الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "استعن بيمينك". وأومأ بيده إلى الخط.
ولما ولي الخلافة أبو بكر وكان ما كان من قتل القراء باليمامة عمد أبو بكر إلى جمع القرآن من صدور الرجال، ومن العسب والرقاع واللحاف والأكناف والأضلاع، فحفظ القرآن بذلك، وكان عمر بعده أول من جمع القرآن في مصحف. وتعدت مصاحف المسلمين حتى جمعهم عثمان على مصحف واحد، بعث إلى كل أفق بصورة منه.
لذلك نستطيع أن نقول: إن القرآن الكريم أول نص إسلامي مكتوب وصل إلينا.
أوائل التصنيف:
ثم استفاض الإسلام واتسعت رقعته اتساعًا ظاهرًا في زمان الدولة الأموية، وأدى ذلك إلى اختلاط العرب بالأعاجم، ففسد اللسان، وكان طبيعيًّا أن يؤلف النحو وتوضع فيه أوائل الكتب، ويظل الحديث منأى عن الكتابة، إنما تعيه صدور الرواة وتكتبه قلة قليلة منهم في خوف وإشفاق، وتثور الفتن وتتفرع المذاهب وتكثر الفتاوى الدينية، فكان لا بد للناس من كتب في الدين يرجعون إليها لتكون لهم إماما، خشية أن يكون عمادهم أقوال مختلف العلماء ومذاهبهم التي قد توجهها الأهواء ونوازع السياسية والعصبية. فيدونون الحديث.
ويذكرون أن الخليفة عمر بن عبد العزيز ظل يستخير الله أربعين يوما في تدوين الحديث، وخار له الله، فأذن لأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في تدوين الحديث، فدون ما كان يحفظه في كتاب بعث به إلى الأمصار. وكان أبو بكر قاضيا وواليا على المدينة سنة 120.
ولم تزل جمهرة التابعين متورعة عن التدوين والتصنيف في الحديث، حتى تقلص ظل الدولة.
وكانت تظهر جهود أخرى في التأليف المبكر، تتمثل فيما ترجم لخالد بن يزيد بن معاوية من علوم اليونان، وما ألف هو من كتب في الطب والكيمياء، وما ألفه عبيد بن شرية لمعاوية من أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها. وقد طبع هذا الكتاب في حيدر أباد سنة 1347 من رواية يظهر أنها لابن هشام. وما ألفه وهب بن منبه المتوفي سنة 110 من كتاب التيجان في ملوك حمير.
وقد طبع هذا الكتاب من رواية ابن هشام سنة 1347 من سابقه.
كما أدت إلينا الأخبار أن زياد بن أبيه وضع لابنه كتابا في مثالب العرب، وأن يونس بن سليمان وضع كتابا في الأغاني ونسبتها إلى المغنين، وأن ماسرجوية الطبيب، ترجم كتاب أهرب بن أعين من السريانية إلى العربية.
ويذكر ابن النديم1 أن كتابا كان موصوفا بحسن الخط، واسمه خالد ابن أبي الهياج، وكان سعد قد نصبه لكتابة المصاحف، كان يكتب الشعر والأخبار للوليد بن عبد الملك.
ثم تنهض الدولة العباسية وينهض معها التدوين، ويتحرر المحدثون من هذا الترمت، وتوضع مسانيد الحديث وكتبه في كل صقع: يؤلف سفيان بن عيينة ومالك بن أنس في المدينة، وعبد الله بن وهب بمصر، ومعمر وعبد الرزاق باليمن، وسفيان الثوري ومحمد بن فضيل بن غزوان بالكوفة، وحماد بن سلمة وروح بن عبادة بالبصرة، وهشيم بواسط، وعبد الله بن المبارك بخراسان، وتظهر الكتب في شتى الفنون الدينية مختفظة بالطابع الذي غلب على المحدثين، وهو إسناد الرواية إلى مؤلف الكتاب، وتسرى بين المؤلفين قواعد يلتزمونها في السماع والرواية، والقراءة على الشيخ والإجادة، والمكاتبة
1 الفهرست 9.
والوجادة1. تسري هذه القواعد التي تكفك كتب مصطلح الحديث فيما بعد بتفصيلها وبيان شرائطها.
كان هذا كله مقرونًا بالحرص على الضبط والتصحيح، يقول ابن خلدون2 "732-808":
"وكانت هذه الرسوم بالمشرق والأندلس معبدة الطرق واضحة المسالك. ولهذا نجد الدواوين المنتسخة لذلك العهد في أقطارهم على غاية من الإتقان والإحكام والصحة، ومنها لهذا العهد بأيدي الناس في العالم أصول عتيقة تشهد ببلوغ الغاية لهم في ذلك، وأهل الآفاق يتناقلونها إلى الآن ويشدون عليها يد الضنانة. ولقد ذهبت هذه الرسوم لهذا العهد جملة بالمغرب وأهله لانقطاع صناعة الخط والضبط والرواية، بانتقاص عمرانه وبداوة أهله، وصارت الأمهات والدواوين تنسخ بالخطوط اليدوية، وتنسخها طلبة البربر صحائف مستعجمة برداءة الخط، وكثرة الفساد والتصحيف".
ثم يقول: "ويبلغنا لهذا العهد أن صناعة الرواية قائمة بالمشرق، وتصحيح الدواوين لمن يروم ذلك سهل على مبتغيه، لنفاق أسواق العلوم والصنائع كما نذكره بعد. إلا أن الخط الذي بقي من الإجادة في الانتساخ هنالك إنما هو للنجم وفي خطوطهم وأما النسخ بمصر ففسد كما فسد بالمغرب وأشد".
وهذا التسجيل يوضح ما كانت عليه الكتب إلى القرن الثامن الهجري، من الإسناد والضبط والتصحيح.
1 الوجادة: أن يجد حديثا أو كتابا بخط شخص بإسناده، فله أن يرويه على سبيل الحكاية فيقول: وجدت بخط فلان، ويسنده. ولا تعد الوجادة رواية معتمدة، وإنما هي حكاية عما وجده في الكتاب. والعمل بها منعه طائفة كبيرة من الفقهاء والمحدثين، ونقل عن الشافعي وأصحابه جواز العمل بها. قال ابن الصلاح: وقطع بعض المحققين من أصحابه بوجوب العمل بها عند حصول الثقة به. قال ابن الصلاح: وهذا هو الذي لا يتجه غيره في الأعصار المتأخرة، لتعذر شرط الرواية في هذا الزمان. يعني فلم يبق إلا مجرد وجادات. انظر الباعث الحثيث ص 142.
2 المقدمة ص368.