الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْآخِرَةِ أَخْزى
أَيْ أَشَدُّ خِزْيًا لَهُمْ وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ أي في الآخرة كَمَا لَمْ يُنْصَرُوا فِي الدُّنْيَا وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ يَقِيهِمُ الْعَذَابَ ويدرأ عنهم النكال، وقوله عز وجل: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ قال ابن عباس رضي الله عنهما وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَابْنُ زَيْدٍ: بَيَّنَّا لَهُمْ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ دَعَوْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى أَيْ بَصَّرْنَاهُمْ وَبَيَّنَّا لَهُمْ وَوَضَّحْنَا لَهُمُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ صالح عليه الصلاة والسلام فخالفوه وكذبوه وعقروا ناقة الله تعالى الَّتِي جَعَلَهَا آيَةً وَعَلَامَةً عَلَى صِدْقِ نَبِيِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ أَيْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَرَجْفَةً وَذُلًّا وَهَوَانًا وَعَذَابًا وَنَكَالًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أَيْ مِنَ التَّكْذِيبِ وَالْجُحُودِ وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا أَيْ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ لَمْ يَمَسَّهُمْ سُوءٌ وَلَا نَالَهُمْ مِنْ ذَلِكَ ضَرَرٌ بَلْ نَجَّاهُمُ الله تعالى مع نبيهم صالح عليه الصلاة والسلام بإيمانهم وتقواهم لله عز وجل.
[سورة فصلت (41) : الآيات 19 الى 24]
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (23)
فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24)
يَقُولُ تَعَالَى: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ أَيِ اذْكُرْ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ يَحْشُرُونَ إِلَى النَّارِ يُوزَعُونَ أَيْ تَجْمَعُ الزَّبَانِيَةُ أَوَّلَهُمْ عَلَى آخِرِهِمْ كما قال تبارك وتعالى:
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً [مَرْيَمَ: 86] أَيْ عطاشا. وقوله عز وجل: حَتَّى إِذا ما جاؤُها أَيْ وَقَفُوا عَلَيْهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أَيْ بِأَعْمَالِهِمْ مِمَّا قَدَّمُوهُ وَأَخَّرُوهُ لَا يُكْتَمُ مِنْهُ حَرْفٌ وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا أَيْ لَامُوا أَعْضَاءَهُمْ وَجُلُودَهُمْ حِينَ شَهِدُوا عَلَيْهِمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَجَابَتْهُمُ الْأَعْضَاءُ قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَيْ فَهُوَ لَا يُخَالَفُ وَلَا يُمَانَعُ وَإِلَيْهِ تَرْجِعُونَ.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ قَادِمٍ حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يوم وابتسم فقال صلى الله عليه وسلم: «أَلَا تَسْأَلُونِي عَنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتُ؟» قَالُوا يا رسول الله عن أي شيء ضحكت؟ قال صلى الله عليه وسلم: «عَجِبْتُ مِنْ مُجَادَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ أي ربي أليس وعدتني أن لا تَظْلِمَنِي، قَالَ بَلَى فَيَقُولُ فَإِنِّي لَا أَقْبَلُ عَلَيَّ شَاهِدًا إِلَّا مِنْ نَفْسِي فَيَقُولُ اللَّهُ تبارك وتعالى أَوَ لَيْسَ كَفَى بِي شَهِيدًا وَبِالْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ- قَالَ- فَيُرَدِّدُ هَذَا الْكَلَامَ مِرَارًا- قَالَ- فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَتَتَكَلَّمُ أَرْكَانُهُ بِمَا كَانَ يَعْمَلُ، فَيَقُولُ بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا عَنْكُنَّ كُنْتُ أُجَادِلُ» ثُمَّ رَوَاهُ هُوَ
وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ الْأَسَدِيِّ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ عَنْ فُضَيلِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ الشَّعْبِيِّ ثُمَّ قَالَ لا نعلم رواه عن أنس رضي الله عنه غَيْرَ الشَّعْبِيِّ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا عَنْ أَبِي بكرِ بنِ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْجَعِيِّ عَنِ الثَّوْرِيِّ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ النَّسَائِيُّ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ غَيْرَ الْأَشْجَعِيِّ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ كَمَا رَأَيْتَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: وَيُدْعَى الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ لِلْحِسَابِ فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَبُّهُ عز وجل عَمَلَهُ فَيَجْحَدُ وَيَقُولُ أَيْ رَبِّ وَعَزَّتِكَ لَقَدْ كَتَبَ عَلَيَّ هَذَا الْمَلَكُ مَا لَمْ أَعْمَلْ فَيَقُولُ لَهُ الْمَلَكُ أَمَا عَمِلْتَ كَذَا فِي يَوْمِ كَذَا فِي مَكَانِ كَذَا؟ فَيَقُولُ لَا وَعِزَّتِكَ أَيْ رَبِّ مَا عَمِلْتُهُ قَالَ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ ختم على فيه، قال الأشعري رضي الله عنه: فَإِنِّي لَأَحْسَبُ أَوَّلَ مَا يَنْطِقُ مِنْهُ فَخِذَهُ الْيُمْنَى.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا حَسَنٌ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ قَالَ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ عُرِفَ الْكَافِرُ بعمله فجحد وخاصم فيقول هَؤُلَاءِ جِيرَانُكَ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ فَيَقُولُ كَذَبُوا فَيَقُولُ أَهْلُكَ وَعَشِيرَتُكَ فَيَقُولُ كَذَبُوا فَيَقُولُ احْلِفُوا فَيَحْلِفُونَ ثُمَّ يُصْمِتُهُمُ الله تعالى وَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ النَّارَ» وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَحَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ قال: سمعت أبي يقول حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ أَبِي الضُّحَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ الْأَزْرَقِ إِنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ مِنْهُ حِينٌ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يَعْتَذِرُونَ وَلَا يَتَكَلَّمُونَ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُمْ ثُمَّ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَخْتَصِمُونَ فَيَجْحَدُ الْجَاحِدُ بِشِرْكِهِ بِاللَّهِ تعالى فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ فَيَبْعَثُ اللَّهُ تعالى عَلَيْهِمْ حِينَ يَجْحَدُونَ شُهَدَاءَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ جُلُودَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَيَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمُ الْأَفْوَاهَ فَتُخَاصِمُ الْجَوَارِحَ فَتَقُولُ: أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
فَتُقِرُّ الْأَلْسِنَةُ بَعْدَ الجحود.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جبير الحضرمي، عن رافع أبي الحسن قال وصف رجلا جحد قال فيشير الله تعالى إِلَى لِسَانِهِ فَيَرْبُو فِي فَمِهِ حَتَّى يَمْلَأَهُ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْطِقَ بِكَلِمَةٍ ثُمَّ يَقُولُ لِآرَابِهِ «1» كُلِّهَا تَكَلَّمِي وَاشْهَدِي عَلَيْهِ فَيَشْهَدُ عَلَيْهِ سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَجِلْدُهُ وَفَرْجُهُ وَيَدَاهُ وَرِجْلَاهُ صَنَعْنَا عَمِلْنَا فَعَلْنَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ وَآثَارٌ عند قوله تعالى في سورة يس
(1) آرابه: أي أعضائه.
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [يس: 65] بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا سويد بن سعيد حدثنا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ الطَّائِفِيُّ عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قال: لما رَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُهَاجِرَةُ الْبَحْرِ قَالَ «أَلَا تُحَدِّثُونَ بِأَعَاجِيبِ مَا رَأَيْتُمْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ؟» فَقَالَ فِتْيَةٌ مِنْهُمْ: بَلَى يا رسول الله بينما نَحْنُ جُلُوسٌ إِذْ مَرَّتْ عَلَيْنَا عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِ رَهَابِينِهِمْ تَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهَا قُلَّةً مِنْ مَاءٍ فَمَرَّتْ بِفَتًى مِنْهُمْ فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهَا ثُمَّ دَفَعَهَا فَخَرَّتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا فَانْكَسَرَتْ قُلَّتُهَا فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ إِذَا وَضَعَ اللَّهُ الْكُرْسِيَّ وَجَمَعَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَتَكَلَّمَتِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُ كَيْفَ أَمْرِي وَأَمْرُكَ عِنْدَهُ غَدًا؟ قَالَ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «صدقت صَدَقَتْ كَيْفَ يُقَدِّسُ اللَّهُ قَوْمًا لَا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْ» «1» هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كتاب الأهوال حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا يحيى بن سليم به.
وقوله تَعَالَى: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ أَيْ تَقُولُ لَهُمُ الْأَعْضَاءُ وَالْجُلُودُ حِينَ يَلُومُونَهَا عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ مَا كُنْتُمْ تَتَكَتَّمُونَ مِنَّا الَّذِي كُنْتُمْ تَفْعَلُونَهُ بَلْ كُنْتُمْ تُجَاهِرُونَ اللَّهَ بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي وَلَا تُبَالُونَ مِنْهُ فِي زَعْمِكُمْ لِأَنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ يَعْلَمُ جَمِيعَ أَفْعَالِكُمْ وَلِهَذَا قال تعالى: وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ أَيْ هَذَا الظَّنُّ الْفَاسِدُ وَهُوَ اعْتِقَادُكُمْ أن الله تعالى لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ هُوَ الَّذِي أَتْلَفَكُمْ وَأَرْدَاكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ أَيْ فِي مَوَاقِفِ الْقِيَامَةِ خَسِرْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «2» حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَجَاءَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قُرَشِيٌّ وَخَتَنَاهُ ثَقَفِيَّانِ- أَوْ ثَقَفِيٌّ وَخَتَنَاهُ قُرَشِيَّانِ- كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ فَتَكَلَّمُوا بِكَلَامٍ لَمْ أَسْمَعْهُ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلَامَنَا هَذَا، فَقَالَ الْآخَرُ: إِنَّا إِذَا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا سَمِعَهُ وَإِذَا لَمْ نَرْفَعْهُ لَمْ يَسْمَعْهُ فَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ- قَالَ- فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ- إِلَى قَوْلِهِ- مِنَ الْخاسِرِينَ وهكذا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ «3» عَنْ هَنَّادٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ بإسناده نحوه، وأخرجه أحمد «4»
(1) أخرجه ابن ماجة في الفتن باب 30.
(2)
المسند 1/ 381.
(3)
كتاب التفسير، تفسير سورة 41 باب 1.
(4)
المسند 1/ 408، 426.
وَمُسْلِمٌ «1» وَالتِّرْمِذِيُّ «2» أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عِمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود بِنَحْوِهِ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ «3» وَمُسْلِمٌ «4» أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ السفيانين كلاهما عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَخْبَرَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه به.
وقال عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قوله تعالى: أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ قال: «إنكم تدعون يوم القيامة مُفَدَّمًا عَلَى أَفْوَاهِكُمْ بِالْفِدَامِ فَأَوَّلُ شَيْءٍ يُبِينُ عَنْ أَحَدِكُمْ فَخِذُهُ وَكَفُّهُ» «5» قَالَ مَعْمَرٌ: وَتَلَا الْحَسَنُ وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى أَنَا مَعَ عَبْدِي عِنْدَ ظَنِّهِ بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي» «6» ثُمَّ افْتَرَّ «7» الْحَسَنُ يَنْظُرُ فِي هَذَا فَقَالَ: أَلَا إِنَّمَا عَمَلُ النَّاسِ عَلَى قَدْرِ ظُنُونِهِمْ بِرَبِّهِمْ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَأَحْسَنَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأَحْسَنَ الْعَمَلَ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ فَأَسَاءَا الظَّنَّ بِاللَّهِ فَأَسَاءَا الْعَمَلَ ثُمَّ قَالَ: قال الله تبارك وتعالى: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ- إِلَى قَوْلِهِ- وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ الآية.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «8» : حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْقَاصُّ وَهُوَ أَبُو الْمُغِيرَةِ حَدَّثَنَا ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظَّنَّ فَإِنَّ قَوْمًا قَدْ أَرْدَاهُمْ سُوءُ ظَنِّهِمْ بِاللَّهِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ وقوله تعالى: فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ أَيْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ صبروا أَمْ لَمْ يَصْبِرُوا هُمْ فِي النَّارِ لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهَا وَلَا خُرُوجَ لَهُمْ مِنْهَا، وإن طلبوا ان يستعتبوا ويبدوا أعذارهم فَمَا لَهُمْ أَعْذَارٌ وَلَا تُقَالُ لَهُمْ عَثَرَاتٌ. قال ابن جرير «9» : ومعنى قوله تعالى: وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا أَيْ يَسْأَلُوا الرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيَا
(1) كتاب المنافقين حديث 8.
(2)
كتاب التفسير، تفسير سورة 41 باب 2.
(3)
كتاب التفسير، تفسير سورة 41، باب 2.
(4)
كتاب المنافقين حديث 8. [.....]
(5)
أخرجه أحمد في المسند 5/ 4، 5.
(6)
روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في التوحيد باب 15، 35، ومسلم في التوبة حديث 1، والذكر حديث 2، 9، والترمذي في الزهد باب 51، والدعوات باب 131، وابن ماجة في الأدب باب 58، وأحمد في المسند 2/ 251، 3/ 210، 4/ 106.
(7)
أفتر: أي تبسم حتى بدت أسنانه من غير قهقهة.
(8)
المسند 3/ 390، 391.
(9)
تفسير الطبري 11/ 103.