آخر إلى عبيد بن آدم وإلى شعيب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان بالجابية فقدم خالد بن الوليد
إلى بيت المقدس، قال: ما اسم صاحبك؟ قال: عمر بن الخطاب قالوا ابعثه لنا فبعثه إليهم، وقيل فقالوا له: أما أنت فلست تفتحها ولكن عمر هو الذي يفتحها وإنا نجد قيسارية تفتح قبل بيت المقدس فافتحوها ثم تعالوا بصاحبكم قال فكتب خالد بن الوليد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بذلك فشاور عمر الناس وقال إنهم أصحاب كتاب، عندهم علم فما ترون ثم ذهبوا إلى قيسارية ففتحوها وجاءوا إلى بيت المقدس فصالحهم عمر ودخل عليهم وعليه قميصان سنبلانيان فصلى عند كنيسة مريم ثم بصق في إحدى قميصيه، فقيل له ابصق فيها فإنه موضع يشرك باللَّه فيه فقال إن كان يشرك فيها ففيها يذكر اسم اللَّه تعالى لقد كان عمر غنيا أن يصلي عند وادي جهنم، قال صاحب مثير
الغرام وكان الفتح في سنة ست عشرة من الهجرة في ربيع الأول.
وروى الحافظ أبو محمد القاسم بسنده إلى عثمان وأبي حارثة قالا: افتتحت فلسطين وأرضها على يد عمر في ربيع الأول سنة ست عشرة وروي عن إسحاق بن بشر قال خرج عمر إلى الشام تلك السنة وهي سنة ست عشرة فنزل الجابية وفتحت عليه إيليا وهي مدينة بيت المقدس، قال: وحدث عبد الأعلى بن سهرانة قرأه في كتاب أبي عبيدة قال: فتحت بيت المقدس سنة سبع عشرة وفيها هلك معاذ بن جبل رضي الله عنه وقال الزركشي في إعلام الساجد وفي صحيح البخاري إنه فتحه بين يدي الساعة ووقع ذلك ففتحه، عمر رضي الله عنه لخمس خلون من ذي القعدة سنة ست عشرة من الهجرة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بخمس سنين وأشهر.
وفي فضائل بيت المقدس لابن الجوزي فتح عمر بيت المقدس سنة خمس عشرة
من الهجرة وعن رجاء بن حيوة عن مَنْ شهد الفتح قال: لما شخص عمر من الجابية إلى إيليا قصد محراب داود عليه السلام "ليلًا" فصلى فيه ولم يلبث أن طلع الفجر فأمر المؤذن بالإقامة وتقدم وصلى بالناس وقرأ بهم (ص) وسجد فيها ثم قال فقرأ بهم الثانية و {طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الصف: 14] ثم ركع ثم انصرف فقال عليَّ بكعب فأتي به فقال: أين ترى نجعل المصلى فقال: إلى الصخرة فقال: ضاهيت واللَّه اليهودية يا كعب بل نجعل قبلته صدره كما جعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبلة مساجدنا صدورها اذهب أو قال اليك فإنا لم نؤمر بالصخرة ولكن أمرنا بالكعبة.
وفي رواية أبي شيبان قال: حدثنى عبيد بن آدم قال: سمعت عمر يقول لكعب أين ترى أن أصلى؟ قال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة فكأن القدس كلها بين يديك يعني المسجد الحرام فقال: ضاهيت اليهودية ولكن أصلي حيث صلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به فتقدم
إلى قبلة المسجد فصلى ثم جاء فبسط رداءه فكنس الكناسة برادئه وكنس الناس معه، قال: في مثير الغرام وهذه الآثار المذكورة في الفتوح والشروط على اختلاف طرقها وتغاير ألفاظها وإن كان فيها مقال فهي متلقاة بالقبول، لأن فتوح الشام والقدس الشريف في زمن الصحابة رضي الله عنهم مستفيض ولم يزل القدس الشريف من لدن الفتح العمري في أيدي المسلمين أيام الخلفاء الراشدين فمن بعدهم إلى سنة سبعين من الهجرة النبوية.
وكان بناء عبد الملك بن مروان -رحمه اللَّه تعالى- قبة الصخرة ومسجد بيت المقدس يقال: إنه حمل إلى بنيانه خراج مصر سبع سنين وسبط بن الجوزي في كتاب "مرآة الزمان" إن عبد الملك بن مروان ابتدأ بنيانه في سنة تسع وستين وفرغ منه سنة اثنين وسبعين من الهجرة ويقال: إن الذي بنى قبة بيت المقدس وجددها سعيد بن عبد الملك بن مروان وروي عن جابر بن رجاء بن حيوة ويزيد بن سلام مولى عبد الملك بن مروان إن عبد الملك حين هم ببناء صخرة المقدس والمسجد الأقصى قدم من دمشق إلى بيت المقدس وبث الكتب في جميع عمله وإلى سائر الأمصار أن عبد الملك قد أراد أن يبني قبة بيت المقدس، تكن المسلمين من الحر والبرد وكره أن يفعل ذلك دون رأي رعيته فكتبت الرعية إليه برأيهم وما هم له عليه فوردت الكتب عليه من عمال الأعمال برأي أمير المؤمنين رأيه موفقًا رشيدًا، ونسأل اللَّه تعالى أن يتم له ما
نوى من بنايته وصخرته ومسجده ويجري ذلك على يديه ويجعله مكرمة له ولمن مضى من سلفه قال فجمع الصناع من عمله كلهم وأمرهم أن يصنعوا له صفة القبة وسمتها من قبل أن يبنيها فكرست له في صحن المسجد، وأمر أن
يبنى بيت المال شرقي الصخرة وهو الذي على حرف الصخرة فبنى وأشحن بالأموال، ووكل على ذلك رجاء بن حيوة ويزيد بن سلام وأمرهما بالنفقة عليها والقيام بأمرها وأن يفرغوا المال عليها إفراغا دون أن ينفقوه إنفاقا وأخذوا في البناء والعمارة حتى أحكم العمل وفرغ البناء ولم يبق لمتكلم فيه كلام وكتب إليه بدمشق "قد أتم اللَّه تعالى ما أمر به أمير المؤمنين من بناء قبة الصخرة ييت المقدس والمسجد الأقصى ولم يبق لمتكلم فيه كلام وقد بقي مما أمر به أمير المؤمنين من النفقة عليه بعد فرغ البناء مائة ألف دينار فيصرفها أمير المؤمنين في أحب الأشياء إليه. فكتب إليهما قد أمر أمير المؤمنين لكما جائزة لما قمتما به من عمارة ذلك البيت الشريف المبارك فكتبا إليه نحن أولى أن نزيد "من حلي" نسائنا فضلًا عن أموالنا، فاصرفها في أحب الأشياء إليك فكتب إليهما بأن "تسبك" وتفرغ على القبة فسبكت وأفرغت فما كان أحد يقدر أن يتأملها مما عليها من الذهب، وهيأ لها "جلالين" من لبود "وأدم" من فوقها فإذا كان الشتاء ألبستهما لتكنها من الأمطار والرياح والثلوج وكان رجاء بن حيوة ويزيد بن سلام قد حفا الحجر "بدرابزين من ساسم" ومن خلف الدرابزين ستور ديباج مرخاة يين العمد، وكان كل يوم اثنين وخميس يأمرون بالزعفران
فيدق ويطحن ثم يعمل من الليل ويخمر بالمسك والعنبر "والماورد الجوري" ثم يأمر الخدم بالغداة فيدخلون حمام سليمان يغتسلون ويتطهرون ثم يأتون على الخزانة التي فيها "الخلوق" فيلقون أثوابهم عنهم ثم يخرجون من الخزانة أثوابا جددًا موريا وهرويا "وشيا" يقال له "العصب" ومناطق مجلاه يشدون بها أوساطهم ثم يأخذون سفول الخلوق ويأتون به حجر الصخرة فيلطخون ما قدروا أن تناله أيديهم حتى يغمروه كله وما لم تنله أياديهم غسلوا أقدامهم ثم يصعدون على الصخرة حتى يلطخوا ما بقي منها وتفرغ آنية الخلوق ثم يأتون بمجامر الذهب والفضة والعود القماري والند مطرى بالمسك والعنبر فترخى الستور حول الأعمدة كلها ثم يأخذون البخور ويدورون حولها حتى يحول بينهم وبين القبة من كثرته ثم تشمر الستور فيخرج البخور وتفوح رائحته حتى تبلغ رأس السوق فيشم ريحه من يمر
وينقطح البخور عندهم ثم ينادي مناد في صف الدرابزين: ألا إن الصخرة قد فتحت للناس فمن أراد الصلاة فيها فليأت، فيقبل الناس مبادرين إلى الصخرة فأكثر الناس من يدرك أن يصلى ركعتين وأقلهم أربعًا ثم يخرج الناس فمن شم رائحة من الناس قالوا هذا ممن دخل الصخرة وتغسل آثار أقدامهم بالماء وتمسح "بالآس الأخضر" وتنشف بالمناديل وتغلق الأبواب وعلى كل باب عشرة من الحجبة، ولا يدخل إلا يوم الاثنين والخميس ولا يدخلها في غيرها إلا الخادم، وعن أبي بكر بن الحارث قال كنت أسرج الصخرة في خلافة عبد الملك
بن مروان كلها بالبان المديني والزنبق الرصاصي، قال: وكانت الحجبة يقولون له: يا أبا بكر من لنا بقنديل ندهن منه ونطب به فكان يجيبهم إلى ذلك هذا ما كان يفعل به في خلافة عبد الملك بن مروان.
قال الوليد: وحدثنا عبد الرحمن بن محمد بن منصور بن ثابت قال حدثني أبي عن أبيه عن جده قال كان في السلسلة التي في وسط القبة درة يتيمة وقرنا كبش إبراهيم عليه السلام وتاج كسرى معلقان فيها أيام عبد الملك فلما صارت الخلافة إلى بني هاشم حولوها إلى الكعبة حرسها اللَّه.
وروى الحافظ ابن عساكر -رحمه اللَّه تعالى- بسنده إلى أبي المعالي المقدس فذكر حديث بناء عبد الملك بن مروان قبة الصخرة والمسجد الأقصى ذكره صاحب مثير الغرام في الفصل السابع وروى ما أثبته الحافظ ابن عساكر قال: عقبة وكان في ذلك الوقت ليس من الخشب السقف سوى أعمدة خشب ستة آلاف خشبة، وفيه من الأبواب خمسون بابا ومن العمد ستمائة عمود رخاما وفيه من المحاريب سبعة ومن السلاسل للقناديل أربعمائة سلسلة إلا خمس عشرة منها مائتان سلسلة وثلاثون سلسلة في المسجد والباقي في قبة الصخرة، وذرع السلاسل أربعة آلاف ذراع، ووزنها ثلاثة وأربعون ألف رطل بالشامي، ومن القناديل خمسة آلاف قنديل، وكان يسرج فيه مع القناديل ألفا شمعة في ليال الجمع، وفي ليلة نصف رجب وشعبان ورمضان وفي ليلتي العيدين. وفيه من القباب خمس عشرة قبة سوى قبة الصخرة وعلى سطح المسجد من سقف الرصاص سبعة آلاف شقفة "وسبعمائة شقفة وزن الشقفة سبعون رطلًا غير الذي على قبة الصخرة.
وكل ذلك عمل في أيام عبد الملك بن مروان ورتب له من الخدم القوام ثلاثمائة خادم اشتريت له من خُمس بيت المال، كلما مات منهم ميت
قام مكانه ولد وولد ولده أو من يكن من أهليهم يجري ذلك أبدا ما تناسلوا، وفيه من الصهاريج أربعة وعشرون صهريجا كبارا وفيه من المنابر أربعة منها ثلاثة صف واحد غربي المسجد وواحد على باب الأسباط وكان لهم من الخدم اليهود الذين لا يؤخذ منهم جزية عشرة رجال وتوالدوا فصاروا عشرين لكنس أوساخ الناس في المواسم والشتاء والصيف ولكنس المطاهر التي حول الجوامع وله من الخدم النصارى عشرة أهل بيت يتوارثون خدمته لعمل الحصر وكنس حصر المسجد وكنس القنى التي تجري إلى صهاريج الماء وكنس الصهاريج أيضا وغير ذلك، وله من الخدم اليهود جماعة يعملون الزجاج للقناديل والأقداح "والبزقات" وغير ذلك مما تدعو إليه الحاجة لا يؤخذ منهم جزية ولا من الذين يحملون القش لفتايل القناديل جاريا عليهم ولا على أولادهم أبدا ما تناسلوا من عهد عبد الملك بن مروان وهلم جرا.
وروى عبد الرحمن بن محمد بن منصور بن ثابت عن أبيه عن جده أن الأبواب كلها كانت ملبسة بصفائح الذهب والفضة في زمن خلافة عبد الملك بن مروان، فلما قدم أبو جعفر المنصور العباسي وكان شرقي المسجد وغربيه قد وقع فقيل له يا أمير المؤمنين قد وقع شرقي المسجد وغربيه زمن الرجفة في سنة ثلاثين ومائة ولو أمرتنا ببناء هذا المسجد وعمارته فقال ما عندي شيء من المال ثم أمر بقلع الصفائح الذهب والفضة "التي كانت على الأبواب فقلعت وضربت دنانير ودراهم وأنفقت عليه حتى فرغ منه، ثم كانت الرجفة الثانية
فوقع البناء الذي كان قد أمر أمير المؤمنين أبو جعفر به ثم قدم المهدي من بعده وهو خراب فرفع ذلك وأمر ببنائه، وقال دق هذا
المسجد وطال وخلى من الرجال، أنقصوا من طوله وزيدوا في عرضه فتم البناء في خلافته وفي سنة اثنين وخمسين وأربعمائة سقط تنور قبة بيت المقدس وفيه خمسمائة قنديل فتطير المقيمون به من المسلمين وقالوا: ليكونن في الإسلام حادث عظيم عن عطاء عن أبيه قال: كانت اليهود تسرج بيت المقدس فلما ولى عمر بن عبد العزيز رحمه الله أخرجهم وجعل فيه من الخمس فأتاه رجل من أهل الخمس وقال له: أعتقني فقال: كيف أعتقك ولو ذهب انظر ما كان لي شعرة من شعر كلبك قال: ثم إن بيت المقدس لم يزل بأيدي المسلمين من لدن فتح عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى سنة إحدى وثمانين وأربعمائة وفي سنة اثنتين وثمانين أقام عليه الفرنج نيفا وأربعين يوما فملكوه ضحى نهار الجمعة من سنة اثنتين وثمانين "في تاريخ الحنبلي سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة ويدل له ما يأتي في كلام المصنف وفي مثير الغرام مثل ما في هذا الكتاب وقد اتفقوا على إقامته في ايدي الفرنج نيفًا وتسعين سنة وعلى كلام مثير الغرام وهذا الكتاب فيكون إقامته في أيديهم أكثر من مائة لأن الملك
صلاح تسلمه في سنة خمسمائة وثلاث وثمانين" وقتل فيه من المسلمين خلق كثير في مدة أسبوع وقتل في المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفًا وأخذوا من عند الصخرة من أواني الذهب والفضة مالا يضبطه الحصر، وانزعج بسببه المسلمون في سائر "البلاد" غاية الانزعاج وكان الأفضل ابن أمير الجيوش قد تسلمه من سقمان بن أرتق في يوم الجمعة لخمس بقين من رمضان سنة إحدى وتسعين وقيل في شعبان سنة تسع وثمانين، وولى من قبله فيه فلم يكن لمن ولاه عنه طاقة للفرنج فتسلموه منه ثم استولى الفرنج على كثير من بلاد الساحل في أيامه فملكوا يافا في شوال سنة ثلاث وتسعين وقيسارية في أربع وتسعين واستولوا على بلاد الساحل وما فيها من القلاع والحصون وعاشوا فيها وفيما والاها من النواحى والأعمال والضياع حيث "رحل وذكوان" في سرح المدينة {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 43]{فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ} [الأعراف: 22] فظلوا في طغيانهم يعمهون ولم يزل بيت المقدس وما ولاه من بلاد السواحل وغيرها في أيدي الفرنج المخذولين نيفًا وتسعين من السنين إلى أن جاءت الساعة التي جلاها اللَّه تعالى لوقتها وأظهر الآية التي لا أخت لها فنقول هي أكبر من أختها وأفضت الليلة الظلماء المعتمة إلى فجرها ووصلت الدنيا الحامل بجنين هذه الجنايات
إلى تمام شهرها وجاءت بواحدها الذي تضاف إليه الأعداد ومالكها الذي له السماء خيمة "والحبك" أطناب والأرض بساط والجبال أوتاد والشمس دينار والقمر دراهم والأفلاك خدم والنجوم أولاد وهو السلطان المعظم مالك زمام الفضل الكامل العامل فيما تولاه من أمور الأمة بما لا يضيع معه أجر عامل المعتصم بالرأي الرشيد
المتوكل على اللَّه فيما هو عليه مأمون من مصالح العبيد الواثق باللَّه في دفع كل شيطان مريد "المستعين" بالعد العديد الحاكم بأمر اللَّه في القريب والبعيد الأمين في حقوق المرابطة وجهاد الطغاة والمتمردين مرغم معاطس الكفرة والمشركين عن زمانه البصيرة ولمعته البارقة المنيرة السلطان الملك الناصر صلاح الدنيا والدين أبو المظفر يوسف بن أيوب سقى اللَّه عهده بجهاد الرحمة والرضوان وأسكنه فسيح الجنان ويسر اللَّه تعالى على يديه من الفتوح وأنزل به الملائكة والروح في أيام مولانا وسيدنا الإمام الناصر لدين اللَّه أمير المؤمنين أبي العباس أحمد بن الإمام المستضيء باللَّه أبي محمد الحسن المستنجد باللَّه أبي المظفر يوسف ابن الإمام المقتفى لأمر اللَّه أبي عبيد اللَّه محمد بن الإمام المستظفر باللَّه أبي العباس أحمد بن الإمام المقتدي باللَّه عبد اللَّه بن الدخيره محمد عبد اللَّه ابن الإمام القائم بأمر اللَّه بن الإمام القادر باللَّه أبي العباس أحمد بن الموفق باللَّه أبي أحمد طلحة ابن الإمام المتوكل على اللَّه أبي الفضل جعفر ابن الإمام المعتصم باللَّه أبي إسحاق محمد ابن الإمام الرشيد باللَّه أبي جعفر هارون ابن الإمام المهدي باللَّه أبي عبد اللَّه محمد ابن الإمام المنصور باللَّه أبي جعفر عبد اللَّه بن محمد بن على بن عبد اللَّه بن العباس بن عبد المطلب صلوات اللَّه عليه وعلى آبائه الطاهرين والخلفاء الراشدين والأئمة المهتدين وهي الأيام التي زواهر أيامها زواه وقضاء، مضاربها للفضاء فما أجلها فضلًا وما أفضلها إجلالا وأقبلها جدا وأحدها إقبالا وما أعلى بناء مجدها وأحلى حبار قدرها وأسمح سماحتها أمطارا أو أصبح جناح نجاحها مطارا أو كان السلطان الملك الناصر صلاح الدين ناصر دعوته وداعى نصرته، ووليه الطائع وسيفه القاطع جار في مصالح العباد على رسمه حاكم بأمره مؤثر بحكمه
فندبه لهذا الفتح المبين.
فكان هجرة للإسلام إلى القدس ثانية وبيعة رضوان شهدها مزيد عزمه لأيدي أهل التثليث والكفر ثابتة أحسن اللَّه له عن الإسلام وأهله أحسن الجزاء ومنحه من
فضل اللَّه وكرمه في الدار الآخرة أو في الأقسام "ووانو" الأجزاء كانت هذه الهجرة أبقى الهجرتين وهذه الكرة بقوة اللَّه أقوى الكرتين وذلك أنه أقوى الآمال بما بذله من الأموال وحقق في إنجاز وعد اللَّه وإنجاح المقاصد رجاء الرجال وجمع العدد وفرق العدد ووهب الجياد وأجاد المواهب ورغب في الخطايا وأعطى الرغائب "ونثر الخزائن وبيت الكنائن" وأنفق الذخائر وأنفذ كرائمها للأخاير ونهض لاستنقاذ بيت المقدس من أيدي الكفار نهوض الأسد واشتعال النار.
وخرج من دمشق حين دخلت سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة في مستهل المحرم وقد أيقن بالظفر وظفر باليقين وبايع اللَّه ورسوله على نصرة الإسلام واقتضى في الدين وكتب إلى الأقطار والبلاد يستدعي من جميع الجهات جموع الجهاد وأهل الاستدعاء أهل الاستعداد وسار والعزم يستنهضه والعز يحسر منه والدين يستنبله والنصر يستعطيه وقدم بجحافله الحافلة وجيوشه الصائلة وعساكره المتواصلة وسلك في جهاد المشركين أعداء الدين أعدل السبل وأقوم المناهج وقدم على قصد بيت المقدس طويل الشرح فحصل من تلك المقدمات على نتائج ألحق بها من أهل الشرك الموجود بالمعدوم وأرعد في متملكي القلاع والحصون وبلاد الساحل بصاعقة بأسه إرعادًا ساقهم به إلى الأجل المحتوم ونثر الثرى ونشره وحسن الردى ونشره وقد ظهرت راياته "وبهرت آياته" وجالت خيوله وسالت سيوله والتوفيق يسايره
والتأييد يؤازره والتمكين يظافره والسعد يظاهره والعز يسامره والظفر يجاوره والإسلام شاكره واللَّه عز وجل ناصره حتى انتهى الفتح به إلى عسقلان واستولى على جميع ما كان في أيدي الكفار من القلاع والضياع والأموال والأعمال والحصون والنواحي والبلدان وانمحى منها بالسعود رسم النحوس وأقام جاه الأذان أنكر ناموس الناقوس وخمدت ثوران القسوس.
قال صاحب الفتح القدسي عند ذكر فتح بيت المقدس: ثم رحل السلطان من عسقلان للقدس الشريف طالبًا وللنصر العزيز مصاحبًا ولذيل العز ساحبا وسنا عسكر قد فاض بالفضاء فضاء وملأ الملاء بما فاض الآلاء وقد يسط عنبره فيلقه ملاته على الفلق وكأنما أعاد العجاج على ردى الضحى جنح الغسق وسار مسارا بالأحوال الحوالى مروية وأحاديث فتوحاتة الغوالي من الطرق العوالي مطوية مدارج مناحيه، وعلى ما تنشره الآمال من الأماني، وقد جلت وعلت من مغارس النصر ومطالعة المجاني
والمجابي.
والإسلام يخطب من القدس عروسًا ويبذل لها من المهر نفوسًا ويحمل إليها نعمى ليصرف عنها بؤسي ويهدي بشري ليذهب عبوسًا وصرخه الصخرة المستدعية المستعذبة لأعدايها على أعدائها وإجابة دعائها وتلبية ندائها واطلاع زهر المصابيح في سمائها وإعادة الإيمان الغريب إلى وطنه ورده إلى سكونه وسكنه وإقصاء الذين أقصاهم اللَّه بلعنه من الأقصى وجذب قياد فتحه الذي استعصى وإسكات الناقوس بإنطاق الأذان وكف الكفر عنه بأمان الإيمان وتطهيره من أنجاس تلك الأرجاس وإدناس أدنى الناس وجاء الخبر إلى القدس الشريف بوصول السلطان فطارت قلوب من به رعبًا
وطاشت وخففت أفئدتهم خوفًا من جيش الإسلام وجاشت وتلفت الفرنج باليان بن بارزان والبطرك الأعظم ومن كلا الطائفتين الإسبتار والداوية مقدم واشتغل بالباليان واشتعل بالنيران وخمدت كنار بطرك البطرك ضاقت بالقوم منازلهم فكان كل دار فيها شرك لمن أشرك وقاموا بالتدبير في مقام الإدبار وانقسمت أفكار الكفار.
ويأس الفرنج من الفرج وأجمعوا على إتلاف النفوس النفيسة وبذل المهج وقالوا ههنا نطرح الرؤوس ونسفك النفوس وتسفك الدماء ويهلك الدهماء ونصبر على اقتراح القروح واجراح الجروح سحا محل الروح فهذه قمامتنا ومنها تقوم قيامتنا وتصح مدامتنا وبإكرامها كرامتنا وسلامتها سلامتنا وباستقامتها استقامتنا وفي استدامتها استدامتنا وإن تخلينا عنها ملامتنا ووجبت ندامتنا ففيها المطلب والمصلب والمذبح والمضرب والمجمع والمعبد والمهبط والمصعد والمرقب والمرقد والمشرب والملعب والمموه والمذهب والمطلع والمقطح والمرعى والمرتع والمرحم والمحزم والمحلل والمحرم والصور والأشكال والأنظار والأمثال والأرشاد والأشبال والأشباح والأعمدة والألواح والأجساد والأرواح.
ومنها: صور الحواريين في حوارهم والأحبار في أحبارهم والرهابين في صوامعهم والأقساس في مجامعهم والسحرة وحبالها والكهنة وجبالها ومثال السيدة والسيد هيكل والمولد والمائدة والحوت والمنعوت والنحوت والتلميذ والمعلم والمهد والصبي المتكلم وصورة الكبش والحمار
والدم والنار والنواقيس والنواميس قالوا وفيها صلب المسيح وقرب الذبيح وتجسد اللاهوت وتأله الناسوت واستقام التركيب وقام
الصليب ونزل النور وزال الديجور وازدوجت الطبيعة بالأقنوم وامتزج الموجود بالمعدوم وعمدت معمودية المعبود ومخضت البتول بالمولود وأضافوا إلى متعبدهم من هذه الضلالات فأضلوا فيه عن نهج الدلالات.
وقالوا دون مقبرة ربنا نموت وعلى جرف فوهتها نفوت وعنها ندافع وإلى ما فيه بقاؤنا نسارع وما لنا لا نقاتل وكيف لا ننازع ولا ننازل ولأي معنى نتركهم حتى يأخذوا وندعهم حتى يستخلصوا ما استخلصناه منهم ويستنقذوا.
وتأهبوا وتناهوا وما انتهوا وصبوا المنجنيقات واستشاطت شياطينهم وسرحت سراحينهم وطغت طواغيتهم ودعت دواعيهم وهاج هائجهم وماج مائجهم وعدت عوائدهم وسعت أفاعيهم وحضهم قساوسهم وحرضتهم رؤوسهم وحركتهم نفوسهم نجوى السوء جواسيسهم، وأحزنهم ما عاينوه من إقبال العساكر الناصرية منصورة الجنود منشورة البنود مشهورة القواضب مشهورة الكتائب معقودة الضوامر بنار الهدى مسلولة. الظبا مطلوبة الربا مطلقة أعنة جيادها محققة مظنة طرادها أعنقها لها محققة مظنة طردها موئلة من اللَّه الظفر بلوغ مرادها قد سالت الوهاد بأكمامها وجالت الأعلام في أعلامها وسدت الفجاج أفواجها ومدت العجاج أمواجها وحجبت الغزالة عتباها وألهت الزبالة صرخاتها وجرت بالحمال
رياحها وحكمت كالجبال رياحها واشتملت على الضراغم غيلها وأقبل بالعظائم قيلها ووافى كل واف بعهد ربه.
وكان لكف خطبه شاف لهم لقلبه خاف في لبوسه وأضل بيض الهند سواعده وفاضل خطاب الخطوب بوارقه ورواعده قال وأقبل السلطان بإقبال سلطانه وأبطال شجعانه وإقبال أولاده وإخوانه وأشبال مماليكه وغلمانه وكرام أترابه وعظام أوليائه وغيلانه في تعاقب بالمناقب مغتبة وكتائب المواكب مكتبة وألوية صفر للاذا ببني الأصفر وبيض وسمر تزرق زرق العدى بالموت الأحمر وفوارس فوارس وكل من يبذل الشح بدينه النفوس والنفائس، وأصبح يسأل عن الأقصى وطريقه الأدنى وفريقه الأسنى ويذكر ما فتح اللَّه عليه بحسن فتحه من الحسنى، وقال: إن أسعدنا اللَّه تعالى وأعاننا على إخراج أعدائه من بيت المقدس فما أسعدنا، وأي يدله عندنا إذ أيدنا فإنه مكث في يد الكفر إحدى وتسعين سنة لم يقبل اللَّه تعالى فيه من عامل حسنة، وكان هم الملوك دونه متوسنة وخلت القرون وخلت الأعوام وهي عنه متخلية وغلف الفرنج
عليه متولية فما ادخر اللَّه فضيلة فتحه إلا لآل أيوب، ليجمع لهم بالقبول القلوب وخص به عصر الإمام الناصر الدين ليفضله به على الأعصار ولتفخر به مصر وعسكرها على سائر الأمصار، وكيف لا يهتم وبافتتاح البيت المقدس والمسجد الأقصى الذي هو على التقوى والرضوان مؤسس، وهو مقام الأنبياء وموقف الأولياء ومعبد الأتقياء ومراد أبدال الأرض وملائكة السماء وفيه المحشر والمنشر يتوافد أولياء اللَّه تعالى المعشر بعد المعشر وفيه الصخرة التي صيغت ابتهاجها من الأبهاج،
ومنها كان منهاج المعراج ولها القبة وفيه البارق ومعنى البراق وأضاءت ليلة الإسراء بحلول السراج المنير فيه الآفاق ومن أبوابه باب الرحمة الذي يستوجب داخله إلى الجنة بالدخول الخلود وفيه كرسي سليمان ومحراب داود عليه السلام وبه عين سلوان التي يمثل واردها بالكوثر الحوض المورود.
وهو أول القبلتين وثاني البيتين وثالث الحرمين وأحد المساجد الثلاثة الذي جاء في الخبر النبوي أنها تشد الرحال ويعقد الرجاء بها الرجال، ولعل اللَّه يعيده بنا إلى أحسن صورة كما شرفه بذكره مع أشرف خلقه في أول سورة، وقال عزَّ من قائل {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء: 1]، إلى غير ذلك مما له من الفضائل والمناقب التي لا تحصى، وإليه ومنه الإسراء ولأرضه فتحت السماء ومنه تؤثر أنباء الأنبياء الأولياء ومشاهد الهدى وكرامات الكرماء وعلامات العلماء وفيه بارك المنار ومسارح المسار وفيه الصخرة الطولى وكانت القبلة الأولى، منها تعالت القدم النبوية وتوالت البركة العلوية وعندها صلى نبينا صلى الله عليه وسلم بالنبيين وصحب الروح الأمين فصعد منها إلى أعلى عليين فما أجله وأعظمه وما أشرفه و "أفحمه" وما أعلاه وما أغلاه وما أسماه وما أسناه وأيمن بركاته وأبرك ميامنه وأحسن حلاوته وأحلى محاسنه.
وقد ظهر اللَّه فيه منه وطوله بقوله جل وعلا: {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1]. وكم فيه من الآيات التي أراها اللَّه نبيه وجعل مسموعاتنا من فضائله مرئية ووصف السلطان من خصائصه ومزايا بما وثق على استعادته مواثيقه
وأقسم لا يبرح حتى بر قسمه ويرفع بأعلى علمه ويخطو إلى زيارة موضع القدم النبوية قدمه وصار واثقًا بكمال النصر وزوال العسرة مصغيًا إلى صرخة الصخرة وأقسم أن يسقى الفرنج من الحسرة كأسا مرة.
قال: ونزل السلطان غربي المسجد يوم الأحد خامس عشر رجب وقلب الكفر قد وجب وحرب الكفر قد شارف السبحى والشجب، والقدر قد أظهر العجب وكان في القدس حينئذ من جموع الفرنج ستون ألف مقاتل بين رامح ونابل قد وقفوا دون البلد يبارزون ويذبون ويحاجزون ويفاجرون ويناجزون ويدورون ويذبون ويحرضون ويصرخون ويلهثون وينفرثون ويحرنون ويقدمون ويحججون ويتململون ويقابلون ويتعاونون ويتضاعفون ويحزنون البلايا ويقتحمون المنايا، وقاتلوا أشد قتال ونازلوا أحدّ نزل وطافوا بصحاف الصفاح الظباء الظمأ من ماء الأرواح وجالوا بالأوجال وأجالوا أقداح الآجال وصالوا لقطح الأوصال والتهوا واستوقفوا وناشبوا ونشبوا واستهدفوا للسهام واستوقفوا للحمام.
وقالوا كل واحد منا بعشرين وكل عشر بمائتين ودون القمامة تقوم القيامة وبحب سلامتها نعلو السلامة ودامت الحرب واستمر الطعن والضرب قال: وانتقل السلطان يوم الجمعة العشرين من رجب إلى الجانب الشمالي وخيم هناك وضيق على الفرنج المسالك ووسع عليهم مهامه المهالك ونصب المجانيق وفر من آفاتها الأفاريق، وأصرح الصخرة بالصخور وحشر السوء منهم وراء السور فما عادوا يخرجون من السور الرؤوس إلا ويلقون البؤس والبوم اليؤس ويلقون على الردى النفوس والوجوه لقبل النضال مكشوفة، والقلوب للوجد بالقتال
ملهوفة والأيدي على قوائم السيوف المفتوحة مضمومة والنفوس لاستبطاء الهمم في الاهتمام مهمومة وقواعد السور ونواجد شراريفه بالأحجار الخارجة من الكفار مهدومة مهنوم، فكان المجانيق مجانين يركبون ومنتجد ولا يرامون وجبال يجذبها حبال ورجال ينجدها جال وأمان الدواهي والمنايا وحوامل فرد البلايا ولا يخطر سهام القسى إلا بالخطر ولا يفطر مروها إلا مرارات ذي لفظ، فكم نجم من سمائها ينقض وصخر من أرضها يرفض وحجر من شرارها ينفض إلى أن عاد العدو يعد نظمه البتور البتور فصولا وخرق الخندق وحضر الرجف وظهر من أفق الفتح نورا وسهل الصعب واتبع النقب وبذل المجهود وحصل المقصود وأسلم البلد وقطع زناد خندقه وبرز ابن بارزان ليأمن من السلطان بموثقه وطلب الأمان لقوم فتمنع السلطان وتسامى في شومة وقال لا أمن لكم ولا أمان إلا أن نديم لكم الهوان ونزلكم من الخزي والذل والصغار على حكم القرآن وغدا
نملككم قسرا ونوسعكم قتلى وأسرى ونسفك من الرجال الدماء ونسلط على الذرية والنشابا لمسى المصيبة العظمى وأبامنيهم فتعرضوا للتضرع وتخوفوا وخوفوا عاقبة التضرع لما عن الأمان حرفوا وقالوا إنا أيسنا من أمانكم وخفنا من سلطانكم وخبنا من إحسانكم وأيقنا أنه لا نجاة ولا نجاح ولا صلح ولا صلاح ولا سلم ولا سلامة ولا نعمة ولا كرامة فالسبيل أن نقاتل قتال الدم، ونقابل الوجود بالعدم ونلقي أنفسنا على نهار ولا نلقي بأيدينا إلى التهلكة والعار ولا يخرج واحد منا حتى يخرج عشرة ولا تضمنا يد القتل حتى نرى أيدينا بالقتل منتشرة، وإما نحرق الدور ونخرب القبة وننزل عليكم في سبيلنا السبة ونقلع الصخرة
ونوجلكم عليه الحسرة ونقتل كل من عندنا من أسارى المسلمين وهم ألوف، وقد عرف أن كلامنا للذل والهوان عيون وللفر ألوف، وأم الأموال نعطها ولا نعطها وأم الذراري فإنا نسارع إلى إعدامها ولا نستبقيها، فأي فائدة لكم بالشح علينا بالأمان وكل حشرة لكم في الإباء وعدم الامتنان ورب خيبة جاءت من قبل الشح ولا يصلح السوء سوء الصلح وربَّ كلام الليل قبل أسفار الصبح.
قال فعقد السلطان مجلسًا للمشورة وأحضر كبراء عساكره المنصورة وشاورهم في الأمر واستطلع خفايا ضمائرهم واستكشف خبايا سرائرهم واستورى زندهم وتعرف ما عندهم وزاد منهم على المصلحة المتزحمة وفاوضهم في أمر المصلحة المربحة، وقال إن الفرصة قد أمكنت فنحرص على انتهازها وأن الحصة قد حصلت ونستخير اللَّه تعالى في إحرازها، وإن هي فاتت لا تستدرك وإن أفلتت لا تستمسك فقالوا قد خصك اللَّه تعالى بالسعادة وأخلصك بهذه العبادة ورأيك أرشد وعزمك لضالة النصر ناشد وأمرك مصاع الأمة نافذ.
كلنا لك في اغتنام فتح هذ الموضع الشريف مناشد واستقر الحال بعد مراودات ومعاودات وخداعات من القوم وشفاعات على قطعة تكمل بها الغبطة ويستردوا بها أنفسهم وأموالهم ويخلصون بها نساءهم ورجالهم وأطفالهم، على إنه من عجز بعد أربعين يومًا عما لزمه وامتنع منه وما سلمه ضرب عليه الرق وثبت في تملكه لنا الحق ومكابدة الأمر المشق، وهو على كل رجل عشرة دنانير وعلى كل امرأة خمسة، وكل صغير وصغيرة ديناران، ودخل ابن بارزان والبطرك ومقدما الداوية والاسبتارية في
الضمان وبذل ابن بارزان ثلاثين ألف دينار عن الفقراء وقام بالأداء، ولم ينكل عن الوفاء فمن سلم خرج من بيته آمنًا ولم يعد إليه ساكنًا وأسلمو البلد يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب على
هذه القطعة ورده بالرغم منهم رد الغصب لا رد الوديعة، وكان فيه أكثر من مائة ألف إنسان من رجال ونساء وصبيان فأغلقت دونهم الأبواب، ورتب عرضهم واستخراج ما يلزمهم النواب ووكل بكل باب أمير ومقدم كبير يحصر الخارجين، فمن استخرج منه خرج ومن لم يقم بما عليه قعد في الحبس وعدم الفرج، ولو حفظ هذ المال حق حفظه لما وسعه بيت.
لكن لما تم التفريط وعم التخليط فكل من وشي بشيء وتنكب الأمناء، نهج الرشد بالرشا، فمنهم من أدلى من السور بالحبال، ومنهم من حمل بخفيا في الرجال، ومنهم من غيرت فخزج بزي الجند، ومنهم من وقعت فيه شفاعة مطاعة ثم يقابل بالرد.
وكان في القدس ملكة رومية مترهبة في عبادة الصليب متصلبة وعلى مصابها متلهبة وفي التمسك عليها متعصبة أنفاسها متصاعدة للحزن وعبراتها تنحدر نحو العطرات من المزن، ولها حال ومال وأشياع وأتباع فمن عليه السلطان وعلى كل من معها بالإفراج، وأذن في إخراج كل ما في الأكياس والأخراج فراحت فرحى وإن كانت جفونها من الشجى والنحيب قرحى، وكانت زوجة الملك المأسور ابنة الملك أماري مقيمة في جوار القدس مع مالها من الخدم والخور والخوار فخلصت هي بمن معها، ومن ادعى أنه ممن صحبها وشيعها، وكذلك الإبرنسيسة
ابنة فليب أم هنفر عفيت من الوزن وتوفر مالها عليها في الخزن واستطلق صاحب البيرة زهاء خمسمائة أرمني ذكر أنهم من بلده، وأن الواصل منهم إلى القدس إنما وصل لأجل متعبده.
وطلب مظفر الدين على بن كوجك زهاء ألف أرمني ادعى أنهم من الرها فأجراه السلطان في إطلاقهم على ما اشتهى ومع ذلك حصل لبيت المال ما يقارب مائة ألف دينار وهي من بقي تحت رق وأسر ينتظر به انقضاء المدة المقروبة والعجز عن الوفاء بالقطعة المطلوبه.
اسمه:
قال العماد -رحمة اللَّه تعالى- واتفق فتح بيت المقدس في اليوم الذي كانت في
مثل ليلته المعراج، وتم بما وضح من منهاج الصبر والابتهاج، وزاد في الألسنة بالدعاء الابتهال والابتهاج وجلس السلطان على هيئة المتواضع وهيئة الوقار للهناء ولقاء الأكابر والأمراء والفقهاء والعلماء والمتصوفة وغيرهم من الأخيار الأبرار ووجهه بنور البشر سافر، وأمله بغد النصر ظاهر وبابه مفتوح ورفده ممنوح وحجابه مرفوع وخطابه مسموع ونشاطه مقبل
وسماطه مقبل ومحياه يلوح ورياه يفوح، ويده ظاهرها قبله القبل وباطنها لعبة الأمل والقراء جلوس يقرءون، والشعراء وقوف ينشدون والأعلام تنشر والأقلام تسرر لتبثر والعيون من فرط المسرة تدمع والقلوب للفرحة بالنصر تخشع والألسنة بالابتهال إلى اللَّه تعالى تتضرع والكاتب ينشي ويوشي ويوسع والبليغ يسهب وهو جزء يضيق ويوسع.
قال العماد -رحمه اللَّه تعالى- وكتبت من البشائر بهذ الفتوح بما يفوح أرج نشره، ويحيى بحياة هذ السلطان آثار بره، وبشرت المسجد الحرام بخلاص المسجد الأقصى: وتلوت على الملة المحمدية شرع لكم من الدين ما وصى وهنأت الحجر الأسود بالصخرة البيضاء ومنزل الوحى بمحل الإسراء ومقر سيد المرسلين وخاتم النبيين بمقر الرسل والأنبياء ومقام إبراهيم الذي وفَّى بموضع قدم محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم قال: وتسامع الناس بهذ النصر الكريم والفتح العظيم فوفدوا للزيارة من كل فج عميق وسلكوا إليه في كل طريق وأحرموا من البيت المقدس إلى البيت العتيق وتزهوا من أزهار كراماته الروض الأنيق.
قال العماد وشرع الفرنج في بيع ما عندهم من الأمتعة واستخراج ذخائرهم المودعة وباعوها بأبخس الأثمان في سوق الهوان وباعوا بأقل من دينار ما يساوي عشرة وجدوا في ضم ما وجدوا من أمور لهم متيسرة وكنسوا كنائسهم وأخذوا منها نفائسهم ونقلوا منه الذهبيات والفضيات من الأواني والقناديل والحريريات والمذهبات من الستور والمناديل ونفضوا من الكنائس الكناين واستخرجوا من الخزائن الدفائن وجمع البطرك الكبير كل ما كان على القبر من صفائح التبر العسجد اللجين وجميع
ما كان في قمامة من الجنسين والنسجين.
قال: فقلت للسلطان هذه أموال وافرة وأحوال ظاهرة تبلغ مائتى ألف دينار. والأمان إنما كان على أرواحهم وأموالهم النفائس، لا على أموال الكنائس فلا تتركها في أيدي هؤلاء الفجار.
أو كما أشار فقال: إذا أنار لنا عليهم نسبونا إلى الغدر وهم جاهلون بسر هذا الأمر، فنحن نجريهم على ظاهر الأمان ولا نتركهم يرمون أهل الإيمان بنكث الأيمان بل يتحدثون بما أفضاه من الإحسان فتركوا ما ثقل ويحملوا ما عز وخف ونفضوا من ترابهم وقمامة قمامتهم الكف، انتقل معظمهم إلى صور وبقى منهم زهاء خمسة عشر ألف امتنعوا عن مشروع الحق فاختصموا بمشروط الرق.
ولما تقدس القدس من رجس الفرنج أهل الفسق وخلع لباس الذل ولبس خلع العز أبى النصارى بعد أدء القطيعة أن يخرجوا، وتضرعوا في أن يسكنوا ولا يزعجوا وبدلوا حملًا من المال وقابلوا كل ما ألزموا به بالتزام وقبول وامتثال وأعطو الجزية عن يد وهم صاغرون وإنا فوقهم قاهرون ودخلوا في الذمة وخرجوا إلى العصمة وشغلوا بالخدمة واستعملوا في المهنة وعدوا المحنة في تلك المحنة.
قال صاحب الفتح القدسي: وكبر ما أظهر السلطان من الحسنات ومحاه من السيئات، وإنه لما تسلمه أمر بإظهار المحراب وحتم به أمر الإيجاب وكان الداوية قد بنوا في وجهه جدارا وتركوه للغلة هراء وقيل: كانوا اتخذوه مستراحا عدوانا وبغيا وبنوا في غربي القبلة دارا وسيعة وكنيسة رفيعة فأمر برفع ذلك الحجاب وكشف النقاب عن عروس المحراب وهذا ما قدامه من الأبنية، وأمر بتنطف ما حوله من الأفنية بحيث يجتمع الناس في الجمعة في العرصة
المتسعة ونصب المنبر وأظهر المحراب المطهر، ونقض ما أحدثوه بين السواري وبسطوا تلك البسيطة بالبسط الرفيعة عوض الحصر والبواري وعلقت القناديل وتلى التنزيل وحق الحق وبطلت الأباطيل، وتولى الفرقان وعزل الانجيل، وصفت السجادات وصفت العبادات وأقيمت الصلوات وادعيت الدعوات وتجلت البركات وانجلت الكربات وانجابت الغايات وتليت الآيات وأعليت الرايات، ونطق الأذان وخرس الناقوس وحضر المؤذنون وغاب
القسوس وأقبلت السعود، وأدبرت النحوس وعاد الإيمان الغريب منه إلى وطنه وطلب الفضل من معدنه وقويت الأوراد واجتمع الزهاد والعباد والأبدال والأوتاد، وعبد الواحد ووحد العابد وتوافد الراكع والساجد والخاشع والواحد والحاكم والشاهد والجاهد والمجاهد والقائم والقاعد المتهجد الساهد والزائر والواجد، وصدع البشر وصدح المفكر وانبعث المنشر وذكر البعث والمحشر، وتذاكر العلماء وتناظر الفقهاء وتحدث الرواة وروى المحدثون وأخلص الداعون ودعا المخلصون وأخذ بالعزيمة المترحضون ولخص المفسرون وانتدب الخطاء وكثر المترشحون للخطابة المعرفون بالفصاحة والعرابة فما منهم إلا من خطب الرتبة ورتب الخطة وأنشأ معنى سابقًا ووشى لفظًا رائقًا، وسوى كلامًا بالوضع لائقًا وروى مبتكرًا من البلاغة فائقًا وكلهم طال الالتهاء بها عنقه وسال من الالتهاب عليها عرقه، وما منهم إلا من يتأهب ويترقب ويتوسل ويتقرب ومنهم من يتعرض ويتضرع ويتشوق ويتشفع وكلهم قد لبس وقاره ووقر لباسه وضرب في أخماسه أسداسه ورفع لهذه الرياسة رأسه، والسلطان لا يعين ولا يلين ولا يخص ولا ينص.
فلما دخل يوم الجمعة رابع شعبان أصبح الناس يسألون في تعين
الخطيب السلطاني وامتلأ الجامع واختلفت المجامع وتوجست الأبصار والمسامع وفاضت لرقة القلوب المدامع وتوسمت العيون وتقسمت الظنون وتكلموا فيمن يخطب ولمن يكون المنصب وتفاوضوا في ذلك وأطالوا التفويض وتحدثوا بالصريح والتعريض وإعلان تعلي المنبر يكسي ويجلي، والأصوات ترتفع والجماعات والأفواج تزدحم والأمواج تلتطم وللعارفين من الصحيح ما في عرفات الحجيج حتى حان الزوال وزال الاعتدال وصعد الداعي وأعجل الساعى نصب السلطان الخطب بنصبه وأبان عن اختياره بعد فحصه وأشار إلى القاضي محيي الدين أبي المعالي محمد أبي الحسن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز بن علي بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن القاسم بن الوليد بن محمد بن عبد الرحمن بن عثمان بن عفان رضي الله عنه ويعرف بابن الزكي عثمان القرشي، ورسم له السلطان أن يرقى ذلك المرقى بتقديمه عرقى فرقى ذلك العود، ولقي السعود واهتزت أعطاف المنبر واعتزت أطراف المعشر فخطب وأنصتوا ونطق وسكتوا وأفصح وأعرب وأبدع وأغرب وأبان عن فضل بيت المقدس وتقديسه
وتطهيره بعد تنجيسه وإخراس ناقوسه وإخراج قسسه، وكان أول ما بدأ في خطبته بعد أن استوى قائمًا من جلسته أن استفتح بقراءة سورة الفتح إلى آخرها ثم قال {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 45].
ثم قرأ أول سورة الأنعام إلى قوله: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1].
ثم قرأ من سورة سبحان الذي: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} [الإسراء: 1] إلى قوله: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 1] ثم قرأ أول سورة الكهف {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} [الكهف: 1] الآيات الثلاث ثم قرأ من النمل: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل: 59] الآية ثم قرأ
أول سورة سبأ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [سبأ: 1] الآية وكان في قصده أن يذكر جميع تحميدات القرآن فخشي من الإطالة.
وقال: الحمد للَّه معز الإسلام بنصره ومذل الشرك بقهره ومصرف الأمور بأمره ومديم النعم بشكره ومستدرج الكفار بمكره الذي قدر الأيام دولا بعدله وجعل العاقبة للمتقين بفضله وأفاء على عباده من فضله وأظهر دينه على الدين كله القاهر فوق عباده فلا يمانع والظاهر على خليقته فلا ينازع والآمر لما يشاء فلا يراجع والحاكم بما يريد فلا يدافع أحمده على إظفاره وإظهاره وإعزازه لأوليائه ونصره لأنصاره وتطهيره لبيته المقدس من أدناس الشرك وآثاره حمد من استشعر الحمد باطن شره وطاهر أطهاره وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد شهادة من أظهر بالتوحيد قلبه وأرضى به ربه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله رافع الشك وداحض الشرك وقامع الإفك الذي أسري به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وعرج به إلى السموات العلى إلى سدرة المنتهى {عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم: 15: 17] صلى اللَّه وعلى خليفته أبي بكر الصديق السابق إلى الإيمان وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول من رفع عن هذا البيت المقدس شعار الصلبات وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين جامع القرآن وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مبيد الكفر ومزلزل الشرك ومكسر الأوثان وعلى آله وأصحابه
والتابعين لهم بإحسان، أيها الناس: أبشروا برضوان اللَّه الذي هو الغاية القصوى والدرجة العليا واشكروه على ما يسر على أيديكم من استرداد هذه الضالة وردها إلى مقرها من الإسلام بعد ابتذالها في أيدي
المشركين قريبًا من مائة عام وتطهير البيت الذي أذن اللَّه أن يرفع ويذكر فيه اسمه وإماطة الشرك عن طرقه بعد أن امتد عليها رواقه واستمر فيها رسمه ورفع قواعده بالتحميد، "والتوحيد فإنه يبني عليه وشيد بنياونه بالتحميد" والتمجيد فإنه أساس بنيانه على التقوي من خلفه ومن بين يديه فهو موطن أبيكم إبراهيم ومعراج نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم وقبلتكم التي كنتم تصلون إليها في ابتداء الإسلام، وهو مقر الأنبياء "ومقعد الأولياء" ومدفن الرسل ومهبط الوحي ومنزل به الأمر والنهي، وهو في أرض المحشر، وصعيد المنشر وهو في الأرض المقدسة التي ذكرها اللَّه تعالى في كتابه المبين وهو المسجد الأقصى الذي صلى فيه نبي رب العالمين بالنبيين والمرسلين والملائكة المقربين، وهو البلد الذي بعث اللَّه إليه عبده ورسوله كلمته التي ألقاها إلى مريم وروحه عيسى الذي كرمه اللَّه برسالته وشرفه بنبوته ولم يزحزحه عن رتبة عبوديته" فقال:{لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 172] كذب العادلون باللَّه وضلوا ضلالًا بعيد {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 91، 92]{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 17] إلى آخر الآيات من المائدة.
وهو أول القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تقعد الحناصر بعد الموطنين إلا عليه، فلولا أنكم من اختاره اللَّه من عباده واصطفاك من سكان بلاده لما خصكم بهذه الفضيلة التي لا يجاريكم فيها مجار، ولا يباريكم في شرفها مبارى فطوبى
لكم من جيش ظهرت على أيديكم المعجزات النبوية والوقعات البدرية والضربات الصديقية والفتوحات العمرية
والجيوش العثمانية والفتكات العلوية جددتم الإسلام أيام القادسية والملاحم اليرموكية والمنازلات الخيبرية والحملات الخالدية فجزاكم اللَّه عن نبيكم محمد أفضل الجزاء،
وشكر لكم ما بذلتموه من مهجكم في مقارعة الأعداء، وتقبل منكم ما تقربتم به إليه من إهراق الدماء، وأثابكم الجنة فهي دار السعد فقدِّروا رحمكم اللَّه هذه النعمة حق قدرها وقوموا للَّه بواجب شكرها فله تعالى المنة عليكم بتخصيصكم بهذه النعمة، وترشيحكم لهذه الخدمة، فهذا هو الفتح الذي فتحت له أبواب السماء وبلجت بأنواره وجوه الظلماء وابتهج به الملائكة المقربون وقرب أعين الأنبياء والمرسلين فماذا من النعمة بأن جعلكم الجيش الذي يفتح على يديه البيت المقدس في آخر الزمان والجند الذي تقوم بسيوفهم بعد فترة من النبوة أعلام الإيمان، فيوشك أن يفتح اللَّه على أيديكم أمثاله وأن تكون التهاني لأهل الخضراء أكثر من التهاني لأهل الغبراء البيت الذي ذكره اللَّه تعالى في كتابه ونص عليه في محكم خطابه ومنحكم به منته وطوله.
فقال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1]، وهو الذي عظمته الملل وأثنت عليه الرسل وتليت فيه الكتب الأربعة المنزلة من اللَّه تعالى، لأجله الشمس ردت على يوشع بن نون بن يعرب وباعد بين جوانبها ليتبين فتحه ويقرب، أليس هو البيت الذي أمر اللَّه عز وجل أن يأمر قومه باستيطانه فلم يجبه إلا رجلان وغضب عليهم لأجله فألقاهم في التيه عقوبة للعصيان.
فأحمد اللَّه الذي
أمضى عزائمكم لما نكلت عنه بنو إسرائيل، وقد فضلت على العالمين ووفقكم، لما خذل فيه أمما كانت قبلكم الأمم الماضيين وجمع لأجله كلمتكم وكانت شتى وأغناكم بما أمقبه كان وقد عي وحتى وليهنكم أن اللَّه تعالى قد ذكركم به فيمن عنده وجملكم بعد أن كنتم جنودًا لا تستهويه جنده وشكرتكم الملائكة المنزلون على ما أهديتم لهذا البيت من طيب التوحيد ونشر التقديس والتحميد، وما أمطتم عن طريقه من أذى الشرك والتثليث والاعتقاد الفاجر الخبيث، والآن تستغفر لكم أملاك السموات وتصلى عليكم الصلوات المباركات.
فاحفظوا رحمكم اللَّه هذه الموهبة فيكم واحرسوا هذه النعمة عندكم بتقوى اللَّه الذي من تمسك بها سلم، ومن اعتصم بغزوتها نجا واعتصم، واحذروا اتباع الهوى
وموافقة الردى ورجوع القهقرى والتوالي العدى، وجدُّوا في انتهاز الفرصة وإزالة ما بقي من القصة، وجاهدوا في اللَّه حق جهاده وبيعوا عباد اللَّه أنفسكم في رضاه إذ جعلكم من خير عباده.
وإياكم أن يشتريكم الشيطان وأن يدخلكم الشيطان فيخيل لكم أن هذا النصر بسيوفكم الحداد وخيولكم الجياد ونجلائكم في مواطن الجلاد، لا واللَّه العظيم ما النصر إلا من عند اللَّه العزيز الحكيم. واحذروا عباد اللَّه بعد أن شرفكم بهذا الفتح الجليل والمنح الجزيل وخصكم بنصره المبين أن تقترفوا كثيرًا من نواهيه وأن تأتوا عظيمًا من معاصيه فتكونوا {كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} [النحل: 92] أو {الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الأعراف: 175] والجهاد هو أفضل عباداتكم وأشرف عاداتكم، انصروا اللَّه ينصركم اذكروا اللَّه يذكركم اشكروا للَّه يشكركم جدوا في حسم الداء وقلع شأفة الأعداء وطهروا بقية الأرض من هذه الأنجاس التي أغضبت
اللَّه ورسوله، واقطعوا فروع الكفر واجتثوا أصوله فقد نادت الأيام بالتارات الإسلامية والملة المحمدية، اللَّه أكبر فتح اللَّه ونصر وغلب اللَّه وقهر وأخذل من كفر، واعلموا رحمكم اللَّه تعالى أن هذه فرصة فانتهزوها وفريسة فأخرجوا لها هممكم وأبرزوها وسيروا إليها سرايا عزماتكم وجهزوها فالسعادة "بأمايرها" والمكاسب بذخائرها وقد ظفركم اللَّه -تعالى- بهؤلاء الأعداء المخذولين، وهم مثلكم أو يزيدون فكيف وقد أضحى قبالة الواحد منكم عشرون وقد قال اللَّه تعالى {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 65، 66]، أعاننا اللَّه وإياكم على اتباع أوامره والانزجار بزواجره وأيدنا معاشر المسلمين بنصر من عنده {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} [آل عمران: 160].
إنه أشرف مقال يقال لي مقام وأنفذ سهام تمزق عن قسي الكلام وأمضى قول
تحلى به الأفهام الواحد الفرد العزيز العلام ثم استعاذ وبسمل وقرأ أول سورة الحشر ثم دعا للخليفة أمير المؤمنين الناصر لدين اللَّه تعالى وللسلطان فقال: اللهم أدم سلطان عبدك الخاضع لهيبتك الشاكر لنعمتك المعترف بموهبتك سيفك القاطع وسهمك اللامع المحامى عن ذنبك الدافع الذاب عن حرمك الممانع السيد الملك الأجل جامع كلمة الإيمان وقامع عبده الصلبان صلاح الدين والدنيا سلطان الإسلام مطهر بيت المقدس من أيدي المشركين بن أيوب محيي دولة أمير المؤمنين.
اللهم عم بدولته البسيطة واجعل ملائكتك براياته محيطة وأحسن عن الدين الحنيفي واشكر عن الملة المحمدية حزبه وقضاه. اللهم زين للإسلام مهجته ووف للأنام حوزته وانشر في المشارق والمغارب دعوته. اللهم فكما
فتحت على يديه بيت المقدس بعد أن ظنت الظنون فافتح على يديه داني الأرض وقاصيها وملك صلبان الكفرة ونواقيسها فلا تلقى منهم كنيسة إلا مزقتها ولا جامكة إلا فرثتها ولا طائفة بعد طائفة إلا ألحقتها بمن سبقها، اللهم اشكر عنه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سعيه ذا القدر والقد في المشارق والمغارب، اللهم وأصلح به أوساط البلاد وأطرافها.
اللهم. . . الفجار وانشر دوابر ملكه على الأمصار اللهم ثبت فيه وفي عقبته. . . اليأس وشد عضده. . . بقوله {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [النحل: 90]، وصلى في المحراب وافتتح بسم اللَّه الرحمن الرحيم وقرأ أم الكتاب وأم بذلك الأمة وتم نزول الرحمة وكمل حصول النعمة، ولما أتت الصلاة انتشر الناس وانتهى الإيناس وانعقد الاجتماع واطرد القياس وجرت حالات وتوالت مسرات، وصلى السلطان في قبة الصخرة والصفوف بها على سعة الصحن متصلة والأمة على اللَّه تعالى بدوام نصر السلطان الملك الناصر مبتهلة والأيدي مرفوعة والدعوات لديه مسموعة، ثم رتب السلطان في المسجد الأقصى خطبًا، استمرت خطبته واستقرت رتبته.
قال العماد رحمه اللَّه تعالى: وأما الصخرة فكان الفرنج قد بنوا عليها كنيسة ومذبحًا ولم يبغوا ولم يتركوا للأيدي المتبركة
للعيون المدركة ملمسًا ولا مسطحًا،
وقد زينوها بالصور والتماثيل وعينوا بها مواضع الرهبان ومحط الإنجيل، وكملوا بها أسباب التعظيم والتبجيل، وأفردوا بها لموضع القدم قبة صغيرة مذهبة على أعمدة الرخام منتصبة وقالوا محل قدم المسيح وكان فيها صور لأنعام مثبتة والصخرة المقصودة المزورة بما عليها من الأبنية مستورة وتلك الكنيسة المعموة، فأمر السلطان بكشف نقابها ورفع حجابها وحسر لثامها وقسر رخامها وفض بنائها وقض عطابها وإبرازها للزائرين وإظهارها للناظرين ونزع لبوسها وزفاف عروسها وإخراج درها من الصدف واطلاع بدرها من السدف وهدم سجنها وفك رهنها وإبداء وجهها الصبيح وجلاء شرفها الصريح وردها إلى الحالة الحالية والقيمة الغالية والرتبة العالية فعادت كما كانت في الزمن القديم، واستجلى الناظرون وجه حسنها الوسيم وما كان يظهر منها قبل الفتح إلا قطعة من تحتها قداسا أهل الكفر في تحتها فظهرت الآن أحسن ظهور وسفرت أيمن سفور وأشرقت القناديل من فوقها فكانت نورًا على نور وعمل عليها حظيرة من شبابيك حديد والاعتناء من ذلك الوقت، وإلى الآن بحمد اللَّه تعالى في كل يوم يزيد.
ورتب السلطان في قبة الصخرة إماما من أحسن القراء تلاوة وأنداهم صوتا وأسماهم في الديانة صيتا وأعرفهم بالقراءات السبع بل العشر وأطيبهم
في الراوية والنشر، وأغناه وأقناه وأولاه ما أولاه ووقف عليه دارًا وأرضًا وبستانًا وأسدى إليه معروفا زائدًا وإحسانًا وحمل إليها وإلى محراب المسجد الأقصى مصاحف وختمات وربعات معظمات لا تزال بين يدي الزائرين على كراسيها مرفوعة وعلى أسرتها موضوعة، ورتب لهذه القبة خاصة وللمسجد عامة قومه هممهم على شمل مصالحها ملتئمة وأمورهم في الحزمة منتظمة في أبهج ليلها.
وقد حضرت الجموع وازدهرت الشموع، وبان الخشوع ودان الخضوع وذرفت من عيون المتقين الدموع، واستقرت من العارفين الضلوع فلا ترى في تلك الحضرة المقدسة إلا كل ولي يعبد ربه ويؤمل بره وكل أشعث أغبر لو أقسم على اللَّه لأبره، وكل من يحيي الليل ويقوم ويسمو بالحق ويسود وكل من ختم القرآن ويرتله ويطرد الشيطان ويدحض كيده ويبطله، ومن عرفته لمعرفته الأسحار ومن ألفته لتهجده الأمداد والأفكار وما أسعد نهارها حين استقبل الملائكة زوارها وتجمل القلوب إليها أسوارها وتضع الجناة عندها أوزارها وتستهوي صبيحة كل يوم منها
أسفارها وما أطهر من تولى إطهارها وأظهر من باشر إظهارها.
وكان الفرنج قد قطعوا من الصخرة قطعًا وحملوا منها إلى القسططنية ونقلوا منها إلى صقلية وقيل باعوها بوزنها ذهبًا، واتخذوا ذلك مكسبًا، ولما ظهرت مواضعها وقطعت القلوب لما بانت معا فهي الآن مبرزة للعيون باقية على الأيام مصونة للإسلام في حذرها وحرزها المصون.
ثم أمر السلطان بالشروع في العمران وترخيم محراب الأقصى وأمر أن يبالغ فيه ويستقي، وتنافس فيه ملوك بنى أيوب فيما يورث
من الآثار الحسنة وفيما يجمع لهم ود القلوب وشكر الألسنة فما منهم إلا من أجمل وأحسن وفعل ما أمكن من كل فعل جميل ورفد جميل، وفاوض السلطان جلساءه من العلماء والأبرار والأتقياء الأخيار في بناء مدرسة للفقهاء الشافعية فأشاروا عليه بذلك وكذا رباط للصلحاء الصوفية، وله في ذلك حسن النية فعين للمدرسة الكنيسة المعروفة "بصيد حنا" عند باب الأسباط وعين دار البطرك وهي قرب كنيسة قمامة للرباط، ووقف عليهما وقوفًا كثيرة وأسدى بذلك إلى الطائفتين معروفًا، هممه العالية بها جديرة وارتاد أيضا مدارس الطوائف ليصفها إلى ما أولاه لأهل العلم والخير والدين والصلاح من العوارف، وأمر بإغلاق أبواب كنيسة قمامة وحرم على النصارى زيارتها حتى والإطاحة.
وتفاوض الناس عنده فيها، فمنهم من أشار بهدم مبانيها وتصفية آثارها وتعمية منهج مزارها وإزالة تماثيلها وإزاحة أباطيلها وإطفاء قناديلها وإذهاب تقاويلها وإكذاب أقاويلها، وقالوا: إذا هدمت مبانيها وألحقت بأسافلها أعاليها ونبشت المقبرة وعفيت وأخمدت نيرانها وأطفيت ومحيت رسومها ونسيت وحرثت أرضها ودمر طولها وعرضها وانقطعت عنها إمداد الرواد وانحسمت عن قصدها مواد وأطماع أهل النار، ومهما استمرت العمارة واستمرت الزيارة.
وقال أكثر الناس: لا فائدة في هدمها ولا هدها ولا داعية لصد الكفرة عن أبواب الزيارة بسدها؛ فإن متعبدهم موضع الصليب والنفير لا ما يشاهد من البناء ولا ينقطع عنها قصد أجناس النصرانية ولو نسفت أرضها في السماء ولما فتح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه القدس في صدر الإسلام أقرهم على هذا المكان، ولم يأمر بهدم البنيان وكان ذلك سببًا في إبقائها وعدم التعرض إلى هدمها، حيث وافق ذلك رأي السلطان، ومن ثم
كتبت البشائر بهذا الفتح المبين لأبواب الناصر لدين اللَّه الخليفة أمير المؤمنين، قال العماد رحمه الله: وقال بعض
العلماء: رأيت في بعض المجاميع أن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه اللَّه تعالى لما كثرت في البلاد الساحلية فتوحاته وأوجعت في أهل الكفر سهامه وسطواته، كان لا يجاسر على فتح بيت المقدس لكثرة ما فيه من الأبطال والعدد والرجال ونبال وكونه كرسي دين النصرانية وأيدي غلبة الفرنج عليه إذ ذاك مختومة قوية، وكان ببيت المقدس يومئذ شاب مأسور من أهل دمشق فكتب أبياتًا على لسان القدس الشريف وأرسلها إلى السلطان صلاح الدين.
يأيها الملك الذي
…
لمعالم الصلبان نكس
جاءت إليك ظلامة
…
تسعى من البيت المقدس
كل المساجد طهرت
…
وأنا على شرفي منجس
فأخذته غيرة الإسلام وكانت الأبيات هي الداعية له على فتح بيت المقدس، ويقال: إن السلطان وجد في الشاب صاحب الأبيات أهلية فولاه الخطابة واستمر به فيها، وتوفي السلطان صلاح الدين في صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة وقد سطرت مثوبة هذا الفتح المبين في صحائف حسناته. وأرجو أن يسكنه اللَّه تعالى في أعلى غرفات جناته، وهذا البيت المقدس من لدن فتحه العزيز في أيدي المسلمين مقصود بالزيارة والتعظيم على مر السنين، وبقاؤه في أيدي أهل الإسلام من الكرامة المستمرة إن شاء اللَّه تعالى إلى يوم القيامة انتهى.
وهنا تزيل الفتح أحب المؤلف أمتع اللَّه تعالى بفوائده وأجراه في الطاقة الخفيفة على أجمل عوائده إثباته في هذا الكتاب تبصرة وذكرى
لأولي الالباب المعلقين من أهداب الآذان بأوثق الأسباب وجعله خاتمة لهذا الباب وهو من الإتحاف الذي يحصل به المقصود وتحلو به الفائدة ومن الكلام الذي يحسن السكوت عليه وتتم به الفائدة فقال: "ولما أنقذ اللَّه تعالى بيت المقدس من أيدي النصارى وطهره من أرجاسهم وأدناسهم وتم الفتح وانضم الأمر وانتهى الحال على ما تقدم شرحه، أخذ السلطان صلاح الدين رحمه الله في أسباب إتمام ما أقامه اللَّه تعالى من إعلاء كلمة الدين وابتهاج خواطر الموحدين واستئصال شأفة المعاندين وشرع في بقية سنة ثلاث وثمانين
وخمسمائة في بذل الأموال عودا على بدء وكتب إلى أهل الأقطار وسكان الأمصار يستدعي الأجناد إلى الجهاد ويندبهم إلى إتمام ما هو بصدده من قطح دابر أهل الغي والزيغ والعناد فأجابوه وتواردوا عليه من كل جهة.
وفي سنة أربع وثمانين وخمسمائة رحل السلطان صلاح الدين عن القدس وترك المدينة وما ولاها من البلاد الساحلية التي كان قد افتتحها في طريقه حين خرج من الشام عامرة أهلها "بأهلها"، وقصد حصن الأكراد ونزل عليه وبعث العساكر في تخريب ضياع الفرنج وقطح أشجارهم ونهبهم وأعمال النكاية فيهم، ثم سار إلى طرسوس ففتحها عنوة، ثم سار إلى جبلة فأخذها عنوة ثم سار إلى اللاذقية فحاصرها أيامًا ثم افتتحها وأخذ منها غنائم كثيرة، ثم سار إلى أنطاكية فرغب صاحبها وهو البرنس في الهدنة ثم سار إلى صهيون وهي حصينة إلى الغاية فحاصرهم ثم أخذها بالأمان بعد ثلاثة أيام ثم بث عسكره وأولاده وسراياه فأخذوا حصون تلك الناحية مثل بلاطنس وقلعة الجماهير وبكاس والشعر ونزمانة ودربساك وبغراس، ثم سار إلى الشوبك وأخذها بالأمان ثم سار إلى صفد ونازلها، فوصل إليه أخوه الملك العادل أبو بكر بمن معه من عساكر مصر ودام الحصار على صفد إلى ثامن من شوال
أخذت بالأمان، ثم سار إلى حصن كوكبة ونازله وحاصره ثم أخذه بالأمان في نصف ذي القعدة من سنة أربع وثمانين وخمسمائة، فيالها من سنة ما كان أبركها على المسلمين وفي سنة خمس وثمانين حشد الفرنج وجيشوا واستحاشوا وخرجوا من مدينة صور قاصدين عكا "واجتمعت الرهبان" والقسوس وجماعة من المشهورين" ولبسوا السواد وأظهروا الأسف والحزن على بيت المقدس وأخذهم بطرك القدس الذي أخذ السلطان بيته المشرف على كنيسة قمامة وجعله خانقاه للصوفية "يقرأ فيها القرآن العظيم ويجهر فيها الأذان والذكر الحكيم"، ورحل بهم إلى بلاد الإفرنج وجعلوا يطوفون البلاد ويستغيثون ويستنصرون بالملوك والأكابر من أهل الملة المسيحية وصوروا صورة المسيح وقد جرحه وأسال دمه النبي صلى الله عليه وسلم على وجهه، فعظم ذلك على الفرنج وأخذتهم الحمية حمية الجاهلية وحشدوا حتى انتهى إليهم من الرجال والأموال ما لا يحصى.
وذكر بعض من كان معهم أنهم انتهى بهم الطواف إلى رومية "المدائن" الكبرى
فخرجنا
منها وقد ملأنا "الشواني" نفره ابن الأثير وخرجوا على الصعب والذلول برا وبحرا وجاءوا من كل فج عميق، وفي زعمهم أنهم يملكون بيت المقدس وينزعونه من أيدي المسلمين ويعيدونه إلى الحالة الأولى التي كان عليها حين كان في أيديهم {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32]. ثم إن الفرنج نازلوا عكا في منتصف رجب من السنة المذكورة وأحاطوا بها حتى لم يبق للمسلمين إليها طريق، وجاء السلطان صلاح الدين ومن معه من عسكره الموحدين ووقعت بينهم حروب كثيرة.
وفي بعضها حمل تقي الدين
ابن أخي السلطان صلاح الدين على منجعة الفرنج حملة منكرة أزاحهم ومن معهم بها عن مواقفهم.
وملك تقي الدين مواقعهم والتصق بعكا "ودخل المسلمون البلد" وأدخل إليهم السلطان صلاح الدين ما أرادوا من الرجال والعدد فلما كان العشرون من شعبان اجتمع الفرنج للمشهورة قالوا: الرأي أن نلقى المسلمين غدًا على حين غفلة لعلنا نظفر بهم قبل أن يأتيهم الإمداد، فإن أكثر عسكر المسلمين كان إذ ذاك غائبًا بعضهم مقابل أنطاكية وبعضهم مقابل صور وعسكر مصر بالإسكندرية ودمياط، وأصبح الفرنج متعينين للقتال وأصبح السلطان على غير أهبة وخرج الفرنج كأنهم الجراد المنتشر قد ملأوا الأرض بالطول والعرض وحملوا حملة رجل واحد فانهزم المسلمون وثبت بعضم واستأسروا جماعة.
ثم تراجع بعض المسلمين وحمل بهم السلطان حملة صادقة فقتلوا من الفرنج مقتلة عظيمة وأسروا جملة وكانت عدة القتلى يومئذ عشرة آلاف فأمر بهم السلطان فألقوا في النهر الذي يشرب منه الفرنج، قال العماد الكاتب -رحمه اللَّه تعالى- إن الذين ثبتوا من المسلمين ردوا مائة ألف من الكفار، وكان الواحد يقول قتلت ثلاثين قتلت أربعين وجافت الأرض من نتن القتلى وانحرفت الأمزجة ومرض السلطان صلاح الدين فأشاروا عليه بالانتقال من ذلك الظرف وترك مضايقة الفرنج فرحل إلى
"الخروبة" وأخذ الفرنج في محاصرة عكا وكان الذين بها من المسلمين يخرجون إليهم كل يوم ويقاتلونهم إلى نصف شوال، ووصل العادل أبو بكر بالمصريين ومعه من آلات الحصار شيء كثير، فلما دخل صفر من سنة ست وثمانين وخمسمائة وذهب الشتاء وجاءت إلى الإمداد من كل جهة ورحل من الخروبة إلى نحو عكا ودام القتال بين
المسلمين وبين الفرنج ثمانية أيام متتابعة وخرج ملك الألمان وهو نوع من أكثر الفرنج عددًا وأشدهم بأسًا وعددًا.
وكان قد أزعجه أخذ بيت المقدس غاية الإزعاج فأظهر الأسف والحزن فجمع العساكر وصار قاصدًا بلاد المسلمين طامعًا في نصر أهل ملته وأخد بيت المقدس ممن هو في يده من المسلمين، وكانوا نحو من مائتى ألف وستين ألفًا فنزل ملكهم يومًا يغتسل في نهر قريب من أنطاكية فغرق في مكان لا يبلغ الماء فيه وسط الرجل وتولى بعده ولده، وأبادتهم يد القدرة الإلهية والعناية الربانية في الطريق فلم يبق منهم إلا نحو ألف رجل وصلوا إلى عكا وغادروا إلى بلادهم فغرقت بهم المراكب ولم ينج منهم أحد، وللَّه الحمد والمنة سبحانه وتعالى لا راد لأمره ولا معقب لحكمه وهو الحكم العدل.
واشتد القتال بين الفرنج الذين كانوا في عكا وأتتهم أمداد المشركين في البحر من الجزائر البعيدة حتى ملأوا البر والبحر، وجاءت السلطان أيضًا الأمداد وحرَّم بطركهم عليهم كل مباح وغلق الكنائس ولبس وألبس الحداد. وحكم عليهم أن لا يقربوا النساء، ولا يزالوا كذلك إلى أن يفتح عليهم ويصلوا إلى مقصودهم فلما كان في بعض الأيام خرجوا على حين غفلة فرجع عليهم السلطان وطحنهم طحنًا، ثم خرجوا مرة أخرى وعملوا فيها برجين عظيمين من أخشاب عاتية يشمل كل برج منها على سبع طبقات وعملوا كبشا هائلًا عملوه من خشب وجعلوا في رأسه قناطير من حديد على صفة قرون محدودة لينطحوا بها السور فينهزم فخرج عليهم المسلمون ورموا الأبراج بالأحجار وقدور النفط فاحترقوا.
وأما الكبش فإنه ساخ في الرمل لثقله، وعجزوا عن تخليصه وجرت بينهم أمور
طويلة مذكورة في كتب التواريخ وتم الحصار على عكا نحو السنتين، وقتل من الفرنج ما يزيد على مائة ألف، وفي سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وقع الصلح بين السلطان صلاح الدين وبين الفرنج مع كراهيته.
وفي أواخر السنة
المذكورة مرض السلطان واشتد به المرض فحمل إلى دمشق ثم توفي في صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة ونقل اللَّه روحه الزكية إلى مستقرها من جنات النعيم {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]، ودفن -رحمه اللَّه تعالى- في الجانب الشمالي من الجامع الأموي في الرواق الغربي من "الكلاسة"، وقبره الآن ظاهر هناك مقصود بالزيارة، ولما تسامع أهل الآفاق بوفاته كثر فيها وفيما والاها من النواحي النواح والعويل والضجيج وعظم الأسف واشتد القلق وهو واللَّه بذلك حقيق.
وخلف من الأولاد سبعة عشر ذكرًا منهم العزيز صاحب مصر والأفضل صاحب دمشق والظاهر صاحب حلب وغيرهم وبنتا واحدة، فأما ولده العزيز فإنه قدم دمشق ومعه "عمه الملك العادل أبو بكر فنازل دمشق وحاصر أخاه الأفضل فحاصر العسكر على الأفضل وفتحوا دمشق"، ودخلها العزيز هو وعمه العادل ثم رجع العزيز إلى مصر وأقام العادل بدمشق واستولى عليها وأخرج منها أولاد أخيه صلاح الدين وأعطى الأفضل صرخد ثم هدم العادل يافا بعد أن أخذها بالسيف
في شوال سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة فنزلت الفرنج بيرون ثم ملكوها بغير كلفة وفي سنة أربع وتسعين جاء الخبر بوفاة طغتكين وهو أخو السلطان صلاح الدين وكان صاحب اليمن وملك بعده ولده إسماعيل فظلم وغشم وأساء السيرة ورام الخلافة ولقب نفسه بالهادي ولم يتم له أمر، وفي سنة خمس وتسعين وخمسمائة مات العزيز فبادر أخوه الأفضل وتوجه على مصر وملك ولد أخيه العزيز وكان الولد صبيًا وكان الأفضل أتابكة ثم أخذ الأفضل جيوش مصر.
وأقبل إلى دمشق وحاصرها وبالغ وأحرق الحواضر وفعل كل قبيح ثم دخل البلد
ووصل إلى باب البريد فحمل عليه وعلى من معه من أصحاب الملك العادل وكسرهم كسرة شنيعة فرجعوا من حيث جاءوا، وضعف الأفضل وطال الحصار ودخلت سنة ست وتسعين وخمسمائة والأفضل وأخوه الظاهر بعساكرهم ظاهر دمشق قد حفروا عليهم خندقًا من عندهم إلى "بلداو" خوفًا من كبسة عمهم العادل وعظم الغلاء بدمشق ونفدت خزائن العادل "بمصر" على جنده وبدَّل المسلمون
بحرب الفرنج حرب بعضهم بعضًا ثم رحلا وقوي الشتاء وأنجد الكامل والده العادل بأربعمائة ألف دينار فتقوى بها ورجع الأفضل إلى مصر "فأسرع العادل وتبعه فلحقه عند الغرابي.
ودخل العادل مصر وقد ملكها الظاهر" فرجع الأفضل إلى صرخد ثم سلطن العادل ولده الكامل بمصر وخطوا له بها ثم رجع الأفضل والظاهر إلى محاصرة دمشق سنة سبع وتسعين وخمسمائة وبها المعظم عيسى بن العادل وزحفوا عليها وبقي الحصار شهرًا ثم وقع الخلاف بين الأخوين المذكورين ورحلا عن دمشق ثم مات الظاهر في سنة ثلاث عشرة وستمائة بالأشهاد ثم مات العادل في سنة خمس عشرة وستمائة في جمادى الآخرة خارج دمشق، "وحمل في محفة" إلى دمشق ودفن بها ثم نقل من القلعة بعد أربع سنين إلى تربته بالعادلية الصغرى ودفن بها.
وخلف العادل من الأولاد اثني عشر ذكرا منهم الكامل محمد صاحب مصر والمعظم عيسى صاحب دمشق والأشرف موسى والناصر داود
وغيرهم.
ولما ملك المعظم دمشق اقتضى رأيه تخريب قلعة الطور وقلعة بنين وبانياس في أول سنة ست عشرة خوفا من استيلاء الفرنج عليه وصدا لهم عن قصده لتعذر التحصين عليهم فيه أخذا في ذلك بالحزم، وكانت مدينة القدس حين هدم المعظم أسوارها من أحصن المدائن فنزح منها أكثر أهلها وعاد المعظم إلى دمشق.
وأما الكامل محمد بعد أن ملك مصر أخذت الفرنج دمياط في شعبان سنة ست
عشرة وستمائة وكانوا أهلها قد هلكوا من القحط والوباء فسلموها للفرنج بالأمان، ثم غدرت الفرنج بهم وقتلوا وأسروا وعملوا جامع البلد كنيسة، وكان الكامل إذ ذاك مشغولًا بقتال التتار وكسرهم في وقعة "البركس" فانهزموا ومن انضم إليهم إلى دمياط، وكانت بينه وبينهم وقعات هائلة أنزل اللَّه فيها النصر على المسلمين ومازال الكامل مشغولًا بقتال الفرنج الذين أخذوا دمياط، وبنى مدينة إذ ذاك سماها "المنصورة" عند مفرق البحر الحلو وسكنها بجيشه وتواردت عليه الجيوش والعساكر من كل جهة وعظم الخطب واشتد البلاء، ثم استرد الكامل دمياط من الفرنج سنة ثماني
عشرة وستمائة وذلك أن الفرنج خرجوا يوما في أهبة كاملة ليغيروا على الغربية في زيادة النيل ففتح الكامل عليهم سدا فأحاط بهم الماء من الجهات الأربع بحيث أنهم لا يقدرون على الوصول إلى دمياط.
قال ابن الأثير: ولو طول الكامل روحه يومين لأسرهم عن آخرهم بعد أن الكامل بعث إليهم ولده المكمل الصالح نجم الدين أيوب وصالحهم فجاءت ملوكهم إلى خدمته فأنعم عليهم، وكن قد وصل إليه أخواه السلطانان وهما المعظم عيسى والأشرف موسى بجيوشهما وعساكرهما فمد السلطان الكامل حينئذ سماطا عظيمًا حضره ملوك الفرنج، ووقف أخوه عيسى وموسى المشار إليهما في خدمته وكان يومًا مشهودًا حضره الخاص والعام وكان وقع فيه من غرائب الاتفاق غريبة وهي أن الكامل اسمه محمد والمعظم اسمه عيسى والأشرف اسمه موسى فقام راجح الحلي الشاعر وأنشد بين الكامل في تلك الحضرة العظيمة قصيدة عظيمة منها:
وبدا لسان الحال في الأرض رافعا
…
عفيرته في الخافقين ومنشدا
أعباد عيسى إنَّ عيسى وحزبه
…
وموسى جميعًا ينصران محمدا
وجرت فيما بين سنة تسع عشرة وستمائة وبين سنة خمس وعشرين منها بين الكامل وإخوته وأولادهم ومن تابعهم من أولاد عمه وبين الفرنج والتتار وغيرهم من الخوارج وقائع كثيرة وحروب متعددة ومنزلات ومحاصرات وتنقلات يطول شرحها. ومات المعظم وجاء التقليد بالسلطنة بالشام من الكامل لابن أخيه الناصر داود بن
المعظم في صفر من السنة المذكورة ثم قدم الكامل فى آخر العام إلى دمشق وجاءه أسد الدين صاحب حمص، فأغلق الناصر داود دمشق واستنجد بعمه الأشرف موسى فقدم من
"خلاط" فتأخر الكامل وأمسك يده ولم يجد شيئًا وقال: أنا ما أقاتل أخى يعني الأشرف وبلغ الأشرف ذلك فقال للناصر داود: إن أخي قد "حرووا" والمصلحة تقتضي استعطافه ثم سار إليه واجتمع به فصار نجده على الناصر لا له.
ثم اتفق الأخوان وهما الكامل والأشرف على ترحيل الناصر من دمشق واستنجد الكامل حينئذ بالفرنج وبالأنبروز ملك الفرنج في جيش كثيف فأعطاه الكامل القدس وهي مخربة الأسوار فشق ذلك على المسلمين، وبقي أهل بيت المقدس مع الفرنج في الدار، ونطق الناقوس وصمت الأذان وعد الناس ذلك وصمة في الدين وتوجهت به الأئمة من الخلافة قاطبة على الكامل، وخرج الناصر داود لتلقي عمه فبلغ اتفاقه هو والكامل عليه فبادر وحض البلد وجاء الأخوان فأحاط به وحاصره شهرًا، وقطعوا بانياس والقنوات ونهبوا البساتين وأحرقوا غالبها وتمت بينهم وقعات وقتل جماعة من الفريقين وأحرقت الحواضر واشتد البلاء.
وعظم الخطب شهرا وفي آخر الأيام أبرم الصلح في أول شعبان على أن يعوض الناصر بالكرك فتحول إليها وبقي سلطانها بيده، ودخل الملك قلعة دمشق ثم وجه عسكره لمحاصرة حماة ثم أعطى أخاه الأشرف دمشق بعد شهر وأعطى الأشرف عوضها حران والرها
ورأس العين
والرقة ثم سار الكامل إلى هذه البلاد ليتسلمها فخرج صاحب حماة إلى خدمته ثم حاصر الأشرف بعلبك وبها الأمجد في الآخر، وجاء الأمجد إلى دمشق وأقام بداره التي كانت له بها وأعطى الأشرف أخاه الصالح إسماعيل بعلبك في سنة سبع وعشرين وستمائة فتسلمها وأدخل إليها وأما الملك الكامل فإنه حاصر آمد ونصب عليها المجانيق ونازلها في سنة ثلاثين وستمائة ثم أخذها من صاحبها الملك المسعود مودود الأتابكى واستناب الكامل في آمد ولده الصالح نجم الدين أيوب.
وفي أول سنة خمس وثلاثين وستمائة مات الملك الأشرف موسى صاحب دمشق وملك أخوه الكامل البلد بعده ثم مات الكامل بالقلعة بعد ستة أشهر من موت أخيه الأشرف، وتسلطن بدمشق بعد الكامل الملك الجواد بن داود بن العادل فأنفق الأموال وبدد وأسرف، وسارع الناصر فأخذه على غرة، وأما مصر فسلطوا بها العادل بن الكامل ثم قايض الجواد بدمشق سنجار وعانه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل فكانت صفقة الجواد فيما قايض فيه صفقة خاسرة ثم تجهز الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل إلى مصر ثم أرسل لطلب عمه الملك الصالح إسماعيل بن بعلبك ثم مضى إلى نابلس وكاتب عمه الأمراء واستمالهم إليه.
ثم هجم الصالح عماد الدين إسماعيل على دمشق، وتملكها وتفرقت الأمراء على الصالح نجم الدين أيوب ونزل إليه من الكرك أصحاب ملكها الناصر داود فقبضوا عليه ومضوا به الى الكرك فاعتقله
الناصر صاحب الكرك يسأله في إطلاق أخيه نجم
الدين أيوب وبذل له فيه مائة ألف دينار وبعث عمه الصالح إسماعيل صاحب دمشق إلى الناصر أيضًا يطلب نجم الدين أيوب، وبلغ فيه مبلغًا كبيرًا فأبى الناصر أن يرسله إلى الصالح إسماعيل صاحب دمشق ولم يقبل شيئًا مما بذل له فيه، واتفق مع نجم الدين أيوب وقصد به مصر ليملكه إياها ويشاركه في المملكة فحاصرت الأمراء الكاملية على العادل بن الكامل صاحب مصر وكاتبوا أخاه نجم الدين الصالح أيوب وحثوه على سرعة الحضور فوصل وقبض على أخيه العادل.
واستولى على الديار المصرية بغير كلفة ولا مشقة ولا تعب وذلك في ذي القعدة وأعرض عن الناصر داود ولم يعبأ به ولم يلتفت إليه فرجع خائبًا إلى الكرك، ولما وصل الناصر داود إلى الكرك همته نفسه إلى استنقاذ بيت المقدس من أيدي الفرنج وتطهيره من أرجاسهم وأدناسهم، وأظهر ما كان كامنًا في نفسه من ناحية الكامل بسبب استغاثته عليه واستنجاده في أمره بالفرنج وإعطائهم بيت المقدس هذا ما كان من أمر الناصر داود صاحب الكرك.
وأما ما كان من أمر الفرنج فإنه لما أعطاهم الكامل بيت المقدس وسمح لهم تراجعوا إليه ودخلوه وقاموا به وفيه المسلمون وكل طائفة منهما فيما هم فيه هؤلاء في عبادتهم وصلواتهم وأذكارهم وهؤلاء في كفرهم وشركهم والدار جامعة لهم واحدة، فالمسلمون من أجل ذلك في غاية الحصرة والضر والضنك والتشوش واتفق أن ملك الفرنج حين أعطاه الكامل بيت المقدس وتوجه إليه ليدخله "عارضه في الطريق شخص قيل إنه من نابلس وكان قاضيا بها وبالشام وتقرب إلى ملك الفرنج وتوصل إليه بما أوجب إقباله عليه ولم يزل في صحبته إلى أن دخل معه القدس، فأخذ ذلك القاضي
يدور بالملك وعيَّن معه من خواصه ويزورهم الأماكن الفاضلة والمعاهد المعظمة والمشاهد المحترمة، وجعل يوجه الخطاب إلى الملك بما يرغبه في الإقامة بالقدس "الشريف" واستيطانه وعدم الخروج عنه، ودخل المسجد الأقصى وصعد المنبر ومنع القاضى المذكور المؤذنين من الجهر بالأذان والتسبيح في أوقات السحر في تلك الليلة.
ولما أصبح الملك وحضر إليه القاضى فسأله عن المؤذنين وذكر أنه لم يسمع في هذه الليلة في منارات هذا المعبد أذان ولا تسبيح فقال له القاضي: أنا منعهتم من ذلك إجلالًا للملك فكان من جوابه: لا جزاك اللَّه خيرًا ولما صرف الملك الناصر داود
صاحب الكرك نفسه عن الشواغل العارضة من جهة المماليك وتضييع الزمان في الاشتغال لما هناك اقتضى رأيه السعيد المبادرة إلى استنقاذ بيت المقدس من أيدي النصارى الطائفة الفاجرة رجاء ثواب الدنيا والآخرة، جمع جمعًا عظيمًا وأعده للهجمة على الفرنج في عقر الدار على حين غفلة منهم وقسم جمعه الذي جمعه وجعله فرقة.
وعقد لكل فرقة راية، وأعد لكل طائفة جانبًا في جوانب البلد يتداعون منه عند اللهجة برفع الأصوات بالتكبير، وانتصر الناصر على الكفرة والمشركين أعداء الدين يوم "عيدهم الأكبر" الذي يجتمعون فيه على الكفر وشرب الخمر ورفع الصليب على عاداتهم في أيام أعيادهم.
ووصل الناصر من معه ليلة العيد ورتب كل فرقة في مكانها الذي أعده لها.
هذا والنصارى في غيهم ولهوهم ولعبهم وكفرهم وشركهم وسكرهم ثم إن المسلمين أشعلوا النيران ورفعوا الأعلام والرايات فكبروا وهجموا قبيل الصبح على النصارى في مواطن كفرهم وشركهم فدهشوا وحاروا حين سمعوا التكبير من كل جانب من جوانب البلد،
ووضع المسلمون فيهم السيف واستمروا يقتلون ويأسرون وينهبون، وجاء ملك الفرنج إلى الناصر وماشاه وجعل يخاطبه في معنى ما وقع من الناصر فجرد سيفه وضرب عنق ملك الفرنج، وضج المسلمون بالتكبير والتهليل وكانت وقعة هائلة وما طلع النهار إلا وقد قويت شوكة المسلمين وانصرفت هممهم إلى تتبع آثار النصارى في كل فج عميق.
يالها واللَّه من هجمة أتم اللَّه بها النعمة على الأمة وناداهم منها الإحسان لا يكن أمركم عليكم غمة واعتنى الناصر حينئذ بإقامة الشعائر التي كان عمه السلطان صلاح الدين رحمه الله أقام بها، وأمر بكتابة البشائر للممالك بهذا الفتح المبين والنصر العزيز فكتب وعادت الأجوبة عنها، وفي جملتها قصيدة لابن نباتة المصري يمدح فيها الناصر وهي قصيدة طويلة مشتملة على أبيات كثيرة منها:
المسجد الأقصى له عادة
…
سارت فصارت مثلًا سائرا
إذا عاد بالكفر مستوطنًا
…
أن يبعث اللَّه له ناصرا
فناصر طهره أولا
…
وناصر طهره آخرا
ثم رجع الناصر بعد لقام هذا الفتح المبين إلى الكرك وقد سطرت هذه المثوبة في صحائف حسناته وتواردت الألسن بالدعاء له وشكر مساعيه المثوبة المحمودة الأثر المقترنة بالنصر والتأييد والظفر على واحد وهذا بيت المقدس مقصود بالزيارة والتعظيم على مر السنين.