الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني
أهمية الرسالة وموضوعاتها
تعتبر رسالة التمرتاشي من أهم الرسائل المؤلفة في مسائل النقود، وخاصة أن مؤلفها من كبار محققي الحنفية المتأخرين.
حيث إنه قد حقق مذهب الحنفية في المسألة تحقيقاً دقيقاً، ومما يدل على أهميتها ودقتها أن المؤلف قد رجع إلى أمهات الكتب المعتمدة عند الحنفية، فقد رجع إلى أكثر من عشرين كتاباً مع أن الرسالة صغير الحجم لا تتعدى ورقتين حسب النسخة المخطوطة، وقد فهرست هذه الكتب في آخر الرسالة.
وقد حقق المصنف المسألة الأساسية التي ألف الرسالة لأجلها وهي مسألة تغير النقود.
والنقود عند الفقهاء تطلق بشكل أساسي على الدنانير الذهبية والدراهم الفضية، ثم توسع استعمال اصطلاح النقود ليشمل الدراهم الفضية الغالبة الغش والفلوس، وخاصة في الأوقات التي كان يقلّ فيها ضرب النقود الذهبية والفضية الخالصة.
وقد قسم الفقهاء النقود إلى قسمين:
القسم الأول: النقود الخَلْقِيَة: وهي المتخذة من الذهب والفضة ولا يضرّ اختلاطها بقليل من النحاس لأنه ضروري من أجل تماسكها فكان في حكم العدم. (1)
فهذه النقود استمدت قيمتها بحكم الخلقة، لأنها مصنوعة من أنفس المعادن الذهب والفضة، قال الكاساني:[الذهب والفضة لا يحتاج فيهما إلى نية التجارة لأنها معدة للتجارة بأصل الخلقة]. (2)
وقال جعفر بن علي الدمشقي: [ووقع إجماع الناس كافة على تفضيل الذهب والفضة، لسرعة المواتاة في السبك والطرق، والجمع والتفرقة، والتشكيل بأي شكل أريد مع حسن الرونق وعدم الرائحة والطعوم الرديئة، وبقاءهما على الدفن وقبولهما العلامات التي تصونهما، وثبات السمات التي تحفظهما من الغش والتدليس، فطبعوهما وثمنوا بهما الأشياء كلها، ورأوا أن الذهب أجل قدراً في حسن الرونق، وتلزز الأجزاء والبقاء على طول الدفن وتكرار السبك في النار فجعلوا كل جزء منه بعدة أجزاء من الفضة، وجعلوهما ثمناً لسائر الأشياء.
ويقول الدهلوي: واندفعوا إلى الاصطلاح على جواهر معدنية، تبقى زمناً طويلاً أن تكون المعاملة بها أمراً مسلماً عندهم، وكان الأليق من بينها الذهب والفضة، لصغر حجمهما، وتماثل أفرادهما، وعظم نفعهما
(1) الأوراق النقدية في الاقتصاد الإسلامي ص 340.
(2)
بدائع الصنائع 2/ 92 بتصرف.
في بدن الإنسان، ولتأتي التجمل بهما فكانا نقدين بالطبع، وكان غيرهما نقداً بالاصطلاح]. (1)
القسم الثاني: النقود الاصطلاحية: وهي المتخذة من المعادن الخسيسة كالنحاس وغيره، وهذه أصبحت نقوداً باصطلاح الناس عليها لتكون أثماناً، ويدخل في ذلك الدراهم الفضية الغالبة الغش والفلوس.
قال الإمام السرخسي: [إن صفة الثمنية في الفلوس عارضة باصطلاح الناس، فأما الذهب والفضة فثمن بأصل الخلقة ألا ترى أن الفلوس تروج تارة وتكسد أخرى، وتروج في ثمن الخسيس من الأشياء دون النفيس بخلاف النقود]. (2)
وقد بحث المصنف التمرتاشي في رسالته " بذل المجهود " الأحكام المتعلقة بالقسم الثاني من النقود فذكر في أول رسالته: [إنه لمّا كثر الاستفتاء عن مسألة كثيرة الوقوع في زماننا، وهي أن التجار بالديار الشامية وقع منهم معاملات شرعية ومعاوضات مرضية بالشواهي والشرفيات، حيث كانت رائجة بشيء معين ثم كسد بعضها، وتغير سعر بعضها بالنقص، بموجب أمر الإمام الأعظم والخاقان الأفخم].
والشواهي والشرفيات هي أنواع من الفلوس، ثم ذكر الأحكام المتعلقة بذلك واختلاف فقهاء المذهب الحنفي فيها.
(1) الأوراق النقدية في الاقتصاد الإسلامي ص 109 - 110، وانظر حجة الله البالغة 1/ 84.
(2)
المبسوط 12/ 137.
وقد أكَّد ابن عابدين في رسالته " تنبيه الرقود " في أكثر من موضع على أن المقصود بهذه الأحكام هي النقود الاصطلاحية وليست النقود الخلقية، فقال: [ثم اعلم أن الظاهر من كلامهم أن جميع ما مرَّ في الفلوس والدراهم التي غلب غشها كما يظهر بالتأمل، ويدل عليه اقتصارهم في بعض المواضع على الفلوس وفي بعضها ذكر العدالى معها فإن العدالى
…
الدراهم المنسوبة إلى العدل وكأنه اسم ملك ينسب إليه درهم فيه غش وكذا رأيت التقييد بالغالبة الغش في غاية البيان
…
ويدل عليه تعليلهم لقول أبي حنيفة بعد حكايتهم الخلاف بأن الثمنية بطلت بالكساد، لأن الدراهم التي غلب غشها إنما جعلت ثمناً بالاصطلاح، فإذا ترك الناس المعاملة بها بطل الاصطلاح فلم تبق ثمناً فبقي البيع بلا ثمنٍ فبطل ويدل عليه أيضاً تعبيرهم بالغلاء والرخص فإنه إنما يظهر إذا كانت غالبة الغش تقوَّم بغيرها، وكذا اختلافهم في أن الواجب ردُّ المثل أو القيمة فإنه حيث كانت لا غشَّ فيها لم يظهر للاختلاف معنى بل كان الواجب ردُّ المثل بلا نزاع أصلاً وهذا كالصريح فيما قلنا]. (1)
ثم نقل ابن عابدين عن أبي السعود نقلاً عن شيخه قوله: [وإذا علم الحكم في الثمن الذي غلب غشه إذا نقصت قيمته قبل القبض كان الحكم معلوماً بالأولى في الثمن الذي غلب جيده على غشه إذا انقضت قيمته
(1) تنبيه الرقود 2/ 59 - 60.
لا يتخير البائع بالإجماع، فلا يكون له سواه، وكذا لو غلت قيمته لا يتخير المشتري بالإجماع.
قال: وإياك أن تفهم أن خلاف أبي يوسف جارٍ حتى في الذهب والفضة كالشريفي البندقي والمحمدي والكلب والريال، فإنه لا يلزم لمن وجب له نوع منها سواه بالإجماع، فإن ذلك الفهم خطأ صريح ناشئ عن عدم التفرقة بين الفلوس والنقود. وعقب ابن عابدين على ذلك بقوله: وهو كلام حسن وجيه لا يخفى على فقيه نبيه]. (1)
وقد بحث المصنف الأحكام المتعلقة بالنقود الاصطلاحية وفصلَّ أقوال فقهاء المذهب الحنفي في حالاتها الأربع الآتية:
1.
الكساد العام للنقود.
2.
الانقطاع.
3.
الكساد الجزئي.
4.
الغلاء والرخص.
فبين أقوال علماء المذهب في الحالة الأولى وهي الكساد العام للنقود، فذكر أن قول أبي حنيفة أن البيع يبطل ويجب على المشتري ردُّ المبيع إن كان قائماً وردُّ مثله إن كان هالكاً وكان مثلياً وإلا تجب قيمته.
(1) المصدر السابق 2/ 61 - 62.
وعند أبي يوسف ومحمد لا يبطل البيع ولكن تجب القيمة، واختلف الصاحبان في وقت وجوب القيمة، فأوجب أبو يوسف القيمة يوم البيع، وأوجبها محمد يوم الكساد.
وبين المصنف أن الفتوى في المذهب على قول أبي يوسف.
وأما في حالة الانقطاع فيرى المصنف أنها كحالة الكساد العام فقال: [والانقطاع عن أيدي الناس كالكساد] ففي حالة الانقطاع أقوال فقهاء المذهب هي ذاتها في حالة الكساد.
وأما في حالة الكساد الجزئي وهي أن يروج النقد في بعض البلاد دون بعض، فقال المصنف:[فإن كانت تروج في بعض البلاد لا يبطل لكنه تعيب إذا لم يرج في بلدهم، فيتخير البائع إن شاء أخذه وإن شاء أخذ قيمته].
وما قرره المصنف هنا باتفاق فقهاء المذهب، قال ابن عابدين: [وفي عيون المسائل عدم الرواج إنما يوجب الفساد إذا كان لا يروج في جميع البلدان لأنه حينئذ يصير هالكاً ويبقى المبيع بلا ثمن، فأما إذا كان لا يروج في هذه البلدة فقط فلا يفسد البيع، لأنه لا يهلك ولكنه تعيب، وكان للبائع الخيار إن شاء قال أعطني مثل الذي وقع عليه البيع، وإن شاء أخذ
قيمة ذلك دنانير، انتهى وتمامه فيها، وكذا في الفصل الرابع من الذخيرة البرهانية]. (1)
(1) تنبيه الرقود 2/ 57.
وأما في الحالة الرابعة وهي حالة الرخص والغلاء، فبين المصنف أن قول أبي حنيفة هو وجوب المثل لا القيمة، وكان أبو يوسف يقول بمثل قول أبي حنيفة أولاً ثم رجع عنه إلى القول بالقيمة.
وبين المصنف أن الفتوى على قول أبي يوسف الثاني في هذه المسألة فقال: [أما إذا غلت قيمتها أو ازدادت، فالبيع على حاله، ولا يتخير المشتري، ويطالب بالنقد بذلك العيار الذي كان وقت البيع، كذا في فتح القدير.
وفي البزازية معزياً إلى المنتقى: غلت الفلوس أو رخصت فعند الإمام الأول والثاني أولاً ليس عليه غيرها.
وقال الثاني ثانياً: عليه قيمتها من الدراهم يوم البيع والقبض، وعليه الفتوى.
وهكذا في الذخيرة والخلاصة بالعزو إلى المنتقى، وقد نقله شيخنا في بحره وأقره، فحيث صرح بأن الفتوى عليه في كثير من المعتبرات، فيجب أن يعوَّل عليه إفتاءً وقضاءً، لأن المفتي والقاضي واجب عليهما الميل إلى الراجح من مذهب إمامهما ومقلدهما].
وذكر المصنف عدة نقول من كتب الحنفية المعتمدة تؤكد على أن الفتوى في المذهب على قول أبي يوسف الثاني.
ثم انتقل المصنف إلى الحديث عن مسألة لها ارتباط باختلاف أئمة المذهب الحنفي في مسائل النقود التي فصلها وهي ما الذي ينبغي اتباعه من
أقوال أئمة المذهب عند اختلافهم في المسألة الواحدة وذكر أقوالاً لعلماء المذهب حول هذه القضية فقال: [قال في التتارخانية: اعلم أن اختلاف أئمة الهدى توسعة على الناس، فإذا كان الإمام في جانب وهما في جانب خُيِّر المفتي.
وإن كان أحدهما مع الإمام أخذ بقولهما، إلا إذا اصطلح المشايخ على قول الآخر، فيتبعهم كما اختار الفقيه أبو الليث قول زفر في مسائل.
وإن اختلف المتأخرون أخذ بقول واحد، فلو لم يوجد من المتأخرين يجتهد برأيه، إذا كان يعرف وجوه الفقه ويشاور أهله.
ولا يجوز له الإفتاء بالقول المهجور لجرّ منفعة ولا خرّجوا عليه ديناً انتهى.
وفي الحاوي القدسي: إن الإمام إذا كان في جانب وهما في جانب، فالأصح أن الاعتبار لقوة المدرك انتهى. ولا شك أن قول أبي يوسف قوي المدرك في واقعة الفتوى كما لا يخفى.
وفي التتارخانية أيضاً: ثم الفتوى على الإطلاق على قول أبي حنيفة، ثم بقول أبي يوسف، ثم بقول محمد بن الحسن، ثم بقول زفر ابن هذيل، والحسن بن زياد.
وقيل إذا كان أبو حنيفة في جانب وصاحباه في جانب فالمفتي بالخيار].
وبعد ذلك تحدث المصنف عن وجوب العمل بالقول الراجح وترك المرجوح، وذكر كلاماً للإمام القرافي وللإمام الباجي وللإمام أبي عمرو ابن الصلاح في ذلك.
وخلاصة ما وصل إليه المصنف أنه ينبغي العمل بقول أبي يوسف في هذه المسألة لأنه القول الراجح.
ثم تعرض المصنف أخيراً لألفاظ الترجيح المستعملة عند الحنفية وبها ختم رسالته.