الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة العنكبوت
سورة العنكبوت، وهي مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، ومدنية كلها في أحد قولي ابن عباس وقتادة-رضي الله عنهما-وفي القول الآخر لهما، وهو قول يحيى بن سلاّم أنها مكية إلا عشر آيات من أولها، فإنها نزلت بالمدينة في شأن من كان من المسلمين في مكة. وقال علي بن أبي طالب-رضي الله عنه: نزلت بين مكة والمدينة. انتهى. قرطبي.
وآياتها تسع وستون، وكلماتها تسعمائة وثمانون، وحروفها أربعة آلاف، ومائة وخمسة وستون حرفا. انتهى. خازن.
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
{الم (1) أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2)}
الشرح: {الم:} انظر شرح هذا اللفظ، وإعرابه في أول سورة (الروم). {أَحَسِبَ النّاسُ} أي: أظنّ الناس. والحسبان: قوة أحد النقيضين على الآخر كالظن، بخلاف الشك، فهو الوقوف بينهما، أما العلم؛ فهو القطع على أحدهما. والحسبان، والظن يتعلقان بمضامين الجمل، للدلالة على جهة ثبوتها، ولذلك اقتضى كل واحد منهما مفعولين متلازمين، أصلهما مبتدأ وخبر، أو ما يسد مسدهما.
{أَنْ يُتْرَكُوا} أي: بغير اختبار، وابتلاء، {أَنْ يَقُولُوا آمَنّا} أي: يقولوا بألسنتهم: آمنا بالله، ورسوله. {وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} أي: لا يبتلون في أنفسهم، وأموالهم. كلا لنختبرنهم بأنواع البلاء لنمحص المؤمن من المنافق، ونميز الصادق من الكاذب. هذا؛ والفتنة:
الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان، ومجاهدة الأعداء، وسائر الطاعات الشاقة، وهجر الشهوات والملاذ، وبالفقر، والقحط، وأنواع المصائب في الأنفس، والأموال، وبمصابرة الكفار على أذاهم، وكيدهم، وضرارهم، وكذلك الصبر على أذى الفساق من الذين يدّعون الإسلام؛ والإسلام منهم براء.
قال ابن عباس-رضي الله عنهما-وغيره: المراد ب: {النّاسُ} قوم من المؤمنين كانوا بمكة، وكان كفار قريش يؤذونهم، ويعذبونهم على الإسلام، كسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، وعمار بن ياسر، وياسر أبوه، وسمية أمه، وعدة من بني مخزوم، وغيرهم،
فكانت صدورهم تضيق لذلك، وربما استنكر أن يمكن الله الكفار من المؤمنين. قال مجاهد وغيره: نزلت هذه الآية مسلّية، ومعلمة: أن هذه هي سيرة الله في عباده اختبارا للمؤمنين، وفتنة.
قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب، أو ما في معناه من الأقوال؛ فهي باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، موجود حكمها بقية الدهر. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: ما أحسن ما قاله! ولقد صدق فيما قال-رضي الله عنه. انتهى.
وقيل: نزلت هذه الآية في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام، فكتاب إليهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أنه لا يقبل منكم الإقرار بالإسلام؛ حتى تهاجروا، فخرجوا عامدين إلى المدينة، فتبعهم المشركون، وقاتلوهم فمنهم من قتل، ومنهم من نجا، فأنزل الله هاتين الآيتين.
الإعراب: {أَحَسِبَ:} الهمزة: حرف استفهام، وتقرير، وتوبيخ. (حسب): فعل ماض.
{النّاسُ:} فاعله. {أَنْ:} حرف مصدري، ونصب. {يُتْرَكُوا:} فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب: {أَنْ،} وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، و {أَنْ} والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسد مفعولي:
(حسب)، والمصدر المؤول من:{أَنْ يَقُولُوا} في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن يقولوا. والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، كما تقول: خرج زيد بثيابه، وقيل: هو على تقدير لام التعليل؛ أي: لأن يقولوا، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: المصدر المؤول من {أَنْ يَقُولُوا} بدل مما قبله، وقيل: هو على التكرير؛ أي: تقدير:
أحسبوا أن يقولوا
…
إلخ. {آمَنّا:} فعل، وفاعل، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. {وَهُمْ:} الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {لا:} نافية. {يُفْتَنُونَ:} فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع
…
إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{(هُمْ لا يُفْتَنُونَ)} في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.
الشرح: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أي: ابتلينا الماضين بأنواع البلاء، كالخليل-عليه السلام-ألقي في النار، ومنهم من يوضع المنشار على رأسه، فيشقه نصفين، فما يصرفه ذلك عن دينه، ومنهم من يمشط بأمشاط الحديد ما يصرفه ذلك أيضا عن دينه، ومنهم من أحرق بالنار كأصحاب الأخدود، والأمثلة على هذا كثيرة.
روى البخاري عن خبّاب بن الأرتّ-رضي الله عنه-قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهو متوسّد بردة له في ظلّ الكعبة، فقلنا له: ألا تستنصر لنا؟! ألا تدعو لنا؟! فقال: «قد كان من
قبلكم يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض حفرة، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد لحمه، وعظمه فما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمّنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلاّ الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون».
وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص يروي عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله! أيّ الناس أشدّ بلاء؟ قال: «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبا؛ اشتدّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقّة ابتلاه الله على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتّى يمشي على الأرض، وما عليه خطيئة» . رواه ابن ماجة، والترمذي.
وعن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه: أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو موعوك، عليه قطيفة، فوضع يده فوق القطيفة، فقال: ما أشدّ حمّاك يا رسول الله! قال: «إنا كذلك يشدّد علينا البلاء، ويضاعف لنا الأجر» . ثمّ قال: يا رسول الله! من أشدّ النّاس بلاء؟ قال: «الأنبياء» ، قال: ثمّ من؟ قال: «العلماء» ، قال: ثم من؟ قال: «الصالحون، كان أحدهم يبتلى بالفقر حتّى ما يجد إلاّ العباءة يلبسها، ولأحدهم كان أشدّ فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء» . رواه ابن ماجة، والحاكم.
{فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا:} في إيمانهم. {وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ:} في دعواهم الإيمان، و (ليعلمن) هنا ليس على ظاهره؛ لأن الله قد علم الصادق من الكاذب قبل أن يخلقهما، فهو كقوله تعالى:{وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا} [آل عمران: 166 و 167] وهو يحتمل ثلاثة معان: الأول: أن (يعلمن) بمعنى: يظهرن. الثاني: أنه بمعنى يميزن بين الصادق، والكاذب.
الثالث: أنه بمعنى يجازين الصادق بما يستحق من الثواب، والأجر، ويجازين الكاذب بما يستحق من الخزي، والنكال. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ وقرأ الإمام علي-رضي الله عنه-الفعلين (ليعلمنّ) بضم الياء وكسر اللام، وهذه القراءة تحتمل ثلاثة معان: الأول: أن يعلم الله في الآخرة هؤلاء الصادقين والكاذبين بمنازلهم من ثوابه وعقابه، وبأعمالهم في الدنيا، بمعنى: يوقفهم ويظهرهم على ما كان منهم. الثاني أن يكون المفعول الأول محذوفا، تقديره: فليعلمنّ الناس والعالم هؤلاء الصادقين والكاذبين؛ أي:
يشهرهم، هؤلاء في الخير، وهؤلاء في الشر، وذلك في الدنيا، والآخرة. والثالث: أن يكون ذلك من العلامة، أي يضع الله لكل واحد من الصادقين في إيمانهم، والكاذبين علامة يشتهر بها، فالآية على هذا تنظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم:«من أسرّ سريرة ألبسه الله رداءها» . انتهى. قرطبي بتصرف.
هذا؛ وفي التعبير عن الصادقين بقوله: {صَدَقُوا} وفي التعبير عن الكاذبين باسم الفاعل:
{الْكاذِبِينَ} نكتة، وهي أن اسم الفاعل يدل على ثبوت المصدر في الفاعل ورسوخه فيه،
والفعل الماضي لا يدل عليه؛ لأن وقت نزول الآية كانت الحكاية عن قوم قريبي العهد بالإسلام، وعن قوم مستمرين على الكفر، فعبر في حق الأولين بلفظ الفعل، وفي حق الآخرين بالصيغة الدالة على الثبات. انتهى. جمل نقلا من زاده.
تنبيه: فحوى الآيتين قريب من فحوى قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [214]: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ} .
الإعراب: {وَلَقَدْ:} الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب من الحال. {فَتَنَّا:} فعل، وفاعل. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. {مِنْ قَبْلِهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. وجملة: {(لَقَدْ فَتَنَّا
…
)} إلخ. جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. وانظر الآية رقم [23] من سورة (السجدة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. {فَلَيَعْلَمَنَّ:} الفاء: حرف عطف، اللام: واقعة في جواب القسم بسبب العطف، (يعلمن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له. {اللهُ:} فاعله، {الَّذِينَ:} مفعول به، وجملة:{صَدَقُوا} مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:{فَلَيَعْلَمَنَّ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وأيضا جملة:{وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ} معطوفة عليها، وإعرابها مثل إعراب سابقتها بلا فارق.
{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (4)}
الشرح: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ:} الشرك، والمعاصي، فإن العمل يعم أفعال القلوب والجوارح. {أَنْ يَسْبِقُونا:} أن يفوتونا، ويعجزونا قبل أن نعاقبهم ونؤاخذهم بما يفعلون، قال ابن عباس-رضي الله عنهما: يريد الوليد بن المغيرة، وأبا جهل، وأمثالهما من كفرة قريش. وما أحراك أن تجعل حكم الآية عاما لكل من يعمل السيئات. {ساءَ ما يَحْكُمُونَ} أي: بئس الحكم ما حكموا في صفات ربهم أنه مسبوق، والله القادر على كل شيء. هذا؛ وفحوى الآية قريب من فحوى قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [59]:{وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ} .
هذا؛ و {حَسِبَ} من باب تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون سين المضارع مع كسر سين الماضي أيضا على غير قياس، وقد قرئ المضارع بفتح السين وكسرها، والمصدر: الحسبان بكسر الحاء. وحسبت المال حسبا من باب: قتل بمعنى: أحصيته عددا.
الإعراب: {أَمْ:} حرف عطف، وهي منقطعة بمعنى:«بل» لأنها لا معادل لها. {حَسِبَ:}
فعل ماض. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. {يَعْمَلُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون
…
إلخ، والواو فاعله. {السَّيِّئاتِ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {أَنْ:} حرف مصدري، ونصب. {يَسْبِقُونا:} فعل مضارع منصوب ب {أَنْ،} وعلامة نصبه حذف النون
…
إلخ، والواو فاعله، و (نا): مفعول به، و {أَنْ} والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي:{حَسِبَ} . {ساءَ:} فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله ضمير مستتر فيه مفسر بما بعده. {ما:} نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على التمييز، وجملة:{يَحْكُمُونَ:} في محل نصب صفة:
{ما،} والتقدير: ساء الشيء شيئا محكوما به، ورابط الصفة محذوف، التقدير: يحكمونه، والمخصوص بالذم محذوف أيضا، التقدير: هو حكمهم. هذا؛ وأجيز اعتبار الفعل: {ساءَ} متصرفا من الإساءة، وله مفعول محذوف، كما أجيز اعتبار:{ما} موصولة، وموصوفة ومصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وتقدير الكلام: ساءهم الذي، أو: شيء يحكمونه. وعلى اعتبار: {ما} مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ساءهم حكمهم، والجملة الفعلية:{ساءَ ما يَحْكُمُونَ} مستأنفة، لا محل لها.
{مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5)}
الشرح: {مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ} أي: يخاف لقاء الله للبعث، والجزاء، والحساب؛ فليعمل عملا صالحا، فإنه لا بد أن يأتيه. أو المعنى: من كان يطمع في ثواب الله، وجنته؛ فليعمل عملا صالحا
…
إلخ، وانظر الآية رقم [21] من سورة (الفرقان). {فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ} أي: فإن الأجل المضروب للقائه تعالى لا بد آت، وإذا كان وقت اللقاء آتيا؛ كان اللقاء كائنا لا محالة، فليبادر الإنسان ما يحقق أمله، ويصدق رجاءه، أو ما يستوجب به القربة والرضا، وهو العمل الصالح الذي يرضى به ربه. وهذا ما صرحت به آية (الكهف) الأخيرة:{فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} .
{وَهُوَ السَّمِيعُ:} لأقوال عباده. {الْعَلِيمُ:} بأفعالهم، وعقائدهم من إيمان، ونفاق، وإخلاص، ورياء
…
إلخ. هذا؛ وإعلال (آت) مثل إعلال {زانٍ} في الآية رقم [3] من سورة (النور).
الإعراب: {مَنْ:} اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {كانَ:} فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمها ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى
{مَنْ} . {يَرْجُوا:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. {لِقاءَ:} مفعول به، وهو مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وجملة:{يَرْجُوا..} . إلخ خبر: {كانَ} . وجواب الشرط محذوف، كما رأيت تقديره في الشرح، وخبر المبتدأ الذي هو:{مَنْ} مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت:{مَنْ} اسما موصولا مبتدأ، فجملة:{كانَ..} . إلخ صلته، وخبره ما رأيت تقديره في الشرح، وقد اقترن خبره بالفاء؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {فَإِنَّ:}
الفاء: حرف تعليل. (إن): حرف مشبه بالفعل. {أَجَلَ:} اسم (إن)، و {أَجَلَ} مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه. {لَآتٍ:} اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة. (آت): خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية:
{فَإِنَّ..} . إلخ تعليل للأمر الذي رأيت تقديره، لا محل لها. {وَهُوَ:} الواو: حرف استئناف.
(هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {السَّمِيعُ:} خبر المبتدأ، {الْعَلِيمُ:}
خبر ثان، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من لفظ الجلالة فلست مفندا، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
{وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (6)}
الشرح: {وَمَنْ جاهَدَ:} حارب أعداء الله، وأعداء الدين، وحارب شيطانه العدو المبين، وحارب هو نفسه الأمارة بالسوء، بالصبر على الطاعات، والكف عن المعاصي، وهجر اللذات والشهوات المحرمة. {فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ} أي: له ثواب جهاده، وهذا بحكم الوعد، لا بحكم الوجوب على الله، والكريم إذا وعد؛ وفى، ومن أوفى بوعده من الله؟! {إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ} أي: عن أعمالهم، وعبادتهم. وفيه بشارة، وتخويف، أما البشارة؛ فلأنه إذا كان غنيا عن الأشياء، فلو أعطى جميع ما خلقه لعبد من عبيده؛ لا شيء عليه، لاستغنائه عنه، وهو يوجب الرجاء التام، وأما التخويف؛ فلأن الله إذا كان غنيا عن العالمين، فلو أهلكهم بعذابه؛ فلا شيء عليه، لاستغنائه عنهم، وإنما كلف عباده بتكاليف رحمة بهم، ومراعاة لمصالحهم، ومنافعهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {وَمَنْ:} الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبتدأ. {جاهَدَ:} فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). {فَإِنَّما:} الفاء:
واقعة في جواب الشرط، (إنما): كافة، ومكفوفة. {يُجاهِدُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من). {لِنَفْسِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية:{فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ} في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ
الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية السابقة، كما يجوز اعتبار (من) موصولة أيضا.
{إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {اللهَ:} اسمها. {لَغَنِيٌّ:} اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة.
(غني): خبر {إِنَّ} . {عَنِ الْعالَمِينَ:} جار ومجرور متعلقان ب: (غني)، والجملة الاسمية:{إِنَّ اللهَ..} . إلخ تعليل للكلام السابق لا محل لها.
الشرح: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:} عطف العمل الصالح على الإيمان دليل واضح على أن الإيمان وحده قد لا يكفي، بل لا بد وأن يقرن بالعمل الصالح. وهذا يسمى في اللغة العربية احتراسا. {لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ:} السيئات: جمع سيئة، وهي تعم الكفر والمعصية، فالكفر يكفّر بالإيمان، والمعصية تكفّر بالطاعة، والعمل الصالح. والتكفير: المحو، والإزالة، وهو أيضا: التغطية، فالإيمان يمحو، ويزيل، ويغطي الكفر، والعمل الصالح يمحو، ويزيل، ويغطي المعصية، ولا سيما إذا قرن بالتوبة النصوح.
{وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ:} والجزاء الحسن: أن يجازى بحسنة حسنة، وأحسن الجزاء هو أن يجازى الحسنة الواحدة بالعشر، وزيادة، قال تعالى:{مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها،} وقال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ} رقم [36] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
الإعراب: {وَالَّذِينَ:} الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {آمَنُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:{وَعَمِلُوا..} .
إلخ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. {الصّالِحاتِ:} صفة لموصوف محذوف، التقدير:
الأعمال الصالحات، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. {لَنُكَفِّرَنَّ:} اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، (نكفرن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: نحن. {عَنْهُمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {سَيِّئاتِهِمْ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة
…
إلخ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة:
{لَنُكَفِّرَنَّ..} . إلخ جواب القسم المحذوف، والقسم المحذوف، وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وأجيز اعتبار (الذين) منصوبا بفعل مضمر على الاشتغال؛ أي: ونخلص الذين آمنوا من سيئاتهم. ولا أراه قويا. هذا؛ ووقوع الجملة القسمية خبرا للمبتدإ. قاله ابن مالك،
ومنعه ثعلب، ومثله قوله تعالى في سورة (النساء):{وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ} ومثل ذلك قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [756] من كتابنا فتح القريب المجيب:[الطويل] جشأت فقلت اللّذ خشيت ليأتين
…
وإذا أتاك فلات حين مناص
قال ابن هشام في المغني: وعندي لما استدل به ابن مالك تأويل لطيف يخرجه عن الاستدلال، وهو أن المبتدأ في ذلك كله، -أي: البيت المذكور، والآيات التي ألحقها، ومنها الآية التي نحن بصدد شرحها-ضمن معنى الشرط؛ إذ التقدير: إن آمنوا وعملوا الصالحات؛ لنكفرن
…
إلخ، فإذا قدر قسم قبل الشرط؛ كان المعنى: والله إن آمنوا وعملوا الصالحات؛ لنكفرن، ف:(لنكفرنّ) جواب القسم المقدر، والمبتدأ مضمن معنى الشرط، خبره محذوف، وهذا على القاعدة المشهورة:«إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما» . ويحذف جواب المتأخر، فكذا يقال في المبتدأ المنزل منزلة الشرط مع القسم، وحينئذ فلا تقع الجملة القسمية خبر المبتدأ، ونظيره في الاستغناء بجواب القسم المقدر قبل الشرط المجرد من لام التوطئة قوله تعالى:{وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ} التقدير: والله ليمسن إن لم ينتهوا. انتهى. وهذا من ابن هشام-رحمه الله تعالى-تخريج على البعيد.
والجملة الاسمية: {وَالَّذِينَ آمَنُوا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ:} الواو: حرف عطف، (لنجزينهم): إعرابه مثل إعراب:
{لَنُكَفِّرَنَّ} وهو معطوف عليه، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. {أَحْسَنَ:}
مفعول به ثان، وهو مضاف، و {الَّذِي:} اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. {كانُوا:} فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة:
{يَعْمَلُونَ:} في محل نصب خبر: (كان)، وجملة:{كانُوا يَعْمَلُونَ} صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: كانوا يعملونه. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
الشرح: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ..} . إلخ: أي: وصيناه بوالديه برا بهما، وعطفا عليهما. أو المعنى: وصينا الإنسان بوالديه أن يفعل معهما ما يحسن. نزلت هذه الآية والتي في سورة (لقمان) رقم [14]، والتي في سورة (الأحقاف) رقم [15] في سعد بن أبي وقاص مالك الزهري، أحد العشرة المبشرين بالجنة-رضي الله عنهم أجمعين-وأمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس لما أسلم-رضي الله عنه، وكان من السابقين إلى الإسلام، وكان بارا بأمه، فلما
أسلم؛ قالت له أمه: ما هذا الذي أحدثت؟ والله لا آكل ولا أشرب، ولا يظلني سقف بيت من الحر، والريح؛ حتى ترجع إلى ما كنت عليه، أو أموت، فتعيّر بذلك أبد الدهر، ويقال: يا قاتل أمه. ثم إنها مكثت يوما وليلة لم تأكل ولم تشرب، ولم تستظل، فأصبحت وقد جهدت، ثم مكثت كذلك يوما آخر، وليلة، فجاءها، وقال: يا أماه! والله لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسا؛ نفسا ما تركت ديني، فكلي إن شئت، وإن شئت فلا تأكلي! فلما أيست منه؛ أكلت، وشربت، واستظلت. وروي عن ابن عباس-رضي الله عنهما-أنه قال: نزلت في عيّاش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه حين هاجر. والصحيح الأول. ومع ذلك فالآية حكمها عام إلى يوم القيامة.
هذا؛ وقد قال تعالى هنا: {وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي..} . إلخ، وفي سورة (لقمان) قال:{وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي..} . إلخ؛ لأن ما في هذه السورة وافق ما قبله لفظا، وهو قوله تعالى:
{وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ،} وفي لقمان محمول على المعنى؛ لأن التقدير: وإن حملاك على أن تشرك بي. انتهى. جمل نقلا عن غيره.
{فَلا تُطِعْهُما:} في الشرك؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. {إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} أي:
مرجع من آمن منكم، ومرجع من أشرك، ومن أطاع، ومن عصى، ومن بر بوالديه، ومن عق
…
إلخ، وفي كثير من الآيات يذكر بعده:{جَمِيعاً} . {فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي:
فأخبركم بالذي كنتم تعملونه من إيمان، أو كفر، صلاح، أو فساد، طاعة، أو معصية
…
إلخ.
هذا؛ والفعل «وصى» حكمه حكم: «أمر» في معناه، وتصريفه. يقال: وصيت زيدا بأن يفعل كذا، كما تقول: أمرته بأن يفعل كذا، ومنه قول الشاعر:[الوافر] وذبيانيّة وصّت بنيها
…
بأن كذب القراطف والقروف
يصف امرأة ذبيانية وصت بنيها بحفظ القراطف، جمع القرطفة، وهي القطيفة المخملة، والقروف: أوعية من أدم، ومنه قوله تعالى:{وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} أي: وصاهم بكلمة التوحيد، وأمرهم بها.
أما {الْإِنْسانَ،} فإنه يطلق على الذكر، والأنثى من بني آدم، ومثله كلمة:«شخص» قال تعالى في سورة (العصر): {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ} ومعلوم: أن الله لم يقصد الذكور خاصة، والقرينة الآيات الكثيرة الدالة على أن المراد: الذكر، والأنثى، واللام في الإنسان إنما هي لام الجنس التي تفيد الاستغراق، ولذا صح الاستثناء من الإنسان في سورة (العصر). هذا؛ وإنسان العين: هو المثال الذي يرى فيها، وهو النقطة السوداء، التي تبدو لامعة وسط السواد، قال ذو الرمة، وهو الشاهد رقم (889) من كتابنا فتح القريب المجيب:[الطويل] وإنسان عيني يحسر الماء تارة
…
فيبدو وتارات يجمّ فيغرق
وانظر جمع {الْإِنْسانَ} في الآية رقم [39] من سورة (الشعراء). هذا؛ والإنس: البشر، الواحد: إنسي، بكسر الهمزة فيهما، وجمع الإنسي أناس، كما في قوله تعالى:{يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ} ويجمع أيضا على: أناسيّ، كما في الآية رقم [49] من سورة (الفرقان).
هذا؛ وفي قوله (والديه) تغليب الوالد على الوالدة، وفي:«أبويه» تغليب الأب على الأم.
الإعراب: {وَوَصَّيْنَا:} الواو: حرف استئناف. (وصينا): فعل، وفاعل. {الْإِنْسانَ:} مفعول به. {بِوالِدَيْهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنّى تغليبا، وحذفت النون للإضافة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {حُسْناً:}
صفة مصدر محذوف مع حذف مضاف؛ إذ التقدير: وصينا الإنسان بوالديه إيصاء ذا حسن.
وقيل: هو منتصب بفعل مضمر على تقدير قول مفسر للتوصية؛ أي: قل لهما، أو افعل بهما حسنا، وهو أوفق لما بعده، وعليه يحسن الوقف على:{بِوالِدَيْهِ،} وقرئ «(حسنا)» و «(إحسانا)» . انتهى. بيضاوي. وقال مكي: التقدير: وصينا الإنسان بوالديه أمرا ذا حسن، ثم أقام الصفة مقام الموصوف، وهو الأمر، ثم حذف المضاف، وهو «ذا» وأقام المضاف إليه مقامه، وهو حسن. انتهى. وهذا يعني: أن الفعل قد نصب مفعولين، وقيل: هو منصوب بنزع الخافض، التقدير: وصينا الإنسان بوالديه بحسن، وانظر ما ذكرته في سورة (الأحقاف) رقم [15]، وجملة:{وَوَصَّيْنَا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {وَإِنْ:} الواو: حرف استئناف.
(إن): حرف شرط جازم. {جاهَداكَ:} فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، وألف الاثنين ضمير متصل في محل رفع فاعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.
{لِتُشْرِكَ:} فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره:
«أنت» ، {بِي:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {ما:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. {لَيْسَ:} فعل ماض ناقص. {لَكَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {بِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، ويجيز بعضهم تعليقهما بمحذوف حال من {عِلْمٌ} كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. {عِلْمٌ:} اسم: {لَيْسَ} مؤخر، وجملة:{لَيْسَ..} . إلخ صلة {ما} أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور بالباء.
{فَلا:} الفاء: واقعة في جواب الشرط، (لا): ناهية. {تُطِعْهُما:} فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» ، والهاء ضمير متصل في محل نصب
مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. {إِلَيَّ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
{مَرْجِعُكُمْ:} مبتدأ مؤخر، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {فَأُنَبِّئُكُمْ:} الفاء: حرف عطف.
(أنبئكم): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«أنا» ، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {بِما:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به ثان، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: فأنبئكم بالذي، أو: بشيء كنتم تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فأنبئكم بعملكم، وهو أضعف من الاعتبارين السابقين، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية، لا محل لها مثلها.
{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ (9)}
الشرح: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:} هو مثل الآية رقم [7]. {لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ} أي: مع الصالحين؛ أي: نحشرهم معهم يوم القيامة، وندخلهم معهم الجنة. والاتصاف بالكمال في الصلاح منتهى درجات المؤمنين، ومتمنى أنبياء الله المرسلين، وإذا تحصل للمؤمن هذا الحكم؛ تحصل ثمرته، وجزاؤه وهو الجنة، وما فيها من النعيم المقيم، والخير العميم، كيف لا؛ وقد تمنى يوسف، وسليمان-على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام-ذلك فقال يوسف:
{تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ،} وقال سليمان: {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ} .
الإعراب: {وَالَّذِينَ:} الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وقيل: هو منصوب على الاشتغال بفعل محذوف. ولا أراه قويا. وجملة:
{آمَنُوا} مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:{وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ} معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. {لَنُدْخِلَنَّهُمْ:} اللام: واقعة في جواب قسم محذوف.
(ندخلنهم): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنا» ، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، {فِي الصّالِحِينَ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ، وانظر الآية رقم [7]؛ ففيها الكفاية.
الشرح: لما بين الله المؤمنين، والكافرين فيما تقدم في قوله:{وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ،} وبين حال الكفار بقوله: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ..} . إلخ، وبين حال المؤمنين بقوله:{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ..} . إلخ؛ بين حال المنافقين في هذه الآية حيث جعلوا إيذاء الكفار لهم صارفا لهم عن الإيمان، كما أن عذاب الله صارف للمؤمنين عن الكفر.
{فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ} أي: عذبوا تعذيبا لم يصبروا عليه، وتركوا الدين الحق، وكان يمكنهم أن يصبروا على الأذى إلى حد الإكراه، وتكون قلوبهم مطمئنة بالإيمان. {جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ} أي: تعذيب الكافرين لهم صارفا عن الإيمان. {كَعَذابِ اللهِ} أي: في النار فإنه يصرف المؤمنين عن الكفر، وشتان ما بينهما، فتعذيب الكافرين للمؤمنين يترتب عليه ثواب عظيم، وعذاب الله للكافرين بعده عذاب أليم، والمشقة إذا كانت مستتبعة للراحة العظيمة؛ تطيب لها النفس، ولا تعد عذابا، كما تجرى عملية جراحية في الجسم لقطع ما يؤذيه، ولا تعد عذابا له.
{وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ} أي: نصر على الكفار، وفيه كسب، وغنيمة، {لَيَقُولُنَّ} أي:
المنافقون. وهذا على ضم اللام مراعاة لمعنى (من)، وقرئ بفتح اللام، مراعاة للفظ (من).
{إِنّا كُنّا مَعَكُمْ} أي: على عدوكم، وكنا مسلمين، وإنما أكرهنا بالتعذيب حتى قلنا ما قلنا فأشركونا معكم بالكسب، والغنيمة. {أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ} أي: الله أعلم بما في صدور العالمين من العالمين أنفسهم بما في صدورهم، ومن ذلك ما في صدور المؤمنين من الإخلاص، وما في صدور المنافقين من النفاق.
تنبيه: قال الضحاك: نزلت الآية في ناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون، فإذا أوذوا؛ رجعوا إلى الشرك. وقال عكرمة: كان قوم قد أسلموا، فأكرههم المشركون على الخروج معهم إلى بدر، فقتل بعضهم، فأنزل الله:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ} فكتاب بها المسلمون من المدينة إلى المسلمين بمكة، فخرجوا، فلحقهم المشركون، فافتتن بعضهم، فنزلت هذه الآية فيهم. وقيل: نزلت في عياش بن أبي ربيعة، أسلم، وهاجر، ثم أوذي، وضرب، فارتد، وإنما عذبه أبو جهل والحارث وكانا أخويه لأمه. قال ابن عباس-رضي الله عنهما: ثم عاش بعد ذلك بدهر وحسن إسلامه. انتهى. قرطبي.
الإعراب: {وَمِنَ:} الواو: حرف استئناف. {(مِنَ النّاسِ)} : جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {مِنَ:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، وقيل: إن الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمبتدإ محذوف، التقدير: وفريق كائن من الناس على حد قوله تعالى: {وَمِنّا دُونَ ذلِكَ} . والأصح: أن مضمون الجار والمجرور مبتدأ، و:{مِنَ} هي الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض؛ أي: وبعض الناس، وجمع الضمير في قوله {لَيَقُولُنَّ} يؤيد ذلك، ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدأ، يرشدك إلى ذلك قوله تعالى:{مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ} فعطف (أكثرهم) على {مِنْهُمُ} يؤيد: أن معناه: بعضهم، وخذ قول الحماسي:[الكامل] منهم ليوث لا ترام وبعضهم
…
ممّا قمشت، وضمّ حبل الحاطب
حيث قابل لفظ: «منهم» بما هو مبتدأ، أعني لفظة:«بعضهم» وهذا مما يدل على أن مضمون: «منهم» مبتدأ. هذا؛ وليوث: جمع ليث، وهو الأسد. لا ترام: لا تقصد. قمشت:
جمعت من هنا وهناك، والمراد رذالة الناس، والقمش: الرديء من كل شيء.
{يَقُولُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {مِنَ،} تقديره: «هو» . {آمَنّا:} فعل، وفاعل.
{بِاللهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:{يَقُولُ..} .
إلخ صلة: {مِنَ،} أو صفتها، والجملة الاسمية:{وَمِنَ النّاسِ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{فَإِذا:} الفاء: حرف عطف، وتفريع. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. {أُوذِيَ:} فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره:«هو» ، يعود إلى {مِنَ،} {فِي اللهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. {جَعَلَ:} فعل ماض، وفاعله مستتر تقديره:«هو» يعود إلى {مِنَ} أيضا، {فِتْنَةَ:} مفعول به، وهو مضاف، و {النّاسِ} مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف. {كَعَذابِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل {جَعَلَ،} وهما في محل نصب مفعوله الثاني. هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى مثل، فهي المفعول الثاني، وهي مضاف، و (عذاب) مضاف إليه، و (عذاب) مضاف، و {بِاللهِ} مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف، وجملة:{جَعَلَ فِتْنَةَ..} . إلخ جواب (إذا)، لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله.
{وَلَئِنْ:} الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله. (إن):
حرف شرط جازم. {جاءَ:} فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، {نَصْرٌ:}
فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. {مِنْ رَبِّكَ:} جار ومجرور متعلقان ب: {نَصْرٌ،} أو بمحذوف صفة له، والكاف ضمير متصل في
محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {لَيَقُولُنَّ:} اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. (يقولن): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون للتوكيد حرف لا محل له. هذا؛ وعلى قراءته بفتح اللام، فهو مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى {مِنَ} . {إِنّا:} حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. {كُنّا:} فعل ماض ناقص، مبني على السكون، و (نا): ضمير متصل في محل رفع اسمها. {مَعَكُمْ:} ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر (كان)، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة:{كُنّا مَعَكُمْ:} في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية:{إِنّا كُنّا مَعَكُمْ:} في محل نصب مقول القول، وجملة:{لَيَقُولُنَّ إِنّا..} . إلخ جواب القسم المقدر المدلول عليه باللام، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة:«إذا اجتمع شرط، وقسم؛ فالجواب للسابق منهما» قال ابن مالك رحمه الله تعالى: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم
…
جواب ما أخّرت فهو ملتزم
{أَوَلَيْسَ:} الهمزة: حرف استفهام توبيخي، الواو: حرف استئناف. (ليس): فعل ماض ناقص. {بِاللهِ:} اسم (ليس). {بِأَعْلَمَ:} الباء: حرف جر صلة، (أعلم): خبر (ليس) مجرور لفظا، منصوب محلا. {بِما:} جار ومجرور متعلقان ب (أعلم). {فِي صُدُورِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، و {صُدُورِ} مضاف، و {الْعالَمِينَ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة:{أَوَلَيْسَ اللهُ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (11)}
الشرح: {وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ..} . إلخ: انظر الآية رقم [3] ففيها الكفاية. هذا؛ و {اللهُ} علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به لتخلف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال. ولم يسم به أحد سواه قال تعالى:{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} أي:
هل تعلم أحدا تسمى الله غير الله؟ وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين، وثلاثمائة وستين موضعا.
بعد هذا: فالمنافقون: جمع: منافق، وقد سمي المنافق: منافقا أخذا من: نافقاء اليربوع، وهو جحره الذي يقيم فيه، فإنه يجعل له بابين، يدخل من أحدهما، ويخرج من الآخر، فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن، ويدخل مع الكفار بقوله: أنا كافر. هذا؛ وقد يتصف
مؤمن بصفات المنافقين، فيكذب، ويخلف الوعد، ويخون في الأمانة، ويفجر في الخصومة. وما أكثرهم في هذا الزمن! فهذا يقال له: نفاق العمل، وأما الأول فيقال له: نفاق العقيدة؛ لأنه يظهر الإسلام، ويبطن الكفر، وهو أخبث من الكفر، وعقابه أشد منه. قال تعالى:{إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ} وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من نفاق العمل، والاتصاف به؛ لأنه قد يجر إلى نفاق العقيدة، فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«آية المنافق ثلاث؛ إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان؛ وإن صلّى، وصام، وحجّ، واعتمر، وقال إنّي مسلم» .
أخرج بعضه البخاري، وبعضه مسلم، وآخره أبو يعلى من حديث أنس-رضي الله عنه.
الإعراب: {وَلَيَعْلَمَنَّ:} الواو: حرف استئناف. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. (يعلمن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له. {اللهُ:} فاعله. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة:{آمَنُوا} مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:{وَلَيَعْلَمَنَّ..} . إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المقدر، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له، وجملة {(وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ)} معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى.
الشرح: {وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا} أي: ديننا الذي ندين به، {وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ:} هذا أمر، وهو في تأويل الشرط، والجزاء؛ إذ المعنى: إن تتبعوا ديننا نحمل خطاياكم. وقيل: هو خبر عبر عنه بصيغة الطلب، مثل قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [75]:{فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا} . والحمل هنا بمعنى: الحمالة، لا الحمل على الظهر. وهذا قول صناديد قريش، كانوا يقولون لمن آمن منهم: لا نبعث نحن، ولا أنتم، فإن كان ذلك؛ فإنا نتحمل عنكم الإثم الذي تخافون سوء عاقبته. وقيل: القائل الوليد بن المغيرة. وقيل: أبو سفيان.
هذا؛ وإنك لترى في هذه الأيام بعض من يتسمون بالإسلام، وبأسماء المسلمين يستنون بأولئك الكفرة الفجرة، فيقول أحدهم لصاحبه إذا أراد أن يشجعه على ارتكاب بعض الجرائم: افعل هذا؛ وإثمه في عنقي. وكم من مغرور بمثل هذا الضمان من ضعفة العامة وجهلتهم!.
{وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ} أي: لا يحملون شيئا من أوزارهم. قال تعالى:
{وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى} وانظر الآية التالية. {إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ} أي: في قولهم؛ لأنهم قالوا ذلك؛ وقلوبهم على خلافه كالمرائين الذين يعدون؛ وفي قلوبهم نية الخلف. وأيضا فإنهم لا يستطيعون ذلك، بل، ولا أقل منه.
هذا؛ و {خَطاياكُمْ:} جمع: خطيئة. وأصله: خطايئ، بياء قبل الهمزة، فقلبت تلك الياء همزة مكسورة، فاجتمع همزتان، فقلبت الثانية ياء، فاستثقلت الكسرة على حرف ثقيل من نفسه، وهو الهمزة الأولى، فقلبت فتحة. ثم يقال: تحركت الياء التي بعد الهمزة، وانفتح ما قبلها، وهو الهمزة، فقلبت ألفا على القاعدة، فصار خطاءا بألفين، بينهما همزة، فاستثقل ذلك؛ لأن الهمزة شبه الألف، فكأنه اجتمع ثلاث ألفات متواليات، فقلبت الهمزة ياء للخفة، فصار خطايا بوزن فعالى، ففيه خمسة أعمال: قلب الياء التي قبل الهمزة همزة، ثم قلب الثانية ياء، ثم قلبت كسرة الأولى فتحة، ثم قلبت الثانية ألفا، ثم قلبت الأولى ياء. هذا؛ وتجمع: خطيئة جمع مؤنث سالما: خطيئات.
الإعراب: {وَقالَ:} الواو: حرف استئناف، (قال): فعل ماض. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. {كَفَرُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، تقديره: كفروا بالله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {لِلَّذِينَ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل: (قال)، وجملة:{آمَنُوا} مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. {اِتَّبِعُوا:} فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. {سَبِيلَنا:} مفعول به، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة:{اِتَّبِعُوا..} . إلخ في محل نصب مقول القول. {وَلْنَحْمِلْ:} الواو: حرف عطف، (لنحمل): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:«نحن» .
{خَطاياكُمْ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة:{وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ} في محل نصب مقول القول، وجملة:{وَقالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {وَما:} الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس» . {هُمْ:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما).
{بِحامِلِينَ:} الباء: حرف جر صلة، (حاملين): خبر: (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا، وفاعله مستتر فيه. {مِنْ خَطاياهُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: {شَيْءٍ،} كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة:«نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» .
{مِنْ:} حرف جر صلة. {شَيْءٍ:} مفعول به ل: (حاملين)، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية:
{وَما هُمْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. {إِنَّهُمْ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. {لَكاذِبُونَ:} اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة. (كاذبون):
خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو
…
إلخ، والجملة الاسمية:{إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ:} مؤكدة لمضمون الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها.
الشرح: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ:} الأثقال: الأوزار، جمع: ثقل، وهو استعارة أطلق عليها لفظ الأثقال، وهي الأحمال التي تثقل حاملها، وتتعبه؛ لأنها تسبب له النكد، والشقاء الطويل في جهنم يوم القيامة، وما بعده. وفيه تأويلان:
أحدهما: أن المراد به ما يحمل على الظالمين من سيئات من ظلموه بعد فراغ حسناتهم، قال أبو أمامة الباهلي-رضي الله عنه: «يؤتى بالرجل يوم القيامة، وهو كثير الحسنات، فلا يزال يقتصّ منه حتى تفنى حسناته، ثم يطالب، فيقول الله عز وجل: اقتصوا من عبدي، فتقول الملائكة:
ما بقيت له حسنات! فيقول: خذوا من سيئات المظلوم، فاجعلوا عليه». ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى:{وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ} . أقول: وهذا في حق المسلم الموحد؛ لأن الكافر لا حسنة له، كما نوهت به آية (الفرقان) رقم [23]:{وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً} وآية (النور) رقم [39] وهي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً..} . إلخ. والمسلم الذي تذهب حسناته، ويطرح عليه من سيئات المظلومين، هو من سماه الرسول صلى الله عليه وسلم المفلس، فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا، من لا درهم له ولا متاع، فقال: المفلس من أمّتي من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة؛ ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثمّ طرح في النّار» . رواه مسلم والترمذي.
والتأويل الثاني: أن المراد به: رؤساء الكفر، ودعاة الشر، والرذيلة، الذين يصدون الناس عن الإيمان، أو عن الطاعة، أو عن عمل الخير
…
إلخ، فقد قال قتادة-رضي الله عنه: من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء، ونظيره قوله تعالى في سورة (النحل) رقم [25]:{لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} . وعن أنس بن مالك-رضي الله عنه-عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «أيّما داع دعا إلى ضلالة فاتّبع، فإنّ له مثل أوزار من اتّبعه، ولا ينقص من أوزارهم شيئا، وأيّما داع دعا إلى هدى، فاتّبع فإنّ له مثل أجور من اتّبعه، ولا ينقص من أجورهم شيئا» . أخرجه ابن ماجة.
هذا؛ ومن الحديث الطويل الذي خرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجة، والترمذي عن جرير بن عبد الله البجلي-رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنّة سيّئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» .
وعن حذيفة-رضي الله عنه-قال: سأل رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمسك القوم، ثم إن رجلا أعطاه، فأعطى القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من سنّ خيرا فاستنّ به كان له أجره، ومثل أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئا، ومن سنّ شرّا فاستنّ به، كان عليه وزره، ومثل أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئا» . رواه أحمد، والحاكم.
هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الأنعام) الآية رقم [31]: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ} .
وحمل الذنوب-بالمعنيين: الأوزار، والأثقال-قيل به: إن الكافر إذا خرج من قبره يوم القيامة يستقبله أقبح شيء صورة، وأنتنه ريحا، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الخبيث طالما ركبتني في الدنيا، فأنا اليوم أركبك؛ حتى أخزيك على رءوس الخلائق! فيركبه، ويتخطّى به الناس، حتى يقف بين يدي الله تعالى. وأقول: إن الفاسق، والفاجر ليس من ذلك ببعيد. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
{وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ:} من الأباطيل التي أضلوا بها غيرهم، يسألون سؤال توبيخ، وتقريع؛ لأن الله تعالى عالم بأعمالهم، وأحوالهم، وافترائهم. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الحجر):{فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ،} وهذه الآية تدل على سؤال الجميع ومحاسبتهم، كافرهم ومؤمنهم، وفي سؤاله الكافر، ومحاسبته خلاف بين العلماء، والذي يظهر سؤاله لهم، لقوله تعالى:{وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ،} وقوله عز وجل: {إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ،} فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ،} وقال: {وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ} فالجواب: أن ليوم القيامة مواطن، فموطن يكون فيه سؤال، وكلام، وموطن لا يكون فيه ذلك. وقال ابن عباس-رضي الله عنهما: لا يسألهم سؤال استخبار، واستعلام، ولكن يسألهم سؤال تقريع، وتوبيخ، فيقول لهم: لم عصيتم القرآن؟ وما حجتكم فيه؟ قال ابن عادل: وأليق الوجوه بهذه الآيات الاستعتاب لقوله تعالى: {ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ،} وقوله جل ذكره: {هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (35) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} .
هذا؛ وأصل الفعل: (ليحملن) يحملون، فلما اتصلت به نون التوكيد الثقيلة صار:(ليحملوننّ) فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، فصار:(ليحملونّ) فحذفت واو الجماعة لالتقاء الساكنين، فصار:(ليحملنّ) وبقيت الضمة على اللام لتدل على الواو المحذوفة، ومثله:(ليسألن) وشبهه.
الإعراب: {وَلَيَحْمِلُنَّ:} الواو: حرف استئناف، اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. (يحملن): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون للتوكيد حرف لا محل له. {أَثْقالَهُمْ:}
مفعول به، والهاء: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم، والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له. {وَأَثْقالاً:} الواو: حرف عطف. (أثقالا):
معطوف على ما قبله. {مَعَ:} ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة (أثقالا). و {مَعَ} مضاف، و {أَثْقالَهُمْ} مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {وَلَيُسْئَلُنَّ:} الواو: حرف عطف. (ليسألن): معطوف على الفعل: (ليحملنّ)، فهو مثله، مع ملاحظة: أنه مبني للمجهول، والواو نائب فاعله. {يَوْمَ:} ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و {يَوْمَ} مضاف، و {الْقِيامَةِ} مضاف إليه. {عَمّا:} جار ومجرور متعلقان بالفعل: (ليسألن)، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب:(عن). {كانُوا:} فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة:{يَفْتَرُونَ} في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ليسألن عن الذي، أو: عن شيء كانوا يفترونه. هذا؛ وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر ب: (عن)، التقدير: ليسألن يوم القيامة عن افترائهم.
الشرح: لقد شرح الله لنا في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) قصة نوح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-شرحا وافيا وكافيا، وذكرها في سورة (الشعراء) باختصار، ولم يخل الله سورة من سور القرآن من ذكره إلا القليل منها؛ وقد عد المرحوم عبد الوهاب النجار السور التي ورد فيها ذكر نوح ثلاثا وأربعين سورة، وعمل لها جدولا، مع عدد الآيات التي ذكر فيها بكل سورة جزاه الله خيرا! وقال: ذكرت قصة نوح مفصلة في سورة (الأعراف) وسورة (هود) وسورة (الشعراء) وسورة (القمر) وسورة (نوح) وهي مختلفة اللفظ بحسب ما تكون العناية موجهة نحوه من البيان. انتهى. بتصرف. وهذا؛ أنا ذا أذكر لك ما يتعلق بهاتين الآيتين، فأقول وبالله التوفيق:
قيل: إن اسمه الأصلي: السكن، سمي بذلك؛ لأن الناس سكنوا إليه بعد آدم. فهو الأب الثاني لهم بعده، وقيل: إن اسمه: عبد الغفار، وسمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه، وهو ابن لمك بن متوشلخ، وقال النجار (نوح بن لامك، بن متوشالح) بن أخنوخ، وهو إدريس النبي، ابن يارد، بن مهلئيل، بن قينان، بن أنوش، بن شيث، بن آدم أبي البشر، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ وذكر المرحوم النجار: أن آدم عاش في الأرض تسعمائة وثلاثين عاما، وأن المدة بين وفاة آدم وولادة نوح مائة وستة وعشرون عاما.
واختلفوا في سبب نوحه، فقيل: لدعوته على قومه بالهلاك. وقيل: لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان. وقيل: لأنه مر بكلب مجذوم، فقال له: اخسأ يا قبيح! فأوحى الله إليه: أعبتني أم عبت الكلب؟! وهو أول رسول بعث بشريعة بعد آدم، وهو أول نذير على الشرك، وأنزل الله عليه
عشر صحائف، وكان أول من عذبته أمته لردهم دعوته، وأهلك الله أهل الشرك بدعائه، وكان أبا البشر كآدم، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. وكان أطول الأنبياء عمرا، عمّر ألفا وخمسين سنة، وقال وهب: عمّر نوح ألفا وأربعمائة سنة، وقيل غير ذلك، ولم تنقص قوته، ولم يشب، ولم تسقط له سن، وصبر على أذى قومه طول عمره، وكان أبواه مؤمنين؛ بدليل دعوته لهما بالمغفرة في الآية الآخرة في سورة (نوح).
وولد له أربعة أولاد: سام، وحام، ويافث، وكنعان، فالثلاثة الأول اتبعوه في دينه، وأما الرابع وهو كنعان، فقد انشق عنه وخالفه، كما رأيت تفصيله في سورة (هود). وروي: أنه عليه الصلاة والسلام عاش عمره الطويل في بيت من شعر، فقيل له: يا نبي الله ابن بيتا، فقال: أموت اليوم، أو غدا. وقال وهب بن منبه: مرت بنوح خمسمائة سنة لم يقرب النساء وجلا من الموت.
{فَلَبِثَ فِيهِمْ:} أقام في قومه، ألف سنة إلا خمسين عاما: قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: هلاّ قيل: تسعمائة وخمسين سنة؟ قلت: ما أورده الله أحكم؛ لأنه لو قيل كما قلت لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره، وهذا التوهم زائل مع مجيئه كذلك، وكأنه قيل: تسعمائة وخمسين سنة كاملة وافية العدد، إلا أن ذلك أخصر، وأعذب لفظا وأملأ بالفائدة، وفيه نكتة أخرى، وهي: أن القصة مسوقة لذكر ما ابتلي به نوح عليه السلام من أمته، وما كابده من طول المصابرة تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتثبيتا له، فكان ذكر رأس العدد الذي لا رأس أكثر منه أوقع وأوصل إلى الغرض من استطاعة السامع مدة صبره.
فإن قلت: فلم جاء المميز أولا بالسّنة، وثانيا بالعام؟ قلت: لأن تكرير اللفظ الواحد في الكلام الواحد حقيق بالاجتناب في البلاغة، إلا إذا وقع ذلك لأجل غرض ينتحيه المتكلم من تفخيم، أو تهويل، أو تنويه، أو نحو ذلك. انتهى. كشاف. أما ذكر مدة لبثه في قومه عليه الصلاة والسلام ففائدته تسلية النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان يضيق صدره بسبب عدم إسلام قومه، وقد ذكر ذلك في آياته حيث قال له:{لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} فقال الله له: إن نوحا لبث هذا العدد الكثير من السنين، ولم يؤمن من قومه إلا القليل، فصبر، وما ضجر، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك. انتهى. نقلا عن الرازي بتصرف.
هذا؛ ونوح أحد الرسل أولي العزم، وهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام.
هذا؛ وروي: أنه لما أتاه ملك الموت، قال: يا نوح، يا أكبر الأنبياء، ويا طويل العمر، ويا مجاب الدعوة، كيف وجدت الدنيا؟ قال: مثل رجل بني له بيت، له بابان، فدخل من أحدهما، وخرج من الآخر. {فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ} أي: الماء الكثير الذي نبع من الأرض، ونزل من السماء. {وَهُمْ ظالِمُونَ:} أنفسهم بالكفر، ومخالفة الواحد القهار.
الإعراب: {وَلَقَدْ:} الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف.
(قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. {أَرْسَلْنا:} فعل، وفاعل. {نُوحاً:} مفعول به.
{إِلى قَوْمِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. أو هما متعلقان بمحذوف حال من:
{نُوحاً،} والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنا..} . إلخ:
جواب القسم المحذوف، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف، ويعتبر أن الجملة الآتية جواب لقسم محذوف.
ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم والمقسم به، ويصير التقدير: وو الله أقسم، أو: وأقسم والله. اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف، وبعضهم يقول: اللام موطئة للقسم، والموطئة معناها: المؤذنة. وهذه اللام إنما تدخل على «إن» الشرطية؛ لتدل على القسم المقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى:{لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..} . إلخ الآية رقم [12] من سورة (الحشر). افهم هذا؛ واحفظه فإنه جيد بعون الله تعالى. فإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به وبقاء حرف القسم. والجواب: أنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور مثل قوله تعالى: {وَالضُّحى،} {وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ} فإن التقدير: وربّ السماء
…
إلخ، بدليل التصريح به في قوله تعالى:{فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ..} . إلخ الآية رقم [23] من سورة (الذاريات) وحذف المقسم به ظاهر بقوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها} الآية رقم [71] من سورة (مريم) وأظهر منه في قوله تعالى: {وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ} الآية رقم [73] من سورة (المائدة) فالواو في الآيتين حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف بلا ريب.
{فَلَبِثَ:} الفاء: حرف عطف. (لبث): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (نوح)، تقديره:
«هو» {فِيهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {أَلْفَ:} ظرف زمان متعلق بالفعل (لبث)، و {أَلْفَ} مضاف، و {سَنَةٍ} مضاف إليه. {إِلاّ:} أداة استثناء. {خَمْسِينَ:} مستثنى ب: {إِلاّ} منصوب. وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وهو عند المبرد مفعول به، و {إِلاّ} عنده قامت مقام الفعل الناصب للأسماء، فهي تقوم مقام: أستثني، واستثنيت فلانا، ولا يستثنى من العدد إلا أقل من النصف عند أكثر النحويين. انتهى. من قول مكي. {عاماً:} تمييز. وجملة: {فَلَبِثَ..} . إلخ معطوفة على جملة جواب القسم، لا محل لها مثلها. {فَأَخَذَهُمُ:} الفاء: حرف عطف. (أخذهم): فعل ماض، والهاء: مفعول به. {الطُّوفانُ:} فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين. {وَهُمْ:} الواو: واو
الحال، (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {ظالِمُونَ:} خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية:{وَهُمْ ظالِمُونَ:} في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.
{فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (15)}
الشرح: وجه مناسبة ذكر نوح، وإبراهيم-على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام- بعد ما تقدم من الآيات هو: أن الله تعالى لما بين التكليف، وذكر أقسام المكلفين، ووعد المؤمن الصادق الثواب العظيم، ووعد المنافق العذاب الأليم؛ ذكر: أن هذا التكليف ليس مختصا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، وأمته حتى صعب عليهم ذلك، بل من قبله كان كذلك، كنوح، وإبراهيم وغيرهما. انتهى. جمل نقلا عن الرازي، وقد تصرفت فيه.
{فَأَنْجَيْناهُ} أي: أنجينا نوحا من أذى قومه، ومن الغرق بالطوفان الذي غرقوا فيه، و {وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ} أي: أنجيناهم مع نوح، وكثيرا جاء التعبير عن السفينة بالفلك، وكانوا ثمانية وسبعين من بني آدم، نصفهم ذكور، ونصفهم إناث، كما حمل في السفينة ذكرا وأنثى من جميع أصناف المخلوقات، وهو فحوى قوله تعالى في سورة (هود) رقم [40]:{قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ} . {وَجَعَلْناها:} الضمير يعود إلى السفينة، أو للعقوبة التي أهلكوا فيها، أو للنجاة الحاصلة بسبب السفينة. {آيَةً لِلْعالَمِينَ} أي:
علامة على قدرة الله القاهرة، وقوته الباهرة. هذا؛ وانظر صنع السفينة مفصلا في سورة (هود).
هذا؛ وأصحاب جمع: صاحب، وهو هنا بمعنى الراكب فيها، ويكون بمعنى المالك، كقولك: صاحب الدار. أي: مالكها. هذا؛ والصاحب يكون بمعنى الصديق، والزوج.
وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو كل من جالسه في حياته، ولو ساعة بشرط أن يكون مسلما موحدا، ويجمع على: أصحاب، وصحب، وصحاب، وصحابة، وصحبة، وصحبان، ثم يجمع أصحاب على: أصاحيب أيضا، ثم يخفف، فيقال: أصاحب.
الإعراب: {فَأَنْجَيْناهُ:} الفاء: حرف عطف. (أنجيناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {وَأَصْحابَ:} الواو: حرف عطف.
(أصحاب): معطوف على الضمير المنصوب، و (أصحاب) مضاف، و {السَّفِينَةِ} مضاف إليه.
{وَجَعَلْناها:} الواو: حرف عطف. (جعلناها): فعل، وفاعل، ومفعول به أول. {آيَةً:}
مفعول به ثان. {لِلْعالَمِينَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: {آيَةً،} والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
الشرح: {وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ} أي: اذكر. أو وأرسلنا إبراهيم. {اُعْبُدُوا:} وحدوه، ولا تشركوا معه شيئا في العبادة. {وَاتَّقُوهُ} أي: خافوا عقابه، فاجتنبوا مخالفته، ومعصيته، {ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ:} الإشارة إلى ما ذكر من العبادة، والتقوى، أي: فهي خير لكم مما أنتم عليه من عبادة الأصنام، وذلك على تقدير الخيرية فيه على زعمكم. وقيل: التقدير: خير من كل شيء؛ لأن حذف المفضل عليه يقتضي العموم مع عدم احتياجه إلى التأويل؛ إذ المراد بكل شيء، كل شيء فيه خيرية، ويجوز كونه صفة لا اسم تفضيل. {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي:
الخير، والشر، وتميزون بين ما هو خير، وبين ما هو شر، أو: كنتم تنظرون في الأمور بنظر العلم دون نظر الجهل.
هذا؛ وإبراهيم خليل الله بن تارح، بن ناحور، بن سروج، بن رعو، بن فالج، بن عابر، بن شالح، بن أرفكشاذ بن سام، بن نوح، على نبينا، وحبيبنا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام، وقد جاء ذكره في القرآن في خمس وعشرين سورة، وقد عمل المرحوم عبد الوهاب النجار، جدولا بأسماء تلك السور، مع عدد الآيات التي ذكر فيها بكل سورة، جزاه الله خيرا! وقد ذكرت قصة إبراهيم مفصلة في سورة (هود) وفي سورة (إبراهيم) وفي سورة (الحجر) وفي سورة (مريم) وفي سورة (الأنبياء) وفي سورة (الشعراء) وفي سورة (الصافات) ومختصرة في باقي السور التي ذكر فيها، وهي مختلفة الألفاظ، والتعبير بحسب ما تكون العناية موجهة نحوه من البيان والإيضاح.
وإبراهيم خليل الرحمن ولد في فدام آرام من بلاد العراق، ولم يؤمن له من قومه سوى زوجه سارة، وابن أخيه لوط بن هاران، بن تارح، فهاجر إلى فلسطين، ثم إلى مصر، ثم عاد إلى فلسطين، وكانت وفاته فيها، وقبره موجود في بلدة الخليل. هذا؛ ويذكر المفسرون: أن شأن إبراهيم في ولادته شبيه بشأن موسى في ولادته، وأنه ربي خفية عن النمرود الذي هو شبيه بفرعون بادعاء الألوهية، والربوبية. هذا؛ وإبراهيم معناه في العبرانية: أب رحيم، وانظر أولاده والكثير من سيرته في الآية رقم [35] وما بعدها من السورة المسماة باسمه، على نبينا، وحبيبنا، وعليه، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام.
الإعراب: {وَإِبْراهِيمَ:} الواو: حرف عطف. (إبراهيم): معطوف على {نُوحاً} فيكون التقدير:
وأرسلنا إبراهيم. أو هو معطوف على الضمير المنصوب، فيكون التقدير: وأنجينا إبراهيم. أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: واذكر إبراهيم. هذا؛ وقرئ برفعه فيكون مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: ومن المرسلين إبراهيم. {إِذْ:} ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل
نصب يقع بدلا من (إبراهيم) على نصبه، فهو بدل اشتمال، ومفعول به لفعل محذوف على رفع (إبراهيم)، التقدير: اذكر وقت قال
…
إلخ. {قالَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم)، تقديره:«هو» . {لِقَوْمِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل، في محل جر بالإضافة. {اُعْبُدُوا:} فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعله، والألف للتفريق. {اللهَ:} منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:{وَاتَّقُوهُ:} معطوفة عليها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ: في محل جر بإضافة {إِذْ} إليها، والكلام معطوف على ما قبله على نصب (إبراهيم)، ومستأنف على رفعه. {ذلِكُمْ:} اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له، والميم حرف دال على جماعة الذكور.
{خَيْرٌ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {ذلِكُمْ:} جار ومجرور متعلقان ب: {خَيْرٌ} . {إِنْ:} حرف شرط جازم. {كُنْتُمْ:} فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. {تَعْلَمُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون
…
إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة:{كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم تعلمون فذلكم خير لكم.
أو: «فاعبدوا الله
…
» إلخ، وهذه الجملة الشرطية مستأنفة، لا محل لها.
الشرح: {إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً:} أصناما. قال أبو عبيدة: الصنم: ما يتخذ من ذهب، أو فضة، أو نحاس. والوثن: ما يتخذ من جصّ، أو حجارة. وقال الجوهري: الوثن:
الصنم، والجمع: وثن، وأوثان، مثل: أسد، وآساد. انتهى. قرطبي. هذا؛ وقد حكى الله عن إبراهيم في سورة (الأنبياء) قوله:{ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ} . وفسرت هناك بالأصنام المصورة على صورة السباع، أو الطيور، أو الإنسان، وحكى الله عنه قوله في السورة المسماة باسمه:{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ} . والأصنام، والتماثيل، والأوثان كلها بمعنى واحد، وتصنع من خشب، أو ذهب، أو فضة، أو نحاس، وذلك تبع لقدرة العابد، وغناه، وكانت العرب، وغيرهم من الوثنيين يعبدونها، والنصارى تنصب الصليب، وتعبده، وتعظمه، فهو كالتمثال أيضا، قال عدي بن حاتم الطائي-رضي الله عنه: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عنقي صليب
من ذهب، فقال:«يا عدي! ألق عنك هذا الوثن!» . فألقيته. وأصله من: وثن الشيء؛ أي: أقام في مقامه، وسمي الصنم وثنا؛ لأنه ينصب ويركز في مكان لا يبرح عنه.
{وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً:} وتكذبون كذبا في تسميتها آلهة، وادعاء شفاعتها عند الله، أو تعملونها وتنحتونها للإفك، وهو استدلال بيّن على شرارة ما هم عليه من حيث إنه زور، وباطل، وبهتان، وقرئ:«(تخلّقون)» ، وقرئ:«(تخلّقون)» وهو بمعنى التكثير من خلّق، والأول من تخلّق بمعنى:
تكذّب، وتخرّص. هذا؛ والإفك هو أبلغ ما يكون من الكذب، والافتراء، قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ..} . إلخ رقم [11] من سورة (النور)، وانظر الآية رقم [45] من سورة (الشعراء).
{إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ} أي: من الأوثان. {لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً:} لا يستطيعون أن يرزقوكم، وهذا دليل ثان على شرارة عبادتهم لهذه الأوثان؛ لأنها لا تجدي قليلا، ولا تغني فتيلا، ونكر:(رزقا) للتعميم؛ أي: لا قليلا، ولا كثيرا. {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ:} اطلبوا رزقكم كله من عند الله تعالى، وتعريف الرزق على حد قوله تعالى في سورة (المزمل):{كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (15) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ..} . إلخ.
{وَاعْبُدُوهُ:} وحّدوه، وانظر (العبادة) في سورة (النمل) رقم [43]، {وَاشْكُرُوا لَهُ:} انظر (الشكر) في الآية رقم [40] من سورة (النمل). {إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ:} يقرأ بالبناء للمجهول من المتعدي، وبالبناء للمعلوم من اللازم.
هذا؛ و {تَعْبُدُونَ} بمعنى: غير وسوى هنا، وأصله من الدنو، وهو القرب، ومنه: تدوين الكتاب؛ لأنه إدناء، أي: تقريب البعض من البعض، ثم استعير للرتب، فيقال: زيد دون عمرو، أي: في الشرف، والسيادة، وعلو المنزلة، ثم اتّسع فيه، فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد.
هذا؛ ويأتي «دون» بمعنى «قدام» قال الشاعر: [الطويل] تريك القذى من دونها، وهي دونه
…
إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق
هذا؛ ومثله: أدنى، وألفه منقلبة عن واو؛ لأنه من دنا، يدنو: إذا قرب، وله معنيان:
أحدهما: أن يكون المعنى: ما تقرب قيمته بخساسته، ويسهل تحصيله. والثاني أن يكون بمعنى: القريب منكم، لكونه في الدنيا، والذي هو خير ما كان من امتثال أوامر الله تعالى؛ لأن نفعه متأخر إلى الآخرة. خذ قوله تعالى لليهود اللؤماء، حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-:{قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} . وقيل: الألف مبدلة من همزة؛ لأنه مأخوذ من: دنؤ، يدنؤ، فهو دنيء، والمصدر: الدناءة، وهو من الشيء الخسيس، فأبدلت الهمزة ألفا. وقيل: أصله: أدون من الشيء الدّون، فأخرت الواو، فانقلبت ألفا، فوزنه الآن أفلع. انتهى. عكبري في غير هذا الموضع.
الإعراب: {إِنَّما:} كافة، ومكفوفة. {تَعْبُدُونَ:} فعل مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو:
فاعله. {مِنْ دُونِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من:{أَوْثاناً} كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا. {أَوْثاناً:} مفعول به، ولو قرئ برفعه، لكانت (ما) اسما موصولا اسما ل:(إن)، على حد قوله تعالى في سورة (طه):{إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ..} . إلخ، (تخلقون): فعل مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو: فاعله. {إِفْكاً:} مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم: {إِنَّ،} وجملة: {تَعْبُدُونَ:} صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: إن الذين تعبدونهم. {مِنْ دُونِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، و {مِنْ} بيان لما أبهم في الموصول، و {تَعْبُدُونَ} مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه.
{لا:} نافية. {يَمْلِكُونَ:} فعل مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو فاعله. {لَكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:{رِزْقاً} على مثال ما تقدم.
{رِزْقاً:} مفعول به، وجملة:{لا يَمْلِكُونَ..} . إلخ: في محل رفع خبر: {إِنَّ} . وقيل:
{رِزْقاً:} مفعول مطلق، وعامله:{لا يَمْلِكُونَ؛} لأنه من معناه، وليس بشيء. {فَابْتَغُوا:}
الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر
…
(ابتغوا): فعل أمر مبني على حذف النون
…
إلخ، والواو: فاعله، والألف للتفريق. {عِنْدَ:} ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و {عِنْدَ} مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه. {الرِّزْقَ:} مفعول به، وجملة:{فَابْتَغُوا..} . إلخ:
لا محل لها؛ لأنها جواب شرط مقدر ب: إذا، التقدير: وإذا كانت معبوداتكم لا تملك لكم رزقا؛ فابتغوا
…
إلخ، وجملة:{وَاعْبُدُوهُ:} معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وكذلك جملة:{وَاشْكُرُوا لَهُ:} معطوفة عليها أيضا. {إِلَيْهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما.
{تُرْجَعُونَ:} فعل مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو: فاعله، أو نائب فاعله. بعد هذا فالآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول إبراهيم على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
الشرح: وإن تكذبوني؛ فلا تضروني بتكذيبكم، فإن الرسل قبلي قد كذبتهم أممهم، وما ضروهم، وإنما ضروا أنفسهم؛ حيث حل بهم ما حل بسبب تكذيب الرسل. وأما الرسول فقد تم أمره حين بلغ البلاغ المبين الذي زال معه الشك، وهو اقترانه بآيات الله، ومعجزاته، أو وإن كنت مكذبا فيما بينكم؛ فلي في سائر الأنبياء أسوة، وسلوة؛ حيث كذّبوا، وعلى الرسول أن يبلغ، وما عليه أن يصدّق ولا يكذّب.
وهذه الآية والآيات التي بعدها إلى قوله: {فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ} محتملة أن تكون من جملة قول إبراهيم-صلوات الله، وسلامه عليه-لقومه، وأن تكون آيات وقعت معترضة في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشأن قريش بين أول قصة إبراهيم، وآخرها. فإن قلت: إذا كانت من قول إبراهيم؛ فما المراد بالأمم قبله؟ قلت: قوم شيث، وإدريس، ونوح، وقوم صالح، وهود، وغيرهم-وكفى بقوم نوح أمة-في معنى أمم جمّة مكذبة.
ولقد عاش إدريس ألف سنة في قومه إلى أن رفع إلى السماء، وآمن به ألف إنسان منهم على عدد سنيه، وأعقابهم على التكذيب. انتهى. كله من الكشاف. وما ذكر في شأن إدريس-عليه السلام يخالف ما ذكرته في الآية رقم [55] من سورة (مريم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
وقال النسفي-وهو مأخوذ من الكشاف بلا شك-: فإن قلت: فالجمل الاعتراضية، لا بدّ لها من اتصال بما وقعت معترضة فيه، فلا تقول: مكة، وزيد قائم، خير بلاد الله. قلت: نعم، وبيانه: أن إيراد قصة إبراهيم-عليه السلام-ليس إلا إرادة للتنفيس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تكون مسلاة له بأن أباه إبراهيم-عليه السلام-كان مبتلى بنحو ما ابتلي به من شرك قومه، وعبادتهم الأوثان، فاعترض بقوله:{وَإِنْ تُكَذِّبُوا..} . إلخ على معنى: أنكم يا معشر قريش إن تكذبوا محمدا؛ فقد كذب إبراهيم قومه، وكل أمة كذبت نبيها؛ لأن قوله:{فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ} لا بد من تناوله لأمة إبراهيم، وهو كما ترى اعتراض متصل، ثم سائر الآيات بعدها من توابعها؛ لكونها ناطقة بالتوحيد، ودلائله، وهدم الشرك، وتوهين قواعده، وصفة قدرة الله، وسلطانه، ووضوح حجته وبرهانه. انتهى.
الإعراب: {وَإِنْ:} الواو: واو الاعتراض، أو هي حرف عطف، (إن): حرف شرط جازم، {تُكَذِّبُوا:} فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، تقديره: فلا يضرني تكذيبكم. {فَقَدْ:} الفاء: حرف تعليل للجواب المنفي. (قد): حرف تحقيق، يقرب الماضي من الحال. {كَذَّبَ:} فعل ماض. {أُمَمٌ:} فاعله. {مِنْ قَبْلِكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: {أُمَمٌ،} والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية:{فَقَدْ كَذَّبَ..} . إلخ، لا محل لها؛ لأنها تعليلية. {وَما:} الواو: حرف استئناف. (ما): نافية، {عَلَى الرَّسُولِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {إِلاَّ:} حرف حصر. {الْبَلاغُ:}
مبتدأ مؤخر. {الْمُبِينُ:} صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال، ولا أراه قويا. هذا؛ والآية في محل نصب مقول القول على اعتبارها مع ما بعدها من قول إبراهيم عليه السلام، ولا محل لها على اعتبارها مع ما بعدها كلام معترض، وهو المعتمد. انظر الشرح.
الشرح: {أَوَلَمْ يَرَوْا..} . إلخ: لما بين الله الأصل الأول، وهو التوحيد، وأشار إلى الثاني، وهو الرسالة بقوله:{وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ؛} شرع في بيان الأصل الثالث، وهو الحشر. وهذه الأصول الثلاثة لا ينفك بعضها عن بعض في الذكر الإلهي. انتهى. جمل نقلا من النهر. هذا؛ والضمير في {يَرَوْا} إلى الأمم المكذبة، ويقرأ:«(أولم تروا)» بتاء المضارعة خطاب لكفار قريش.
{كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ} أي: من مادة من نطفة، ونحوها، ومن غير مادة، والفعل بضم الياء من الرباعي، وقرئ شاذا:«(يبدأ)» من الثلاثي. {ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي: يوم القيامة للحساب، والجزاء، ويجوز أن يراد ببدء الخلق، وإعادته ما يحصل في كل سنة مثل ما كان في السنة السابقة من النبات، والثمار، ونحوهما؛ حيث تحيا، ثم تفنى، ثم يعيدها وكذلك يبدأ خلق الإنسان، ثم يميته بعد أن خلق منه ولدا، وخلق من الولد ولدا، وكذلك سائر الحيوان، والمعنى: إذا رأيتم قدرة الله تعالى على الإبداء، والإيجاد فيما ذكر؛ فهو القادر على الإعادة بلا ريب. {إِنَّ ذلِكَ} أي: ما ذكر من الإيجاد، والإعدام، والإهلاك، ثم الإعادة. {عَلَى اللهِ يَسِيرٌ:} هيّن سهل؛ لأنه سبحانه لا يفتقر في فعل ذلك إلى معاون، ولا إلى مساعد؛ لأنه إذا أراد شيئا؛ فإنما يقول له: كن، فيكون.
الإعراب: {أَوَلَمْ:} الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. الواو: حرف استئناف. (لم):
حرف نفي، وقلب، وجزم. {يَرَوْا:} فعل مضارع مجزوم ب (لم)، وهو بصري، وعلامة جزمه حذف النون
…
إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. {كَيْفَ:} اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من لفظ الجلالة، {يُبْدِئُ:} فعل مضارع. {اللهُ:} فاعله. {الْخَلْقَ:} مفعول به، وجملة:{كَيْفَ..} . إلخ:
في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل قبلها، وجملة:{أَوَلَمْ..} . إلخ: معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. {ثُمَّ:} حرف عطف. {يُعِيدُهُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {اللهُ،} والهاء: مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:{أَوَلَمْ يَرَوْا..} . إلخ، ولا يجوز عطفها على جملة:{يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ؛} لأن الرؤية غير واقعة على الإعادة، بل على الإبداء فقط. هذا؛ وقدر الجلال: ثم هو يعيده. وهذا يعني: أن الجملة اسمية، وهي مستأنفة. وهو قول ابن هشام في المغني. {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {ذلِكَ:}
اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم: {إِنَّ} . واللام للبعد، والكاف حرف خطاب. {عَلَى اللهِ:} متعلقان بما بعدهما. {يَسِيرٌ:} خبر: {إِنَّ} والجملة الاسمية تعليل لما ذكر من الإبداء، والإعادة.
الشرح: {قُلْ:} هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو يؤيد ما ذكر من الاعتراض. وقيل: هو لإبراهيم عليه السلام. {سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ:} على كثرتهم، واختلاف أحوالهم، وألسنتهم، فهو أمر للكفرة؛ لينظروا نظرة تبصر، واعتبار، لا نظرة غفلة، وإهمال، ينظرون إلى مساكن الأمم الماضية، وديارهم، وآثارهم كيف أهلكهم، كما قال تعالى:{ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} .
{ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ} أي: يخلق الخلق المرة الثانية بعد الأولى؛ التي هي الإبداء، والآخرة تكون يوم القيامة. فبدء الخلق، وإعادته نشأتان من حيث إن كلا منهما اختراع، وإخراج من العدم، غير أن الثانية إنشاء بعد إنشاء مثله، والأولى ليست كذلك، والقياس أن يقال: كيف بدأ الله الخلق، ثم ينشئ النشأة الآخرة؟ لأن الكلام معهم وقع في الإعادة، فلما قررهم في الإبداء بأنه من الله احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، فإذا لم يعجزه الإبداء، وجب ألا يعجزه الإعادة، فكأنه قال: ثم ذلك الذي أنشأ النشأة الأولى هو الذي ينشئ النشأة الآخرة، فللتنبيه على هذا المعنى أبرز اسمه، وأوقعه مبتدأ.
{إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:} لأن قدرته لذاته، ونسبة ذاته إلى كل الممكنات على سواء، فيقدر على النشأة الأخرى كما قدر على النشأة الأولى. هذا؛ وقرئ:«(النّشاءة)» كالرأفة.
هذا؛ وقد قال تعالى هنا: {فَانْظُرُوا كَيْفَ..} . إلخ، وقال في سورة (الأنعام) رقم [11]:
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا..} . إلخ والفرق بينهما: أن النظر هنا جعل مسببا عن السير، فكأنه قال: سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين، ومعنى السير هناك إباحة السير للتجارة، وغيرها، وإيجاب النظر في آثار الهالكين. ونبه على ذلك ب:{ثُمَّ} التي هي للتراخي لتباعد ما بين الواجب، والمباح. انتهى. نسفي من سورة (الأنعام) بتصرف كبير.
الإعراب: {قُلْ:} فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {سِيرُوا:} فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. {فِي الْأَرْضِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. {فَانْظُرُوا:} الفاء: حرف عطف. (انظروا):
فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. {كَيْفَ:} اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من فاعل: {بَدَأَ} . {بَدَأَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى {اللهُ} تعالى. {الْخَلْقَ:} مفعول به، وجملة:{كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ:} في محل نصب سدت مسد مفعول (انظروا)، المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، وجملة:{فَانْظُرُوا..} . إلخ معطوفة على
ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول أيضا. {ثُمَّ:} حرف عطف. {اللهُ:} مبتدأ.
{يُنْشِئُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:{اللهُ} . {النَّشْأَةَ:} مفعول مطلق، فهي مصدر محذوف الزوائد، والأصل الإنشاءة، أو هو على حذف العامل، أي: ينشئ فينشئون النشأة؛ وعلى هذا فهي مصدر للثلاثي، ولا حذف. {الْآخِرَةَ:} صفة لها، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{اللهُ يُنْشِئُ..} . إلخ، معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {اللهُ:} اسمها. {عَلى:} حرف جر. {كُلِّ:}
اسم مجرور، وهو مضاف، و {شَيْءٍ} مضاف إليه. {قَدِيرٌ:} خبر: {إِنَّ،} والجملة الاسمية:
{إِنَّ اللهَ..} . إلخ، تعليل لقدرة الله القاهرة، وهي في محل نصب مقول القول، وجملة:{قُلْ..} .
إلخ: مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
{يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21)}
الشرح: {يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ:} تعذيبه بعدله. {وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ:} رحمته بفضله، وكرمه، وجوده. {وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ:} ترجعون، وتردون إليه يوم القيامة، فيجازي كل واحد ما يستحق من الثواب، والعقاب. هذا؛ وقد قال سليمان الجمل: لما ذكر الله النشأة الآخرة؛ ذكر ما يكون فيها، وهو تعذيب أهل التكذيب عدلا، وحكمة، وإثابة أهل الإثابة فضلا، ورحمة. وقدم التعذيب في الذكر على الرحمة مع أن رحمته سابقة؛ لأن السابق ذكر الكفار، فذكر العذاب أولا لسبق ذكر مستحقيه. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ولا تنس: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.
الإعراب: {يُعَذِّبُ:} فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«هو» يعود إلى {اللهُ} . {مَنْ:}
اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. {يَشاءُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله. والجملة الفعلية صلة {مَنْ} أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يعذب الذي، أو شخصا يشاء تعذيبه، والجملة الفعلية مستأنفة، واعتبارها حالا من لفظ الجلالة، لا بأس به، وجملة:{وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ:} معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. {وَإِلَيْهِ:} الواو: حرف عطف. (إليه): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وتقديمهما يفيد الحصر. {تُقْلَبُونَ:} فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون
…
إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها.
الشرح: {وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ:} ربكم عن إدراككم. بمعنى: لا تفوتونه؛ إن هربتم من حكمه، وقضائه. {فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ} أي: إن فررتم من قضائه، وحكمه بالتواري في
الأرض، أو الهبوط في مهاويها، والتحصين في السماء، أو القلاع، والجبال الذاهبة، كما قال تعالى:{أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} . وقيل: المعنى: ولو كنتم في السماء لا تعجزون الله، ولا تهربون من قضائه، وحكمه، فهو كقوله تعالى:{يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا} . وقيل: التقدير: ولا من في السماء. قال حسان بن ثابت-رضي الله عنه-في هجاء أبي سفيان، وقريش:[الوافر] أمن يهجو رسول الله منكم
…
ويمدحه وينصره سواء؟!
فإن المعنى: ومن يمدحه. {وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ:} من غيره، وسواه. {مِنْ وَلِيٍّ:}
يتولى أموركم، ويمنعكم من عذابه. {وَلا نَصِيرٍ:} ينصركم من عذاب الله تعالى. هذا؛ والولي:
هو الذي يتولى شئون غيره، والنصير: المعين، والمساعد. والفرق بينهما: أن الولي قد يضعف عن النصرة، والمعاونة، والنصير قد يكون أجنبيا من المنصور، فبينهما عموم، وخصوص من وجه. هذا، وقال تعالى هنا:{فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ} واقتصر في سورة (الشورى) رقم [31] على {الْأَرْضِ؛} لأن ما هنا خطاب لقوم فيهم النمرود، الذي حاول الصعود إلى السماء. وقد حذفا معا للاختصار في الآية رقم [51] من سورة (الزمر).
فائدة: والولي لله: العارف بالله تعالى على حسب ما يمكن، المواظب على الطاعات، المعرض عن الانهماك في اللذات، والشهوات. ووجهان: أحدهما: أنه فعيل بمعنى مفعول، كقتيل بمعنى مقتول، وجريح بمعنى مجروح، فعلى هذا هو من يتولى الله رعايته، وحفظه، فلا يكله إلى غيره، ونفسه لحظة، كما قال تعالى:{وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ} . والوجه الثاني: أنه فعيل مبالغة من فاعل، كرحيم، وعليم بمعنى: راحم، وعالم، فعلى هذا هو من يتولى عبادة الله تعالى، من غير أن يتخللها عصيان، أو فتور. وكلا المعنيين شرط في الولاية، فمن شرط الولي أن يكون محفوظا، كما أن من شرط النبي أن يكون معصوما، فكل من كان للشرع عليه اعتراض؛ فليس بولي، بل هو مغرور، مخادع. ذكره الإمام أبو القاسم القشيري وغيره من أئمة الطريقة رحمهم الله تعالى. انتهى.
من شرح ألفاظ الزبد للشيخ أحمد بن حجازي الفشني، رحمه الله تعالى. هذا؛ وربنا يقول في الحديث القدسي:«من عادى لي وليا؛ فقد آذنته بالحرب» .
الإعراب: {وَما:} الواو: حرف استئناف، أو: واو الحال. وقيل: عاطفة. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس» {أَنْتُمْ:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسمها.
{بِمُعْجِزِينَ:} الباء: حرف جر صلة. (معجزين): خبر (ما)، مجرور لفظا، منصوب محلا. وإن اعتبرت (ما) مهملة؛ فالضمير يكون مبتدأ، والباء زائدة في خبره، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:
الواو، والضمير. هذا؛ وفاعل (معجزين) ضمير مستتر فيه، ومفعوله محذوف؛ إذ التقدير: وما
أنتم بمعجزين الله في حال وجودكم في الأرض، وهذا يعني: أن الجار، والمجرور:{فِي الْأَرْضِ} متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر ب: (معجزين). {وَلا:} الواو: حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: زائدة لتوكيد النفي. {فِي السَّماءِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ل: «كان» المحذوفة، على تقدير: ولو كنتم في السماء. أو صفة: «من» على تقدير: من في السماء. أو هما معطوفان على قوله: {فِي الْأَرْضِ} مراعاة للظاهر. {وَما:} الواو: حرف عطف. (ما): نافية. {لَكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {مِنْ دُونِ:} جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. و {دُونِ:} مضاف، و {اللهِ:} مضاف إليه. {مِنْ:}
حرف جر صلة. {وَلِيٍّ:} مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. {وَلا:} الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي. {نَصِيرٍ:} معطوف على: {وَلِيٍّ} على لفظه، والجملة الاسمية:{وَما لَكُمْ..} .
إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
الشرح: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ} أي: بدلائل وحدانيته، وقدرته، أو المعنى:
بكتاب الله؛ التي أنزلها على رسله، أو بالمعجزات؛ التي أجراها على أيدي رسله، {وَلِقائِهِ:}
يوم القيامة بالبعث، والحشر، والنشر. {أُولئِكَ} أي: المتصفون بما ذكر. {يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي} أي: قطعوا أملهم في دخول الجنة يوم القيامة. والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه. {وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ:} يوم القيامة، وذلك بدخولهم النار لمخالفتهم أوامر الواحد القهار. وعن قتادة رضي الله عنه-قال: إن الله ذم قوما هانوا عليه، فقال:{أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي،} وقال: {إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ،} فينبغي للمؤمن أن لا ييأس من روح الله، ولا من رحمته، وأن لا يأمن عذابه، وعقابه، صفة المؤمن أن يكون راجيا لله عز وجل خائفا. انتهى. كشاف.
هذا؛ والفعل «يئس» مضارعه: ييأس بمعنى: يقنط من رحمة الله، ويقطع أمله فيها. قال تعالى حكاية عن قول يعقوب لأولاده:{وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ} . هذا؛ ويأتي «ييأس» بمعنى: يعلم، وبه فسر قوله تعالى في الآية رقم [31] من سورة (الرعد):{أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ} . قال الكلبي: هي لغة النخع. وقيل: لغة هوازن. ويؤيده ما روي: أن عليا، وابن عباس، وجماعة من الصحابة، والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين قرءوا:«(أفلم يتبين)» وهو تفسيره، وإنما استعمل اليأس بمعنى العلم؛ لأنه مسبب
عن العلم بأن الميئوس منه لا يكون. وقال الليث، وأبو عبيدة: هو بمعنى: ألم يعلم، واستدلوا لهذه اللغة بقول سحيم بن وثيل اليربوعي:[الطويل] أقول لهم بالشّعب إذ ييسرونني:
…
ألم تيأسوا أنّي ابن فارس زهدم؟
زهدم اسم فرس، وقال رباح بن عدي:[الطويل] ألم ييأس الأقوام أنّي أنا ابنه
…
وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا؟
{عَذابٌ:} اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر تعذيب؛ لأنه من: عذّب، يعذّب بتشديد الذال فيهما، وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، مثل: عطاء، وسلام، ونبات لأعطى وسلّم، وأنبت.
الإعراب: {وَالَّذِينَ:} الواو: حرف استئناف، (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {كَفَرُوا:} فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول:
فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة، ويقال اختصارا: فعل، وفاعل. {بِآياتِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (آيات) مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه. (لقائه): معطوف على: (آيات الله) بالواو العاطفة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. {أُولئِكَ:} اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. {يَئِسُوا:} فعل، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. {مِنْ رَحْمَتِي:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية:{أُولئِكَ يَئِسُوا..} . إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:
{وَالَّذِينَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {وَأُولئِكَ:} الواو: حرف عطف. (أولئك): مبتدأ أول، والكاف حرف خطاب. {لَهُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {عَذابٌ:} مبتدأ مؤخر. {أَلِيمٌ:} صفة له، والجملة الاسمية:{لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ:} في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{وَأُولئِكَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.
الشرح: {فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ} أي: قوم إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-حين دعاهم إلى التوحيد، والإيمان. {إِلاّ أَنْ قالُوا} أي: قال بعضهم لبعض، أو
قاله واحد منهم، وكان الباقون راضين، فكانوا جميعا في حكم القائلين. {اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ:} ثم اتفقوا على تحريقه. {فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ} أي: فقذفوه في النار، فأنجاه الله منها بأن جعلها عليه بردا، وسلاما. انظر ما ذكرته في سورة (الأنبياء) الآية رقم [68 و 69]. {إِنَّ فِي ذلِكَ:} أي في إنجائه من النار العظيمة التي أوقدوها، {لَآياتٍ} أي: دلالات وعلامات على قدرة الله تعالى. هذا؛ وذكر الجلال الآيات بأنها ثلاث: عدم تأثيرها فيه مع عظمها، وإخمادها، وإنشاء روض في مكانها في زمن يسير. {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ:} خصهم بالذكر؛ لأنهم هم الذين يتفكرون، ويتأملون، وينتفعون. يروى: أنه لم ينتفع أحد في ذلك اليوم الذي ألقي فيه إبراهيم في النار بشيء منها، وذلك لذهاب حرها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {فَما:} الفاء: حرف عطف. (ما): نافية. {كانَ:} فعل ماض ناقص.
{جَوابَ:} خبر كان مقدم، وقرئ برفعه على أنه اسمها، و {جَوابَ} مضاف، و {قَوْمِهِ} مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {إِلاّ:} حرف حصر. {كانَ:} حرف مصدري، ونصب. {قالُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، و {كانَ} والفعل {قالُوا} في تأويل مصدر في محل نصب خبر كان على رفع:
(جواب)، وفي محل رفع اسمها مؤخرا على نصبه، وهو الأفصح؛ لأن فيه جعل الأعرف اسما. {اُقْتُلُوهُ:} فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. {أَوْ:} حرف عطف. {حَرِّقُوهُ:} فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة:{فَما كانَ..} . إلخ معطوفة على ما ذكر في الآية رقم [16]، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين. {فَأَنْجاهُ:} الفاء: حرف عطف. وقيل: الفصيحة، ولا وجه له.
(أنجاه): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {اللهُ:} فاعله. {مِنَ النّارِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:
{فَأَنْجاهُ..} . إلخ معطوفة على جملة: (ما كان
…
) إلخ لا محل لها مثلها، والأولى عطفها على جملة محذوفة، التقدير: فقذفوه، فأنجاه الله. {كانَ:} حرف مشبه بالفعل. {فِي ذلِكَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: {كانَ} تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {لَآياتٍ:} اللام: لام الابتداء، (آيات): اسم {كانَ} مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. {لِقَوْمٍ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (آيات)، وجملة:{يُؤْمِنُونَ} مع المتعلق المحذوف في محل جر صفة (قوم)، والجملة الاسمية:{كانَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي تعليل لمحذوف، أي: وخصوا بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون.
الشرح: {وَقالَ} أي: إبراهيم، {إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ} أي: عبدتم، وجعلتم آلهة. {مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً:} من سوى الله أصناما تقدسونها وتعظمونها بالعبادة، {مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا} أي: اجتمعتم على عبادة تلك الأوثان، واتفقتم عليها؛ لتتوادوا بينكم، وتتواصلوا، وتتآلفوا لاجتماعكم على عبادتها، واتفاقكم عليها، كما يتفق على مذهب من المذاهب، فيكون سببا لتحابهم، وتآلفهم، وتعلقتم بها، وأحببتموها، كما قال تعالى:{وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ} . [165] من سورة (البقرة). {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ:} تتبرأ الأوثان من عابديها، وتجحد الآلهة عبادة المشركين لها، كما قال تعالى:{كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} الآية رقم [82] من سورة (مريم)، وكما حكى الله عنهم في سورة (القصص) رقم [63]:{تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ} .
{وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} أي: يقوم بينكم التلاعن، والتباغض، والتعادي، يتلاعن العبدة والأصنام، ويتلاعن العبدة، وهذا ما صرحت به سورة الأحزاب رقم [68]:{وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (67) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً} . {وَمَأْواكُمُ النّارُ:} مقركم، ومآلكم، ومصيركم النار، وبئس المآل، والمصير! {وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ:} ينصرونكم من النار، ويمنعونكم من عذاب الله تعالى. هذا؛ والخطاب لعبدة الأوثان، الرؤساء منهم، والأتباع. وقيل: تدخل فيه الأوثان، كقوله تعالى:{إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ} سورة (الأنبياء) رقم [98].
الإعراب: {وَقالَ:} الواو: حرف عطف، (قال): فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره:«هو» يعود إلى إبراهيم. {إِنَّمَا:} كافة، ومكفوفة. {اِتَّخَذْتُمْ:} فعل، وفاعل. {مِنْ دُونِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:{أَوْثاناً،} كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، و {دُونِ} مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه. {أَوْثاناً:} مفعول به أول، أو مفعول واحد، على حد قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ} . {مَوَدَّةَ:} مفعول لأجله، و {مَوَدَّةَ} مضاف، و {بَيْنِكُمْ} مضاف إليه، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. وهذا الإعراب إنما هو على قراءة حفص، وقد قرئ:«(مودّة)» بالرفع أيضا، وفيه من الأوجه ما يلي:
اعتبار (إن) عاملة، و (ما): اسم موصول بمعنى «الذي» مبني على السكون في محل نصب اسمها، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: إن الذي اتخذتموه. وعليه ف: {أَوْثاناً} مفعول ثان، أو حال، و (مودّة) بالرفع خبر (إن)، وعلى الوجه الأول في الإعراب، تكون (مودّة) بالرفع خبرا لمبتدإ محذوف، أي هي مودة، أي ذات مودة، والجملة الاسمية هذه في محل نصب صفة:{أَوْثاناً} . هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) مصدرية، تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع مبتدأ، والخبر (مودّة) على رفعه، ولا حذف على هذا الوجه، والخبر محذوف على نصب {مَوَدَّةَ،} التقدير: إن اتخاذكم أوثانا من دون الله لأجل المودة لا ينفعكم، أو: يكون عليكم. هذا؛ ويقرأ {مَوَدَّةَ} في حال رفعه بالتنوين، وعدمه، فعدم التنوين على الإضافة، وعلى رفعه يكون (بينكم) متعلقا بمحذوف صفة:(مودّة)، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
{فِي الْحَياةِ:} قال أبو البقاء: فيه سبعة أوجه: الأول: أن يتعلقا ب {اِتَّخَذْتُمْ} إذا جعلت (ما) كافة ل (إن)، لا على الوجهين الآخرين؛ لئلا يؤدي إلى الفصل بين الموصول وما في الصلة بالخبر، والثاني: أن يتعلقا بنفس: {مَوَدَّةَ؛} إذا لم تجعل {بَيْنِكُمْ} صفة لها؛ لأن المصدر إذا وصف لا يعمل. والثالث: أن يتعلقا بنفس: {بَيْنِكُمْ؛} لأن معناه: اجتماعكم، أو وصلكم.
والرابع: أن تجعلهما متعلقين بمحذوف: صفة ثانية ل: {مَوَدَّةَ} إذا نونتها، وجعلت {بَيْنِكُمْ} متعلقا بمحذوف صفة أولى. والخامس: أن تعلقهما ب: {مَوَدَّةَ،} وتجعل {بَيْنِكُمْ} ظرف مكان، فيعمل {مَوَدَّةَ} فيهما، والسادس: أن تعلقهما بمحذوف حال من الضمير في:
{بَيْنِكُمْ؛} إذا جعلته وصفا ل {مَوَدَّةَ} . والسابع: أن تعلقهما بمحذوف حال من {بَيْنِكُمْ} لتعرفه بالإضافة، وأجاز قوم منهم، أن يتعلقا ب:{مَوَدَّةَ،} وإن كان {بَيْنِكُمْ} متعلقا بمحذوف صفة لها؛ لأن الظروف يتوسع فيها، بخلاف المفعول به. انتهى. بتصرف.
{الدُّنْيا:} صفة ل: (حياة) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، {ثُمَّ:} حرف عطف. {يَوْمَ:} ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و {يَوْمَ} مضاف، و {الْقِيامَةِ} مضاف إليه. {يَكْفُرُ:} فعل مضارع. {بَعْضُكُمْ:} فاعله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {بِبَعْضٍ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة معطوفة على ما قبلها، وجملة:{وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} معطوفة عليها. {وَمَأْواكُمُ:} الواو: حرف عطف، أو واو الحال، (مأواكم): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {النّارُ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الكاف المجرورة بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير، أو هي معطوفة على ما قبلها.
{وَما:} الواو: حرف عطف. (ما): نافية. {لَكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر
مقدم. {مِنْ:} حرف جر صلة. {ناصِرِينَ:} مبتدأ مؤخر مرفوع محلا، مجرور لفظا، وإن اعتبرت (ما) نافية حجازية عاملة عمل «ليس» ، فالإعراب لا يخفى، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول، وجملة:{وَقالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26)}
الشرح: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} أي: صدق إبراهيم برسالته لما رأى معجزاته، وذلك حين رأى النار عليه بردا وسلاما. والمراد: التصديق كما ذكرت، وأما في أصل التوحيد؛ فإنه كان مؤمنا، موحدا؛ لأن الأنبياء لا يتصور فيهم الكفر. ولوط هو ابن أخي إبراهيم، كما ذكرته لك فيما مضى.
{وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي} أي: إلى حيث أمرني ربي. قال النخعي، وقتادة: هاجر إبراهيم من كوثا-وهي قرية من سواد العراق-. إلى حران، ثم إلى الشام، ومعه ابن أخيه لوط، بن هاران بن تارح، وامرأته سارة، وهي بنت عمه، وهو أول من هاجر من أرض الكفر. قال مقاتل: هاجر إبراهيم، وهو ابن خمس وسبعين سنة. وقيل: الذي قال ذلك إنما هو لوط، وليس بشيء يعتد به. {إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ:} القوي القاهر الذي يمنعني من أعدائي. {الْحَكِيمُ:} الذي لا يأمرني إلا بما فيه صلاحي، والذي لا يفعل إلا ما فيه الحكمة.
الإعراب: {فَآمَنَ:} الفاء: حرف عطف. (آمن): فعل ماض. {لَهُ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {لُوطٌ:} فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (قال
…
) إلخ لا محل لها مثلها. {وَقالَ:} الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم) على المعتمد. {إِنِّي:} حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. {مُهاجِرٌ:} خبر (إن)، وفاعله ضمير مستتر تقديره:«أنا» . {إِلى رَبِّي:} جار ومجرور متعلقان ب: {مُهاجِرٌ} وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية:{إِنِّي مُهاجِرٌ..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{وَقالَ إِنِّي..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {إِنَّهُ:}
حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. {هُوَ:} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه توكيد للضمير المنصوب على المحل. والثاني: أنه ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وعليهما ف:{الْعَزِيزُ} خبر أول ل: (إن)، و {الْحَكِيمُ} خبر ثان. والثالث: أن الضمير مبتدأ، و {الْعَزِيزُ} خبر أول له، و {الْحَكِيمُ} خبر ثان، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية:{إِنَّهُ..} . إلخ تعليلية، وهي في محل نصب مقول القول أيضا. هذا؛ وقال ابن هشام في المغني الفصل أرجحها، والابتداء أضعفها، ويختص بلغة تميم، والتوكيد سكت عنه.
الشرح: {وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ} أي: منّ الله عليه بالأولاد حين أيس من الولادة من عجوز عاقر، وهي سارة، فرزقه إسحاق، وولد لإسحاق يعقوب في حياته، كما قال تعالى في سورة (هود) رقم [71]:{فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ،} وقال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [72]: {وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً} أي: غنيمة، فعد الله ولد الولد غنيمة فوق الولد.
هذا؛ وفي الآية دليل واضح على أن الولد الصالح هبة، ومنحة من الله للوالدين، فلم يقل سبحانه وتعالى: أعطيناه، ورزقناه، وإنما قال:{وَوَهَبْنا لَهُ} قال الشاعر الحكيم: [الكامل] نعم الإله على العباد كثيرة
…
وأجلّهنّ نجابة الأولاد
{وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ:} فلم يبعث الله نبيا بعد إبراهيم إلا من ذريته، ونسله، ووحد الكتاب؛ لأنه أراد الجنس ليتناول الكتاب الأربعة، أو أراد المصدر كالنبوة، فإنه تعم كل نبوة كانت في ذريته، والمراد: التوراة، والزبور، والإنجيل، والقرآن، فالتوراة أنزلت على موسى، والزبور أنزل على داود، والإنجيل أنزل على عيسى، والقرآن أنزل على محمد، وكلهم من ولد إبراهيم صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين، {وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا} أي: ثوابه على الهجرة من وطنه إلى غيره، وثباته على التقوى، والصلاح، وهذا الأجر كان بإعطائه الولد في غير أوانه، والذرية الطيبة، واستمرار النبوة فيهم، وانتماء أهل الملل إليه، فجميع أهل الأديان يتولونه، ويحبونه، ويقدسونه، ويثنون عليه، ويصلون عليه إلى آخر الدهر. {وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ:} قال ابن عباس-رضي الله عنهما: أي: مثل نوح، وإدريس، وآدم، وانظر ما ذكرته بشأن الصالحين في الآية رقم [10]، وانظر شرح (ذرية) في الآية رقم [74] من سورة (الفرقان).
الإعراب: {وَوَهَبْنا:} الواو: حرف عطف. (وهبنا): فعل، وفاعل. {لَهُ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {إِسْحاقَ:} مفعول به. {وَيَعْقُوبَ:} معطوف على ما قبله، وجملة:
{وَوَهَبْنا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. {وَجَعَلْنا:} الواو: حرف عطف.
(جعلنا): فعل، وفاعل. {فِي ذُرِّيَّتِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {النُّبُوَّةَ:} مفعول به. {وَالْكِتابَ:} معطوف على ما قبله، وجملة:
{وَجَعَلْنا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. {وَآتَيْناهُ:} فعل، وفاعل، والهاء مفعول به. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. {أَجْرَهُ:} مفعول به ثان، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {فِي الدُّنْيا:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو
هما متعلقان بمحذوف حال من: {أَجْرَهُ} . {وَإِنَّهُ:} الواو: واو الحال. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. {فِي الْآخِرَةِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف، تقديره: وإنه صالح في الآخرة؛ لأن متعلق الصلة لا يتقدم على الموصول، وهذا على اعتبار «ال» في:{الصّالِحِينَ} موصولة. وقيل: الجار والمجرور للتبيين، فجاز تقديمهما، وقيل: الألف واللام للتعريف، وليستا بمعنى «الذين» وعليه فهما متعلقان ب:{الصّالِحِينَ،} {لَمِنَ:} اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة. (من الصالحين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (إن)، والجملة الاسمية:
{وَإِنَّهُ..} . إلخ في محل نصب حال من الضمير العائد إلى (إبراهيم)، والرابط: الواو، والضمير.
الشرح: بعد أن هاجر لوط مع عمه إبراهيم من العراق إلى فلسطين، واستقر به المقام أرسله الله إلى أهل «سدوم» يدعوهم إلى الله، وينهاهم عن فعلهم القبيح، وهو إتيان الرجال في أدبارهم، وقد ذكرت قصة لوط بتمامها في عدة سور باختلاف يسير، وبعضها يكمل بعضا، وتلخص: أن قوم لوط كانوا من الشر بمكان، وأنهم كانوا يقطعون السبيل على المارة، وقد ذهب الحياء من وجوههم، فلا يستقبحون قبيحا، ولا يرغبون في حسن، كما قال تعالى:{وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} وكانوا قد ابتدعوا من المنكرات ما لم يسبقهم إليه أحد من خلق الله، وذلك: أنهم كانوا يأتون الذكران من العالمين شهوة من دون النساء، يستعلنون بذلك، ولا يستسرّون، ولا يرون في ذلك سوءا، أو قبحا، وإن لوطا عليه السلام قد وعظهم، ونصحهم، ونهاهم، وخوفهم بأس الله تعالى، فلم يأبهوا، ولم يرتدعوا، فلما ألح عليهم بالعظات والإنذار؛ هددوه، وتوعدوه تارة بالرجم، وتارة بالإخراج من بينهم، إلى أن جاء لوطا الملائكة، الذين ذكرهم الله في سورة (هود)، وسورة (الحجر)، وهذه السورة، وغيرها، وقد جاءوا إلى لوط بهيئة غلمان مرد، حسان الوجوه، فجاء أهل القرية إلى بيت لوط طالبين ضيوفه الكرام؛ ليفعلوا فيهم الفاحشة، وقد جهد لوط في ردهم، وبالغ في ذلك؛ حتى طلب إليهم أن يأخذوا بناته بدل ضيوفه، فلم يصغوا إليه.
حينئذ التفت لوط إلى ضيوفه الكرام، وقال:{لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ} أي: لجاهدتهم بكم، وأوقعت بهم ما يستحقون، وكان لا يعلم: أنهم ملائكة إلى ذلك الحين، وحينئذ أعلمه الملائكة بحقيقة أمرهم، وأنهم جاءوا للتنكيل بأولئك القوم الخبثاء، ولما حاول أهل القرية أخذ أولئك المردان بالقوة، وهجموا على بيت لوط، طمس الله أعينهم، فلم يبصروا، ولم يهتدوا إلى مكان يقتحمون منه عليه، وعلى من معه، قال تعالى في سورة (القمر):{وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ} .
ثم أخرج الملائكة لوطا، وابنتيه وزوجه من القرية، وأمروهم أن لا يلتفت منهم أحد، وأن يحضروا حيث يؤمرون، فامتثلوا الأمر إلا امرأته، فقد التفتت إلى القرية لترى ما يحلّ بها، وكانت خبيثة هواها مع أهل القرية دون لوط، فحل بها من السخط، والعذاب ما حل بهم، وكانت كافرة غير مؤمنة، فأمطر الله عليهم حجارة من سجيل، وقلبت ديار القوم، قال تعالى في سورة (هود) رقم [83]:{فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ} .
قال عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-: وأعتقد: أن البحر الميت-المعروف الآن ببحر لوط، أو بحيرة لوط-لم يكن موجودا قبل هذا الحادث، وإنما حدث من الزلزال الذي جعل عالي البلاد سافلها، وصارت أخفض من سطح البحر بنحو أربعمائة متر، وقد جاءت الأخبار في السنتين الماضيتين بأنهم اكتشفوا آثار مدن قوم لوط على حافة البحر الميت. انتهى.
قصص الأنبياء للنجار بتصرف.
يا سبحان الله! كيف زلّ النجار حيث عزا ما وقع في قرى قوم لوط إلى الزلزال؟! وإنما حصل ذلك بفعل جبريل عليه السلام؛ حيث وضع جناحه تحت القرى، ورفعها إلى السماء ثم جعل عاليها سافلها، ولا زلزال، ولا بحر، ولا بحيرة، وكان هذا العمل الجبار الذي كان من قدرة الواحد القهار، فاعتبروا يا أولي الأبصار!.
هذا؛ ويقول ابن كثير-رحمه الله تعالى-في تفسيره: وجعل الله مكان تلك البلاد بحيرة منتنة لا ينتفع بمائها، ولا بما حولها من الأراضي المتاخمة؛ لفنائها، ولرداءتها ودناءتها، فصارت عبرة، ومثلة، وعظة، وآية على قدرة الله تعالى، وعظمته، وعزته في انتقامه ممن خالف أمره، وكذب رسله، واتبع هواه، وعصى مولاه. انتهى.
هذا، والمراد بالفاحشة المذكورة في هذه الآية: هي إتيان الذكور في أدبارهم، وقد ذمهم الله في هذه الآيات. وقال عنهم في سورة (الأعراف) حكاية عن قول لوط لهم:{بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ؛} لأن الله خلق الإنسان، وركب فيه الشهوة لبقاء النسل، وعمران الدنيا، وجعل النساء محلا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [55] من سورة (النمل) ففيها الكفاية لطالب الزيادة.
{ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ} أي: لم يفعل هذه الفاحشة أحد قبلكم من الناس أجمعين، وانظر شرح {الْعالَمِينَ} في الآية رقم [16] من سورة (الشعراء). هذا؛ و {أَحَدٍ} أصله:
وحد؛ لأنه من الوحدة، فأبدلت الواو همزة، وهذا قليل في المفتوحة، إنما يحسن في المضمومة، والمكسورة مثل قولهم: وجوه، وأجوه، ووسادة، وإسادة، وهو مرادف للواحد في موضعين:
أحدهما: وصف الباري جل علاه، فيقال: هو الواحد، وهو الأحد، والثاني: أسماء العدد، فيقال: أحد وعشرون، وواحد وعشرون، وفي غير هذين الموضعين يفرق بينهما في الاستعمال،
فلا يستعمل «أحد» إلا في النفي، وهو كثير في الكلام، أو في الإثبات مضافا، كما في قوله تعالى:{يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} بخلاف الواحد، وقولهم:«ما في الدار أحد» هو اسم لمن يعقل، ويستوي فيه المفرد والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، قال تعالى:{يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ،} وقال جل ذكره: {فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ} .
هذا؛ و «أحد» أكمل من «الواحد» : ألا ترى أنك إذا قلت: فلان لا يقوم له واحد جاز في المعنى أن يقوم له اثنان، فأكثر، بخلاف قولك: لا يقوم له أحد. وفي الأحد خصوصية ليست في الواحد، تقول: ليس في الدار أحد، فيجوز أن يكون فيها من الدواب، والطير، والوحش، والإنس، فيعم الناس، وغيرهم، بخلاف: ليس في الدار واحد، فإنه مخصوص بالآدميين.
ويأتي «الأحد» في كلام العرب بمعنى الواحد، فيستعمل في النفي، والإثبات، نحو قوله تعالى:
{قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} أي: واحد، وقوله تعالى:{فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ} أي: واحدا منكم، وبغير معنى الواحد، فلا يستعمل إلا في النفي. تقول: ما جاءني من أحد، ومنه قوله تعالى:{أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ،} و «واحد» يستعمل فيهما مطلقا، و «أحد» يستعمل في المذكر، والمؤنث، نحو قوله تعالى:{لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ} بخلاف الواحد، فلا يقال: كواحد من النساء، بل:
كواحدة. وأحد يصلح للإفراد، والجمع، ولهذا؛ وصف به في قوله تعالى:{فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ} بخلاف الواحد، و «الأحد» له جمع من لفظه، وهو: الأحدون، والآحاد وليس للواحد جمع من لفظه، فلا يقال: واحدون، بل: اثنان، وثلاثة. والأحد ممتنع من الدخول في شيء من الحساب بخلاف الواحد، فتلخص من ذلك سبعة فروق. انتهى.
الإعراب: {وَلُوطاً:} الواو: حرف عطف، (لوطا): معطوف على (إبراهيم)، أو على الضمير المنصوب في (أنجيناه)، وقيل: معطوف على نوح في الآية رقم [14]، وقيل: هو على تقدير: اذكر لوطا. {إِذْ:} ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب بدل من (لوطا) بدل اشتمال. {قالَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى (لوط). {لِقَوْمِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {إِنَّكُمْ:} حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. {لَتَأْتُونَ:} اللام: هي المزحلقة.
(تأتون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة. هذا؛ وقرئ بهمزتين على الاستفهام الإنكاري، والواو فاعله. {الْفاحِشَةَ:} مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن)، والجملة الاسمية:{إِنَّكُمْ..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالَ..} . إلخ في محل جر بإضافة {إِذْ} إليها. {ما:} نافية. {سَبَقَكُمْ:} فعل ماض، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {بِها:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {مِنْ:} حرف جر صلة. {أَحَدٍ:} فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره،
منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. {مِنَ الْعالَمِينَ:} متعلقان بمحذوف صفة: {أَحَدٍ،} والجملة الفعلية: {ما سَبَقَكُمْ..} . إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من:{الْفاحِشَةَ} نفسها، والرابط: الضمير فقط على الاعتبارين. وقد قيل: إنها مستأنفة. والأول أقوى، وجملة: اذكر لوطا، أو: أرسلنا لوطا، معطوفة على ما قبلها، ومتضمنة عطف قصة لوط على قصة إبراهيم، ونوح على نبينا، وعليهم جميعا ألف تحية، وسلام، وصلاة. هذا؛ وقد قال البيضاوي، والنسفي تبعا للزمخشري: جملة: {ما سَبَقَكُمْ..} . إلخ جملة مستأنفة مقررة لقبح تلك الفعلة، كأن قائلا قال: لم كانت فاحشة؟ فقيل له: لأن أحدا قبلهم لم يقدم عليها اشمئزازا منها في طباعهم، لإفراط قبحها؛ حتى أقدم عليها قوم لوط لخبث طينتهم، وقذر طباعهم. انتهى. كشاف بتصرف.
الشرح: {أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ} أي: في أدبارهم شهوة من دون النساء؛ حيث تقضون وطركم بالرّجال، {وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ} أي: الطريق، فقد كانوا يتعرضون للمارة في طرقهم بالقتل، وسلب مالهم، أو يتعرضون لهم بالفاحشة بالقهر، والقوة حتى ابتعد الناس عن المرور في طرقهم. وقيل: المراد به قطع سبيل النّسل بالإعراض عن مكان الحرث؛ أي: محل النسل، وإتيان ما ليس بمكان النسل.
{وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ:} النادي: مجلس القوم ومتحدثهم، ولا يقال له: ناد إلا بوجود أهله فيه، ودار الندوة كان قرب الكعبة المعظمة، يجتمع فيه زعماء قريش للتشاور في أمورهم العامة، والخاصة. {الْمُنْكَرَ:} الفعل القبيح؛ الذي تأباه العقول السليمة، والأخلاق الكريمة، والفطرة المستقيمة.
قيل: كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كل واحد منهم قصعة فيها حصى، فإذا مر بهم عابر سبيل؛ خذفوه، فأيهم أصابه؛ قال: أنا أولى به، فيأخذه، ويفعل به الفاحشة قهرا. وقيل:
كان يأخذ ما معه، وينكحه. وهذان الفعلان سبب في قطع الطريق، كما رأيت، فهما مفهومان مما سبق. وقيل: كان يلوط بعضهم ببعض في مجلسهم. وقيل: كانوا يتضارطون في مجالسهم، ويتهارشون تهارش الكلاب، ويبزق بعضهم على بعض. وقيل: كانت أخلاق قوم لوط مضغ العلك، وتطريف الأصابع بالحناء، وحل الإزار، والصفير، والحذف بالحصى، والرمي بالبندق، واللوطية، والفحش في المزاح، وفرقعة الأصابع، وغير ذلك من رذيل الفعال.
وعن أم هانئ بنت أبي طالب-رضي الله عنها: أنها قالت: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل: {وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} قال: «كانوا يخذفون من يمرّ بهم، ويسخرون منه، فذلك المنكر الّذي كانوا يأتونه» . أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، وذكره النحاس، والثعلبي، والمهدوي، والماوردي. وذكر الثعلبي: قال معاوية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّ قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كلّ رجل قصعة فيها الحصى للخذف، فإذا مرّ بهم عابر؛ قذفوه، فأيّهم أصابه كان أولى به» . يعني: يذهب به للفاحشة. انتهى. قرطبي.
{فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ} أي: حين أنذرهم، وتوعدهم بالعذاب. {إِلاّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللهِ:} الذي تعدنا به. {إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ:} فائتنا بما تعدنا به، وقولهم هذا إنما هو استهزاء، وقولهم في سورة (النمل) رقم [56] غير هذا.
تنبيه: كثير من أمة محمد يفعلون القبائح، والفواحش التي فعلها قوم لوط، والقبائح التي فعلها غيرهم، مثل: بخس الكيل والميزان، والظلم، والعدوان، والتكبر، والإفساد في الأرض، ومع ذلك لم يعاقبهم الله في الدنيا، وانظر ما أذكره في الآية رقم [40] الآتية.
الإعراب: {أَإِنَّكُمْ:} الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي، فيكون تأكيدا لما في الآية السابقة على قراءتها بالاستفهام. (إنكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. {لَتَأْتُونَ:} اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة. (تأتون): فعل مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو فاعله. {الرِّجالَ:} مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر:(إن)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وفيها معنى التوكيد لجملة:{إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ} . وجملة: {وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ} معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وأيضا {وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} معطوفة عليها فهي في محل رفع مثلها، والجار والمجرور:{فِي نادِيكُمُ} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {الْمُنْكَرَ}. {فَما:}
الفاء: حرف استئناف. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [56] من سورة (النمل) من الفرق بين بدء جوابهم بالفاء هنا، وفيها، وبين بدء جوابهم بالواو في الآية رقم [82] من سورة (الأعراف). (ما):
نافية. {جَوابَ:} خبر {كانَ} مقدم، وهو مضاف، و {قَوْمِهِ} مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {إِلاّ:} حرف حصر، والمصدر المؤول من:{أَنْ قالُوا} في محل رفع اسم {كانَ} مؤخر. هذا ويقرأ برفع (جواب) على أنّه اسم {كانَ} والمصدر المؤوّل في محل نصب خبرها، ولكن الأول أفصح؛ لأن فيه جعل الأعرف اسما. {اِئْتِنا:} فعل أمر، مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: أنت، و (نا): ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. {بِعَذابِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل
قبلهما، و (عذاب) مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه، من إضافة اسم المصدر لفاعله. {كانَ:} حرف شرط جازم. {كُنْتَ:} فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. {مِنَ الصّادِقِينَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر {كانَ،} والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: فائتنا به، والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول.
{قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30)}
الشرح: {قالَ} أي: لوط. {رَبِّ انْصُرْنِي} أي: بإنزال العذاب. {عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ} أي: بابتداع الفاحشة وسنها فيمن بعدهم، وصفهم بذلك مبالغة في استنزال العذاب، وإشعارا بأنهم أحقاء بأن يعجل لهم العذاب، وقد قال تعالى:{الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ} رقم [88] من سورة (النحل).
الإعراب: {قالَ:} فعل ماض. والفاعل يعود إلى (لوط) تقديره: «هو» . {رَبِّ:} منادى حذف منه أداة النداء، وانظر تفصيله في الآية رقم [169] من سورة (الشعراء) ففيها الكفاية.
{اُنْصُرْنِي:} فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» ، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية، والجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول. {عَلَى الْقَوْمِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {الْمُفْسِدِينَ:} صفة:
{الْقَوْمِ} مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة:{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
الشرح: {وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا} أي: الملائكة. {إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى:} هي البشارة بالولد، والنافلة لزوجته سارة، وهي قوله تعالى في سورة (هود) رقم [71]. {فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ}. {قالُوا} أي: الملائكة المرسلون. {إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ:} وهي قرية «سدوم» وما حولها، وقد قيل فيها: أجور من قاضي سدوم. وهذه الآية تشعر بأن القرية قريبة من موضع إبراهيم على نبينا، وحبيبنا، وعليهم أجمعين ألف صلاة، وألف سلام. قالوا: إنها كانت على مسيرة يوم وليلة من موضع إبراهيم.
{إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ} أي: إن الظلم قد استمر فيهم في الأيام السالفة، وهم عليه مصرون، وظلمهم: هو كفرهم، وأنواع معاصيهم التي رأيتها فيما مضى. هذا؛ وانظر شرح
{الْقَرْيَةِ} في الآية رقم [56] من سورة (النمل)، وانظر شرح:{أَهْلِ} في الآية رقم [169] من سورة (الشعراء).
هذا؛ وقد قال المرحوم عبد الوهاب النجار: قرأت في كتاب من كتاب الأدب العبري وصفا لهم، وفي ذلك الكتاب من دلائل ظلمهم، واستغراقهم فيه: أن سارة زوج إبراهيم أرسلت لعازر كبير عبيد إبراهيم؛ ليأتيها بأخبار لوط، فلما دخل مدينة سدوم لقيه رجل من أهلها، فعمد إلى لعازر بحجر ضربه به في رأسه، فأسال منه دما كثيرا، ثم تعلق به قائلا: إن هذا الدم لو بقي لأضرّ بك، فأعطني أجري، ثم آل الأمر بينهما إلى الترافع إلى قاضي سدوم، فلما سمع للخصمين حكم على لعازر بأن يعطي للسدومي أجر ما ضربه بالحجر، وأسال دمه، فلما رأى لعازر الجور من القاضي والخصم في أمره، عمد إلى حجر ضرب به رأس القاضي، فأسال دمه، وقال له: الأجر الذي وجب لي عليك بإسالة دمك عليك أن تعطيه لضاربي السدومي جزاء ضربه إياي، وإسالة دمي. ولقد كنت أقرأ قول المعري:[الطويل] وأيّ امرئ في الناس ألفي قاضيا
…
ولم يمض أحكاما لحكم سدوم
فلم أفهم ما يعزوه بهذا البيت، ولم أعرف ما سدوم حتى قرأت هذه القصة ففهمت معنى البيت. هذه الحكاية مع احتمال وضعها تفيدنا معرفة الفكر العام في أحوال هؤلاء الناس، وأنهم من الشر بحيث يصلحون أن تسند إليهم أمثالها. انتهى. بحروفه.
الإعراب: {وَلَمّا:} الواو: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى حين عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. {جاءَتْ:} فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له.
{رُسُلُنا:} فاعل. و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {إِبْراهِيمَ:} مفعول به.
{بِالْبُشْرى:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة:{جاءَتْ..} . إلخ لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. {قالُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. {إِنّا:} حرف مشبه بالفعل، و (نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. {مُهْلِكُوا:} خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، و {مُهْلِكُوا} مضاف، و {أَهْلِ} مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و {أَهْلِ} مضاف، و {هذِهِ} اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر بالإضافة، والهاء حرف تنبيه لا محل له. {الْقَرْيَةِ:} بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، والجملة الاسمية:{إِنّا..} . إلخ في محل نصب مقول
القول، وجملة:{قالُوا..} . إلخ جواب (لما) لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. هذا؛ وقدر الجمل ما يلي: فاستجاب الله دعاءه، فأرسل ملائكة لإهلاكهم، وأمرهم أن يبشروا إبراهيم بالذرية الطيبة، فجاءوا أولا إلى إبراهيم. فيقدر هذا كله قبل قوله:{وَلَمّا جاءَتْ..} . إلخ ونقل من أبي السعود نحوه، وعليه ف:(لما) ومدخولها معطوف على هذا المقدر.
{إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {أَهْلَها:} اسم {إِنَّ،} و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {كانُوا:} فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق.
{ظالِمِينَ:} خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء
…
إلخ، وجملة:{كانُوا ظالِمِينَ:}
في محل رفع خبر: {إِنَّ،} والجملة الاسمية: {إِنَّ..} . إلخ تعليل لإهلاكهم. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
الشرح: {قالَ:} أي: إبراهيم عليه السلام. {إِنَّ فِيها لُوطاً} أي: أتهلكون أهل القرية، وفيهم من هو بريء من الكفر، والمعصية، وهو لوط؟! وأراد بهذا الاعتراض، والجدال إظهار الشفقة عليه، وما يجب للمؤمن من التحزن لأخيه، والتشمر في نصرته، وحياطته، والخوف من أن يمسه أذى، أو يلحقه ضرر. {قالُوا} أي: الملائكة. {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها:} يريدون نحن أعلم منك، وأخبر بحال لوط، وحال قومه، وامتيازه منهم الامتياز البين، وأنه لا يستحق ما يستحقون من العذاب، فخفض على نفسك، وهون عليك الخطب. {لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ:} مما يقع فيهم من العذاب الذي يستأهلونه. {إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ} أي: الباقين في العذاب، وانظر الآية رقم [57] من سورة (النمل) ففيها الكفاية لمن أراد الزيادة. وانظر مراجعة إبراهيم للملائكة في سورة (هود) رقم [74] وما بعدها.
الإعراب: {قالَ:} فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره:«هو» يعود إلى إبراهيم. {إِنَّ:}
حرف مشبه بالفعل. {فِيها:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: {إِنَّ} تقدم على اسمها. {لُوطاً:} اسمها مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:
{قالَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {قالُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. {نَحْنُ:} ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. {أَعْلَمُ:} خبر المبتدأ، وهو يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث؛ فلذا صح فيه الإخبار عن الجمع. {بِمَنْ:} جار ومجرور متعلقان ب: {أَعْلَمُ؛} لأنه أفعل التفضيل. {فِيها:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. {لَنُنَجِّيَنَّهُ:} اللام: واقعة في جواب قسم محذوف.
(ننجينه): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«نحن» ، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها. {وَأَهْلَهُ:} الواو: حرف عطف. (أهله): معطوف على الضمير المنصوب، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {إِلاَّ:} أداة استثناء.
{اِمْرَأَتَهُ:} مستثنى ب: {إِلاَّ،} والهاء في محل جر بالإضافة أيضا. والكلام: {نَحْنُ أَعْلَمُ..} .
إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالُوا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {كانَتْ:}
فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، واسمها ضمير مستتر تقديره:«هي» يعود إلى: {اِمْرَأَتَهُ} . {مِنَ الْغابِرِينَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: {كانَتْ،} والجملة الفعلية: {كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ:} مستأنفة وقعت جوابا عن سؤال مقدر نشأ من استئنافها. كأنه قيل: فماذا كان حالها؟ فقيل: كانت من الغابرين. انتهى. جمل من سورة (الأعراف). هذا؛ وأرى جواز اعتبارها حالا من {اِمْرَأَتَهُ} وهي على تقدير «قد» قبلها، والرابط: الضمير فقط.
تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
الشرح: {وَلَمّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ:} ساءه مجيئهم، واغتم بسببهم، مخافة أن يقصدهم قومه بسوء، و {أَنْ} صلة أكدت وجود فعلين متجاورين، مرتبا أحدهما على الآخر كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان، كأنه قيل: لما أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير ريث خيفة عليهم من قومه أن يتناولوهم بالفجور. انتهى. نسفي بتصرف.
هذا؛ وزيدت {أَنْ} بعد (لما) في الآية رقم [19] من سورة (القصص)، وفي الآية رقم [96] من سورة (يوسف)، ولم تزد في الآية رقم [77] من سورة (هود) لعدم السبب المذكور، وإنما ساءه مجيئهم؛ لأنهم كانوا في صورة غلمان مرد، حسان الوجوه، فظن: أنهم أناس، فخاف أن يقصدهم قومه، فيعجز عن مدافعتهم؛ لأن قوم لوط كانوا مولعين بالفاحشة، وهي إتيان الذكور في أدبارهم. هذا؛ والفعل:{سِيءَ} من: ساء، يسوء يكون لازما، ويكون متعديا، كما في قولك: ساءني فلان، وكما هنا، وهذا غير «ساء» المستعمل في الذم.
{وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} أي: ضاق بشأنهم، وتدبير أمرهم ذرعه؛ أي: طاقته، وقد جعلت العرب ضيق الذراع، والذرع عبارة عن فقد الطاقة، كما قالوا: رحب الذراع بكذا؛ إذا كان مطيقا له، والأصل فيه: أن الرجل إذا طالت ذراعه نال ما لا يناله القصير، فضرب ذلك مثلا في العجز، والقدرة. انتهى. كشاف.
هذا؛ ولما كان الذراع موضع قوة الإنسان، وقدرته، وشهرته، قيل في الأمر الذي لا طاقة للإنسان به: ضاق بالأمر ذراع فلان، وذرعه، وضاق بالأمر ذرعا، وذراعا: عجز عن احتماله. قال هدبة بن خشرم، رحمه الله تعالى، وهو الشاهد رقم [563] من كتابنا: فتح القريب المجيب: [الطويل] إن العقل في أموالنا لا نضق بها
…
ذراعا وإن صبرا فنصبر للصّبر
وهو كناية عن شدة الانقباض للعجز عن مدافعة المكروه، والاحتيال فيه، قال عمر بن أبي ربيعه المخزومي:[الخفيف] من رسولي إلى الثّريّا بأني
…
ضقت ذرعا بهجرها والكتاب؟
وأصله أن يذرع البعير بيديه في سيره على قدر سعة خطوه، فإذا حمل على أكثر من طوقه؛ ضاق عن ذلك، وضعف، ومد عنقه. فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع. هذا؛ والذراع من الإنسان من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى. وهي مؤنثة، وجمعها: أذرع لا غير، قاله سيبويه، وذرع الثوب: قاسه بذراعه، وذرعه القيء: غلبه. هذا؛ وضاق الأمر، وتضايق وتضيّق به، أو عليه: ضد اتسع. والضيق: ما ضاق عنه الصدر من حزن، أو هم. قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:{وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ} وهو بفتح الضاد، وبكسرها ما يكون في الذي يتسع، ويضيق، مثل الدار، والثوب ونحوهما.
{وَقالُوا} أي: الملائكة لما رأوا فيه أثر الضجر، والقلق والانزعاج من أجلهم. كيف لا؛ وقد قال لقومه، وهم يسمعون قوله متأسفا متحسرا:{لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ؛} أي: لبطشت بكم. {لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ:} ولا تغتم لأجلنا، فإنهم لن يصلوا إلينا بسوء. {إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} أي: إنا مهلكوهم، ومنجوك، وأهلك ولم يكن له أهل، ولا عشيرة فيهم سوى ابنتيه؛ لأنه لم يكن منهم في نسب، ولا قرابة، كما بينته لك في سورة (الأعراف) وغيرها، {إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ} أي: من الباقين في العذاب مع قومها. وانظر سبب ذلك، وشرحه في الآية رقم [57] من سورة (النمل).
الإعراب: {وَلَمّا:} الواو: حرف استئناف. (لما): انظر الآية رقم [31]. {أَنْ:} حرف صلة كما رأيت في الشرح. {جاءَتْ:} فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له.
{رُسُلُنا:} فاعله، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {لُوطاً:} مفعول به، وجملة:
{جاءَتْ..} . إلخ: لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. {سِيءَ:} فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره:
«هو» يعود إلى (لوط) وقيل: هو ضمير المصدر، وليس بشيء. {بِهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية:{سِيءَ بِهِمْ} جواب: (لما) لا محل لها، و (لما) ومدخولها
كلام مستأنف لا محل له. {وَضاقَ:} الواو: حرف عطف. (ضاق): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (لوط). {بِهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {ذَرْعاً:} تمييز جملة، وجملة:
{وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {وَقالُوا:} الواو: حرف عطف، (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. {لا تَخَفْ:} فعل مضارع مجزوم ب: {لا} الناهية، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» ، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة:{(لا تَحْزَنْ)} معطوفة عليها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة: (قالوا
…
) إلخ معطوفة على جواب (لما)، لا محل لها أيضا.
{إِنّا:} حرف مشبه بالفعل، و (نا): ضمير متصل في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. {مُنَجُّوكَ:} خبر: (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة جمع اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {وَأَهْلَكَ:} الواو: حرف عطف.
(أهلك): معطوف على محل الكاف عند الأخفش. وعند سيبويه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: وننجي أهلك، وهذه الجملة معطوفة على:{مُنَجُّوكَ،} والجملة الاسمية: {إِنّا مُنَجُّوكَ..} . إلخ تعليل للنهي، لا محل لها، وهي من مقول الرسل بلا ريب. {إِلاَّ:} أداة استثناء. {اِمْرَأَتَكَ:} مستثنى ب: (إلا)، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وإعراب:
{كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ:} مثل سابقتها محلا، وإعرابا بلا فارق. والله ولي التوفيق.
الشرح: {إِنّا مُنْزِلُونَ..} . إلخ: يقرأ بتشديد الزاي، وتخفيفها، وتشديد الجيم، وتخفيفها بقوله تعالى:{لَنُنَجِّيَنَّهُ} و {مُنَجُّوكَ} والمراد بالقرية: قرية سدوم التي كان يقطنها قوم لوط، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. والرجز: العذاب، ومثله الرجس من قولهم:
ارتجز، وارتجس: إذا اضطرب، لما يلحق المعذب من القلق، والاضطراب، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [134] في حق الفراعنة الطغاة:{وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ..} . إلخ.
هذا؛ واختلف في ذلك الرجز الذي أنزل على قوم لوط، قيل: حجارة، وقيل: نار، وقيل:
خسف، وعلى هذا يكون المراد: أن الأمر بالخسف، والقضاء به من السماء، ومعلوم: أن الخسف كان بجعل عاليها سافلها، ثم أمطر الله على من كان خارج القرية حجارة من سجيل منضود. {بِما كانُوا يَفْسُقُونَ} أي: إن إنزال الرجز عليهم كان بسبب فسقهم، وخروجهم عن طاعة ربهم، ومخالفة نبيهم.
الإعراب: {إِنّا:} حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت ألفها دليلا عليها. {مُنْزِلُونَ:} خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو
…
إلخ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. {عَلى أَهْلِ:} جار ومجرور متعلقان ب: {مُنْزِلُونَ؛} لأنه جمع اسم فاعل، لذا فيه ضمير مستتر هو فاعله، و:{أَهْلِ} مضاف، و {هذِهِ:} مضاف إليه مبني على الكسر في محل جر، والهاء حرف تنبيه لا محل له. {الْقَرْيَةِ:} بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. {رِجْزاً:} مفعول به ل: {مُنْزِلُونَ} . {مِنَ السَّماءِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: {رِجْزاً} . {بِما:} الباء: حرف جر، (ما): مصدرية. {كانُوا:} فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. {يَفْسُقُونَ:} فعل مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، التقدير: بفسقهم، والجار والمجرور متعلقان ب:{مُنْزِلُونَ} . هذا؛ واعتبار (ما) موصولة، أو موصوفة ضعيف معنى، والجملة الاسمية:{إِنّا مُنْزِلُونَ..} . إلخ تعليل آخر للنهي المذكور في الآية السابقة.
{وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35)}
الشرح: {وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً:} قال ابن عباس-رضي الله عنهما: الآية البينة: آثار منازلهم الخربة، وقيل: هي الحجارة التي أهلكوا بها، أبقاها الله عز وجل حتى أدركتها أوائل هذه الأمة. وقيل: هي ظهور الماء الأسود على وجه الأرض، والضمير يعود إلى قرى قوم لوط، والآية: الدلالة، والعبرة. {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ:} يفهمون، فيستعملون عقولهم في الاستبصار، والاعتبار.
هذا؛ والعقل: نور روحاني به تدرك النفس ما لا تدركه بالحواس الظاهرة، وسمي العقل عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه؛ أي: يمنع صاحبه من فعل الرذائل، والقبائح؛ لذا فإن كل شخص لا يسير على الجادة المستقيمة لا يكون عاقلا بالمعنى الصحيح، فقد ورد: أن رجلا معتوها مر على مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الصحابة الكرام-رضوان الله عليهم-:(هذا رجل مجنون) فقال سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق:«هذا مصاب، إنّما المجنون من أصرّ على معصية الله تعالى» . هذا؛ والعقل أيضا: الدية، سميت بذلك؛ لأن الإبل المؤداة دية تعقل بباب ولي القتيل.
والعقال بكسر العين: الحبل الذي تشد به ركبة الجمل عند بروكه؛ ليمنعه من القيام، والمشي، والعقال أيضا: صدقة عام، قال شاعر يهجو عاملا على الصدقات، في عهد بني أمية:[البسيط] سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا
…
فكيف لو سعى عمرو عقالين؟!
لأصبح النّاس أوبادا ولم يجدوا
…
عند التّفرّق في الهيجا جمالين
الإعراب: {وَلَقَدْ:} انظر الآية رقم [14] ففيها الكفاية. {تَرَكْنا:} فعل، وفاعل.
{مِنْها:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {آيَةً:} مفعول به. {بَيِّنَةً:} صفة:
{آيَةً} . {لِقَوْمٍ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو ب:{آيَةً،} أو ب: {بَيِّنَةً،} وهو أظهر، قاله الجمل. {يَعْقِلُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جر صفة:(قوم)، وجملة:{وَلَقَدْ تَرَكْنا..} . إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له.
الشرح: {وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً} أي: وأرسلنا إلى مدين. هذا؛ ومدين اسم رجل، وهو مدين بن إبراهيم الخليل، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. فعلى هذا يكون المعنى: وأرسلنا إلى ولد مدين. ومدين: اسم للقبيلة، كما يقال: بنو تميم، وبنو أمية، ونحو ذلك، وقيل: مدين: اسم للماء الذي كانوا عليه. وقيل: هو اسم للمدينة، وعلى هذين القولين يكون المعنى: وأرسلنا إلى أهل مدين. والصحيح هو الأول؛ لقوله تعالى: {أَخاهُمْ شُعَيْباً} يعني في النسب لا في الدين، وشعيب هو ابن ميكيل، بن يشجر، بن مدين، بن إبراهيم، وأم ميكيل هي بنت لوط، وكان يقال لشعيب عليه السلام: خطيب الأنبياء؛ لحسن مراجعته قومه، وكانوا أهل كفر، وبخس في المكيال، والميزان. هذا؛ وكان أهل مدين قوما عربا يسكنون في بلاد الحجاز، مما يلي جهة الشام قريبا من خليج العقبة من الجهات الشمالية منه، ويقول الطبري: إن بين مصر وأرض مدين ثمان ليال، ويظهر: أنها في الأرض المسماة الآن معان، وهي جنوب فلسطين. وهذا يخالف ما ذكرته سابقا.
هذا؛ واذكر أن شعيبا أضيف إلى قومه حيث قال تعالى: {أَخاهُمْ شُعَيْباً} بخلافه في قصة نوح، وإبراهيم، ولوط حيث ذكر قوم مؤخرا عنهم، معرفا بالإضافة إلى ضمير كل واحد منهم؛ لأن الأصل في جميع المواضع أن يذكر القوم، ثم يذكر رسولهم؛ لأن الله لا يبعث رسولا إلى غير معين، غير أن قوم نوح، وإبراهيم، ولوط، لم يكن لهم اسم خاص، ولا نسبة مخصوصة، يعرفون بها، فعرفوا بالإضافة إلى نبيهم، فقيل: قوم نوح، وقوم لوط، وقوم إبراهيم، وأما قوم شعيب، وهود، وصالح، فكان لهم نسب معلوم اشتهروا به عند الناس، فجرى الكلام على أصله. انتهى. جمل بتصرف. وينبغي أن تعلم: أن الله أرسل شعيبا إلى أهل مدين أولا، كما ذكر في سورة (الأعراف) وسورة (هود) فدعاهم إلى التوحيد، وإلى إيفاء الكيل، والميزان،
فعصوا، وعاندوا، فأهلكهم الله بالرجفة، ثم بعثه إلى أهل الأيكة، كما رأيت في سورة (الشعراء) فعصوا، وعتوا أيضا، فأهلكهم الله بالظلة.
{فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ:} وحدوه. لم يذكر الله عن لوط: أنه أمر قومه بالعبادة، والتوحيد، وذكر عن غيره ذلك؛ لأن لوطا كان في زمن إبراهيم على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، وإبراهيم سبق لوطا بذلك؛ حتى اشتهر الأمر بالتوحيد عند الخلق، وإنما ذكر عنه ما اختص به من النهي عن الفاحشة، وأما غيره؛ فجاءوا في زمن غير مشتهر بالتوحيد، فأمروا به. انتهى. جمل نقلا عن الرازي.
{وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ} أي: افعلوا ما ترجون به ثوابه، فأقيم المسبب مقام السبب. أو المعنى:
اخشوا اليوم، وخافوه، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [21] من سورة (الفرقان) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وانظر شرح (يوم) في الآية رقم [135] من سورة (الشعراء) ووصفه بالآخر؛ لأنه آخر يوم من أيام الدنيا، وهو اليوم الذي يقوم فيه الناس من قبورهم للحساب، والجزاء، وهو لا ريب فيه، وانظر شرح:{وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} في الآية رقم [183] من سورة (الشعراء).
الإعراب: {وَإِلى:} الواو: حرف عطف، {(إِلى مَدْيَنَ)}: جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: وأرسلنا إلى مدين، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. {أَخاهُمْ:} مفعول به للفعل المحذوف منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
{شُعَيْباً:} بدل من {أَخاهُمْ} بدل كل من كل، أو عطف بيان عليه. والواو عطفت قصة شعيب على قصة نوح، وإبراهيم. {فَقالَ:} الفاء: حرف عطف، وتفريع. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (شعيب) تقديره: هو. {يا قَوْمِ:} منادى، انظر تفصيل إعرابه في الآية رقم [46] من سورة (النمل). {اُعْبُدُوا:} فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية والندائية قبلها كلتاهما في محل نصب مقول القول. (ارجو): فعل أمر
…
إلخ، {الْيَوْمَ:} مفعول به. {الْآخِرَ:} صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. (لا): ناهية جازمة. {تَعْثَوْا:} فعل مضارع مجزوم ب: (لا)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. {فِي الْأَرْضِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {مُفْسِدِينَ:} حال من واو الجماعة، وهي مؤكدة للفعل؛ لأنها من معناه، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة:{وَلا تَعْثَوْا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول أيضا، وجملة:{فَقالَ..} .
إلخ معطوفة على الجملة المقدرة بعد الواو لا محل لها مثلها.
{فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (37)}
الشرح: {فَكَذَّبُوهُ} أي: كذب قوم شعيب شعيبا فيما قاله، فلم يؤمنوا به، ولم يصدقوه فيما يقوله. {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ:} وفي سورة (الحجر): {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ،} وفي سورة (هود):
{وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} . فقد قال الفراء، والزجاج: الرجفة: الزلزلة الشديدة العظيمة.
وقال مجاهد، والسدي: هي الصيحة، فيحتمل: أنهم أخذتهم الزلزلة من تحتهم، والصيحة من فوقهم حتى هلكوا، فيكون قد اجتمع على إهلاكهم سببان. وقيل: إن جبريل الأمين-عليه السلام-صاح فيهم، فتزلزلت الأرض من صيحته، فرجفت قلوبهم. والإضافة إلى السبب لا تنافي الإضافة إلى سبب السبب. انتهى. جمل نقلا من زاده. {فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ} أي: أصبحوا في أرضهم، وبلدهم ميتين على وجوههم خامدين. هذا؛ والجثوم للناس، والطير بمنزلة البروك للبعير. وانظر شرح {الدّارِ} في الآية رقم [37] من سورة (القصص).
الإعراب: {فَكَذَّبُوهُ:} الفاء: حرف عطف. (كذبوه): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (قال
…
) إلخ لا محل لها مثلها.
{فَأَخَذَتْهُمُ:} الفاء: حرف عطف أيضا. (أخذتهم): فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والميم حرف دال على جماعة الذكور.
{الرَّجْفَةُ:} فاعله. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. {فَأَصْبَحُوا:}
الفاء: حرف عطف، وقد أفادت في المواضع الثلاثة الترتيب، والتعقيب. (أصبحوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. {فِي دارِهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {جاثِمِينَ:} خبر (أصبح) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ وأجيز اعتبار أصبحوا تاما، فتكون الواو فاعله، و {جاثِمِينَ} حالا، والأول أقوى، وجملة:{فَأَصْبَحُوا..} . إلخ: معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.
الشرح: {وَعاداً:} عاد: اسم للحي؛ ولذلك صرف، ومنهم من جعله اسما للقبيلة، ولذلك منعه، و (عاد) في الأصل اسم الأب الكبير، وهو: عاد بن عوص، بن إرم، بن سام، بن نوح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. فسميت به القبيلة، أو الحي، وقبيلة عاد كانت تسكن الأحقاف من أرض اليمن. أما ثمود؛ فهي قبيلة أخرى من العرب كعاد، سموا باسم أبيهم
الأكبر: ثمود، بن غابر، بن سام، بن نوح، وهو أخو جديس بن غابر. وكانت مساكن ثمود الحجر بين الحجاز، والشام إلى وادي القرى وما حوله. قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها، والثمد: الماء القليل. والأول هو المعتمد، ونبي قوم عاد هو هود، ونبي قوم ثمود هو صالح. على نبينا، وحبيبنا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. وقد مضى القول على هذين الرسولين وقومهما مفصلا في سورة (الأعراف) وفي سورة (هود) وغيرهما.
{وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ} أي: تبين لكم بعض مساكنهم، أو تبين لكم إهلاكهم من جهة مساكنهم إذا نظرتم إليها عند مروركم بها، وكان أهل مكة يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام، واليمن لأجل التجارة، فيبصرون ديار أولئك الأقوام الهالكين. {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ:} انظر الآية رقم [4] و [24] من سورة (النمل) ففيها الكفاية.
{وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} أي: فكانوا متمكنين من النظر، والاستبصار، ولكنهم لم يفعلوا، وكانوا معجبين بدينهم، وضلالتهم، يحسبون أنهم على هدى؛ وهم على باطل، وضلالة. أو المعنى:
كانوا متبينين: أن العذاب لاحق بهم بإخبار الرسل لهم، ولكنهم لجوا في العصيان حتى هلكوا، فلم تغن عنهم عقولهم شيئا؛ لأنهم لم ينتفعوا بها؛ حيث لم تهدهم إلى مرضاة الله تعالى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {وَعاداً:} الواو: حرف عطف، (عادا): قال الكسائي-رحمه الله تعالى-: قال بعضهم: هو راجع إلى أول السورة؛ أي: ولقد فتنا الذين من قبلهم، وفتنا عادا، وثمود. قال:
وأحب إليّ أن يكون معطوفا على: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ؛} أي: وأخذت عادا، وثمود. وزعم الزجاج: أن التقدير: وأهلكنا عادا، وثمود. وقيل: المعنى: واذكر عادا إذ أرسلنا إليهم هودا، فكذبوه، فأهلكناهم. انتهى. قرطبي. أقول: وقول الزجاج أولى بالاعتبار، وهو أولى لعطف جملة على جملة قريبة في المعنى. {وَثَمُودَ:} معطوف على: (عادا). {وَقَدْ:} الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. {تَبَيَّنَ:} فعل ماض، والفاعل محذوف، تقديره: ذلك؛ يعني ما وصفه الله من إهلاكهم. وقيل: التقدير: تبين لكم بعض مساكنهم، أو تبين لكم إهلاكهم من جهة مساكنهم، والأول أولى بالاعتبار. {لَكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {مِنْ مَساكِنِهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و {مِنْ} لابتداء الغاية؛ أي: من جهة مساكنهم إذا نظرتم إليها عند مروركم بها. والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة:{وَقَدْ تَبَيَّنَ..} . إلخ في محل نصب حال من: {(عاداً وَثَمُودَ)} .
{وَزَيَّنَ:} الواو: حرف عطف. (زين): فعل ماض. {لَهُمُ:} جار ومجرور متعلقان به.
{الشَّيْطانُ:} فاعله. {أَعْمالَهُمْ:} مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، والرابط في الأولى:
الواو، والضمير. {فَصَدَّهُمْ:} الفاء: حرف عطف. (صدهم): فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى {الشَّيْطانُ،} والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {عَنِ السَّبِيلِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، وأيضا جملة {وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} معطوفة على ما قبلها، و «قد» مقدرة قبل كل جملة من هذه الجمل المتعاطفة؛ لأنها كلها في محل نصب حال.
الشرح: (قارون): هو من بني إسرائيل، وقد رأيت قصته في آخر سورة (القصص) وقدم بالذكر على فرعون، وهامان لشرف نسبه بقرابته من موسى لكونه ابن عمه. (فرعون): ما أكثر ذكره في القرآن لشدة عتوه، وكثرة طغيانه. و (هامان): هو وزيره والمساعد له على عتوه، وطغيانه، وخروجه عن طاعة ربه. {وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ} أي: بالمعجزات الواضحات، والحجج الدامغات. {فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ} أي: تعالوا على الناس، وخرجوا عن طاعة الله بأرض مصر؛ حيث كان فرعون، وهامان. وأما قارون؛ فقد كان، وأهلكه الله بأرض فلسطين.
{وَما كانُوا سابِقِينَ} أي: فائتين من عذابنا، بل أدركهم العذاب، فلم يفوتوه. وانظر الآية رقم [4] فبحثها جيد. وقيل: المعنى: وما كانوا سابقين في الكفر، والطغيان، والعصيان، بل قد سبقهم في ذلك قرون كثيرة، وأمم عديدة، مثل قوم نوح، وقوم هود، وصالح، وقوم لوط
…
إلخ، فأخذهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق.
الإعراب: {وَقارُونَ:} معطوف على: (عادا وثمود) وما بعده معطوف عليه. {وَلَقَدْ:}
انظر الآية رقم [14] فالإعراب فيها كاف واف، {جاءَهُمْ:} فعل ماض، والهاء مفعول به.
{مُوسى:} فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. {بِالْبَيِّناتِ:} جار ومجرور، متعلقان بمحذوف حال من:{مُوسى} أي: مصحوبا بالبينات، أو ملتبسا بها، وجملة:{وَلَقَدْ جاءَهُمْ..} . إلخ جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه، كلام مستأنف لا محل له. {فَاسْتَكْبَرُوا:} الفاء: حرف عطف. (استكبروا): فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، {فِي الْأَرْضِ:} جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على جواب القسم، لا محل لها أيضا. {وَما:} الواو: واو الحال. {كانُوا:} فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. {سابِقِينَ:} خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة:{وَما كانُوا سابِقِينَ} في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهو أولى من اعتبارها معطوفة على ما قبلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
الشرح: {فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ} أي: فكل واحد من المذكورين عاقبناه بسبب ذنبه. {فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً} أي: ريحا عاصفا، فيها حصباء، أو ملكا رماهم بها، كالذي حصل لقوم لوط، قال تعالى:{وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ} . {وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ:}
كقوم شعيب، وقوم صالح، قال تعالى:{فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ} . وانظر تفسير الرجفة في الآية رقم [37]. {وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ:} والمراد به: قارون، قال تعالى:{فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ} . {وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا} أي: بالماء، كالذي حصل لقوم نوح، وقوم فرعون.
{وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ} أي: ليعاملهم معاملة الظالم، فيعاقبهم بغير جرم؛ إذ ليس ذلك من عادته، بل أنذرهم رسولهم عقاب الله، وأمهلهم الله؛ حيث بعث إليهم الرسل، وأزاح العذر.
{وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ:} حيث ارتكبوا الجرائم التي سببت لهم الهلاك والدمار.
هذا؛ وانظر شرح (نا) في الآية رقم [7] من سورة (الشعراء)، وشرح الذنب في الآية رقم [58] من سورة (الفرقان).
تنبيه: مما لا ريب فيه أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قد فعل أفرادها جميع الفواحش، والقبائح التي فعلتها الأمم الماضية، والقرون الخالية من تطفيف، وبخس للكيل والميزان، والزنى وعمل قوم لوط، وسفك الدماء، والظلم، والعدوان، والفساد في الأرض، وتجاوز حدود الله: من سلب للأموال، وانتهاك للحرمات، واعتداء على الكرامات، ومع ذلك لم يقع عذاب على هذه الأمة، وهي باقية بقاء الدهر، ولعل السبب في ذلك: أن الأمة لا تخلو في كل زمان، ومكان من صالحين، وصالحات، فيدفع الله بهم البلاء عن المسيئين، والمسيئات، أو أن الله لم يعاجل هذه الأمة بالأخذ الشديد، والعقاب الأليم، بل يؤخر ذلك إلى يوم القيامة، أو أن السبب كون النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، فلذا لم يعاقب أحدا عقاب استئصال؛ حتى الكافرين لم يعاقبهم ذلك العقاب، وهو فحوى قوله تعالى:{وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ} ولكن لا بد من القول:
إن الله سينزل على هذه الأمة في آخر الزمان أنواع العذاب؛ التي أنزلها على الأمم الماضية، والقرون الخالية، وخذ ما يلي:
فعن أبي أمامة-رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يبيت قوم من هذه الأمّة على طعم، وشرب، ولهو، ولعب، فيصبحوا قد مسخوا قردة، وخنازير، وليصيبنّهم خسف، وقذف، حتّى
يصبح النّاس، فيقولون: خسف اللّيلة ببني فلان، وخسف اللّيلة بدار فلان خواصّ، ولترسلنّ عليهم حجارة من السّماء، كما أرسلت على قوم لوط على قبائل فيها، وعلى دور، ولترسلنّ عليهم الريح العقيم؛ التي أهلكت عادا على قبائل فيها، وعلى دور بشربهم الخمر ولبسهم الحرير، واتخاذهم القينات، وأكلهم الرّبا، وقطيعتهم الرّحم». رواه الإمام أحمد، والبيهقي.
وعن علي بن أبي طالب-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا فعلت أمّتي خمس عشرة خصلة؛ حلّ بها البلاء» . قيل: ما هنّ يا رسول الله؟! قال: «إذا كان المغنم دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته، وعقّ أمّه، وبرّ صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرّجل مخافة شرّه، وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتّخذت القينات، والمعازف، ولعن آخر هذه الأمّة أوّلها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء، أو خسفا، أو مسخا» . رواه الترمذي.
الإعراب: {فَكُلاًّ:} الفاء: حرف استئناف، وقيل: هي الفصيحة. (كلاّ): مفعول به مقدم.
{أَخَذْنا:} فعل، وفاعل. {بِذَنْبِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة؛ من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {فَمِنْهُمْ:}
الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (منهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {مَنْ:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. هذا هو الإعراب المتعارف عليه، والظاهر في مثل هذه الجملة، وأرى: أن مضمون الجار والمجرور مبتدأ، و {مَنْ} خبره. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [10]. {أَرْسَلْنا:} فعل، وفاعل. {عَلَيْهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {حاصِباً:} مفعول به، والجملة الفعلية {أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً:}
صلة: {مَنْ} أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: (على)، والجملة الاسمية:{وَمِنْهُمْ مَنْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، وما بعدها معطوف عليها، كما هو الظاهر.
{أَخَذَتْهُ:} فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، وهو العائد، أو الرابط ل:{مَنْ} . {الصَّيْحَةُ:} فاعل، والجملة الفعلية صلة:
{مَنْ،} أو صفتها. {خَسَفْنا:} فعل، وفاعل. {بِذَنْبِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
{الْأَرْضَ:} مفعول به، وجملة:{خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ:} صلة: {مَنْ،} أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلا بالباء. {أَغْرَقْنا:} فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة:{مَنْ،} أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: منهم الذي، أو شخص أغرقناه.
{وَما:} الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. {كانَ:} فعل ماض ناقص. {اللهُ:}
اسمها. {لِيَظْلِمَهُمْ:} فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، والفاعل يعود إلى {اللهُ،} تقديره: «هو» والهاء: ضمير متصل في محل نصب مفعول به. و «أن»
المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر:{كانَ} التقدير: وما كان الله مريدا ظلمهم. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا ب:(من) فلست مفندا. {وَلكِنْ:} الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل، لا عمل له.
{كانُوا:} فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. {أَنْفُسَهُمْ:}
مفعول به مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {يَظْلِمُونَ:} فعل مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر:{كانَ} . والجملة الفعلية: {وَلكِنْ كانُوا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.
الشرح: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ} يعني: الأصنام التي اتخذوها معتمدا، ومتكلا، يرجون نصرها، ونفعها. فالغرض تشبيه ما اتخذوه متكلا، ومعتمدا في دينهم، وتولّوه من دون الله بما هو مثل عند الناس في الوهن والضعف، وهو نسج العنكبوت. {كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً:} لنفسها تأوي إليه، وإن بيتها في غاية الضعف، والوهن، لا يدفع عنها حرا، ولا بردا، فكذلك الأوثان، لا تملك لعابدها نفعا، ولا ضرا.
وقيل: معنى هذا المثل: أن المشرك الذي يعبد الأصنام بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله، مثل العنكبوت تتخذ بيتا من نسجها بالإضافة إلى رجل بنى بيتا بآجرّ وجصّ، أو نحته من صخر فكما: أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتا بيتا بيت العنكبوت، فكذلك أضعف الأديان إذا استقريتها دينا دينا عبادة الأوثان؛ لأنها لا تضر ولا تنفع.
{وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ:} أي أضعفها. {لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ:} إشارة إلى ضعفه، فإن الريح إذا هبت عليه، أو لمسه لامس، فلا يبقى له عين، ولا أثر، فقد صح، وثبت: أن أوهن البيوت بيت العنكبوت، وقد تبين وثبت أن دين الكفرة أوهن الأديان، وأحقرها.
{لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ} أي: لو كانوا يرجعون إلى علم؛ لعلموا: أن هذا مثل دينهم، فعند ذلك يقلعون عن دينهم الوضيع المهين، ويعتنقون الدين القويم، الذي جاء به سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم. هذا؛ وقد قال النحاة: إن تاء العنكبوت في آخرها مزيدة؛ لأنها تسقط في التصغير، والجمع، وهي مؤنثة. وحكى الفراء تذكيرها، وأنشد قول الشاعر:[الوافر] على هطّالهم منهم بيوت
…
كأنّ العنكبوت قد ابتناها
ويروى: على أهطالهم منهم بيوت.
قال الجوهري: والهطال: اسم جبل، والعنكبوت: الدويبة المعروفة التي تنسج نسجا رقيقا مهلهلا بين الهواء، ويجمع على: عناكيب، وعناكب، وعكاب، وعكب، وأعكب. وقد حكى:
أنه يقال: عنكب، وعكنباة. قال الشاعر:[الرجز] كأنّما يسقط من لغامها
…
بيت عكنباة على زمامها
ويقال أيضا: «عنكباة» بتقديم النون على الكاف، وتصغّر، فيقال: عنيكب. وقد حكي عن يزيد بن ميسرة: أن العنكبوت شيطان مسخها الله تعالى (ولا أصل له). وقال عطاء الخراساني:
نسجت العنكبوت مرتين: مرة على داود عليه السلام، حين كان جالوت يطلبه-الأصح:
(طالوت) -، ومرة على النبي صلى الله عليه وسلم (ليلة الهجرة، ويومها حين كان في غار ثور)؛ ولذلك نهى النبي عن قتلها. ويروى عن علي-رضي الله عنه، وكرم الله وجهه-: أنه قال: طهّروا بيوتكم من نسج العنكبوت، فإنّ تركه في البيوت يورث الفقر. انتهى. قرطبي. ما عدا ما بين القوسين، فإنه تصرف مني. وأضيف: أن العنكبوت يقع على الواحد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، والغالب في استعماله التأنيث.
تنبيه: روي عن الحسن البصري، وقتادة-رضي الله عنهما: أنهما قالا: لما ذكر الله الذباب، والعنكبوت في كتابه؛ أي: في هذه الآية وقوله تعالى في سورة (الحج): {يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} . وضرب للمشركين بذلك المثل ضحكت اليهود، وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله! تعالى قوله في سورة (البقرة):{إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها..} . إلخ الآية رقم [26]. وانظر الآية رقم [13] من سورة (فاطر)، وانظر (الحج) رقم [73] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: {مَثَلُ:} مبتدأ، وهو مضاف، و {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. {اِتَّخَذُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق.
{مِنْ دُونِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {أَوْلِياءَ،} كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة:«نعت النكرة؛ إذا تقدم عليها صار حالا» . و {دُونِ} مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه. {أَوْلِياءَ:} مفعول به، وجملة:
{اِتَّخَذُوا..} . إلخ: صلة الموصول، لا محل لها. {كَمَثَلِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. و (مثل) مضاف، و {الْعَنْكَبُوتِ} مضاف إليه. {اِتَّخَذَتْ:} فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى {الْعَنْكَبُوتِ،} تقديره: «هي» . {بَيْتاً:} مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من:{الْعَنْكَبُوتِ} على اعتبار (ال) للتعريف، وقد حازت شرط مجيء الحال من المضاف إليه، أو الجملة الفعلية في محل جر صفة:{الْعَنْكَبُوتِ} على اعتبار (ال) فيه
للجنس، على حد قوله تعالى في حق علماء اليهود اللؤماء:{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً} . وقال السلولي: [الكامل] ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني
…
فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني
{وَإِنَّ:} الواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل. {أَوْهَنَ:} اسم (إنّ) وهو مضاف، و {الْبُيُوتِ} مضاف إليه. {لَبَيْتُ:} اللام: لام الابتداء، وتسمى:(المزحلقة).
(بيت): خبر (إنّ)، و (بيت) مضاف، و {الْعَنْكَبُوتِ} مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من:{الْعَنْكَبُوتِ،} والرابط: إعادة {الْعَنْكَبُوتِ} بلفظه. {لَوْ:} حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. {كانُوا:} فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق.
{يَعْلَمُونَ:} فعل مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة:{كانُوا يَعْلَمُونَ:} لا محل لها؛ لأنها ابتدائية.
ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. وجواب {لَوْ} محذوف، التقدير: لو كانوا يعلمون ذلك؛ لما عبدوها، و {لَوْ} ومدخولها كلام فيه معنى التقوية للجملة الاسمية قبله. والجملة الاسمية:
{مَثَلُ الَّذِينَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
{إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42)}
الشرح: {إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} أي: الله يعلم ما يعبدون من غيره من إنس، أو جن، أو جماد، أو نبات، أو شمس، أو قمر
…
إلخ، وقال الخازن: هذا توكيد للمثل، وزيادة عليه، يعني: إن الذين يدعون من دونه ليس بشيء. {وَهُوَ الْعَزِيزُ:} القوي القاهر؛ الذي لا يغلب. {الْحَكِيمُ:} في صنعه، فهو الذي خلق كل شيء على مقتضى الحكمة. هذا؛ وإن من فرط الغباوة إشراك ما لا يعد شيئا بمن هذا شأنه وهو القدرة على كل شيء، وإن الجماد الذي يعبده المشركون بالإضافة إلى القاهر على كل شيء، البالغ في العلم وإتقان العمل الغاية القصوى، كالمعدوم، وإن من هذا صفته قادر على مجازاتهم إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ، وانظر شرح (دعا) في الآية رقم [213] من سورة (الشعراء)، وشرح {شَيْءٍ} في الآية رقم [183] منها.
هذا؛ و {اللهَ:} علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد: وهو اسم الله الأعظم؛ الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به لتخلف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال. ولم يسم به أحد سواه. قال تعالى:{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} أي: هل أحد تسمى الله غير الله؟ وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمائة وستين موضعا.
الإعراب: {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {اللهَ:} اسم: {إِنَّ} . {يَعْلَمُ:} فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى {اللهَ} . {ما:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: يعلم الذي يدعونه. {مِنْ دُونِهِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من {شَيْءٍ} كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {مِنْ شَيْءٍ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف العائد على الموصول، و {مِنْ} تبيين ل:{ما} وهذا الإعراب هو الظاهر، والمتبادر إلى الأفهام. هذا؛ وأجيز اعتبار:{ما} استفهامية على جهة التوبيخ، وهي معلقة للفعل عن العمل، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم للفعل بعدها، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به للفعل:{يَعْلَمُ} . وقول الجمل: (فتكون هي وما عمل فيها معترضا بين قوله: {يَعْلَمُ} وبين قوله: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} كأنه قيل: أي شيء يدعون من دونه؟ ولا أراه قويا، كما أجيز اعتبار:{ما} نافية، فتكون معلقة للفعل:{يَعْلَمُ} عن العمل أيضا، وتكون:{مِنْ} صلة، و {شَيْءٍ} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به للفعل:{يَعْلَمُ} . كما أجيز اعتبار {ما} مصدرية، فتؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم دعوتهم شيئا من دونه. فينتج أربعة أوجه في: {ما} ويكون فحوى الكلام على الوجه الأول، والرابع تجهيلا لهم، وتوكيدا للمثل. وعلى الوجه الثاني، والثالث وعيدا لهم. وجملة:{يَعْلَمُ..} . إلخ، في محل رفع خبر {إِنَّ،} والجملة الاسمية: {إِنَّ اللهَ..} . إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف؛ إذ التقدير: قل يا محمد لهؤلاء الكفرة:
{إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ..} . إلخ وهذا الكلام مستأنف، لا محل له. {وَهُوَ:} الواو: حرف استئناف.
(هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {الْعَزِيزُ:} خبر أول. {الْحَكِيمُ:}
خبر ثان، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من فاعل يعلم المستتر؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير.
{وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (43)}
الشرح: {وَتِلْكَ الْأَمْثالُ:} يعني هذا المثل الذي ضربه الله للأوثان بالعنكبوت، ونظائره مما ذكر في سورة (البقرة) وسورة (الحج) وغيرهما. {نَضْرِبُها لِلنّاسِ:} نبينها لكفار مكة، وغيرهم.
{وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ} أي: ما يفهم الأمثال التي يضربها الله للناس إلا العلماء الذين يعقلون عن الله عز وجل. فقد روي البغوي بإسناد الثعلبي عن جابر بن عبد الله-رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية، ثم قال:«العالم من عقل عن الله، فعمل بطاعته، واجتنب سخطه» .
فعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «الناس كلهم هالكون إلا العالمون، والعالمون كلّهم هالكون إلا العاملون، والعاملون كلّهم هالكون إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم» . وفي رواية «الناس هلكى إلا العالمون، والعالمون هلكى إلاّ العاملون، والعاملون هلكى إلاّ المخلصون» . وينبغي أن تعلم أن «إلا» في هذا الحديث بمعنى «غير» إذ المعنى: الناس غير العالمين هلكى، والعالمون غير العاملين هلكى، والعاملون غير المخلصين هلكى، ولو أراد الاستثناء لنصب ما بعد «إلاّ» ؛ لأنه في كلام تام موجب.
الإعراب: {وَتِلْكَ:} الواو: حرف استئناف. (تلك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {الْأَمْثالُ:} بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. {نَضْرِبُها:} فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» ، و (ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {لِلنّاسِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت:{الْأَمْثالُ} خبر المبتدأ؛ فالجملة الفعلية تكون في محل نصب حال من {الْأَمْثالُ،} والعامل في الحال اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل، والجملة الاسمية:{وَتِلْكَ الْأَمْثالُ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {وَما:} الواو: واو الحال، (ما): نافية. {يَعْقِلُها:} فعل مضارع، و (ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {إِلاَّ:} حرف حصر لا محل له. {الْعالِمُونَ:} فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية:{وَما يَعْقِلُها..} . إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير، أو: هي مستأنفة، لا محل لها.
{خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (44)}
الشرح: {خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} أي: بالعدل، والقسط، محقا غير قاصد به باطلا، فإن المقصود من خلقهما إفاضة الخير على العباد، والدلالة على ذاته، وصفاته. {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً} أي: لعلامة، ودلالة على قدرته التامة، وحكمته البالغة. {لِلْمُؤْمِنِينَ:} خصهم بالذكر؛ لأنهم هم الذين يتفكرون، فينتفعون.
الإعراب: {خَلَقَ:} فعل ماض. {اللهُ:} فاعله. {السَّماواتِ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. {وَالْأَرْضَ:} الواو: حرف عطف. (الأرض): معطوف على ما قبله. {بِالْحَقِّ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من لفظ الجلالة، والجملة الفعلية:{خَلَقَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {فِي ذلِكَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: {إِنَّ} تقدم على اسمها، واللام
للبعد، والكاف: حرف خطاب لا محل له. {لَآيَةً:} اللام: لام الابتداء. (آية): اسم:
{إِنَّ} مؤخر. {لِلْمُؤْمِنِينَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (آية)، والجملة الاسمية:
{إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها أيضا.
الشرح: {اُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ} أي: تقربا إلى الله تعالى بقراءته، وتذكرا لما في تضاعيفه من المعاني، وتذكيرا للناس، وحملا لهم على العمل بما فيه من الأحكام، ومحاسن الآداب، ومكارم الأخلاق.
{وَأَقِمِ الصَّلاةَ:} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ويعم أمته إلى يوم القيامة بدليل التعليل بالجملة الاسمية التالية، وإقامة الصلاة: أداؤها في وقتها بقراءتها، وركوعها، وسجودها، وقعودها وتشهدها، وجميع شروطها على الوجه الأكمل، ومن لم يؤدها على الوجه الأكمل؛ يقال عنه:
إنه صلى، ولا يقال: أقام الصلاة. وانظر ما ذكرته لك في الآية رقم [3] من سورة (النمل).
{إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ} أي: ما قبح من الأعمال، وفحش من الأقوال.
{وَالْمُنْكَرِ:} وهو ما استقبحه الشرع، والعقل، وتأباه الفطرة السليمة، والخليقة المستقيمة، فقد قال عبد الله بن مسعود، وابن عباس-رضي الله عنهما: في الصلاة منتهى، ومزدجر عن معاصي الله، فمن لم تأمره صلاته بالمعروف، ولم تنهه عن المنكر؛ لم تزده صلاته من الله إلا بعدا.
وقال الحسن، وقتادة-رضي الله عنهما: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر؛ فصلاته وبال عليه. وقيل: من داوم على الصلاة جره ذلك إلى ترك المعاصي، والسيئات. كما روي عن أنس رضي الله عنه-قال: كان فتى من الأنصار يصلي الصلوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم يدع من الفواحش شيئا إلا ركبه، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:«إنّ صلاته ستنهاه يوما» . فلم يلبث أن تاب، وحسنت حاله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «ألم أقل لكم: إنّ صلاته ستنهاه يوما».
وفي الآية قول آخر، ارتضاه المحققون، وقال به المشيخة الصوفية، وذكره المفسرون؛ حيث قيل: المراد ب: {(أَقِمِ الصَّلاةَ)} إدامتها، والقيام بحدودها، ثم أخبر حكما منه بأن الصلاة تنهى صاحبها، وممتثلها عن الفحشاء والمنكر، وذلك لما فيها من تلاوة القرآن المشتمل على الموعظة.
والصلاة تشغل كل بدن المصلي، فإذا دخل المصلي في محرابه، وخشع، وأخبت لربه، وادّكر أنه واقف بين يديه، وأنه مطلع عليه، ويراه؛ صلحت لذلك نفسه، وتذللت، وخامرها ارتقاب الله تعالى، وظهرت على جوارحه هيبتها، ولم يكد يفتر من ذلك حتى تظله صلاة أخرى، يرجع بها إلى أفضل حالة. فهذا معنى هذه الأخبار؛ لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون. انتهى. قرطبي.
ثم قال: لا سيما وإن أشعر نفسه: أن هذا ربما يكون آخر عمله، وهذا أبلغ في المقصود، وأتم في المراد، فإن الموت ليس له سن محدود، ولا زمن مخصوص، ولا مرض معلوم، وهذا مما لا خلاف فيه. وروي عن بعض السلف: أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد، واصفر لونه، فكلّم في ذلك، فقال: إني واقف بين يدي الله تعالى، وحقّ لي هذا مع ملوك الدنيا، فكيف مع ملك الملوك. فهذه صلاة تنهى صاحبها، ولا بد عن الفحشاء، والمنكر. ومن كانت صلاته دائرة حول الإجزاء، لا خشوع فيها، ولا تذكر، ولا فضائل، كصلاتنا-وليتها تجزي-فتلك تترك صاحبها من منزلته حيث كان، فإن كان على طريقة معاص، تبعده من الله تعالى؛ تركته الصلاة يتمادى على بعده. انتهى. والمعنى: إن الصلاة لم تؤثر في تقريبه من الله، بل تتركه على حاله، ومعاصيه من الفحشاء، والمنكر، والبعد، فلم تزده الصلاة إلا تقرير البعد الذي كان سبيله.
وعلى الجملة فالمعنى المقصود بالحديث: «لم تزده من الله إلا بعدا، ولم يزدد بها من الله إلا مقتا» . إشارة إلى أن مرتكب الفحشاء، والمنكر لا قدر لصلاته؛ لغلبة المعاصي على صاحبها. انتهى. قرطبي.
{وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ} أي: ذكر الله لكم بالثواب، والثناء عليكم أكبر من ذكركم له في عبادتكم، وصلواتكم. وقال معناه ابن مسعود، وابن عباس، وأبو الدرداء، وأبو قرّة، وسلمان، والحسن-رضي الله عنهم أجمعين-؛ وهو اختيار الطبري. وقيل: ذكركم الله في صلاتكم، وفي قراءة القرآن أفضل من كل شيء. وقيل: المعنى: لذكر الله باللسان بسائر أنواعه من تحميد، وتهليل، وتسبيح، وتكبير وغير ذلك أفضل من أي عمل كان. واستدل عليه بما رواه أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«ألا أنبّئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذّهب، والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟» . قالوا: بلى، قال:«ذكر الله» . أخرجه الترمذي، وابن ماجة، والحاكم، وغيرهم.
والحديث القدسي الذي خرجه الشيخان عن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله: أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه؛ ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ؛ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرّب إليّ شبرا؛ تقرّبت إليه ذراعا، وإن تقرّب إليّ ذراعا؛ تقرّبت إليه باعا، وإن أتاني يمشي؛ أتيته هرولة» . وخذ قوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ..} . إلخ.
وقيل: و {وَلَذِكْرُ اللهِ} يريد: وللصلاة أكبر من غيرها من الطاعات، وسماها بذكر الله، كما قال تعالى:{فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ} وإنما قال: ولذكر الله؛ ليستقل بالتعليل، كأنه قال: وللصلاة أكبر؛ لأنها ذكر الله، وعن ابن عباس-رضي الله عنهما، قال: ولذكر الله إياكم برحمته أكبر
من ذكركم إياه بطاعته. وهو قريب مما تقدم. هذا؛ وإننا لنرى من يكثر الصلاة، والركوع، والسجود، وهو معرض عن الحق، مؤيد للباطل، فهذا يمكن القول: إنه اتخذ الصلاة عادة من غير أن يفقه لها معنى، ولا مغزى. وقد قيل: إن الصلاة عادة، والصوم جلادة.
{وَاللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ:} هو أبلغ من (والله يعلم ما تعملون)؛ حيث إن الصنع عمل الإنسان بعد تدرب فيه وتروّ، وتحري إجادة، ولذا ذم الله به خواص اليهود؛ حيث قال تعالى في حقهم:
{لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ} بينما ذم عوامهم بقوله: {لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ} وأعني بخواصهم:
الأحبار، والرهبان الذين يحرفون التوراة، ويفترون على الله المفتريات، وأعني بعوامهم: الذين كانوا لا يعلمون الكتاب إلا أماني، أي: أكاذيب. والمراد ما تصنعون من الذكر، وسائر الطاعات فيجازيكم به أحسن المجازاة.
الإعراب: {اُتْلُ:} فعل أمر، مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» . {ما:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. {أُوحِيَ:} فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر يعود إلى {ما،} تقديره: «هو» وهو العائد. {إِلَيْكَ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {مِنَ الْكِتابِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا أراه قويا، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:{اُتْلُ..} . إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، وجملة:{وَأَقِمِ الصَّلاةَ} معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل، {الصَّلاةَ:} اسم: {إِنَّ} . {تَنْهى:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى:
{الصَّلاةَ} . والجملة الفعلية في محل رفع خبر: {إِنَّ} . {عَنِ الْفَحْشاءِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {وَالْمُنْكَرِ:} معطوف على ما قبله بالواو العاطفة، والجملة الاسمية:
{إِنَّ الصَّلاةَ..} . إلخ تعليل للأمر، لا محل لها. {وَلَذِكْرُ:} الواو: واو الحال. اللام: لام الابتداء، (ذكر): مبتدأ، وهو مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف؛ إذ التقدير: ولذكركم الله. {أَكْبَرُ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من:{الصَّلاةَ،} والرابط: الواو فقط، وإن اعتبرتها مستأنفة فلا محل لها. {وَاللهُ:}
الواو: حرف استئناف أو عطف. (الله): مبتدأ. {يَعْلَمُ:} فعل مضارع. وفاعله مستتر فيه يعود إلى (الله)، واكتفى بمفعول واحد؛ لأنه من المعرفة، لا من العلم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. {ما:} تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يعلم الذي، أو: شيئا تصنعونه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل
بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلم صنعكم. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة. تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجل، وأعظم.
الشرح {وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ} أي: لا تخاصموهم، والجدل شدة الخصومة، وهي مذمومة إلا عند الضرورة كما سيأتي، فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلاّ أوتوا الجدل» ثم قرأ: {ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً} . رواه الترمذي، وابن ماجة.
وعن أبي أمامة الباهلي-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنّة، ومن تركه وهو محقّ بني له في وسطها، ومن حسّن خلقه بني له في أعلاها» . رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والبيهقي.
{إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي: بالخصلة التي هي أحسن للثواب، وهي: مقابلة الخشونة باللين، والغضب بالكظم، كما قال تعالى في آية أخرى:{اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} . {إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ:} فأفرطوا في الاعتداء والعناد، ولم يقبلوا النصح والإرشاد، ولم ينفع فيهم الرفق والسهولة، فاستعملوا معهم الغلظة. وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول، أو بالفعل. أو إلا الذين أثبتوا الولد والشريك لله، وقالوا: يد الله مغلولة، أو المعنى: ولا تجادلوا الداخلين في الذمة، المؤدين للجزية. {إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا،} فنبذوا الذمة، ومنعوا الجزية، فمجادلتهم بالسيف، والآية تدل على جواز المناظرة مع الكفرة في الدين، وعلى جواز تعلم علم الكلام الذي تتحقق به المجادلة.
{وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ:} روى البخاري عن أبي هريرة-رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصدّقوا أهل الكتاب، ولا تكذّبوهم، وقولوا: آمنا بالذي
…
إلخ». وروى عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه-أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنّهم لن يهدوكم وقد ضلّوا، إمّا أن تكذّبوا بحقّ، وإما أن تصدّقوا بباطل» . وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
وفي البخاري عن حميد بن عبد الرحمن سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار، فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب. {وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ:} مطيعون له خاصة. وفيه تعريض باتخاذهم أحبارهم، ورهبانهم أربابا من دون الله.
هذا وفحوى الآية قريب من قوله تعالى في سورة (البقرة): {قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا..} .
إلخ رقم [136]. وقوله تعالى في سورة آل عمران: {قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً..} . إلخ رقم [64] والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: {وَلا:} الواو: حرف استئناف. (لا): ناهية جازمة. {تُجادِلُوا:} فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. {أَهْلَ:} مفعول به، وهو مضاف، و {الْكِتابِ} مضاف إليه. {إِلاّ:} حرف حصر. {بِالَّتِي:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال؛ إذ المعنى:
ولا تجادلوا أهل الكتاب في حال من الأحوال إلا في حال مجادلتكم إياهم بالتي
…
إلخ.
{هِيَ:} ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {أَحْسَنُ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. {إِلاّ:} أداة استثناء. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من {أَهْلَ الْكِتابِ،} أو في محل نصب بدل منه.
{ظَلَمُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. {مِنْهُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، وجملة:{ظَلَمُوا مِنْهُمْ} صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: (لا تجادلوا
…
) إلخ مستأنفة لا محل لها.
{وَقُولُوا:} الواو: حرف عطف. (قولوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. {آمَنّا:} فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.
{بِالَّذِي:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والموصول مبني على السكون في محل جر.
{أُنْزِلَ:} فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر تقديره هو يعود إلى الذي، وهو العائد. {إِلَيْنا:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:{أُنْزِلَ إِلَيْنا} معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ وقال الكوفيون، والأخفش وتبعهم ابن مالك: إنّ اسما موصولا محذوفا هنا معطوفا على ما قبله، التقدير:
والذي أنزل إليكم. ومثل الآية قول حسان بن ثابت رضي الله عنه: [الوافر] أمن يهجو رسول الله منكم
…
ويمدحه وينصره سواء؟
التقدير: ومن يمدحه، وهذا هو الشاهد رقم [1058] من كتابنا فتح القريب المجيب، ولولا هذا التقدير لفسد المعنى فسادا شنيعا؛ إذ يصير المادح هو الهاجي، وهو لا يصح، ومثله قول الآخر، وهو الشاهد التالي له من كتابنا المذكور:[الخفيف]
ما الّذي دأبه احتياط وحزم
…
وهواه أطاع يستويان
وجملة: {آمَنّا بِالَّذِي} في محل نصب مقول القول، وجملة:{وَقُولُوا..} . إلخ معطوفة على جملة {(لا تُجادِلُوا
…
)} إلخ لا محل لها مثلها. {وَإِلهُنا:} الواو: واو الحال. (إلهنا): مبتدأ، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {وَإِلهُكُمْ:} الواو: حرف عطف. (إلهكم):
معطوف على ما قبله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {واحِدٌ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (إلهنا
…
) إلخ في محل نصب حال من (نا)، أو من الكاف، والرابط على الاعتبارين الواو والضمير. {وَنَحْنُ:} الواو: حرف عطف. (نحن): ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. {لَهُ:} جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. {مُسْلِمُونَ:} خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.
الشرح {وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ} أي: كما أنزلنا الكتاب على اليهود والنصارى؛ أنزلنا إليك القرآن يا محمد مصدقا لسائر الكتاب السماوية، ومحتويا على جميع ما فيها من تعاليم وتشريعات إلهية. {فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ:} المراد بهم: عبد الله بن سلام ومن تبعه من اليهود وأيضا من أسلم من نصارى نجران، والقسيسون، والرهبان من أهل الحبشة. قال الجمل: فيه أن إسلامهم إنما كان بالمدينة، والسورة مكية، ويجاب بأن هذا من قبيل الإخبار بالغيب فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بحالهم قبل وقوعه. انتهى. نقلا من كرخي، وانظر ما ذكرته في المقدمة عن ابن عباس وقتادة-رضي الله عنهما. {يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي: يصدقون بالقرآن، ويهتدون بهديه.
{وَمِنْ هؤُلاءِ:} ومن أهل مكة، أو: ومن العرب. وقيل: المراد بالذين أوتوا الكتاب: الذين تقدموا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. {وَمِنْ هؤُلاءِ} ممن في عهده منهم. {وَما يَجْحَدُ:} وما يكفر، يقال:
جحد الشيء: أنكره، وجحد الإسلام: كفر به، وهو من باب: فتح. {بِآياتِنا:} آيات القرآن.
{إِلاَّ الْكافِرُونَ} أي: المتوغلون في الكفر، فإن جزمهم به يمنعهم من التأمل فيما يفيد لهم صدقها؛ لكونها معجزة بالإضافة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم يقرأ ولم يكتب.
هذا والمراد بالكتاب الأول: القرآن، وبالكتاب الثاني: التوراة، والكتاب في اللغة: الضم، والجمع، وسميت الجماعة من الجيش كتيبة لاجتماع أفرادها، كما سمي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضم الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه، ويرتبه، وفي الاصطلاح: اسم لجملة مختصة من العلم، مشتملة على أبواب، وفصول، ومسائل غالبا.
هذا و {أَنْزَلْنا} بمعنى: نزّلنا، والفرق بين الفعلين أن أنزل يفيد أن القرآن، أو السورة نزل دفعة واحدة، وأما نزّل فيفيد أن القرآن نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال، على ما نرى عليه أهل الشعر والخطابة، وهذا مما يريب القرشيين، كما حكى سبحانه وتعالى ذلك عنهم:{وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً} فبين الله سبحانه الحكمة من نزوله مفرقا بقوله: {كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً} . والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {وَكَذلِكَ:} الواو: حرف استئناف. الكاف: حرف تشبيه وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: أنزلنا إليك الكتاب إنزالا كائنا، مثل إنزالنا التوراة، والإنجيل على من قبلك، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {أَنْزَلْنا:}
فعل وفاعل. {إِلَيْكَ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {الْكِتابَ:} مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. {فَالَّذِينَ:} الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {آتَيْناهُمُ:} فعل وفاعل ومفعول به أول.
{الْكِتابَ:} مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {يُؤْمِنُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. {بِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
{وَمِنْ:} الواو: حرف استئناف. (من): حرف جر. {هؤُلاءِ:} الهاء: حرف تنبيه لا محل له.
(أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر ب: (من)، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {مِنْ:} اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الجملة، وأرى: أن مضمون الجار والمجرور مبتدأ، و {مِنْ} خبره، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [10] من هذه السورة؛ تجد ما يسرك. {يُؤْمِنُ:}
فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {مِنْ}. {بِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة:{مِنْ،} أو صفتها، والجملة الاسمية:{وَمِنْ هؤُلاءِ..} . إلخ مستأنفة لا محل لها.
{وَما:} الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. {يَجْحَدُ:} فعل مضارع. {بِآياتِنا:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {إِلاَّ:} حرف حصر. {الْكافِرُونَ:} فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية:{وَما يَجْحَدُ..} . إلخ مستأنفة لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له.
الشرح: {وَما كُنْتَ تَتْلُوا:} تقرأ، والخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق صلى الله عليه وسلم. {مِنْ قَبْلِهِ:} من قبل القرآن. {مِنْ كِتابٍ} أي: من كتاب سماوية، أو غيرها.
{وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} أي: لم تكتبه، والمعنى: إنك لم تقرأ، ولم تكتاب قبل الوحي. وذكر اليمين، وهي اليد الجارحة التي يزاول بها الخط زيادة تصوير لما نفى عنه من كونه كاتبا، ألا ترى أنك إذا قلت في الإثبات: رأيت الأمير يخط هذا الكتاب بيمينه، كان أشد لإثباتك أنه تولى كتابته بيده، فكذلك النفي، وإن ظهور هذا الكتاب الجامع لأنواع العلوم الشريفة على أمّيّ لم يعرف بالقراءة، والكتابة، والتعلم خارق للعادة، بل هو معجزة المعجزات.
{إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ} معناه: لو كنت تقرأ، وتكتاب قبل الوحي إليك؛ لارتاب المشركون من أهل مكة، وقالوا: إنه يقرأ ما يقصه، ويتلوه علينا من كتاب الأولين، أو ينسخه منها. وقيل:
{الْمُبْطِلُونَ} هم اليهود، ومعناه: أنهم إذا لشكّوا فيما تتلوه وتقرؤه، واتهموك، وقالوا: إن الذي نجد نعته في التوراة أمي لا يقرأ، ولا يكتب، ومحمد ليس على هذه الصفة. وسماهم الله مبطلين؛ لإنكارهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وكفاهم بذلك بطلا، وكفرا. وعن مجاهد، والشعبي: ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى كتاب وقرأ. وهذا لم يثبت.
وقال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم: أن محمدا صلى الله عليه وسلم المبعوث آخر الزمان لا يخط، ولا يقرأ، فنزلت الآية الكريمة تؤيد ما في كتبهم. قال النحاس: نزلت الآية دليلا على نبوته لقريش؛ لأنه لا يقرأ، ولا يكتب، ولا يخالط أهل الكتاب، ولم يكن بمكة أهل الكتاب، فجاءهم بأخبار الأنبياء، والأمم، وزالت الريبة، والشك.
الإعراب: {وَما:} الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. {كُنْتَ:} فعل ماض ناقص مبني على السكون. والتاء ضمير متصل في محل رفع اسمها. {تَتْلُوا:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» . {مِنْ قَبْلِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:{كِتابٍ،} كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة:«نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» .
{مِنْ:} حرف جر صلة. {كِتابٍ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة:{تَتْلُوا..} . إلخ في محل نصب خبر (كان)، وجملة:{وَما كُنْتَ..} . إلخ مستأنفة لا محل لها. {وَلا:} الواو: حرف عطف.
(لا): نافية، أو زائدة لتأكيد النفي. {تَخُطُّهُ:} فعل مضارع، والفاعل تقديره:«أنت» ، والهاء
مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:{تَتْلُوا..} . إلخ فهي في محل نصب مثلها.
{بِيَمِينِكَ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
{إِذاً:} حرف جواب وجزاء. {لارْتابَ:} اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير:
إذا والله
…
إلخ. (ارتاب): فعل ماض. {الْمُبْطِلُونَ:} فاعله، والجملة الفعلية جواب القسم المقدر، لا محل لها. هذا؛ وقدر الجلال الكلام كما يلي:«لو كنت قارئا كتابا؛ لارتاب المبطلون» وقدر نظيره في قوله تعالى: {وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} وقد قال الجمل هناك، معلقا على تقدير الجلال:{إِذاً:} حرف جواب وجزاء يقدر بلو الشرطية كما فعل الشارح، وعبارة السمين:{إِذاً} حرف جواب وجزاء، ولهذا تقع أداة الشرط موقعها.
هذا وقد قال ابن هشام-رحمه الله تعالى في مغنيه-: والأكثر أن تكون جوابا ل: «إن» ، أو «لو» مقدرتين، أو ظاهرتين، فالأول أي وقوعها جوابا ل:«إن» كقول كثير عزة: [الطويل] لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها
…
وأمكنني منها إذا لا أقيلها
هذا هو الشاهد رقم [19] من كتابنا فتح القريب المجيب، وقول قريط بن أنيف:[البسيط] لو كنت من مازن لم تستبح إبلي
…
بنو اللّقيطة من ذهل بن شيبانا
إذا لقام بنصري معشر خشن
…
عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا
هذا هو الشاهد رقم [20] من كتابنا المذكور. هذا؛ وقد قال الفراء: حيث جاءت بعدها اللام فقبلها (لو) مقدرة، إن لم تكن ظاهرة، وهذا هو القول الفصل، والكلام بجملته:{إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ} مستأنف لا محل له.
الشرح: {بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ:} إضراب عن ارتيابهم، أي: ليس القرآن مما يرتاب فيه؛ لكونه في الصدور، وكونه محفوظا بخلاف غيره من الكتاب، فإنه لا يقرأ إلا في المصاحف، ولذا جاء في وصف هذه الأمة، صدورهم أناجيلهم، والمعنى: أنهم يقرءون كتاب الله عن ظهر قلب، وهو مثبت محفوظ في صدورهم، كما كان كتاب النصارى مثبتا في أناجيلهم، أي: كتبهم.
{فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} أي: ليس هذا القرآن كما يقوله المبطلون من أنه سحر أو شعر، ولكنه علامات، ودلائل يعرف بها دين الله وأحكامه، وهي كذلك في صدور الذين أوتوا
العلم، وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون به، يحفظونه، ويقرءونه، ووصفهم بالعلم؛ لأنهم ميزوا بأفهامهم بين كلام الله، وكلام البشر، والشياطين، ولذا لا يقدر أحد على تحريفه، كما حرفت الكتاب السابقة.
وقال قتادة، وابن عباس-رضي الله عنهما:{بَلْ هُوَ} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم. والمراد ب: {الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} أهل الكتاب يجدونه مكتوبا عندهم في كتبهم بهذه الصفة: أميا لا يقرأ، ولا يكتب، ولكنهم ظلموا أنفسهم، وكتموا، وهذا اختيار الطبري. ودليل هذا القول قراءة ابن مسعود، وابن السّميقع:(بل هذا آيات بينات) وكان عليه الصلاة والسلام آيات، لا آية واحدة؛ لأنه دل على أشياء كثيرة من أمر الدين، لهذا قال:{بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ} وقيل: بل هو ذو آيات بينات، فحذف المضاف.
{وَما يَجْحَدُ:} وما يكفر. {بِآياتِنا:} بآيات القرآن. {إِلاَّ الظّالِمُونَ:} المتوغلون في الظلم بالمكابرة بعد وضوح دلائل إعجازها حتى لم يعتدّوا بها، والمراد بالظالمين: اليهود، ومن على شاكلتهم من المكابرين المعاندين في كل وقت، وحين. وعبر سبحانه في هذه الآية وسابقتها عن القرآن بالآيات للتنبيه على ظهور دلالتها على معانيها، وعلى كونها من عند الله تعالى، وأضيفت إلى نون العظمة لمزيد تفخيمها، وغاية التشنيع على من يجحدها.
هذا؛ والظالم هو الذي يظلم غيره بالاعتداء على حقوقه، أو على كرامته، وحرماته، والظالم هو الذي يظلم نفسه بالكفر، أو بالمعاصي، وارتكاب الفواحش، والمنكرات، وكثيرا ما يعبر القرآن عن الكافرين بالظالمين، والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، وغير ذلك، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يتوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، ولا سيما من قرأ القرآن منهم، واطلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب.
الإعراب: {بَلْ:} حرف إضراب، وانتقال. {هُوَ:} ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {آياتٌ:} خبر المبتدأ. {بَيِّناتٌ:} صفة {آياتٌ} . {فِي صُدُورِ:} جار ومجرور متعلقان ب: {بَيِّناتٌ،} و {صُدُورِ:} مضاف، و {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. {أُوتُوا:} فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. {الْعِلْمَ:} مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية:{هُوَ آياتٌ..} . إلخ مستأنفة لا محل لها، وجملة:
{وَما يَجْحَدُ..} . إلخ انظر الآية رقم [47] فالإعراب مثلها.
الشرح: {وَقالُوا} أي: كفار مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. {لَوْلا:} هلا. {أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ} أي: مثل آيات الأنبياء، كما جاء صالح بالناقة، وموسى بالعصا، وعيسى بالمائدة، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، وقرئ «(آية)» بالإفراد. {قُلْ} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. {إِنَّمَا الْآياتُ:} المعجزات. {عِنْدَ اللهِ} أي: ينزلها على من يشاء؛ إذا شاء أنزلها عليّ، وليست عندي، فأملكها، فآتيكم بما تقترحونه. {وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ:} ليس من شأني إلا الإنذار وإبانته، بما أعطيت من الآيات.
الإعراب: {وَقالُوا:} الواو: حرف استئناف. (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. {لَوْلا:} حرف تحضيض. {أُنْزِلَ:} فعل ماض مبني للمجهول.
{عَلَيْهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {آياتٌ:} نائب الفاعل. {مِنْ رَبِّهِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: {آياتٌ،} والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية:{لَوْلا أُنْزِلَ..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{وَقالُوا..} . إلخ مستأنفة لا محل لها. {قُلْ:} فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» . {إِنَّمَا:} كافة ومكفوفة. {الْآياتُ:} مبتدأ. {عِنْدَ:} ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و {عِنْدَ:} مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. {وَإِنَّما:} الواو: حرف عطف. (إنما): كافة ومكفوفة. {أَنَا:}
ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {نَذِيرٌ:} خبره. {مُبِينٌ:} صفة {نَذِيرٌ،} والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة:{قُلْ..} . إلخ مستأنفة لا محل لها.
الشرح: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا..} . إلخ: هذا جواب لقولهم في الآية السابقة: {لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ} أي: أو لم يكف المشركين من الآيات هذا الكتاب المعجز الذي قد تحدّيتهم بأن يأتوا بمثله، أو بسورة منه، فعجزوا، ولو أتيتهم بآيات موسى وعيسى؛ لقالوا:
سحر ونحن لا نعرف السحر، والكلام مقدور لهم، ومع ذلك عجزوا عن المعارضة. وأيضا:
فإن معجزة القرآن أتم من معجزة من تقدم من الأنبياء؛ لأن معجزة القرآن تدوم على مر الدهور والزمان، ثابتة لا تزول، ولا تضمحل، كما زالت كل آيات الأنبياء بعد وجودها.
وقيل: إن سبب نزول هذه الآيات ما رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بكتف «أي: عظم كتف دابة» فيه كتاب، فقال:«كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى ما جاء به نبي غير نبيهم، أو كتاب غير كتابهم» . فأنزل الله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ} . أخرجه أبو محمد الدارمي في مسنده، وذكره أهل التفسير في كتبهم. انتهى. قرطبي.
{إِنَّ فِي ذلِكَ} أي: ذلك الكتاب، الذي هو آية مستمرة، وحجة مبينة. {لَرَحْمَةً:}
لنعمة عظيمة في الدنيا والآخرة. وقيل: رحمة في الدنيا باستنقاذهم من الضلالة. وذكرى في الدنيا بإرشادهم به إلى الحق. {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ:} فإنهم هم المنتفعون بتعاليم القرآن، والمهتدون بهديه. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {أَوَلَمْ:} الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف استئناف. (لم):
حرف نفي، وقلب، وجزم. {يَكْفِهِمْ:} فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {أَنّا:} حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت ألفها دليلا عليها. {أَنْزَلْنا:} فعل، وفاعل. {عَلَيْكَ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {الْكِتابَ:}
مفعول به، وجملة:{أَنْزَلْنا..} . إلخ في محل رفع خبر: (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل للفعل:«يكفي» ، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها مع الجملة المعطوفة عليها في التقدير: إذا قدرت: أقصّر محمد، ولم يكفهم آية مغنية عن سائر الآيات.
{يُتْلى:} فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب فاعله ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى الكتاب، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الكتاب. {عَلَيْهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل.
{فِي ذلِكَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: {إِنَّ} تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {لَرَحْمَةً:} اللام: لام الابتداء. (رحمة): اسم: {إِنَّ} مؤخر. {وَذِكْرى:} الواو: حرف عطف. (ذكرى): معطوف على رحمة منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. {لِقَوْمٍ:} جار ومجرور متعلقان ب: (رحمة)، أو ب:(ذكرى) على التنازع، أو بمحذوف صفة لأحدهما، وجملة:{يُؤْمِنُونَ} مع المتعلق المحذوف صفة: (قوم)، والجملة الاسمية:{إِنَّ فِي ذلِكَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.
الشرح: {قُلْ كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً} أني قد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، وأنذرتكم، وأنكم قابلتموني بالجحد والتكذيب. وقال ابن عباس-رضي الله عنهما: معناه يشهد لي: أني رسوله، والقرآن كتابه، ويشهد عليكم بالتكذيب، وشهادة الله إثبات المعجزة له بإنزال الكتاب عليه.
{يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} أي: هو المطلع على أمري وأمركم، ويعلم حقي وباطلكم، كيف لا؟ وهو يعلم ما في السموات والأرض، ولا يعزب عن علمه شيء مهما دق، وصغر.
{وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ} أي: بعبادة غير الله من حجارة، أو شمس، أو قمر، أو إنسان، فإن عبادة ما سوى الله باطل. {وَكَفَرُوا بِاللهِ:} بتكذيب رسوله، وجحد كتابه، أو بإضافة الولد له تعالى.
قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: من آمن بالباطل فقد كفر بالله، فهل لهذا العطف من فائدة غير التأكيد؟ قلت: نعم فائدته: أنه ذكر الثاني لبيان قبح الأول، فهو كقول القائل:
«أتقول الباطل، وتترك الحق» لبيان: أن الباطل قبيح. ومعنى {الْخاسِرُونَ} المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان، والنار بالجنة.
هذا؛ والباطل ضد الحق، والباطل بمعنى الفاسد، والبطلان عبارة عن عدم الشيء، إما لعدم ذاته، أو بعدم فائدته، ونفعه. هذا؛ وبطل من باب: دخل، والبطل بفتحتين: الشجاع، والبطل بضم فسكون: الباطل، والكذب، والبطالة: التعطل والتفرغ عن العمل، ويجمع باطل على أباطيل شذوذا، كما شذ: أحاديث، وأعاريض، وأفاظيع في جمع: حديث، وعريض، وفظيع. هذا؛ ومبطل: اسم فاعل من أبطل الرباعي.
أما كفى في هذه الآية، ونحوها؛ فهو بمعنى: اكتف، والباء زائدة في الفاعل عند الجمهور، وهو لازم لا ينصب المفعول به، ومضارعه مثله. كما في قوله تعالى:{أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} وأما إذا كان بمعنى: جزى، وأغنى، فيكون متعديا لمفعول واحد، وإذا كان بمعنى: وقى؛ فإنه يكون متعديا لمفعولين، كما في قوله تعالى:{وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ} .
وأما الفعل: {يَعْلَمُ} فإنه هنا بمعنى: يعرف، فهو متعد لمفعول واحد فقط، والفرق بين العلم والمعرفة: أن المعرفة تستدعي سبق جهل، وأن متعلقها الذوات دون النّسب بخلاف العلم، فإن متعلقه المعاني، والنّسب. وانظر الآية رقم [52] من سورة (النمل).
الإعراب: {قُلْ:} فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {كَفى:} فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. {بِاللهِ:} الباء: حرف جر صلة. (الله): فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. {بَيْنِي:}
ظرف مكان متعلق بما بعده منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة؛ والياء: ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
{وَبَيْنَكُمْ:} معطوف على ما قبله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {شَهِيداً:}
تمييز. وقيل: حال، والأول أقوى، وأصح، وجملة:{كَفى..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قُلْ..} . إلخ مستأنفة لا محل لها. {يَعْلَمُ:} فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى (الله). {ما:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. {فِي السَّماواتِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. {وَالْأَرْضِ:}
معطوف على ما قبله، وجملة:{يَعْلَمُ..} . إلخ مستأنفة، أو هي تعليلية، لا محل لها على الوجهين، واعتبارها حالا فيه ضعف.
{وَالَّذِينَ:} الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {آمَنُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. {بِالْباطِلِ:}
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:
{وَكَفَرُوا بِاللهِ} معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. {أُولئِكَ:} اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. {هُمُ:} ضمير فصل لا محل له من الإعراب. {الْخاسِرُونَ:} خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ ثانيا، و {الْخاسِرُونَ} خبره فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر المبتدأ:{أُولئِكَ،} وعلى الوجهين فالجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية:{وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ..} .
إلخ مستأنفة لا محل لها.
الشرح: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ:} لما أنذرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالعذاب، قالوا لشدة جهلهم، وحمقهم: عجل لنا هذا العذاب. والقائل: هو النضر بن الحارث، وأبو جهل، وأشباههما، فقد قال النضر ما قاله الله تعالى عنه:{اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32]، وقالوا جميعا ما قاله الله تعالى عنهم:{فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ،} وقالوا أيضا ما قاله الله عنهم: {أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً} .
{وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى} أي: وقت محدد لعذاب كل قوم، وهلاكهم. وقيل: هو القتل يوم بدر.
وعلى الجملة فلكل عذاب أجل لا يتقدم ولا يتأخر، قال ابن عباس-رضي الله عنه: المراد به: ما وعد الله به رسوله صلى الله عليه وسلم من عدم عذاب قومه، وعدم استئصالهم، وتأخير عذابهم إلى يوم القيامة. {لَجاءَهُمُ الْعَذابُ} أي: عاجلا، وهو ما استعجلوه، وطلبوه. {وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً} أي: فجأة من غير إنذار، ولا يؤخر إذا نزل، وقد حقق الله ذلك يوم بدر. {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} أي:
لا يعلمون بنزوله عليهم. هذا؛ والشعور إدراك الشيء من وجه يدق، ويخفى، مشتق من الشعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا؛ لفطنته ودقة معرفته.
الإعراب: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ:} الواو: حرف استئناف. (يستعجلونك): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به.
{بِالْعَذابِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.
{وَلَوْلا:} الواو: واو الحال. (لولا): حرف امتناع لوجود. {أَجَلٌ:} مبتدأ. {مُسَمًّى:} صفة له مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، وخبر المبتدأ محذوف، تقديره موجود، والجملة الاسمية هذه ابتدائية لا محل لها، وحالة محل شرط (لولا). {لَجاءَهُمُ:} اللام: واقعة في جواب (لولا). (جاءهم):
فعل ماض، والهاء مفعول به. {بِالْعَذابِ:} فاعله، والجملة الفعلية جواب:(لولا) لا محل لها، و (لولا) ومدخولها في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير المنصوب، وهو أولى وأقوى معنى من الاستئناف. {وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ:} الواو: حرف عطف. اللام: واقعة في جواب (لولا) تقديرا بسبب العطف. وقيل: موطئة للقسم، ولا وجه له البتة. (يأتينهم): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل يعود إلى {بِالْعَذابِ} والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لولا)، لا محل لها أيضا. هذا؛ ويغلب أن يقع جواب (لولا) ماضيا، وإنما وقع مستقبلا ليفيد التوكيد في الوعيد والتهديد؛ إذ المعنى: ولأتاهم العذاب بغتة.
وإذا أبقينا الكلام على ظاهره فتكون الجملة جوابا لقسم محذوف، والقسم وجوابه يكون كلاما مستأنفا، ويكون المراد بمجيء العذاب عذاب الاستئصال، والمراد بإتيانه المؤكد بالنون ما نزل ببعضهم يوم بدر من الخزي، والنكال، وهو القتل، والأسر، كما هو معروف. {بَغْتَةً:} حال من الفاعل المستتر بمعنى: باغتا أو مباغتا، أو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: يبغتهم بغتة، وتكون الجملة هذه في محل نصب حال من الفاعل المستتر، وجوز اعتبار {بَغْتَةً} مصدرا للفعل:
يأتي من غير لفظه، كقولهم: أتيته ركضا، فتكون نائب مفعول مطلق. {وَهُمْ:} الواو: واو الحال، (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {لا:} نافية. {يَشْعُرُونَ:} فعل
مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.
{يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (54)}
الشرح: {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ} أي: يستعجلونك، وقد أعد لهم جهنم، وأنها ستحيط بهم لا محالة يوم يأتيهم العذاب، فما معنى الاستعجال، أو هي كالمحيطة بهم الآن لإحاطة الكفر والمعاصي التي توجبها بهم؛ لتلبسهم بالكفر والمعاصي، وعدم إقلاعهم عن ذلك.
الإعراب: {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ:} هذه الجملة مؤكدة للجملة السابقة، وفيها معنى التعجب، أي: يتعجب من أمرهم، فكيف يطلبون العذاب، وإن جهنم لا بد أن تحيط بهم؟ {وَإِنَّ:}
الواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل. {جَهَنَّمَ:} اسم (إن). {لَمُحِيطَةٌ:} اللام: لام الابتداء وتسمى المزحلقة. (محيطة): خبر (إن). {بِالْكافِرِينَ} جار ومجرور متعلقان ب (محيطة)، والجملة الاسمية:{وَإِنَّ جَهَنَّمَ..} . إلخ في محل نصب حال من العذاب، أو من الواو، أو من الكاف، والرابط الواو فقط.
الشرح: {يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} أي: يحيط بهم العذاب من جميع جوانبهم وجهاتهم، كما قال تعالى في آية أخرى:{لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} رقم [16] من سورة (الزمر)، وأيضا قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [41]:{لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ} . {وَيَقُولُ} أي: الموكل بالعذاب. ويقرأ بالنون التي هي للعظمة، فيكون القائل الله تعالى. {ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: جزاء ما كنتم تعملون من الكفر والمعاصي.
قال الجمل-رحمه الله تعالى-: فإن قيل: لم خص الجانبين بالذكر، ولم يذكر اليمين، ولا الشمال، ولا الخلف، ولا الأمام؟ فالجواب: إن المقصود ذكر ما تتميز به نار جهنم عن نار الدنيا، ونار الدنيا تحيط بالجوانب الأربع، فإن من دخلها تكون الشعلة قدامه وخلفه ويمينه وشماله، وأما النار من فوق، فلا تنزل. وإنما تصعد في العادة، وتحت الأقدام لا تبقى الشعلة التي تحت القدم، بل تطفأ، ونار جهنم تنزل من فوق، ولا تطفأ بالدوس عليها بوضع القدم. انتهى. نقلا من الرازي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا وأما الذوق فإنه يكون محسوسا ومعنى، وقد يوضع موضع الابتلاء والاختبار، تقول: اركب هذا الفرس فذقه، أي: اختبره، وانظر فلانا، فذق ما عنده. قال الشماخ يصف قوسا:[الطويل]
فذاق فأعطته من اللّين جانبا
…
كفى ولها أن يغرق السّهم حاجز
وقد يعبر بالذوق عما يطرأ على النفس، وإن لم يكن مطعوما لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي:[الطويل] فذق هجرها إن كنت تزعم أنّها
…
فساد ألا يا ربّما كذب الزّعم
وتقول: ذقت ما عند فلان، أي خبرته، وذقت القوس إذا جذبت وترها لتنظر ما شدتها؟ وأذاقه الله وبال أمره، أي: عقوبة كفره ومعاصيه، قال طفيل بن سعد الغنوي:[الطويل] فذوقوا كما ذقنا غداة محجّر
…
من الغيظ في أكبادنا والتّحوّب
وتذوقته، أي: ذقته شيئا بعد شيء، وأمر مستذاق، أي: مجرب معلوم، قال الشاعر:[الوافر] وعهد الغانيات كعهد قين
…
ونت عند الجعائل مستذاق
وأصله من الذوق بالفم، وذوقوا في كثير من الآيات للإهانة، وفيه استعارة تبعية تخييلية، وذكر العذاب في بعض الآيات استعارة مكنية، حيث شبه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل، وشبه الذوق بصورة ما يذاق، وأثبت للذوق تخييلا.
الإعراب: {يَوْمَ:} ظرف زمان متعلق ب (محيطة)، أو هو متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر يوم، أو هو مفعول به لهذا الفعل المقدر. {يَغْشاهُمُ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {الْعَذابُ:} فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {يَوْمَ} إليها. {مِنْ فَوْقِهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:{الْعَذابُ} . والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {وَمِنْ تَحْتِ:} معطوفان على ما قبلهما، و {تَحْتِ} مضاف، و {أَرْجُلِهِمْ} مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. {وَيَقُولُ:} الواو: حرف عطف. (يقول): فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«هو» ، أو «نحن». {ذُوقُوا:} فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. {ما:} تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، وهي على تقدير مضاف قبلها؛ إذ التقدير: ذوقوا جزاء الذي، أو: شيء. {كُنْتُمْ:} فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة:
{تَعْمَلُونَ} في محل نصب خبر (كان) والمفعول به، وهو عائد الموصول، أو رابط الصفة محذوف، التقدير: جزاء الذي، أو شيء كنتم تعملونه. هذا؛ وعلى اعتبار {ما} مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة للمفعول المحذوف، التقدير: ذوقوا جزاء عملكم، وجملة:{ذُوقُوا..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{وَيَقُولُ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.
{يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ (56)}
الشرح: معنى الآية الكريمة: أن المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة في بلد هو فيه، ولم يتمشّ له أمر دينه كما ينبغي ويجب، فليهاجر عنه إلى بلد يقدّر أنه فيه أسلم قلبا، وأصح دينا، وأكثر عبادة، وأحسن خشوعا. هذا؛ وإن الآية الكريمة نزلت في تحريض المؤمنين الذين كانوا بمكة مستضعفين على الهجرة، فأخبرهم الله تعالى بسعة أرضه، وأن البقاء في أرض يؤذى فيها المسلم بسبب دينه، وطاعته لربه ليس بصواب، بل الحكمة الخروج من هذه الأرض إلى أرض يستطيع فيها أن يؤدي عبادته بحرية تامة.
ولا ريب: أن بقاع الأرض تتفاوت بالفضيلة، وما يكون فيها من راحة وهدوء، وما يتبع ذلك من طمأنينة وخشوع وخضوع لله تعالى، ولا يوجد في الأرض أرض تكون أعون على قهر النفس، وعصيان الشهوة، وأجمع للقلب المتلفت، وأضم للهم المنتشر، وأحث على القناعة، وأطرد للشيطان، وأبعد للفتن، وأضبط للأمر الديني في الجملة من سكنى حرم الله، وجوار بيت الله في مكة المكرمة، ومع ذلك فقد أمر الله المؤمنين بالهجرة منها حين كانت دار كفر، وكان المشركون يؤذونهم في دينهم.
هذا وقد قال مطرف بن الشخير: المعنى: إن رحمتي واسعة، وعنه أيضا: إن رزقي لكم واسع فابتغوه في الأرض. وقال سفيان الثوري: إذا كنت بأرض غالية، فانتقل إلى غيرها تملأ فيها جرابك خبزا بدرهم. وقيل: المعنى: إن أرضي التي هي أرض الجنة واسعة. وكل هذه الأقوال لا تستفاد من نص الآية؛ لأن الآيات السابقة تكلمت عن المشركين، وعن تعنتهم في سؤالهم، ثم ذكرت ما أعد لهم من العذاب الأليم، في نار الجحيم، وفي الوقت نفسه كانوا يؤذون المؤمنين المستضعفين؛ الذين لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلا، فالقول الحق هو الأول، وهو أن الآية نزلت في تحريض المؤمنين، وحثهم على الهجرة من مكة المكرمة بأية وسيلة كانت، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرا من الأرض؛ استوجب الجنّة، وكان رفيق إبراهيم ومحمّد» . وعن سهل: إذا ظهرت المعاصي، والبدع في أرض؛ فاخرجوا منها إلى أرض المطيعين.
الإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو أنادي. (عبادي): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وهي تقرأ بالسكون وبحركة الفتحة.
{الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة: (عبادي)، أو عطف بيان عليه، والبدلية لا تجوز؛ لأن المبدل منه في نية الطرح، ولا يمكن نداء الذين، بدون «أي» قبله، وهذه
إحدى مسألتين يمتنع فيهما البدلية، ويتعين فيهما عطف البيان، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى- في ألفيته:[الرجز] وصالحا لبدليّة يرى
…
في غير نحو يا غلام يعمرا
ونحو بشر تابع البكريّ
…
وليس أن يبدل بالمرضيّ
{آمَنُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {أَرْضِي:}
اسم {إِنَّ} منصوب، وعلامة نصبه مثل (عبادي). {واسِعَةٌ:} خبر {إِنَّ،} والجملة الاسمية لا محل لها مثل الجملة الندائية قبلها. {فَإِيّايَ:} الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدّر؛ إذ التقدير: إن لم تتمكنوا من العبادة في أرض؛ فإياي اعبدون في غير تلك الأرض. فإذا الضمير في محل نصب مفعول به مقدم للفعل المقدر، كما ترى. {فَإِيّايَ:} الفاء: حرف عطف.
(اعبدون): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، والكسرة تحتها دليل على ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والتي هي مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة المقدرة قبلها، ومؤكدة لها. وقيل: مفسرة، ولا وجه له. والجملة الشرطية التي رأيت تقديرها، لا محل لها مثل الجملتين قبلها. هذا؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [40]:
{وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ} ورقم [41]: {وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ} .
{كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (57)}
الشرح: {كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ:} فيه وعد للمصدق، ووعيد للكاذب، والمعنى: لا يحزنك تكذيبهم إياك فمرجع الخلق إليّ، فأجازيهم على التكذيب، وأجازيك على الصبر. وهذا التعميم مخصوص بقوله تعالى:{تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ} فإن الله تعالى حي لا يموت، ولا يجوز عليه الموت، وانظر الآية رقم [87] من سورة (النمل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وانظر (الذوق) في الآية رقم [55]. والموت: هو انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن، وبطلان حركته، وموت القلب قسوته، فلا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالنصائح. هذا ويكثر ذكر الموت في القرآن الكريم، والمراد منه تحقير أمر الدنيا، والزهد فيها، والاستعداد للآخرة التي لا بد منها وخذ قول بعضهم:[البسيط] الموت في كلّ حين ينشد الكفنا
…
ونحن في غفلة عمّا يراد بنا
لا تركننّ إلى الدّنيا وزهرتها
…
وإن توشّحت من أثوابها الحسنا
أين الأحبّة والجيران ما فعلوا؟
…
أين الّذين همو كانوا لها سكنا؟
سقاهم الموت كأسا غير صافية
…
صيّرهم تحت أطباق الثّرى رهنا
الإعراب: {كُلُّ:} مبتدأ: وهو مضاف، و {نَفْسٍ} مضاف إليه. {ذائِقَةُ:} خبر المبتدأ، وهو مضاف، و {الْمَوْتِ:} مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. {ثُمَّ:} حرف عطف. {إِلَيْنا:} جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. {تُرْجَعُونَ:} فعل مضارع مبني للمجهول، وهو يقرأ بالتاء والياء مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، فهو عطف جملة فعلية على جملة اسمية.
الشرح: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ:} وقرئ بالياء، كما قرئ:«(لنثوينّهم)» من الثوي وهو الإقامة؛ أي: لنعطينهم غرفا يثوون فيها، والمعنى: على الأول: لننزلنهم، يقال:
بوأته منزلا، وبوأت له، كما يقال: مكنتك ومكنت لك، والمبوأ المنزل الملزوم، ومنه بوأه الله منزلا، أي: ألزمه إياه، وأسكنه فيه، قال الرسول صلى الله عليه وسلم:«من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار» . أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه.
{مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً:} جمع: غرفة، وهي الدرجة الرفيعة، وهي أعلى منازل الجنة، وأفضلها، كما أن الغرفة أعلى مساكن الدنيا، وتجمع أيضا على غرفات كما في قوله تعالى:{وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ} الآية رقم [37] من سورة (سبأ)، وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ أهل الجنّة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدّرّيّ الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم» . قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء، لا يبلغها غيرهم؟ قال:«بلى والّذي نفسي بيده! رجال آمنوا بالله، وصدّقوا المرسلين» . وخرج الترمذي عن علي بن أبي طالب-رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إنّ في الجنّة لغرفا يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها» . فقام إليه أعرابيّ. فقال:
لمن هي يا رسول الله؟! قال: «هي لمن أطاب الكلام، وأطعم الطّعام، وأدام الصّيام، وصلّى لله باللّيل، والنّاس نيام» .
هذا؛ وعطف العمل الصالح على الإيمان في الآية الكريمة وغيرها يوحي بأن العمل قرين الإيمان، وقد لا يجدي الإيمان بلا عمل، وهو ما أفاده قول الرسول صلى الله عليه وسلم:«الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه» . كما أن الإيمان مشروط لقبول العمل الصالح، ويسمى هذا في علم البديع: احتراسا.
بعد هذا؛ فقد قال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-نقلا عن الرازي: بين الله ما يكون للمؤمنين وقت الرجوع إليه، كما بين في الآية السابقة ما يكون للكافرين بقوله:{وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ} فبين: أن للمؤمنين الجنات في مقابلة: أن للكافرين النيران. وبين: أن فيها غرفا تجري تحتها الأنهار في مقابلة أن تحت الكافرين النار، وبين: أن ذلك أجر عملهم بقوله:
{نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ} في مقابلة ما تقدم للكفار بقوله: {ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ،} ولم يذكر ما فوق المؤمنين؛ لأن المؤمنين في أعلى عليين، فلم يذكر فوقهم شيئا إشارة إلى علو مرتبتهم، وارتفاع منزلتهم، ولم يجعل الماء من تحت أقدامهم، بل جعله من تحت غرفهم؛ لأن الماء يكون ملتذّا به في أي جهة كان، وعلى أي بعد كان إذا كان تحت الغرفة؟. انتهى.
الإعراب: {وَالَّذِينَ:} الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {آمَنُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:{وَعَمِلُوا..} . إلخ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. {الصّالِحاتِ:} صفة لموصوف محذوف، التقدير: عملوا الأعمال الصالحات، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ:} اللام: واقعة في جواب قسم محذوف.
(نبوئنهم): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:«نحن» ، أو جوازا تقديره:«هو» ، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. {مِنَ الْجَنَّةِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {غُرَفاً} كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة:«نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» . {غُرَفاً:} مفعول به ثان على قراءة الفعل بالنون، والباء؛ لأن «بوأ» ينصب مفعولين، قال تعالى:{تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ} وأما على قراءة الفعل بالنون والثاء ففيه أوجه: أحدها أنه مفعول ثان بتضمين: «نثوي» ننزل، فيتعدى لاثنين بسبب التضمين، وإما على تشبيه الظرف المختص بالمبهم، فيكون ظرف مكان متعلقا بالفعل قبله، أو هو منصوب بنزع الخافض اتساعا، أي في غرف، وجملة:{لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً} جواب القسم المحذوف، والقسم المحذوف وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وأجيز اعتبار (الذين) منصوبا بفعل مضمر على الاشتغال، أي: ونبوئ الذين آمنوا
…
إلخ، ولا أراه قويا. هذا؛ ووقوع الجملة القسمية خبرا للمبتدإ قاله ابن مالك، ومنعه ثعلب، ومثل الآية قوله تعالى في سورة (النساء):{وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ..} . إلخ، والآية رقم [7 و 9] من هذه السورة، ومثل ذلك كله قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [756] من كتابنا:«فتح القريب المجيب» : [الكامل] جشأت، فقلت: اللّذ خشيت ليأتين
…
وإذا أتاك فلات حين مناص
والجملة الاسمية: {وَالَّذِينَ آمَنُوا..} . إلخ مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها، ولا محل لها على الاعتبارين. {تَجْرِي:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. {مِنْ تَحْتِهَا:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و:(ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
{الْأَنْهارُ:} فاعل: {تَجْرِي} . {خالِدِينَ:} حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه؛ لأنه جمع اسم فاعل. {فِيها:} جار ومجرور متعلقان بخالدين، وجملة:{تَجْرِي..} .
إلخ في محل نصب صفة: {غُرَفاً} . {نِعْمَ:} فعل ماض جامد لإنشاء المدح. {أَجْرُ:} فاعله، وهو مضاف، و {الْعامِلِينَ} مضاف إليه مجرور
…
إلخ، والمخصوص بالمدح محذوف، دل عليه ما قبله؛ إذ التقدير: نعم أجر العاملين الممدوح ما ذكر، وجملة:{نِعْمَ..} . إلخ مستأنفة لا محل لها، وقرئ:«(فنعم)» .
فائدة: الحال بالنسبة للزمان على ثلاثة أقسام: حال مقارنة، وهي الغالبة نحو قوله تعالى:
{وَهذا بَعْلِي شَيْخاً} . وحال مقدرة، وهي المستقبلة، نحو قوله تعالى:{فَادْخُلُوها خالِدِينَ} وحال محكية، وهي الماضية. نحو: جاء زيد أمس راكبا.
{الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59)}
الشرح: {الَّذِينَ صَبَرُوا:} على مفارقة الأهل، والأوطان، والهجرة لأجل الدين، وصبروا على أذى المشركين، وصبروا على المحن، والشدائد، والمصائب، وصبروا على الطاعات على تفاوت درجاتها، ومراتبها، وصبروا عن المعاصي كبيرها، وصغيرها، وعلى جميع أنواعها.
{وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ:} لا يتوكلون، ولا يعتمدون على غيره. هذا؛ وحقيقة التوكل: تفويض الرجل الأمر إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه وضره. وقالوا: المتوكل من إن دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله تعالى، فعلى هذا إذا وقع الإنسان في محنة، ثم سأل غيره خلاصه منها، لم يخرج عن حد التوكل؛ لأنه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله تعالى، وإنما هو من تعاطي الأسباب في دفع المحنة، والله أعلم، وأجل، وأعظم.
الإعراب: {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة {الْعامِلِينَ} أو هو بدل منه، أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أمدح، أو: أعني الذين، أو هو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، أو هو في محل رفع مبتدأ خبره محذوف، التقدير: الذين صبروا
…
لهم أجرهم عند ربهم، وجملة:{صَبَرُوا} مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. {وَعَلى:} الواو: حرف عطف. {(عَلى رَبِّهِمْ)} : جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة؛ من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله
مستتر فيه. {يَتَوَكَّلُونَ:} فعل مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
الشرح: {وَكَأَيِّنْ:} أصلها «أي» الاستفهامية، دخلت عليها كاف التشبيه، فصارت بمعنى «كم» الخبرية التكثيرية، وهي كناية عن عدد مبهم، مثل «كم» و «كذا» ، وفيها خمس لغات، كلها قرئ بها: إحداها: (كأيّن)، وهي الأصل، وبها قرأ الجماعة، إلا ابن كثير، والثانية:(كائن) بوزن كاعن، وبها قرأ ابن كثير وجماعة، وهي أكثر استعمالا من:(كأيّن)، وإن كانت الأصل، وهو كثير في الشعر العربي، الثالثة:(كئين) بوزن كريم، الرابعة:(كيئن) بياء ساكنة، وهمزة مكسورة، الخامسة:(كأن) بوزن كفن. هذا؛ والجلال المحلي اعتبر (كأيّن) بسيطة غير مركبة، وأن آخرها نون من نفس الكلمة لا تنوين؛ لأن هذه الدعاوى المتقدمة لا يقوم عليها دليل، والشيخ-رحمه الله تعالى-سلك في ذلك الطريق الأسهل، والنحويون ذكروا هذه الأشياء محافظة على أصولهم مع ما ينضم إلى ذلك من الفوائد، وتشحين الذهن، وتمرينه. انتهى. جمل.
{دَابَّةٍ:} تشمل كل ما يدب على وجه الأرض من إنسان، وحيوان، وطير، وحشرة، وغيرها.
هذا وسبب نزول الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر المسلمين بالهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المشرفة حين آذاهم المشركون؛ قالوا: كيف نخرج إلى المدينة، وليس لنا بها دار، ولا مال؟ فمن يطعمنا، ويسقينا؟! فأنزل الله:{وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ..} . إلخ.
والمعنى: كثير من الدواب لا تطيق حمل رزقها لضعفها، أو لا تدخره، وإنما تصبح، ولا معيشة عندها، ثم إنها مع ضعفها، وتوكلها يرزقها الله، وإياكم مع قوتكم، واجتهادكم، فأنتم سواء في أن يرزق الله الجميع من فضله، وكرمه، وجوده، و {هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ،} فلا تخافوا على معاشكم بالهجرة، فإن الله يرزقكم.
فقد سوى الله بين الحريص، والمتوكل في الرزق، وبين الراغب، والقانع، وبين الجلد، والعاجز. يعني: أن الجلد لا يتصور: أنه مرزوق بجلده؛ ولا يتصور العاجز: أنه ممنوع من الرزق بعجزه. انتهى. قرطبي بتصرف.
وعن عمر-رضي الله عنه-قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو أنكم تتوكّلون على الله حقّ توكّله لرزقكم، كما يرزق الطّير تغدو خماصا، وتروح بطانا» . أخرجه الترمذي. ومعناه أن الطير تذهب أول النهار جياعا ضامرة البطون، وتروح آخر النهار إلى أوكارها شباعا ممتلئة البطون، ولا تدخر شيئا. قال سفيان بن عيينة: ليس شيء من خلق الله يخبئ طعامه إلا الإنسان، والفأرة، والنملة، وعن بعضهم رأيت البلبل يحتكر في محضنه، ويقول: للعقعق مخابئ إلا أنه
ينساها. هذا؛ وادخار الطعام لا ينافي التوكل، فقد روى البخاري، ومسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخر لأهله قوت سنتهم. وهذا بلا ريب كان في آخر حياته، وقد وسع الله عليه، وعلى المسلمين في معيشتهم، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يفعلون ذلك، وهم القدوة الطيبة، وأهل اليقين والأئمة لمن بعدهم من المتقين المتوكلين. وخذ على سبيل الموعظة ما يلي:
عن عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس من عمل يقرّب من الجنّة؛ إلاّ وقد أمرتكم به، ولا عمل يقرّب من النّار؛ إلاّ وقد نهيتكم عنه، فلا يستبطئنّ أحد منكم رزقه، فإنّ جبريل ألقى في روعي: أنّ أحدا لن يخرج من الدّنيا حتّى يستكمل رزقه.
فاتّقوا الله أيّها الناس! وأجملوا في الطّلب، فإن استبطأ أحد منكم رزقه، فلا يطلبه بمعصية الله، فإنّ الله لا ينال فضله بمعصيته». رواه الحاكم.
الإعراب: {وَكَأَيِّنْ:} الواو: حرف استئناف. (كأيّن): اسم كناية بمعنى كثير مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وأجاز أبو البقاء أن يكون في موضع نصب بفعل دل عليه {يَرْزُقُها،} ويقدّر بعد (كأيّن) وفيه ضعف لا يخفى. {مِنْ:} حرف جر صلة. {دَابَّةٍ:} تمييز لكأين منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. {لا:} نافية. {تَحْمِلُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:{دَابَّةٍ} .
{رِزْقَهَا:} مفعول به، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر على اللفظ، أو في محل نصب على المحل صفة {دَابَّةٍ}. {اللهُ:} مبتدأ. {يَرْزُقُها:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {اللهُ،} تقديره: «هو» . و (ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. {وَإِيّاكُمْ:} الواو: حرف عطف. (إياكم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب، والجملة الاسمية:
{اللهُ..} . إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{وَكَأَيِّنْ..} . إلخ مستأنفة لا محل لها. {وَهُوَ:} الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
{السَّمِيعُ:} خبر أول. {الْعَلِيمُ:} خبر ثان، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل {يَرْزُقُها} المستتر، والرابط: الواو، والضمير. وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.
الشرح: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ:} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمسئول منهم أهل مكة. {مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ..}. إلخ: ذكر الله من آثار قدرته، ودلائل عظمته أمرين: أحدهما: إشارة إلى اتحاد الذات، والثاني: إشارة إلى اتحاد الصفات، وهي الحركة في الشمس، والقمر، وذكر في السموات،
والأرض الخلق، وفي الشمس، والقمر التسخير؛ لأن مجرد خلق الشمس والقمر، ليس حكمة، فإن الشمس لو كانت مخلوقة بحيث تكون في موضع واحد، لا تتحرك؛ ما حصل الليل، والنهار، ولا الصيف، والشتاء وكذلك القمر لولا زيادته، ونقصانه، ونوره، ومحاقه؛ لما أمكن معرفة الشهور، وعددها، فحينئذ الحكمة إنما هي في تحريكهما، وتسخيرهما. {لَيَقُولُنَّ اللهُ:} لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد، واجب الوجود. {فَأَنّى يُؤْفَكُونَ:} أي فكيف يصرفون عن توحيد الله وعبادته مع إقرارهم بذلك، واعترافهم: أنه هو الصانع الحكيم.
هذا وقد قال تعالى في سورة الذاريات {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} أي: يصرف عنه من صرف، فهو من باب: ضرب، ومصدره: أفكا، كضربا. هذا؛ وهو من الباب الرابع بمعنى: كذب، ومصدره، إفكا كعلما، ويغلب مجيء الأول بالبناء للمجهول، وقد يجيء بالبناء للمعلوم، كما في قوله تعالى:{قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا} سورة الأحقاف رقم [22] ومن مجيئه بمعنى الكذب قوله تعالى: {فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ} الآية رقم [45] من سورة (الشعراء)، انظر شرحها هناك، ففيه كبير فائدة.
الإعراب: {وَلَئِنْ:} الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله.
(إن): حرف شرط جازم. {سَأَلْتَهُمْ:} فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والهاء مفعوله الأول، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. {مَنْ:} اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {خَلَقَ:}
فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى: {مَنْ} . {السَّماواتِ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. {وَالْأَرْضَ:}
معطوف على ما قبله بالواو العاطفة، وجملة:{خَلَقَ..} . إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{مَنْ خَلَقَ..} . إلخ في محل نصب مفعول به ثان للفعل: (سأل)، وجملة:{وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. {لَيَقُولُنَّ:} اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. (يقولنّ): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة، المدلول عليها بالضمة في محل رفع فاعل، والنون حرف لا محل له. {اللهُ:} مبتدأ، وخبره محذوف، التقدير: الله خلقهن، أو هو فاعل لفعل محذوف، التقدير: خلقهن الله، ويرجحه التصريح به في قوله تعالى في سورة (الزخرف):{لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} رقم [9]، والجملة على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، وجملة:{لَيَقُولُنَّ اللهُ} جواب القسم المقدر، المدلول عليه باللام الموطئة، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة:«إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما» قال ابن مالك -رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم
…
جواب ما أخّرت فهو ملتزم
والكلام: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ..} . إلخ كله مستأنف لا محل له. {فَأَنّى:} الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كانوا يعترفون بأن الله خلق السموات والأرض فكيف يصرفون عن توحيده، وعبادته. (أنى): اسم استفهام، وتعجب، وتوبيخ مبني على السكون في محل نصب حال عامله ما بعده. {يُؤْفَكُونَ:} فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون
…
إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر بإذا، والجملة الشرطية مستأنفة لا محل لها.
الشرح: {اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ:} لما ذكر سبحانه وتعالى الخلق؛ ذكر الرزق؛ لأن كمال الخلق ببقائه، وبقاء الخلق بالرزق، والله تعالى هو المتفضل بالرزق على الخلق، فله الفضل، والإحسان، والطول، والامتنان. {وَيَقْدِرُ لَهُ} أي: يضيق عليه إذا شاء، ويفقره من المال، قال تعالى:{وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} أي: ضيق عليه في الرزق. وينبغي أن يعلم الإنسان: أن البسط في الرزق لا ينبئ عن كرامة العبد على الله، والقبض، والضيق في الرزق لا ينبئ عن هوان العبد على الله، بل العكس هو الصحيح، فإذا رأينا إنسانا عاصيا لله، وهو يمده في المال، ويعطيه ما يرغب فيه من حطام الدنيا؛ فإن هذا الإمداد والإعطاء قد يكون استدراجا له، قال تعالى:{سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ،} وقال جل ذكره: {مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا،} وقال تعالى شأنه: {إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً} .
هذا وإذا رأينا إنسانا مطيعا لله تعالى، ورزقه مضيق عليه، فقد يكون ذلك رحمة من الله له؛ لأنه تعالى لا يريد أن يلوثه بحطام الدنيا، ولا أن يكثر مسئوليته أمامه يوم القيامة عن تبعات المال، وخذ ما يلي: فعن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله عز وجل ليحمي عبده المؤمن من الدّنيا، وهو يحبّه كما تحمون مريضكم الطّعام، والشّراب» . رواه الحاكم. وعن ابن عباس-رضي الله عنهما-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التقى مؤمنان على باب الجنّة: مؤمن غنيّ، ومؤمن فقير كانا في الدنيا، فأدخل الفقير الجنّة، وحبس الغنيّ ما شاء الله أن يحبس، ثمّ أدخل الجنّة، فلقيه الفقير، فقال: يا أخي ما حبسك؟ والله لقد حبست؛ حتّى خفت عليك! فيقول:
يا أخي! إنّي حبست بعدك محبسا فظيعا كريها، ما وصلت إليك؛ حتّى سال مني من العرق ما لو ورده ألف بعير، كلّها أكلة حمض النّبات؛ لصدرت عنه رواء». رواه أحمد.
{إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ:} يعلم ما يصلحهم، وما يفسدهم، فيعطي كل واحد حسب ما تقتضيه حكمته سبحانه وتعالى، من غنى، أو فقر، والسعيد من كان رزقه كفافا، وقنع به، ورضيه، وحمد الله عليه. وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «إن من عبادي من لا يصلح
إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته؛ لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته؛ لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، والعافية، ولو أمرضته؛ لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا المرض، ولو عافيته وصححت له جسمه؛ لأفسده ذلك».
الإعراب: {اللهُ:} مبتدأ. {يَبْسُطُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. {الرِّزْقَ:} مفعول به. {لِمَنْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (من): تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، وجملة:
{يَشاءُ} صلة: (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير للذي، أو لشخص يشاؤه. {مِنْ عِبادِهِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {وَيَقْدِرُ:} الواو: حرف عطف. (يقدر): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {اللهُ}. {اللهُ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:
{وَيَقْدِرُ لَهُ} معطوفة على ما قبلها. {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {اللهُ:} اسم (إنّ). {بِكُلِّ:}
جار ومجرور متعلقان ب: {عَلِيمٌ} بعدهما، و (كل) مضاف، و {شَيْءٍ} مضاف إليه. {عَلِيمٌ:}
خبر: {إِنَّ،} والجملة الاسمية تعليلية لا محل لها، والجملة الاسمية:{اللهُ يَبْسُطُ..} . إلخ مستأنفة لا محل لها.
الشرح: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ:} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمسئول منهم أهل مكة. {مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً} أي: من السحاب مطرا. {فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها} أي: جدبها. وموت الأرض عند ما تكون يابسة لا نبات فيها شبيهة بالميت، وقد قال تعالى في سورة (الحج) رقم [5]:{وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} انظر تفسيرها وشرحها هناك.
{لَيَقُولُنَّ اللهُ:} فهم معترفون بأن الله هو الموجد للممكنات بأسرها، أصولها، وفروعها، ثم هم يشركون به بعض مخلوقاته، الذي لا يقدر على شيء من ذلك، وكان الأحرى بهم أن يعبدوه، ويوحدوه ما داموا يعترفون بأنه هو الذي ينزل الغيث من السماء، وما داموا يعترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض، وسخر الشمس، والقمر، ولكنهم لا يعقلون كما ذكر الله ذلك عنهم كثيرا.
{قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ:} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم؛ أي: احمد الله يا محمد على نعمته عليك حيث عصمك من مثل ضلالهم، وهداك الصراط المستقيم، وأنعم عليك بالرسالة، والنبوة، وأيدك
بالحجج الدامغة، والبراهين الساطعة. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} أي: لا يفهمون فيناقض فعلهم قولهم، حيث يقرون بأن الله هو المبدئ لكل ما عداه، ثم يشركون به أحقر خلقه. وذكر الأكثر؛ إما لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصيره في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ مبلغ التكليف، أو لأنه يقام مقام الكل، وانظر سورة الروم رقم [6].
الإعراب: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ:} انظر الآية رقم [61]. {مَنْ:} اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {نَزَّلَ:} فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره:«هو» يعود إلى {مَنْ،} والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. {مِنَ السَّماءِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:{السَّماءِ،} كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا على القاعدة:«نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا» . {السَّماءِ:} مفعول به، والجملة الاسمية:
{مَنْ نَزَّلَ..} . إلخ في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني ل: (سأل). {لَيَقُولُنَّ:} اللام: واقعة في جواب القسم المدلول عليه باللام الموطئة. (يقولن): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون حرف لا محل له. {اللهُ:} مبتدأ خبره محذوف، التقدير: الله نزل من السماء ماء، والمعنى:
لا يؤيد التقدير الثاني، الذي ذكرته في الآية رقم [61]، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:{لَيَقُولُنَّ..} . إلخ جواب القسم المقدر، وجواب الشرط محذوف على مثال ما رأيت في الآية رقم [61]، والكلام:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ..} . إلخ مستأنف لا محل له.
{قُلِ:} فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» . {الْحَمْدُ:}
مبتدأ. {اللهُ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:{قُلِ..} . إلخ مستأنفة لا محل لها. {بَلْ:} حرف عطف، وانتقال.
{أَكْثَرُهُمْ:} مبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {لا:} نافية. {يَعْقِلُونَ:}
فعل مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وهو أولى من العطف على ما قبلها؛ لأنها ليست من مقول القول. تأمل وتدبر، وربك أعلم. وأجل وأعظم.
الشرح: {وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا:} إشارة تحقير؛ كيف لا؟ وهي لا تزن عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا جرعة ماء، ولقد وصف الله تعالى في هذه الآية وغيرها الحياة التي يحياها ابن آدم بالدنيا لدناءتها، وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، ورحم الله الحريري؛ إذ يقول:[الكامل]
يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها
…
شرك الرّدى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها
…
أبكت غدا تبّا لها من دار
أو هي من الدنو، وهو القرب؛ لأنها في متناول يد الإنسان ما دام حيّا.
{إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ} أي: إلا كما يلهو ويلعب به الصبيان، ويجتمعون عليه، ويبتهجون به ساعة، ثم يتفرقون متعبين. هذا؛ واللهو: هو الاستمتاع بلذات الدنيا. وقيل: هو الاشتغال بما لا يعنيه، وما لا يهمه. واللعب: هو العبث، أي ليس ما أعطاه الله الأغنياء من الدنيا؛ إلا وهو يضمحل، ويزول، كاللعب الذي لا حقيقة له، ولا ثبات، قال بعضهم: إن بقيت لك الدنيا؛ لم تبق لها، وأنشد:[الطويل] تروح لنا الدّنيا بغير الّذي غدت
…
وتحدث من بعد الأمور أمور
وتجري اللّيالي باجتماع وفرقة
…
وتطلع فيها أنجم وتغور
فمن ظنّ أنّ الدّهر باق سروره
…
فذاك محال، لا يدوم سرور
عفا الله عمّن صيّر الهمّ واحدا
…
وأيقن أنّ الدّائرات تدور
وما أحسن قول الشافعي، رضي الله عنه:[الطويل] وما هي إلاّ جيفة مستحيلة
…
عليها كلاب همّهنّ اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها
…
وإن تجتذبها نازعتك كلابها
{وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ} أي: التي تكون بعد الموت، وبعد البعث، والحشر، والحساب والجزاء، والمراد بها: الجنة، ونعيمها الدائم. {لَهِيَ الْحَيَوانُ} أي: هي دار الحياة الباقية، التي لا تزول، ولا موت فيها، وهي دار الحياة الحقيقية لامتناع طريان الموت عليها، أو جعلت في ذاتها حياة للمبالغة.
و {الْحَيَوانُ} مصدر: حيي، سمّي به ذو الحياة، وأصله عند سيبويه، وأتباعه: حييان، فقلبت الياء الثانية واوا، وهو شاذ. قال أبو البقاء: لئلا يلتبس بالتثنية، ولم تقلب ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، لئلا تحذف إحدى الألفين. وقال البيضاوي: وهو أبلغ من الحياة؛ لما في بناء:
«فعلان» من الحركة، والاضطراب اللازم للحياة، ولذا اختير عليها هاهنا. {لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ:} حقيقة الدارين؛ لما اختاروا اللهو الفاني على الحيوان الباقي.
الإعراب: {وَما:} الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. {هذِهِ:} اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. {الْحَياةُ:} بدل من {هذِهِ،} أو عطف بيان عليه. {الدُّنْيا:} صفة {الْحَياةُ} مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف
للتعذر. {إِلاّ:} حرف حصر. {لَهْوٌ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
{وَلَعِبٌ:} معطوف على ما قبله. {وَإِنَّ:} الواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل.
{الدّارَ:} اسم (إن)، وقدر أبو البقاء، وغيره: وإن حياة الدار الآخرة، وإنما قدروا ذلك ليتطابق المبتدأ، والخبر. {الْآخِرَةَ:} صفة: {الدّارَ} . {لَهِيَ:} اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة. (هي): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {الْحَيَوانُ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:{وَإِنَّ الدّارَ..} . إلخ في محل نصب حال من {الْحَياةُ الدُّنْيا} والرابط: الضمير فقط. {لَوْ:} حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. {كانُوا:} فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق.
{يَعْلَمُونَ:} فعل مضارع مرفوع
…
إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل نصب خبر:(كان)، وجملة:{كانُوا يَعْلَمُونَ} لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب {لَوْ} محذوف، انظر تقديره في الشرح، و {لَوْ} ومدخولها كلام مستأنف، أو معترض في آخر الكلام، لا محل له على الاعتبارين.
الشرح: {فَإِذا رَكِبُوا} أي: ركب المشركون في السفن، وخافوا الهلاك، والغرق، وهذا مع كونهم وصفوا بالشرك، والعناد، فإذا ركبوا في البحر، وخافوا الغرق. {دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} أي: تركوا الأصنام، ولجئوا إلى الله بالدعاء، والتضرع حالة كونهم كائنين في صورة من أخلص دينه من المؤمنين؛ حيث لا يذكرون إلا الله، ولا يدعون سواه، لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد إلا هو.
{فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ} أي: إلى الأرض اليابسة. {إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ} أي: عادوا إلى ما كانوا عليه من الشرك، والعناد. وقيل: إن أهل الجاهلية كانوا إذا ركبوا البحر؛ حملوا أصنامهم معهم، فإذا اشتدت الريح، وخافوا الغرق؛ ألقوها في البحر، وقالوا: يا رب! وقيل: إشراكهم أن يقول قائلهم: لولا الله، والرئيس أو الملاح؛ لغرقنا، فيجعلون ما فعل الله بهم من النجاة قسمة بين الله وبين خلقه.
أقول: وهذا القول لا يقتصر على المشركين، بل هو يعم المسلمين؛ إذا قال أحدهم:
لولا فلان؛ لكان كذا، واعتقد بأن لفلان، أو لشيء تأثيرا في جلب نفع، أو جلب شر. وهذا ما يسمى بالشرك الأصغر، لذا ينبغي للمسلم أن ينزه نفسه عن ذلك خوفا من تطرق الشرك إليه، وهو لا يشعر به، قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس-رضي الله عنهما: «يا غلام! إنّي أعلّمك
كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك؛ إذا سألت؛ فاسأل الله، وإذا استعنت؛ فاستعن بالله، واعلم: أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء؛ لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعت على أن يضرّوك بشيء؛ لم يضرّوك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفّت الصحف». رواه الترمذي.
الإعراب: {فَإِذا:} الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. {رَكِبُوا:}
فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. {فِي الْفُلْكِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح، وجملة:
{دَعَوُا اللهَ} جواب: (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
{مُخْلِصِينَ:} حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. {اللهَ:} جار ومجرور متعلقان ب: {مُخْلِصِينَ} . {الدِّينَ:} مفعوله. {فَلَمّا:} الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف.
(لما): انظر الآية رقم [31]. {نَجّاهُمْ:} فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الله، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {إِلَى الْبَرِّ:} متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا، وابتدائية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا. {فَإِذا:} كلمة دالة على المفاجأة هنا واقعة في جواب (لما)، وانظر تفصيل الكلام فيها في الآية رقم [32] من سورة (الشعراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. {نَجّاهُمْ:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {يُشْرِكُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون
…
إلخ، والواو فاعله، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب (لما) لا محل لها، على اعتبار {فَإِذا} حرفا، وهو قول الأخفش، وابن مالك، و (لما) ومدخولها كلام معطوف على (إذا) ومدخولها، أو هو مستأنف، لا محل له على الاعتبارين.
{لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (66)}
الشرح: {لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ:} اللام لام التعليل، ومتعلقة بما قبلها؛ إذ التقدير: إذا هم يشركون ليكونوا كافرين بشركهم نعمة النجاة. {وَلِيَتَمَتَّعُوا:} معطوف على ما قبله على قراءة كسر اللام، واعتبارها للتعليل، فيكون المعنى: يعودون إلى شركهم بعد نجاتهم من الغرق؛ ليكونوا بالعود إلى شركهم كافرين بنعمة النجاة، قاصدين التمتع والتلذذ بها لا غير، على خلاف عادة المؤمنين المخلصين على الحقيقة، فإنهم يشكرون نعمة الله إذا أنجاهم، ويجعلون نعمة النجاة ذريعة إلى ازدياد الطاعة، لا إلى التلذذ، والتمتع، وعلى هذا لا وقف على قوله {يُشْرِكُونَ؛} لأنه
ينقطع التعليل عن المعلل. هذا؛ ومن اعتبر اللام فيهما للأمر محتجا بقراءة ابن كثير، وحمزة، وعلي بسكون اللام على وجه التهديد والوعيد، كقوله تعالى:{فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ..} . إلخ فيكون الكلام مستأنفا، والوقوف على {يُشْرِكُونَ} جيد. {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ:} سوء تدبيرهم عند تدميرهم، فهذا تهديد، ووعيد صراحة.
قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف جاز أن يأمر الله بالكفر، وبأن يعمل العصاة ما شاءوا وهو ناه عنه، ومتوعد عليه؟! قلت: هو مجاز عن الخذلان، والتخلية، وأن ذلك الأمر متسخط إلى غاية، ومثاله: أن ترى الرجل قد عزم على أمر، وعندك: أن ذلك الأمر خطأ، وأنه يؤدي إلى ضرر عظيم، فتبالغ في نصحه، واستنزاله عن رأيه، فإذا لم تر منه إلا الإباء، والتصميم؛ حردت عليه، وقلت: أنت وشأنك، وافعل ما شئت! فلا تريد بهذا حقيقة الأمر. كيف والآمر بالشيء مريد له؟! وأنت شديد الكراهة، متحسر، ولكنك كأنك تقول له:
فإذا قد أبيت قبول النصيحة، فأنت أهل لأن يقال لك: افعل ما شئت، وتبعث عليه؛ ليتبين لك إذا فعلت صحة رأي الناصح، وفساد رأيك. انتهى. بحروفه. أقول: ومن هذه المشكاة قوله تعالى: {اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} رقم [40] من سورة (فصلت).
الإعراب: {لِيَكْفُرُوا:} فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، وأن المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل {يُشْرِكُونَ} . هذا؛ وعلى اعتبار اللام لام الأمر، فالفعل مجزوم، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. {بِما:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. {آتَيْناهُمْ:} فعل ماض مبني على السكون، و (نا): فاعله، والهاء مفعوله الأول، والمفعول الثاني، وهو العائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:(بالذي)، أو بشيء آتيناهموه. {وَلِيَتَمَتَّعُوا:} معطوف على {لِيَكْفُرُوا} على الوجهين المعتبرين فيه. {فَسَوْفَ:} الفاء: حرف استئناف، وقيل: هي الفصيحة، ولا وجه له. (سوف):
حرف تسويف، واستقبال. {يَعْلَمُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.
الشرح: {أَوَلَمْ يَرَوْا} يعني: أهل مكة. {أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً} أي: جعلنا بلدهم، وهو مكة آمنا مصونا من النهب، والتعدي، ومن القتل، والسبي. {وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ:} يختلسون
قتلا، وسبيا؛ إذ كانت العرب حول الكعبة يغزو بعضهم بعضا، ويتغاورون، ويتناهبون، وأهل مكة قارّون آمنون فيها، لا يغزون، ولا يغار عليهم مع قلتهم، وكثرة العرب حولهم، فذكرهم الله هذه النعمة الخاصة بهم. هذا؛ والتخطف: الانتزاع، والأخذ بسرعة.
ولا تنس: أن ذلك كان تحقيقا لدعوة إبراهيم، وإجابة لسؤاله، فقد قال الله تعالى في سورة (البقرة) رقم [126]:{وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً،} وقال في السورة المسماة باسمه رقم [35]: {وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً} فقد حقق الله رجاءه، وأجاب دعوته، والحمد لله رب العالمين، وكان ذلك فخرا للمسلمين إلى يوم الدين.
{أَفَبِالْباطِلِ} يعني: الشيطان، والأصنام. {يُؤْمِنُونَ} يؤملون أن تنفعهم، والمعنى: أبعد هذه النعمة الظاهرة وهي الأمن، والاستقرار في بلدهم، وغير هذه النعمة مما لا يقدر عليه إلا الله يؤمنون بالأصنام، وينقادون للشيطان؟! {وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ} أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم والإسلام يكافرون؛ حيث أشركوا مع الله في العبادة أحقر خلقه. هذا؛ ولم يذكر الله الضمير: (هم) هنا، وذكره في سورة (النحل) رقم [72] بقوله:{وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} لأن ما في سورة (النحل) اتصل بقوله تعالى: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً} وهو بالخطاب كما ترى، فلو ترك:(هم) لالتبست الغيبة بالخطاب بأن تبدل الياء تاء.
الإعراب: {أَوَلَمْ:} الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. {يَرَوْا:} فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، والفعل بصري، لا علمي. {أَنّا:} حرف مشبه بالفعل، و:(نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. {جَعَلْنا:} فعل وفاعل. {حَرَماً:} مفعول به. {آمِناً:} صفة {حَرَماً،} وجملة: {جَعَلْنا حَرَماً آمِناً} في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية:{أَوَلَمْ يَرَوْا..} . إلخ مستأنفة لا محل لها. {وَيُتَخَطَّفُ:} الواو: واو الحال. (يتخطف): فعل مضارع مبني للمجهول. {النّاسُ:}
نائب فاعل. {مِنْ حَوْلِهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: (يتخطف
…
) إلخ في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وهم يتخطف الناس من حولهم. والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ ولا يجوز اعتبار الجملة الفعلية حالا بمفردها؛ لاقترانها بالواو، وهي مضارعية، وهذا ممتنع كما هو معروف في القواعد النحوية.
قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وذات بدء بمضارع ثبت
…
حوت ضميرا ومن الواو خلت
وذات واو بعدها انو مبتدا
…
له المضارع اجعلنّ مسندا
{أَفَبِالْباطِلِ:} الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على محذوف، التقدير: أيكفرون بالله الذي هذا شأنه، فيؤمنون. (بالباطل): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. {يُؤْمِنُونَ:} فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي معطوفة على المقدرة، ولا محل لها على الاعتبارين. {وَبِنِعْمَةِ:} الواو: حرف عطف. (بنعمة):
جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و (نعمة) مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه. {يَكْفُرُونَ:} فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
الشرح: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً} أي: لا أحد أظلم ممن جعل مع الله شريكا وولدا، وإذا فعل فاحشة قال:{وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها} . {أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ..} . إلخ، فقد جمعوا بين أمرين لا يجتمعان عند عاقل: افتراؤهم على الله بما هو باطل غير ثابت بالحجة، أو المعنى: لا أحد أظلم ممن ذهب إلى أحد الأمرين، فكيف بمن جمع بينهما، والأمر الأول هو ما زعمه مشركو العرب من كون الملائكة بنات الله تعالى، والأمر الثاني هو تكذيبهم بالقرآن الكريم، وبالمعجزات التي أيد الله بها نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم.
{أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُ} أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم، أو بالقرآن، وفي لفظ:{لَمّا} تسفيه لهم حيث لم يتوقفوا، ولم يتأملوا قط حين جاءهم، بل سارعوا إلى التكذيب أول ما سمعوه، ولم يفعلوا كما يفعل العقلاء المتثبتون في الأمور، يسمعون الخبر، فيستعملون فيه الروية، والفكر، ويستأنون إلى أن يتضح لهم صدقه، أو كذبه.
{أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ:} هذا تقرير لثوائهم؛ لأن همزة الاستفهام إذا دخلت على النفي صار إيجابا فيرجع إلى معنى التقرير، قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في سورة (الضحى):{أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى،} وقال له في سورة (الشرح): {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ،} وقال جرير يخاطب عبد الملك بن مروان، ويمدحه:[الوافر] ألستم خير من ركب المطايا
…
وأندى العالمين بطون راح؟
إذ المعنى: ألا يستوجبون، ويستحقون الثواء في جهنم، والإقامة فيها، وقد افتروا على الله مثل هذا الكذب، وكذبوا بالحق مثل هذا التكذيب، أو لاجترائهم على الله؛ أي: ألم يعلموا علم اليقين، ويستقر في نفوسهم: أن في جهنم مثوى للكافرين المكذبين؛ حتى اجترءوا على الله هذه الجرأة؟!
هذا؛ و {مَثْوىً} بمعنى: مأوى، وكلاهما بمعنى المستقر، والملجأ، والفرق بينهما: أن المثوى مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأما المأوى فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان ولو مؤقتا، وقدم المأوى على المثوى في قوله تعالى:{وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ؛} لأنه على الترتيب الوجودي يأوي، ثم يثوي. هذا و {مَثْوىً} مشتق من: ثوى بالمكان: إذا أقام به ثواء، وثويّا، مثل: مضى، يمضي مضاء، ومضيّا، ولو كان من: أثوى لكان: مثوى، وهذا يدل على أن «ثوى» هي اللغة الفصيحة، وحكى أبو عبيد: أثوى، وأنشد قول الأعشى:[الكامل] أثوى وقصّر ليلة ليزوّدا
…
ومضى وأخلف من قتيلة موعدا
والأصمعي لا يعرف إلا «ثوى» ويروى البيت (أثوى) على الاستفهام، وأثويت غيري يتعدى، ولا يتعدى.
الإعراب: {وَمَنْ:} الواو: حرف استئناف. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {أَظْلَمُ:} خبر المبتدأ، وفاعله مستتر فيه. {مِمَّنِ:} جار ومجرور متعلقان ب: {أَظْلَمُ،} و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر ب:(من).
{اِفْتَرى:} فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره:
«هو» ، يعود إلى (من) وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة (من)، أو صفتها. {عَلَى اللهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {كَذِباً:} مفعول به. {أَوْ:} حرف عطف.
{كَذَّبَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. {بِالْحَقِّ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {لَمّا:} ظرف زمان بمعنى «حين» مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل {كَذَّبَ} . {جاءَهُ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى الحق، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {لَمّا} إليها، وجملة:{كَذَّبَ..} . إلخ معطوفة على جملة: {اِفْتَرى..} . إلخ على الوجهين المعتبرين فيها. والجملة الاسمية: {وَمَنْ أَظْلَمُ..} . إلخ مستأنفة لا محل لها. {أَلَيْسَ:}
الهمزة: حرف استفهام تقريري. (ليس): فعل ماض ناقص. {فِي جَهَنَّمَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (ليس) تقدم على اسمها، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. {مَثْوىً:} اسم (ليس) مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة، لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. {لِلْكافِرِينَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: {مَثْوىً،} وجملة: {أَلَيْسَ..} . إلخ مستأنفة لا محل لها.
{وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)}
الشرح: {وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا} أي: جاهدوا في طلب مرضاتنا. فقد أطلق المجاهدة، ولم يقيدها بمفعول؛ ليتناول كل ما تجب مجاهدته، من النفس، والشيطان، وأعداء الدين. قال
أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط، بل هو نصر الدين، والرد على المبطلين، وقمع الظالمين، وأعظمه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله، وهو الجهاد الأكبر، فقد روى البيهقي بإسناد حسن صحيح: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدموا من الجهاد، تلقاهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال لهم:«مرحبا بكم قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» . قالوا: وما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟! قال: «جهاد النفس» .
وقال عبد الله بن عباس، وإبراهيم بن أدهم-رضي الله عنهما: الآية في الذين يعملون بما يعلمون؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من عمل بما علم؛ علّمه الله ما لم يعلم» . ونزع بعض العلماء إلى قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ} . وقال عمر بن عبد العزيز-رضي الله عنه: إنما قصّر بنا عن علم ما جهلنا تقصيرنا في العمل بما علمنا، ولو عملنا ببعض ما علمنا لأورثنا علما لا تقوم به أبداننا، قال الله تعالى:{وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ} .
{لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا} أي: طرق السير إلينا، والوصول إلى جنابنا، أو لنزيدنهم هداية إلى سبل الخير، وتوفيقا لسلوكها، لقوله تعالى:{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ} وهاك أقوالا أخر في تفسير هذه الآية: فعن الفضيل قوله: والذين جاهدوا في طلب العلم؛ لنهدينهم سبل العمل به. وعن سهل قوله: والذين جاهدوا في إقامة السنة؛ لنهدينهم سبل الجنة. وعن ابن عطاء قوله: والذين جاهدوا في رضانا؛ لنهدينهم إلى الوصول إلى محل الرضوان. وعن ابن عباس قوله: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا. وعن الجنيد قوله: والذين جاهدوا في التوبة؛ لنهدينهم سبل الإخلاص، أو جاهدوا في خدمتنا، لنفتحنّ عليهم سبل المناجاة معنا، والأنس بنا، أو جاهدوا في طلبنا تحرّيا لرضانا؛ لنهدينهم سبل الوصول إلينا. انتهى. نسفي.
{وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ:} بالعون، والرعاية، والتوفيق، والهداية، ومع جميع الناس بالعلم، والقدرة، والإحاطة، فبين المعنيين بون، ومع المحسنين بالنصرة، والمعونة في الدنيا، وبالثواب والمغفرة في العقبى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: {وَالَّذِينَ:} الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {جاهَدُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {فِينا:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
{لَنَهْدِيَنَّهُمْ:} اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (نهدينهم): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:«نحن» . {سُبُلَنا:} مفعول به، و (نا):
ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية:{لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا} جواب القسم
المحذوف، والقسم وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ، وانظر الآية رقم [58] ففيها كبير فائدة، والجملة الاسمية:{وَالَّذِينَ..} . إلخ مستأنفة لا محل لها. {وَإِنَّ:} الواو: حرف استئناف.
(إنّ): حرف مشبه بالفعل. {اللهَ:} اسم (إن). {لَمَعَ:} اللام: لام الابتداء، وتسمى:
(المزحلقة) هنا. (مع): ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: (إن)، و (مع) مضاف، و {الْمُحْسِنِينَ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية:{وَإِنَّ اللهَ..} . إلخ مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الفاعل المستتر؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو فقط.
تأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، ورحم الله قيس بن سعد بن عبادة-رضي الله عنهما-إذ يقول:[مخلع البسيط] يا ناظرا في الكتاب بعدي
…
مجتنيا من ثمار جهدي
بي افتقار إلى دعاء
…
تهديه لي في ظلام لحدي
انتهت سورة العنكبوت شرحا وإعرابا، بحمد الله وتوفيقه
والحمد لله رب العالمين.