الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ).
أي أقرب لأن تقر أعينهن، فقروا أعينهن فيما حصل لهن، وعدم حزنهن على ما فاتهن؛ لأن الحزن على فوات الماضي، والخوف على توقع المستقبل ورضاهن، فما آتين إشارة إلى من حصل لها منه حظ، وحصل لغيرها أكثر منه لَا تتشوق إليه، بل ترضى بما حصل لها، وإن كان الحاصل لغيرها أكثر، [وكأنه تأسيس*] لَا تأكيد فيه بوجه.
قوله تعالى: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ
…
(52)}
ابن عرفة: إن قلت: ما الفرق بينه وبيَنَ أن يقال: حرمت عليك النساء؟ فالجواب: أن نفي الحلية تقتضي رفع الإذن ابتداء ولا يستلزم المنع بعد الفعل، والتحريم يستلزم المنع ابتداء وبعد الفعل، فهذا أخف، فلذلك خوطب به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قوله تعالى: (وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ).
يحتمل أمرين:
أحدهما: ولا أن تبدل بهن من نسائهم زوجات لغيرك، فيكون نهيا على ما كانت عليه الجاهلية، من أن كل من الرجلين ينزل لصاحبه عن زوجته ويتبادلا، وهو ظاهر قول عيينة بن حصين للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن شئت نزلت لك عن أحسن نساء العرب جمالا.
وإن كان ابن عطية قال: ليس بمبادلة ولكنه اختص عائشة رضي الله عنها.
ابن عرفة: فيكون على هذا نهيا أخص وإطلاق الأزواج هنا حقيقة.
الثاني: أن المعنى ولا أن تبدل بهن من نساء تتزوجهن بإطلاق الأزواج، هنا مجازا باعتبار إلى الأمر.
وما حكاه ابن عطية من أنه نظر إلى أسماء بنت عميس، وأعجبته لم يرد في الصحيح، والمحل ضيق فلا ينبغي نقله.
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ
…
(53)}
قال ابن عرفة: اقتضت الآية النهي عن دخول بيوت النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم للإقامة فيها.
قيل: لانتظاره بعده للاستئناس فيها بالحديث، فمقتضاها جواز دخولها للطعام، بشرط عدم فيها، ولفظها يقتضي بأنه مشروط بالإذن، وتقدم الإقامة فحينئذ يرد فيها ثلاثة أسئلة.
الأول: [
…
].
الثاني: أن الدخول بإذن مشروط بعدم الإقامة قبل الطعام وبعده، وقد تأخر عنه ففيه تأخير الشرط على المشروط، وجوابه: أن الشرط متأخر ودليله متقدم، وهو عدم الضرر، فالدخول مشروط بعدم الضرر، أعني بالعزم عليه، وهذا كما قال مالك في كتاب الإيلاء فيما إذا [طلق عليه*] القاضي ثم راجع في العدة فوطئها بعد الثلاثة أشهر، فإنه لَا يقال لها [رجعة تامة*] لانتفاء الضرر.
والسؤال الثالث: أن فيه تكليف الإنسان بفعل غيره؛ لأن تأخير الطعام من فعل غير الداخلين، فيتعلق جواز دخول المأذون فيه على عدم انتظاره من باب التكليف بفعل الغير؛ لأنهم إذا دخلوا قد لَا يتهيأ حضور الطعام حينئذ، وجوابه: أنهم لا يدخلون إلا إذا علموا أن الطعام حضر أو قرب حضوره.
فإن قلت: لم جمع البيوت؟ قلت: لئلا يكون النهي خاصا ببيت زينب، إذ هي السبب في النهي.
قوله تعالى: (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ).
الإذاية هنا [مغايرة*] للإذاية في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، لأن الأولى مقصورة، وهذه غير مقصورة.
قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا).
عبر بـ إذا دون إن؛ لأن سؤال المتاع من مصالح التكليف المرغب فيها شرعا.
ابن عطية: المتاع جميع ما يطلب من مرافق الدين والدنيا.
ابن العربي: متاعا قيل: عارية، وقيل: حاجة، وقيل: فتوى، وقيل: مصحف القرآن.
ابن عرفة: وفي التفسير بلفظ السؤال تعظيم لهن، لقول صاحب الجمل الطلب من الأدنى إلى الأعلى دعاء ومسألة.
قوله تعالى: (مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ).
ظاهره ولو [كن*] ملتحفات بساتر، فإنه لَا بد من حجاب آخر يحول بينهن وبين السائل، ألا ترى إلى ما حكى ابن عطية من قول عمر رضي الله عنه لما توفيت زينب بنت جحش رضي الله عنه: لَا يشهد جنازتها إلا ذو محرم، حتى أشارت عليه أسماء بنت عميس بسترها [في النعش في القبة*].
قوله تعالى: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ).
إن قلت: هلا عكس العطف، إذ لو قيل:([ذَلِكُم أَطهَرُ لِقُلُوبِهِنَّ وَقُلُوبِكُمْ) *].
لكان تأسيسا؛ لأن كونه أطهر لقلوبنا، يستلزم كونه أطهر لقلوبهن من باب أحرى. لأن قلوبهن أقرب للسلامة من الإدناس من قلوب غيرهن، فكل ما ينزل عن قلوبهن يزيله عن قلوبنا.
قال: والجواب: أن ذلك من أسبابها هي، وهو جهة للفظ، فيقول: إنه قصد الاهتمام بتقديم تطهير ما هو أقرب للوقوع في الدنس على ما هو أبعد منه؛ لأن قلوب غيرهن أقرب للدنس من قلوبهن.
فإن قلت: أطهر أفعل وشرطها ألا تنبني إلا فيما يبنى منه فعل التعجب مع أنه لا ينبني إلا من الخلق التي تزيد وتنقص، وطهارة القلوب راجعة لسلامتها من الأدناس فهي أمر عدمي، والأمور العدمية لَا تزيد ولا تنقص.
قال: والجواب: أن الزيادة لأسبابها وهي وجودية للأمور المنافية للطهارة التي وقع التكليف بها شرعا، كما يقول: وجود المنافي للغيبة في عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقرب من وجود المنافي لها في غيره.
قلت: وأجاب بعض الطلبة: بأن المراد متعلق ذلك العدم أو إنماء ذلك إذا اتحد العدم، أما إذا تعددت الأمور العدمية فلا، كما يقال: قلب فلان الطائع أطهر من قلب فلان العاصي، تعلقت به أدناس، سلم الآخر من بعضها.
قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ).
الإذائة أخف من الضرر، قال الله تعالى (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى)، وقال تعالى (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى)، فنفي [الإذاية*] يستلزم نفي الضرر مع أن هذا اللفظ يقتضي نفي الصحة والقبول [للإذاية لَا نفي وجود الإذاية*].