الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بِالنُّجُومِ الثَّوَابِتِ وَالسَّيَّارَاتِ مُوَشَّحَةٌ بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ الزاهرات وقوله تعالى: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ أَيْ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ الْمُكَذِّبُونَ لِلرُّسُلِ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ مُضْطَرِبٍ لَا يَلْتَئِمُ وَلَا يَجْتَمِعُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنَّكُمْ لفي قول مختلف مَا بَيْنَ مُصَدِّقٍ بِالْقُرْآنِ وَمُكَذِّبٍ بِهِ.
يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ أَيْ إِنَّمَا يُرَوَّجُ عَلَى مَنْ هُوَ ضَالٌّ فِي نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ قَوْلٌ بَاطِلٌ إِنَّمَا يَنْقَادُ لَهُ وَيَضِلُّ بِسَبَبِهِ، وَيُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ هُوَ مَأْفُوكٌ ضَالٌّ غَمْرٌ لَا فَهْمَ لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ [الصَّافَّاتِ: 161- 162] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما وَالسُّدِّيُّ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ يَضِلُّ عَنْهُ مَنْ ضَلَّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ يُؤْفَنُ عَنْهُ مَنْ أُفِنَ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يُصْرَفُ عَنْ هَذَا الْقُرْآنِ مَنْ كَذَّبَ به. وقوله تعالى: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ قَالَ مُجَاهِدٌ: الْكَذَّابُونَ، قَالَ: وَهِيَ مِثْلُ الَّتِي فِي عَبَسَ قُتِلَ الْإِنْسانُ مَا أَكْفَرَهُ [عَبَسَ: 17] وَالْخَرَّاصُونَ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُبْعَثُ وَلَا يُوقِنُونَ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عباس رضي الله عنهما قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ أَيْ لُعِنَ الْمُرْتَابُونَ.
وَهَكَذَا كَانَ معاذ رضي الله عنه يقول في خطبته. هَلَكَ الْمُرْتَابُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْخَرَّاصُونَ أَهْلُ الْغِرَّةِ والظنون.
وقوله تبارك وتعالى: الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ قَالَ ابْنُ عباس رضي الله عنهما وَغَيْرُ وَاحِدٍ فِي الْكُفْرِ وَالشَّكِّ غَافِلُونَ لَاهُونَ يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ وَإِنَّمَا يَقُولُونَ هَذَا تَكْذِيبًا وَعِنَادًا وَشَكًّا وَاسْتِبْعَادًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ يُفْتَنُونَ يعذبون. كَمَا يُفْتَنُ الذَّهَبُ عَلَى النَّارِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ كَمُجَاهِدٍ أَيْضًا وَعِكْرِمَةَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: يُفْتَنُونَ يُحْرَقُونَ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ قَالَ مُجَاهِدٌ: حَرِيقَكُمْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: عَذَابَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ أَيْ يُقَالُ لهم ذلك تقريعا وتوبيخا وتحقيرا وتصغيرا، والله أعلم.
[سورة الذاريات (51) : الآيات 15 الى 23]
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)
وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (22) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23)
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُتَّقِينَ لِلَّهِ عز وجل إِنَّهُمْ يَوْمَ مَعَادِهِمْ يَكُونُونَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ بِخِلَافِ مَا أُولَئِكَ الْأَشْقِيَاءُ فِيهِ من العذاب والنكال والحريق والأغلال. وقوله تعالى: آخِذِينَ مَا آتاهُمْ رَبُّهُمْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَيْ عَامِلِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْفَرَائِضِ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ أَيْ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ عَلَيْهِمُ الْفَرَائِضَ كَانُوا مُحْسِنِينَ فِي الأعمال أيضا «1» ، ثم روي عن
(1) انظر تفسير الطبري 11/ 451.
ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن أَبِي عُمَرَ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: آخِذِينَ مَا آتاهُمْ رَبُّهُمْ قَالَ: مِنَ الْفَرَائِضِ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ قَبْلَ الْفَرَائِضِ يَعْمَلُونَ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ ضَعِيفٌ وَلَا يَصِحُّ عَنِ ابن عباس رضي الله عنهما.
وَقَدْ رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي عُمَرَ الْبَزَّارِ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَذَكَرَهُ، وَالَّذِي فَسَّرَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ فِيهِ نظر، لأن قوله تبارك وتعالى: آخِذِينَ حَالٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ فَالْمُتَّقُونَ فِي حَالِ كَوْنِهِمْ فِي الْجَنَّاتِ وَالْعُيُونِ آخذين مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ، أَيْ مِنَ النَّعِيمِ وَالسُّرُورِ والغبطة.
وقوله عز وجل: إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ أَيْ فِي الدَّارِ الدنيا مُحْسِنِينَ كقوله جل جلاله: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ [الْحَاقَّةِ: 24] ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ إِحْسَانَهُمْ في العمل فقال جل وعلا: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ: [أَحَدُهُمَا] أَنْ مَا نَافِيَةٌ تَقْدِيرُهُ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ لا يهجعونه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لَمْ تَكُنْ تَمْضِي عَلَيْهِمْ لَيْلَةٌ إِلَّا يَأْخُذُونَ مِنْهَا وَلَوْ شَيْئًا، وَقَالَ قَتَادَةُ عَنْ مُطَرِّفِ بن عبد الله: قل ليلة لا تأتي عليهم إلا يُصَلُّونَ فِيهَا لِلَّهِ عز وجل، إِمَّا مِنْ أَوَّلِهَا وَإِمَّا مَنْ أَوْسَطِهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَلَّ مَا يَرْقُدُونَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ لَا يَتَهَجَّدُونَ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه وَأَبُو الْعَالِيَةِ: كَانُوا يُصَلُّونَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ كَانُوا لَا يَنَامُونَ حَتَّى يُصَلُّوا الْعَتَمَةَ، [وَالْقَوْلُ الثَّانِي] أَنَّ مَا مَصْدَرِيَّةٌ تَقْدِيرُهُ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ هُجُوعُهُمْ وَنَوْمُهُمْ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ كَابَدُوا قِيَامَ اللَّيْلِ فَلَا يَنَامُونَ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا أَقَلَّهُ، وَنَشِطُوا فَمَدُّوا إِلَى السَّحَرِ حَتَّى كَانَ الِاسْتِغْفَارُ بِسَحَرٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ كَانُوا لَا يَنَامُونَ إِلَّا قَلِيلًا ثُمَّ يَقُولُ: لَسْتُ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ يَقُولُ عَرَضْتُ عَمَلِي عَلَى عَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا قَوْمٌ قَدْ بَايَنُونَا بَوْنًا بَعِيدًا، إِذَا قَوْمٌ لَا نَبْلُغُ أَعْمَالَهُمْ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَعَرَضْتُ عَمَلِي عَلَى عَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَإِذَا قَوْمٌ لَا خَيْرَ فِيهِمْ يُكَذِّبُونَ بِكِتَابِ الله وبرسل الله، مكذبون بالبعث بعد الموت، فقد وجدت مِنْ خَيْرِنَا مَنْزِلَةً قَوْمًا خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ لِأَبِي: يَا أَبَا أُسَامَةَ صِفَةٌ لَا أَجِدُهَا فينا ذكر الله تعالى قَوْمًا فَقَالَ: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَنَحْنُ وَاللَّهِ قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا نقوم، فقال له أبي رضي الله عنه: طُوبَى لِمَنْ رَقَدَ إِذَا نَعَسَ وَاتَّقَى اللَّهَ إِذَا اسْتَيْقَظَ.
وَقَالَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ رضي الله عنه: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَكُنْتُ فِيمَنِ انجفل، فلما رأيت وجهه صلى الله عليه وسلم عَرَفَتْ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ رَجُلٍ كَذَّابٍ، فكان أول
ما سمعته صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَأَفْشُوا السَّلَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «1» : حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ حَدَّثَنِي حُيَيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
«إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا» فَقَالَ أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: لمن هي يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: «لِمَنْ أَلَانَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَبَاتَ لِلَّهِ قَائِمًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ» وَقَالَ مَعْمَرٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ كَانَ الزُّهْرِيُّ وَالْحَسَنُ يَقُولَانِ كَانُوا كَثِيرًا مِنَ اللَّيْلِ ما يصلون، وقال ابن عباس رضي الله عنهما وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ مَا يَنَامُونَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ كانُوا قَلِيلًا ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وهذا القول فيه بعد وتعسف.
وَقَوْلُهُ عز وجل: وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: يُصَلُّونَ وَقَالَ آخَرُونَ: قَامُوا اللَّيْلَ وَأَخَّرُوا الِاسْتِغْفَارَ إِلَى الْأَسْحَارِ كَمَا قَالَ تبارك وتعالى: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ فَإِنْ كَانَ الِاسْتِغْفَارُ فِي صَلَاةٍ فَهُوَ أَحْسَنُ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا عَنْ جَمَاعَةٍ من الصحابة رضي الله عنهم، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إن الله تعالى يَنْزِلُ كُلِّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ، فَيَقُولُ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَيُعْطَى سُؤْلَهُ؟ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ يَعْقُوبَ أَنَّهُ قَالَ لبنيه سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي قالوا أخرهم إلى وقت السحر.
وقوله تبارك وتعالى: وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ لَمَّا وَصَفَهُمْ بِالصَّلَاةِ ثَنَّى بِوَصْفِهِمْ بِالزَّكَاةِ وَالْبَرِّ وَالصِّلَةِ فَقَالَ: وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ أَيْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ قَدْ أَفْرَزُوهُ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ. أَمَّا السَّائِلُ فَمَعْرُوفٌ وَهُوَ الَّذِي يَبْتَدِئُ بِالسُّؤَالِ، وَلَهُ حَقٌّ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «2» :
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ يَعْلَى بْنِ أَبِي يَحْيَى، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الحسين عن أبيها الحسين بن علي رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
«لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ» «3» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بِهِ. ثُمَّ أَسْنَدَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ الْهِرْمَاسِ بْنِ زِيَادٍ مَرْفُوعًا.
وأما المحروم فقال ابن عباس رضي الله عنهما وَمُجَاهِدٌ: هُوَ الْمُحَارِفُ «4» الَّذِي لَيْسَ لَهُ فِي
(1) المسند 2/ 173.
(2)
المسند 1/ 201.
(3)
أخرجه أبو داود في الزكاة باب 33، والترمذي في القيامة باب 41.
(4)
المحارف، بفتح الراء: المحروم.
الْإِسْلَامِ سَهْمٌ، يَعْنِي لَا سَهْمَ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَا كَسْبَ لَهُ وَلَا حِرْفَةَ يتقوت منها، وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: هُوَ الْمُحَارِفُ الَّذِي لَا يَكَادُ يَتَيَسَّرُ لَهُ مَكْسَبُهُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ الَّذِي لَا يَكُونُ له مال إلا ذهب، قضى الله تعالى لَهُ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: جَاءَ سَيْلٌ بِالْيَمَامَةِ فَذَهَبَ بِمَالِ رَجُلٍ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الصحابة رضي الله عنهم: هذا المحروم وقال ابن عباس رضي الله عنهما أَيْضًا وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَنَافِعٌ مولى ابن عمر رضي الله عنهما وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ:
الْمَحْرُومُ الْمَحَارِفُ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالزُّهْرِيُّ: الْمَحْرُومُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا.
قَالَ الزُّهْرِيُّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ» «1» وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ أَسْنَدَهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحِيهِمَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الَّذِي يَجِيءُ وَقَدْ قُسِّمَ الْمَغْنَمُ فَيُرْضَخُ لَهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَالَ: كُنَّا مع عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رضي الله عنه فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَجَاءَ كَلْبٌ، فَانْتَزَعَ عُمَرُ رضي الله عنه كَتِفَ شَاةٍ فَرَمَى بِهَا إِلَيْهِ وَقَالَ: يَقُولُونَ إِنَّهُ الْمَحْرُومُ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: أَعْيَانِي أَنْ أَعْلَمَ مَا الْمَحْرُومُ، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ «2» أَنَّ الْمَحْرُومَ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ وقد ذَهَبَ مَالُهُ، سَوَاءٌ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ أَوْ قَدْ هَلَكَ مَالُهُ أَوْ نَحْوُهُ بِآفَةٍ أَوْ نَحْوِهَا. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ الحسن بن محمد رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ سَرِيَّةً فَغَنِمُوا، فَجَاءَ قَوْمٌ لَمْ يَشْهَدُوا الْغَنِيمَةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ مَدَنِيَّةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هي مكية شاملة لما بعدها.
وقوله عز وجل: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ أَيْ فِيهَا مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَةِ عَلَى عَظَمَةِ خَالِقِهَا وَقُدْرَتِهِ الْبَاهِرَةِ مِمَّا قَدْ ذَرَأَ فِيهَا مِنْ صُنُوفِ النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالْمِهَادِ وَالْجِبَالِ وَالْقِفَارِ وَالْأَنْهَارِ وَالْبِحَارِ، وَاخْتِلَافِ أَلْسِنَةِ النَّاسِ وَأَلْوَانِهِمْ وَمَا جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنَ الْإِرَادَاتِ وَالْقُوَى، وَمَا بَيْنَهُمْ مِنَ التَّفَاوُتِ فِي الْعُقُولِ وَالْفُهُومِ وَالْحَرَكَاتِ وَالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، وَمَا فِي تَرْكِيبِهِمْ مِنَ الْحِكَمِ فِي وَضْعِ كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِمْ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي هُوَ مُحْتَاجٌ إليه فيه، ولهذا قال عز وجل: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ قَالَ قَتَادَةُ: مَنْ تَفَكَّرَ فِي خَلْقِ نَفْسِهِ عَرَفَ أَنَّهُ إِنَّمَا خلق ولينت مفاصله للعبادة.
ثم قال تعالى: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ يَعْنِي الْمَطَرَ وَما تُوعَدُونَ يعني الجنة، قاله ابن
(1) أخرجه البخاري في الزكاة باب 53، ومسلم في الزكاة حديث 101، والنسائي في الزكاة باب 76، وأحمد في المسند 1/ 384، 446، 2/ 316، وانظر تفسير الطبري 11/ 458. [.....]
(2)
انظر تفسير الطبري 11/ 458.