المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة الرّوم   سورة الروم، وهي مكية كلها، وهي ستون آية، وثمانمائة - تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة - جـ ٧

[محمد علي طه الدرة]

الفصل: ‌ ‌سورة الرّوم   سورة الروم، وهي مكية كلها، وهي ستون آية، وثمانمائة

‌سورة الرّوم

سورة الروم، وهي مكية كلها، وهي ستون آية، وثمانمائة وتسع عشرة كلمة، وثلاثة آلاف وخمسمائة وأربعة وثلاثون حرفا. انتهى. خازن.

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم

{الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3)}

الشرح: {الم:} ألف لام ميم، اعلم: أن مجموع الأحرف المنزلة في أوائل السور أربعة عشر حرفا، وهي نصف حروف الهجاء، وقد تفرقت في تسع وعشرين سورة، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الفواتح شيء، يصلح للتمسك به؛ لذا كان بعده فيها مذهبان: مذهب السلف: التفويض، ومذهب الخلف: التأويل، فالصحابة، والتابعون لم يخوضوا في تفسيرها، ويكلون العلم بها إلى الله تعالى. فعن أبي بكر الصديق-رضي الله عنه: أنه قال: في كل كتاب سرّ، وسرّ الله في القرآن أوائل السور. وعن عمر، وعثمان، وابن مسعود-رضي الله عنهم: أنهم قالوا: الحروف المقطعة من السر المكتوم؛ الذي لا يفسر. وعن علي بن أبي طالب-كرم الله وجهه-: أنه قال: إن لكل كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي. ولكن بعد أن اتسعت رقعة البلاد الإسلامية، ودخل أكثر أهل البلاد المفتوحة في الدين الإسلامي الحنيف، وظهرت الملل، والنحل خصوصا في العصر العباسي؛ اضطر علماء المسلمين للخوض في تفسير هذه الحروف، وأعني بهؤلاء الخلف، وبمذهبهم مذهب الخلف، وكثرت الأقوال والتفاسير في ذلك:

فقيل: كل حرف مفتاح اسم من أسماء الله تعالى، فالألف مفتاح اسمه الله، واللام مفتاح اسمه اللطيف، والميم مفتاح اسمه المجيد. وقيل: الألف آلاء الله، واللام لطفه، والميم ملكه. وقيل: هي أسماء مقطعة لو علم الناس تأليفها، لعلموا اسم الله الأعظم، ألا ترى أنك تقول {الر} و {لَحْمَ} و {ن} فيكون مجموعها الرحمن وكذلك سائرها، ولكن لم يتهيأ تأليفها جميعا. وقيل: هي أسماء للسور التي بدئت بها. وقيل: غير ذلك. انتهى. من تفسير سورة (البقرة).

وينبغي أن تعلم: أن هذا اللفظ أعني: {الم} قد ذكر في أول سورة (البقرة)، وأول سورة (آل عمران)، وأول سورة (العنكبوت) وأول سورة (الروم) هذه، وأول سورة (لقمان) وأول سورة

ص: 230

(السجدة) وذكر في أول سورة (الأعراف){المص،} وفي أول سورة (الرعد){المر،} والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

{غُلِبَتِ الرُّومُ:} الروم اسم قبيلة، سميت باسم جدها الأول، وهو: روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. وسبب نزول الآيات على ما ذكره المفسرون: أنه كان بين فارس والروم قتال، وكان المشركون يودون أن تغلب فارس الروم؛ لأن الفرس كانوا مجوسا أميين مثل المشركين، وكان المسلمون يودون غلبة الروم على فارس لكونهم أهل كتاب مثل المسلمين، فبعث كسرى جيشا إلى الروم استعمل عليهم رجلا، يقال له:

شهريزان، وبعث قيصر جيشا وأمر عليهم رجلا يدعى بخين. وقيل: بخنس، فالتقيا بأذرعات وبصرى، وهي أدنى بلاد الشام إلى أرض العرب والعجم، فغلبت فارس الروم، فبلغ ذلك المسلمين بمكة، فشق عليهم، وفرح به كفار قريش، وقالوا للمسلمين: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أمّيّون، وفارس أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم، وإنكم إن قاتلتمونا؛ لنظهرن عليكم.

فأنزل الله تعالى هذه الآية فخرج أبو بكر الصديق-رضي الله عنه-إلى كفار مكة، وقال:

فرحتم بظهور إخوانكم، فلا تفرحوا، فو الله لتظهرن الروم على فارس أخبرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، فقام إليه أبيّ بن خلف الجمحي، وقال: كذبت! فقال له الصديق-رضي الله عنه: أنت أكذب يا عدوّ الله! فقال: اجعل أجلا أناحبك عليه، والمناحبة: القمار والمراهنة؛ أي: أراهنك عليه، فناحبه على عشر قلائص مني، وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت لك، وإن ظهرت فارس على الروم غرمت لي. ففعلوا، وجعلوا الأجل ثلاث سنين، فجاء أبو بكر رضي الله عنه-إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك، وكان ذلك قبل تحريم القمار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«ما هكذا ذكرت، إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر، ومادده في الأجل» . فخرج أبو بكر، رضي الله عنه، فلقي أبيّا، فقال: لعلك ندمت، فقال: لا، فتعال أزيدك في الخطر، وأماددك في الأجل فاجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين. وقيل: إلى سبع.

فلما خشي أبيّ بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة أتاه، ولزمه، وقال: إني أخاف أن تخرج من مكة، فأقم لي كفيلا ضامنا، فكفله ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أبي بن خلف أن يخرج إلى أحد، أتاه عبد الله بن أبي بكر، فلزمه، وقال: لا أدعك حتى تعطيني كفيلا، فأعطاه كفيلا، ثم خرج إلى أحد، ثم رجع أبي بن خلف إلى مكة، ومات بها من جراحته التي جرحه إياها النبي صلى الله عليه وسلم حين بارزه، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك على رأس سبع سنين من مناحبتهم. وقيل: كان يوم بدر، وربطت الروم خيولهم بالمدائن.

وبنوا بالعراق مدينة، وسمّوها روميّة، فقمر أبو بكر-رضي الله عنه-أبيّا، وأخذ مال الخطر

ص: 231

من ورثته، وجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك قبل أن يحرّم القمار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:«تصدق به» . انتهى. خازن.

وكان سبب غلبة الروم فارسا على ما قاله عكرمة وغيره: أن شهريزان لما غلب الروم لم يزل يطؤهم، ويخرب مدائنهم؛ حتى بلغ الخليج، فبينا أخوه فرّخان جالس ذات يوم يشرب؛ قال لأصحابه: لقد رأيت أني جالس على سرير كسرى، فبلغت كلمته كسرى! فكتاب إلى شهريزان:

إذا أتاك كتابي فابعث إليّ برأس أخيك فرّخان! فكتاب إليه: أيها الملك! إنك لم تجد مثل فرخان، إن له لنكاية، وصولة في العدو، فلا تفعل! فكتاب إليه: إن في رجال فارس خلفا عنه، فعجّل إليّ برأسه! فراجعه، فغضب كسرى، ولم يجبه وبعث بريدا إلى أهل فارس: إني قد عزلت عنكم شهريزان، واستعملت عليكم فرخان، ثم بعث مع البريد صحيفة صغيرة، وأمره فيها بقتل شهريزان، وقال: إذا ولي فرّخان الملك، وانقاد له أخوه، فأعطه الصحيفة.

فلما وصل البريد إلى شهريزان عرض عليه كتاب كسرى، فلما قرأه قال: سمعا وطاعة، ونزل عن سرير الملك، وأجلس عليه أخاه فرّخان، فدفع البريد الصحيفة إلى فرخان فلما قرأها استدعى أخاه شهريزان، وقدمه ليضرب عنقه، فقال له: لا تعجل حتى أكاتب وصيتي! قال:

نعم، فدعا بسفط، ففتحه، وأعطاه ثلاث صحائف منه، وقال: كل هذا راجعت فيك كسرى، وأنت تريد قتلي بكتاب واحد، فرد فرخان الملك إلى أخيه شهريزان.

ثم كتاب إلى قيصر ملك الروم: أما بعد: إن لي إليك حاجة، لا تحملها البرد، ولا تبلغها الصحف، فالقني في خمسين روميّا حتى ألقاك في خمسين فارسيا، فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي، وجعل يضع العيون بين يديه في الطرق، مخافة أن يمكر به شهريزان حتى أتاه عيونه، فأخبروا: أنه ليس معه إلا خمسون فارسيا، فلما التقيا ضربت لهما قبة، فيها ديباج، فدخلاها ومع كل واحد منهما سكين، ودعيا بترجمان يترجم بينهما، فقال شهريزان: إن الذي خرب بلادك أنا، وأخي بكيدنا، وشجاعتنا، وإن كسرى حسدنا، وأراد أن يقتل أخي، فأبيت عليه، ثم أمر أخي بقتلي، فأبى عليه، وقد خلعناه، ونحن نقاتله معك، فقال: قد أصبتما، وأشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين، فإذا جاوزهما فشا، فقتلا الترجمان معا بسكينهما، ونشبت الحروب بعدئذ، وأديل للروم على فارس عند ذلك، وغلبوهم، وقتلوهم، وجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، ففرح، ومن كان معه من المسلمين بذلك، فذلك قوله تعالى:{الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ..} . إلخ. انتهى. خازن. والبادئ في الحرب الأولى الفرس، وفي هذه الروم.

{أَدْنَى:} أقرب. قال ابن عطية، فإن كانت الواقعة بأذرعات، فهي من أدنى الأرض بالقياس إلى مكة، وهي التي ذكرها امرؤ القيس في قوله:[الطويل] تنوّرتها من أذرعات وأهلها

بيثرب أدنى دارها نظر عالي

ص: 232

وإن كانت الواقعة في الجزيرة، فهي أدنى بالقياس إلى أرض كسرى، وإن كانت بالأردن، فهي أدنى إلى أرض الروم. وكان في هذا الإخبار دليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الروم قد غلبتها فارس، فأخبر الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، وأن المؤمنين يفرحون بذلك، وفي هذا الإخبار دليل على أن القرآن من عند الله؛ لأن الآيات أنبأت عن علم الغيب؛ الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.

وقوله تعالى: {فِي أَدْنَى الْأَرْضِ} لبيان شدة ضعفهم، أي: انتهى ضعفهم إلى أن وصل عدوهم إلى طرف بلادهم، وكسروهم، وهم في بلادهم، ثم غلبوا حتى وصلوا إلى المدائن، وبنوا هناك الروميّة، لبيان: أن هذه الغلبة العظيمة بعد ذلك الضعف العظيم كان، بإذن الله تعالى. انتهى جمل نقلا من كرخي. قال الزمخشري: وهذه الآية من الآيات البينة الشاهدة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن القرآن من عند الله؛ لأنها إنباء عن علم الغيب؛ الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.

الإعراب: {الم:} في إعراب هذا اللفظ وجوه: الأول: أن محله الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هذه الم. أو هو مبتدأ خبره ما بعده. والثاني: أن محله النصب على أنه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اقرأ، أو اتل الم، أو هو منصوب على تقدير حذف حرف القسم، كما تقول: الله لأفعلنّ، والناصب فعل محذوف أيضا، التقدير: التزمت الله، أي:

اليمين به. والثالث: أن محله الجر على القسم، وحرف الجر محذوف، وبقي عمله بعد الحذف؛ لأنه مراد، فهو كالملفوظ به، وتقدير الكلام على هذا: أقسم، أو أحلف ب: الم، وضعف هذا سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-، فقال: وهذا ضعيف؛ لأن ذلك؛ أي: حذف الجار، وإبقاء عمله من خصائص الجلالة المعظمة، لا يشركها فيه غيرها. ولا محل لها من الإعراب على اعتبارها وأمثالها حروفا مقطعة، أو مختصرة من أسماء.

{غُلِبَتِ:} فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. {الرُّومُ:} نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل رفع خبر:{الم} على وجه مر ذكره في إعرابها. {فِي أَدْنَى:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، و {أَدْنَى} مضاف، و {الْأَرْضِ} مضاف إليه. {وَهُمْ:} الواو: واو الحال.

(هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {مِنْ بَعْدِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، و {بَعْدِ:} مضاف، و {غَلَبِهِمْ} مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف؛ إذ التقدير: من بعد غلب فارس لهم. {سَيَغْلِبُونَ:} السين: حرف استقبال. (يغلبون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون

إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{وَهُمْ مِنْ بَعْدِ..} . إلخ في محل نصب حال من الروم، والرابط:

ص: 233

الواو، والضمير. هذا؛ واقتران الجملة الخبرية بالسين، لا يضر، وهو من قبيل الوعد، ووعد الله حق، لا يخلف فكان بمنزلة الواقع حالا، وإن اعتبرتها معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، فمحلها مثلها، والحالية أقوى.

{فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4)}

الشرح: {فِي بِضْعِ سِنِينَ:} البضع مأخوذ من: بضعت الشيء؛ أي: قطعته، فهو قطعة من العدد، وهو في العدد بكسر الباء، وبعض العرب يفتحها، وهو ما بين الثلاث إلى التسع، تقول: بضع سنين، وبضعة عشر رجلا، وبضع عشرة امرأة، فإذا جاوزت لفظ العشر، ذهب البضع، لا تقول: بضع وعشرون، وقد يقال. والبضع: الطائفة من الليل، والبضع بضم الباء:

الجماع، أو الفرج نفسه، والمهر، والطلاق، وعقد النكاح. وقد أبهم البضع ولم يبينه، وإن كان معلوما لنبيه صلى الله عليه وسلم، لإدخال الرعب والخوف عليهم في كل وقت. انتهى. جمل نقلا من الرازي.

{سِنِينَ:} جمع سنة، والأصل فيها ألا تجمع بالياء والنون؛ لأن الواو والنون لمن يعقل، ولكن جاز ذلك فيها، وإن كانت ممن لا يعقل للحذف الذي دخلها؛ لأن أصلها سنوة.

وقيل: سنهة على فعلة، دليله قولهم: في جمع الأول سنوات جمع مؤنث سالم، وقولهم:

سانهت، وتجمع على سنهات، كسرت السين في {سِنِينَ} لتدل على أنه جمع على غير الأصل؛ لأن كل ما جمع جمع السلامة، لا يتغير فيه بناء الواحد، فلما تغير بناء الواحد في هذا الجمع بكسر أوله، وقد كان مفتوحا في الواحد؛ علم أنه جمع على غير أصله، لذا فإنه يلحق بجمع المذكر السالم إلحاقا، والنسبة إلى سنة: سنهي، أو سنوي.

{لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ:} أخبر الله تعالى بانفراده بالقدرة، وأن ما في العالم من غلبة وغيرها إنما هي منه، وبإرادته، وقدرته، فقال:{لِلّهِ الْأَمْرُ} أي: إنفاذ الأحكام. و {مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} أي: من قبل كل شيء، ومن بعد كل شيء، أو حين غلبوا، وحين يغلبون، والمعنى:

أن كونهم مغلوبين أولا، وغالبين آخرا ليس إلا بأمر الله، وقضائه، قال تعالى:{وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ} . هذا؛ و {قَبْلُ} و {بَعْدُ} ظرفان بنيا على الضم؛ لأنهما تعرّفا بحذف ما أضيفا إليهما، وصارا متضمنين ما حذف، فخالفا تعريف الأسماء، وأشبها الحروف في التضمين، فبنيا، وخصّا بالضم لشبههما بالمنادى المفرد في أنه إذا نكر وأضيف؛ زال بناؤه، وكذلك هما، فضما. هذا؛ وقرئ شاذا بالجر بالتنوين، وعدمه.

(يومئذ): التنوين فيه ينوب عن جملة محذوفة، دلت عليها الغاية، أي: يوم ينتصر الروم على الفرس، و (إذ) مضافة لهذه الجملة في الأصل، فإن أصل الكلام: يوم إذ ينتصر الروم على الفرس، ويتحقق وعد الله بنصرهم، فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت

ص: 234

الذال لالتقاء الساكنين، كما كسرت الهاء في صه، ومه عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في: حينئذ، وساعتئذ، ونحوهما، وانظر الفرح في الآية رقم [32] الآتية.

الإعراب: {فِي بِضْعِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل: (يغلبون) و {بِضْعِ} مضاف، و {سِنِينَ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. {لِلّهِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {الْأَمْرُ:} مبتدأ مؤخر. {مِنْ قَبْلُ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وهو أولى من تعليقهما بمحذوف خبر ثان، وبني {قَبْلُ} على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: في ألفيته: [الرجز] واضمم بناء غيرا أن عدمت ما

له أضيف ناويا ما عدما

قبل كغير بعد حسب أوّل

ودون والجهات أيضا وعل

(من بعد): جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما، والجملة الاسمية:{لِلّهِ الْأَمْرُ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{وَيَوْمَئِذٍ:} الواو: حرف استئناف. (يومئذ): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و (إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين.

{يَفْرَحُ:} فعل مضارع. {الْمُؤْمِنُونَ:} فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي معطوفة على ما قبلها، ولا محل لها على الاعتبارين.

{بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)}

الشرح: {يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللهِ} أي: يفرح بنصر الله من له كتاب، وهم الروم على من لا كتاب له، وهم الفرس، لما في ذلك من انقلاب التفاؤل، وظهور صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من أهل مكة، وغلبة أبي بكر الصديق-رضي الله عنه-في رهانه مع أبي بن خلف كما رأيت، وازدياد يقينهم، وثباتهم في دينهم. {يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ} أي: من أوليائه على أعدائه؛ لأن نصره مختص بغلبة أوليائه؛ لأعدائه، فأما غلبة أعدائه لأوليائه؛ فليس بنصر، وإنما هو ابتلاء، وقد يسمى ظفرا. {وَهُوَ الْعَزِيزُ:} القوي الغالب القاهر ينتقم من أعدائه. {الرَّحِيمُ:} بأهل طاعته، ينصرهم؛ إن نصروا دينه، وتعاليم نبيه.

الإعراب: {بِنَصْرِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل يفرح، و (نصر) مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف، انظر الشرح. {يَنْصُرُ:} فعل مضارع،

ص: 235

والفاعل يعود إلى {اللهِ} . {مَنْ:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ينصر الذي، أو: شخصا يشاء نصره، والجملة الفعلية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير فقط. وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. {وَهُوَ:} الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {الْعَزِيزُ:} خبر أول.

{الرَّحِيمُ:} خبر ثان، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل (ينصر) المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها أيضا.

{وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6)}

الشرح: {وَعْدَ اللهِ} أي: وعد الله وعدا قاطعا بظهور الروم على فارس. {لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ:}

لامتناع الخلف في حقه تعالى كرما، وجودا. {وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ:} الحقيقة، ولا يفهمونها، وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لا يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصيره في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو لأنه يقام مقام الكل. وخذ قول الشاعر:[البسيط] لم يبق من جلّ هذا الناس باقية

ينالها الوهم إلا هذه الصّور

لا يدهمنّك من دهمائهم عدد

فإنّ جلّهم بل كلّهم بقر

دهمه: غشيه، يقول: لا يدهمنك من جماعتهم الكثيرة عدد فيهم غناء، ونصرة، فإن كلهم كالأنعام، والبهائم، ولله درّ القائل:[المنسرح] لا يدهمنّك اللّحاء والصّور

تسعة أعشار من ترى بقر

في شجر السّرو منهم شبه

له رواء ما له ثمر

ورضي الله عن حسان بن ثابت؛ إذ يقول: [البسيط] لا بأس بالقوم من طول ومن عظم

جسم الجمال وأحلام العصافير

هذا والفعل {يَعْلَمُونَ} من المعرفة، لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أن المعرفة تكتفي بمفعول واحد، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته:[الرجز] لعلم عرفان وظنّ تهمه

تعدية لواحد ملتزمه

بخلافه من العلم اليقيني، فإنه ينصب مفعولين، أصلهما: مبتدأ، وخبر، وأيضا فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأن متعلقها الذوات دون النّسب بخلاف العلم، فإن متعلقه المعاني، والنّسب، وتفصيل ذلك: أنك إذا قلت: عرفت زيدا؛ فالمعنى: أنك عرفت ذاته، ولم ترد أنك

ص: 236

عرفت وصفا من أوصافه، فإذا أردت هذا المعنى لم يتجاوز مفعولا؛ لأن العلم، والمعرفة تناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك، وإذا قلت: علمت زيدا قائما، لم يكن المقصود: أن العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنما المعنى: أن العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصفة.

هذا؛ والوعد يستعمل في الخير والشر، وانظر الآية رقم [61] من سورة (القصص) ففيها الكفاية.

الإعراب: {وَعْدَ:} مفعول مطلق عامله محذوف دل عليه قوله تعالى: {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} لأن هذا الكلام كان بمنزلة الوعد للمؤمنين، و {وَعْدَ} مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. {لا:} نافية. {يُخْلِفُ:} فعل مضارع. {اللهِ:} فاعله. {وَعْدَهُ:}

مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط إعادة اللفظ الكريم بعينه وهي مؤكدة لمعنى المصدر، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفندا. {وَلكِنَّ:} الواو: حرف عطف. (لكن):

حرف مشبه بالفعل. {أَكْثَرَ:} اسمها، و {أَكْثَرَ} مضاف، و {النّاسِ} مضاف إليه. {لا:}

نافية. {يَعْلَمُونَ:} فعل مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر:(لكنّ)، والجملة الاسمية:{وَلكِنَّ أَكْثَرَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له.

{يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (7)}

الشرح: {يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا} أي: ما يشاهدونه منها، والتمتع بزخارفها، ويعلمون أمر معاشهم؛ كيف يكسبون، ويتجرون، ومتى يغرسون، ويزرعون، ويحصدون. قال الحسن: إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره، فيذكر وزنه لا يخطئ؛ وهو لا يحسن أن يصلي.

وقيل: إن المعنى لا يعلمون الدنيا بحقيقتها إنما يعلمون ظاهرها، وهو ملاذّها، وملاعبها، ولا يعلمون باطنها، وهو مضارّها، ومتاعبها.

{وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ} أي: عن العلم بها، والعمل لها، وأنّها غاية الدنيا، والمقصود منها. {هُمْ غافِلُونَ:} لا تخطر ببالهم. وهو نداء، وإشعار على تمكن غفلتهم عن الآخرة. وهو تقرير لجهالتهم، وتشبيه لهم بالحيوانات، وخذ ما يلي وهو قول بعضهم:[الكامل] ومن البليّة أن ترى لك صاحبا

في صورة الرّجل السّميع المبصر

فطن بكلّ مصيبة في ماله

وإذا يصاب بدينه لم يشعر

فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبغض كلّ جعظريّ جوّاظ، صخّاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنّهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة» .

ص: 237

الإعراب: {يَعْلَمُونَ:} فعل مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله. {ظاهِراً:} مفعول به. {مِنَ الْحَياةِ:} جار ومجرور متعلقان ب: {ظاهِراً} . {الدُّنْيا:} صفة {الْحَياةِ} مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة:{يَعْلَمُونَ..} . إلخ بدل من الجملة قبلها، وفيه إشعار: أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل، وبين العلم المقصور على معرفة الدنيا، وتحصيل متاعها الزائل. وفي هذا الإبدال مخالفة بين النفي والإثبات؛ لذا فقد قيل بالاستئناف. {وَهُمْ:} الواو:

واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {عَنِ الْآخِرَةِ:} جار ومجرور متعلقان ب: {غافِلُونَ} بعدهما. {هُمْ:} توكيد لما قبله. {غافِلُونَ:} خبر المبتدأ. هذا وإن اعتبرت {هُمْ} الثانية مبتدأ ثانيا، و {غافِلُونَ} خبره، فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية:{هُمْ..} . إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، ومثلها الآية رقم [37] من سورة (يوسف).

{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (8)}

الشرح: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ} أي: أولم يتفكروا في أنفسهم، التي هي أقرب إليهم من غيرها من المخلوقات، وهم أعلم بأحوالها منهم بأحوال ما عداها، فيتدبروا ما أودعها الله ظاهرا، وباطنا من غرائب الحكمة الدالة على التدبير دون الإهمال، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى وقت تجازى فيه على الإحسان إحسانا، وعلى الإساءة مثلها؛ حتى يعلموا عند ذلك: أن سائر الخلائق كذلك، أمرها جار على الحكمة في التدبير، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى ذلك الوقت، قال تعالى في آية أخرى:{وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} الذاريات.

{ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما:} هو مثل قوله تعالى في آية أخرى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ} والمعنى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا،} أولم ينظروا نظر تفكر، واعتبار، واستدلال، واستبصار. {إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى} أي: ما خلق الله السموات والأرض، وما بينهما باطلا وعبثا بغير حكمة بالغة، ولا لتبقى خالدة، وإنما خلقها مقرونة بالحق، مصحوبة بالحكمة، وبتقدير أجل مسمى، لا بد لها من أن تنتهي إليه، وهو قيام الساعة، ووقت الحساب، والثواب، والعقاب. ألا ترى إلى قوله جل ذكره في آية أخرى:{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ} كيف سمى تركهم غير راجعين إليه عبثا. {وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ} أي: بلقاء جزائه عند انقضاء الأجل المسمى، أو قيام الساعة. {لَكافِرُونَ:}

جاحدون يوم القيامة، ولا يعتقدون بالبعث، والحساب، ولا يقرون بالجزاء، والجنة، والنار، وإنما يظنون: أن الدنيا أبدية، وأن الآخرة لا تكون.

ص: 238

هذا وقد أعاد الضمير إلى السموات والأرض مثنى، والمرجوع إليه مجموع السموات والأرض، وتثنية الجمع جائزة على تأويل الجماعتين، ومنه قول الشاعر، يذم عاملا على الصدقات في عهد بني أمية:[البسيط] سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا

فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟

لأصبح النّاس أوبادا ولم يجدوا

عند التّفرّق في الهيجا جمالين

فقد ثنى: «جمالا» الذي هو جمع: جمل، والعقال: صدقة عام، والسبد: المال القليل، واللبد: المال الكثير، وأوبادا: هلكى جمع: وبد، فهو يقول: صار عمرو عاملا على الزكوات في سنة واحدة، فظلم، وأخذ أموالنا بغير حق، حتى لم يبق لنا إلا شيء قليل من المال، فكيف يكون حالنا؟ وكيف يبقى لأحد مال لو صار عمرو عاملا في زكاة عامين؟ ثم أقسم، فقال: والله لو صار عمرو عاملا سنتين لصارت القبيلة هلكى، فلا يكون لهم عند التفرق في الحرب جمالان؛ أي: قطيعان من الجمال، فيختل أمر الغزوات.

الإعراب: {أَوَلَمْ:} الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف استئناف. (لم):

حرف نفي، وقلب، وجزم. {يَتَفَكَّرُوا:} فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، وهو أقوى من العطف على محذوف، فلا محل لها. {فِي أَنْفُسِهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما بمعنى الظرف له. وقيل: هما في محل نصب مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {ما:} نافية. {خَلَقَ:} فعل ماض. {اللهُ:} فاعله. {السَّماواتِ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. {وَالْأَرْضَ:}

معطوف على {السَّماواتِ} بالواو العاطفة. {وَما:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على {السَّماواتِ وَالْأَرْضَ} . {بَيْنَهُما:} ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. {إِلاّ:}

حرف حصر. {بِالْحَقِّ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، التقدير: إلا مقرونة بالحق. {وَأَجَلٍ:} الواو: حرف عطف. (أجل): معطوف على الحق. فإن التقدير: وبأجل. {مُسَمًّى:} صفة (أجل) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. وجملة:{ما خَلَقَ اللهُ..} .

إلخ قال أبو البقاء والجمل: وجهان: أحدهما أنها مستأنفة، والثاني أنها معلقة للفعل قبلهما عن العمل لفظا، فتكون في محل نصب على نزع الخافض.

وأما الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي، فيعتبرونها في محل نصب مقول القول لقول محذوف. التقدير: أولم يتفكروا، فيقولوا: ما خلق الله

إلخ. وقيل: التقدير: أولم يتفكروا

ص: 239

فيعلموا ما خلق الله

إلخ؛ لأن في الكلام دليلا عليه. {وَإِنَّ:} الواو: حرف استئناف.

(إن): حرف مشبه بالفعل. {كَثِيراً:} اسم (إن). {مِنَ النّاسِ:} جار ومجرور متعلقان ب:

{كَثِيراً} . {بِلِقاءِ:} جار ومجرور متعلقان ب: (كافرون)، و (لقاء) مضاف، و {رَبِّهِمْ:} مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: بلقائهم ربهم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {لَكافِرُونَ:} اللام:

لام الابتداء. وتسمى المزحلقة. (كافرون): خبر (إن) مرفوع

إلخ، والجملة الاسمية:{وَإِنَّ كَثِيراً..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة، فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط: الواو فقط.

{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9)}

الشرح: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ..} . إلخ أي: أولم يمش كفار قريش في نواحي الأرض، وجهاتها ليروا مصارع الأمم المكذبة، وما حل بهم من الهلاك، والدمار، فيعتبروا بهم، وفيه ردع، وزجر للكافرين المكذبين بأن الله سيهلكهم، كما أهلك من قبلهم، فهو حض للكفرة؛ لينظروا نظرة تبصر، واعتبار، لا نظرة غفلة، وإهمال، ينظرون إلى مساكن الأمم الماضية، وديارهم وآثارهم، كيف أهلكهم الله، كما قال تعالى في آية أخرى:{ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [الأنعام: 11].

هذا؛ وعاقبة كل شيء: آخره، ونتيجته، ومصيره، ومآله، ولم يؤنث الفعل:{كانَ؛} لأن {عاقِبَةُ} مؤنث مجازي، وما كان منه يستوي فيه التذكير، والتأنيث، أو لأن {عَقِبِهِ} اكتسب التذكير من المضاف إليه، وهذا باب من أبواب النحو، انظر الشاهد رقم [901] وما بعده من كتابنا فتح القريب المجيب؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.

{كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} أي: في الأبدان، كقوم هود، وكقوم صالح، فإنهم كانوا طوال الأجسام أقوياء الأبدان، كما هو معروف عنهم. وأثاروا الأرض: حرثوا الأرض، وقلبوا وجهها لاستنباط المعادن، واستخراج المياه، وزرع البذور وغيرها. وذكر الله أهل مكة بهذا، ولم يكونوا أهل حرث، وزرع لزيادة العبرة، والعظة لهم. {وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها} أي: عمر الأرض أولئك الأقوام، وشيدوا فيها القصور الشامخة، والعمارة الفخمة أكثر من تعمير كفار قريش لها.

ص: 240

{وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ} أي: بالمعجزات الواضحة، والحجج الدامغة، والدلالات الظاهرة، {فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ} أي: فأهلكهم الله بذنوبهم، وما كان الله مريدا ظلمهم بأن يهلكهم من غير ذنب. {وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي: ظلموا أنفسهم بالكفر، وارتكاب المعاصي، واجتراح السيئات، ومعاندة الواحد القهار.

الإعراب: {أَوَلَمْ:} الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف استئناف. (لم):

حرف نفي، وقلب، وجزم. {يَسِيرُوا:} فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. {فِي الْأَرْضِ:} متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على جملة مقدرة قبلها يقتضيها المقام، أي: أقعدوا في أماكنهم، ولم يسيروا. {فَيَنْظُرُوا:} فعل مضارع مجزوم على اعتبار الفاء عاطفة، أو منصوب على إضمار:«أن» واعتبار الفاء للسببية، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى اعتبار الفعل منصوبا، فيؤول مع «أن» المضمرة الناصبة له بمصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، فيكون التقدير: فهلا حصل منهم سير في الأرض، فنظر في عاقبة الذين من قبلهم. {كَيْفَ:}

اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر {كانَ} تقدم عليها، وعلى اسمها، وهو معلق للفعل قبله عن العمل لفظا. {كانَ:} فعل ماض ناقص. {عاقِبَةُ:} اسمها، و {عَقِبِهِ:}

مضاف، والذين اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. {مِنْ قَبْلِهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.

هذا وإن اعتبرت {كانَ} تامة؛ فالمعنى لا يأباه، فيكون عاقبة فاعلها، وكيف في محل نصب حال من {عاقِبَةُ} والعامل {كانَ،} وعلى الاعتبارين فالجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل قبلها. {كانُوا:} فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. {أَشَدَّ:} خبر {كانَ} . {مِنْهُمْ:} جار ومجرور متعلقان ب {أَشَدَّ} . {قُوَّةً:}

تمييز، وجملة:{كانُوا..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الموصول. فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط الضمير فقط، وقد ربطت بالواو أيضا في آية سورة (فاطر) رقم [44]، ويجب تقدير:«قد» قبلها، لتقربها من الحال. وقيل: مفسرة لما قبلها.

وقيل: بدل منها. {وَأَثارُوا:} الواو: حرف عطف، وجملة:{وَأَثارُوا الْأَرْضَ} معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها. {وَعَمَرُوها:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، و (ها): ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {أَكْثَرَ:} صفة مفعول مطلق محذوف.

التقدير: عمروها عمارة أكثر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. {مِمّا:} (من): حرف

ص: 241

جر. (ما): مصدرية، و (ما) والفعل:(عمر) في تأويل مصدر في محل جر ب: (من)، والجار والمجرور متعلقان ب {أَكْثَرَ،} التقدير: أكثر من عمارتهم.

{وَجاءَتْهُمْ:} الواو: حرف عطف. (جاءتهم): فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {رُسُلُهُمْ:} فاعل. والهاء في محل جر بالإضافة، والميم حرف دال على جماعة الذكور، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.

{فَما:} الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية. {كانَ:} فعل ماض ناقص. {اللهُ:} اسم {كانَ} . {لِيَظْلِمَهُمْ:} فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة وجوبا بعد لام الجحود.

والفاعل يعود إلى الله تعالى، والهاء مفعول به، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام الجحود، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر {كانَ،} التقدير:

وما كان الله مريدا ظلمهم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {وَلكِنْ:} الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل، لا عمل له. {كانُوا:} فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. {أَنْفُسَهُمْ:} مفعول به مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.

{يَظْلِمُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة:{وَلكِنْ كانُوا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

{ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (10)}

الشرح: {ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ..} . إلخ: هذا بيان هلاكهم في الآخرة بعد بيان هلاكهم في الدنيا بسبب تكذيبهم رسلهم، وانظر شرح:{عاقِبَةَ} في الآية السابقة. هذا؛ والسوء: كل ما يغم الإنسان من أمر دنيوي، أو أخروي، وهو في الأصل مصدر، ويؤنث بالألف كما في هذه الآية.

وقيل: إن {السُّواى} تأنيث الأسوأ، كما أن الحسنى تأنيث الأحسن. وقيل: المعنى: ثم كان عاقبة الذين أساءوا العقوبة السوأى. أو الخصلة السوأى، كما قيل: السوأى هي النار. هذا؛ والسوء أيضا: العمل السّيّئ، وأطلق عليه ذلك؛ لأنه يسوء صاحبه، ويغمه عند مجازاته به في الدنيا، وفي الآخرة، وهو بضم السين من ساءه، وهو بفتح السين المصدر، تقول: رجل سوء، ورجل السّوء، ولا تقول: الرجل السّوء. {أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ:} المعنى: ثم كان عاقبة الكافرين السوأى لتكذيبهم بآيات الله، واستهزائهم بها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {ثُمَّ:} حرف عطف. {كانَ:} فعل ماض ناقص. {عاقِبَةَ:} يقرأ بالرفع، والنصب، فمن رفعه جعله اسم {كانَ،} وفي الخبر وجهان، أحدهما:{السُّواى} والمصدر المؤول من: {أَنْ كَذَّبُوا} في محل نصب مفعول لأجله؛ أي: لأن كذبوا، أو بأن كذبوا، أو

ص: 242

في موضع جر بتقدير الجار على قول الخليل. والثاني: أن الخبر هو المصدر المؤول من: {أَنْ كَذَّبُوا} أي: كان آخر أمرهم التكذيب، و {السُّواى} على هذا صفة مصدر محذوف، أي:

أساءوا الإساءة السوأى. ومن نصب: {عاقِبَةَ} جعلها خبر (كان) مقدما، وفي الاسم وجهان:

أحدهما: {السُّواى،} والآخر: المصدر المؤول من: {أَنْ كَذَّبُوا} على ما تقدم، ويجوز أن تجعل المصدر المؤول من {أَنْ كَذَّبُوا} بدلا من {السُّواى،} أو خبر مبتدأ محذوف. انتهى.

عكبري بتصرف. وزاد مكي اعتبار {السُّواى} مفعولا به ل: {أَساؤُا} على اعتبار المصدر المؤول من {أَنْ كَذَّبُوا} خبر (كان) على قراءة الرفع، واسم (كان) على قراءة النصب، وهو بيان لما أبهم في شأن:{السُّواى} . هذا؛ ونقل الجمل عن السمين نحو ما تقدم، وما تقدم من أوجه الإعراب في هذه الآية يشبه الآية رقم [51] من سورة (النمل).

هذا و {عاقِبَةَ} مضاف، و {الَّذِينَ} اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة.

{أَساؤُا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول. {السُّواى:} رأيت ما فيها من اعتبارات فيما تقدم، والمصدر المؤول من:{أَنْ كَذَّبُوا} قد رأيت ما فيه من اعتبارات أيضا. {بِآياتِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (آيات) مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه. {وَكانُوا:} الواو: حرف عطف. (كانوا): فعل ماض ناقص والواو اسمه، والألف للتفريق. {بِها:} جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، وجملة:

«يستهزءون بها» في محل نصب خبر (كان)، وجملة:{وَكانُوا..} . إلخ معطوفة على جملة:

{كَذَّبُوا..} . إلخ فهي داخلة معها في المصدرية المؤولة، انظر المعنى في الشرح.

{اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11)}

الشرح: {اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي: خلقهم ابتداء، ثم يعيدهم بعد الموت أحياء.

{ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ:} بالخطاب على الالتفات من الغيبة إليه، ويقرأ بالياء على الغيبة من غير التفات. ورجوع الخلق إليه بعد الموت للحساب، والجزاء، وإدخال المحسنين الجنة، وإدخال المسيئين النار، والفعل:«رجع» يستعمل لازما، ومتعديا.

{ثُمَّ:} بضم الثاء: حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة، وفي كل منها خلاف مذكور في مغني اللبيب، وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق:«ربّ» و «لا» العاملة عمل: «ليس» فيقال: ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح. هذا؛ و «ثمّ» هذه غير:«ثمّ» بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، كما في قوله تعالى:{وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ} وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به كاف الخطاب، وقد يتصل به التاء المربوطة، فيقال:«ثمّة» .

ص: 243

الإعراب: {اللهُ:} مبتدأ. {يَبْدَؤُا:} فعل مضارع. والفاعل يعود إلى: {اللهُ} تقديره:

«هو» ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.

{الْخَلْقَ:} مفعول به. {ثُمَّ:} حرف عطف. {يُعِيدُهُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله أيضا، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. {ثُمَّ:} حرف عطف. {إِلَيْهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما.

{تُرْجَعُونَ:} فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا مثلها.

{وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (12)}

الشرح: {يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ:} يسكتون متحيرين، يقال: ناظرته، فأبلس: إذا سكت، وأيس من أن يحتج. وفي سورة (الأنعام) قوله تعالى:{حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ} أي: آيسون من كل خير ورحمة. وقال الفراء: المبلس: اليائس المنقطع رجاؤه، وذلك يقال لمن يسكت عند انقطاع حجته، ولا يكون له جواب: قد أبلس. وقال الزجاج: المبلس:

الساكت، المنقطع في حجته، اليائس من أن يهتدي إليها.

أقول: سمي إبليس من هذا؛ لأنه أفلس من رحمة الله، وانقطع رجاؤه من سعة فضل الله. بعد هذا خذ ما رواه عقبة بن عامر-رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إذا رأيتم الله يعطي العبد ما يحبّ، وهو مقيم على معصيته، فذلك منه تعالى استدراج» . ثم تلا قوله تعالى في سورة (الأنعام) الآية [44]: {فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ} ذكره البغوي بغير سند، وأسنده الطبري، وانظر الآية رقم [49] الآتية.

هذا والمراد ب: {الْمُجْرِمُونَ} الكافرون، والتعبير عن الكافرين بالمجرمين، والظالمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين كثير في القرآن الكريم، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات؛ فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يتوجه إليهم ما ذكر، وهم أحق بذلك، ولا سيما من قرأ القرآن منهم، واطّلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم مع رسلهم، وكيف نكل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب.

الإعراب: {وَيَوْمَ:} الواو: حرف استئناف. (يوم): ظرف زمان متعلق بالفعل {يُبْلِسُ} .

{تَقُومُ:} فعل مضارع. {السّاعَةُ:} فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها.

{يُبْلِسُ:} فعل مضارع. {الْمُجْرِمُونَ:} فاعله. هذا؛ وقرئ شاذا ببناء الفعل للمجهول، وهذا بعيد؛ لأن «أبلس» لم يستعمل متعديا، ومخرجه أن يكون أقام المصدر مقام الفاعل وحذفه،

ص: 244

وأقام المضاف إليه مقامه، فيكون التقدير: يبلس إبلاس المجرمين. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها من الإعراب، ومثلها في إعرابها الآية رقم [55] الآتية.

{وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (13)}

الشرح: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ:} يجيرونهم من عذاب الله. {وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ} أي: جاحدين متبرءين منها، وتتبرأ منهم. أو المعنى: كانوا في الدنيا كافرين بسببهم، وهذا التبرؤ بين العابدين، والمعبودين من دون الله، وبين التابعين، والمتبوعين نجده في كثير من آيات الله تعالى. والتعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق وقوعه، وهو كثير في آيات الله تعالى.

هذا وقد أطلق الله على الأصنام المعبودة من دون الله اسم الشركاء لأمرين: أحدهما: أن المشركين يشركونها مع الله في العبادة، والتعظيم، والتقديس، وثانيهما: أنهم يشركونها معهم في الأموال، والأنعام، والزروع. انظر الآية رقم [138] من سورة (الأنعام) وما بعدها؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.

هذا؛ و {شُفَعاءُ} جمع: شفيع، والشفاعة: التوسل، وابتغاء الخير، والذي يكون منه التوسل يسمى: الشفيع، والشفاعة تكون حسنة، وتكون سيئة، فالأولى هي التي روعي فيها حق مسلم، ودفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حد من حدود الله، ولا في حق من حقوق الناس. والسيئة ما كانت بخلاف ذلك. وقيل: الشفاعة الحسنة هي الدعوة للمسلم؛ لأنها في معنى الشفاعة إلى الله، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من دعا لأخيه بظهر الغيب؛ استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك» .

فذلك هو النصيب الذي ذكره الله بقوله: {مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها} رقم [85] من سورة (النساء).

الإعراب: {وَلَمْ:} الواو: حرف استئناف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. {يَكُنْ:} فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم). {لَهُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر {يَكُنْ} تقدم على اسمها. {مِنْ شُرَكائِهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، أو حال من:{شُفَعاءُ؛} لأنه صفة له في الأصل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {شُفَعاءُ:} اسم {يَكُنْ} مؤخر. هذا؛ وإن اعتبرت {يَكُنْ} تاما ف: {شُفَعاءُ} فاعله، و {لَهُمْ} متعلقان بالفعل:{يَكُنْ،} و {مِنْ شُرَكائِهِمْ} متعلقان بمحذوف حال من {شُفَعاءُ،} كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي معترضة بين الجملتين المتعاطفتين لا محل لها على الاعتبارين، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير. {وَكانُوا:} الواو: حرف عطف. (كانوا): فعل

ص: 245

ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. {بِشُرَكائِهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {كافِرِينَ:} خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وجملة:{وَكانُوا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، على جميع الاعتبارات فيها.

{وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14)}

الشرح: معنى الآية يتفرق الناس يوم القيامة فرقتين بعد الحساب: المؤمنون يدخلون الجنة، والكافرون يدخلون النار، وقد دل على هذا التفرق الآيتان التاليتان. وعن الحسن، رضي الله عنه، قال: هو تفرق المسلمين، والكافرين، هؤلاء في عليين، وهؤلاء أسفل السافلين. وعن قتادة رضي الله عنه: فرقة لا اجتماع بعدها. وانظر هذا التفرق في الآية رقم [44] الآتية.

هذا؛ و {السّاعَةُ} القيامة، سميت بذلك؛ لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة، لا يعلمها إلا الله تبارك وتعالى. وقيل: سميت ساعة لسرعة الحساب فيها؛ لأن حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة، أو أقل من ذلك، قال تعالى في كثير من الآيات:{فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ} ولا تنس: أن ساعة كل إنسان، وقيامته وقت مقدمات الموت، وما فيه من أهوال، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:«من مات فقد قامت قيامته» . وقيل: سميت الساعة بذلك؛ لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا.

هذا وقد ثبت: أن لقيام القيامة علامات، وهي صغرى، وكبرى، فالصغرى قد ظهر جميعها، كقبض العلم الشرعي، وتقارب الزمان، وفيض المال، وكثرة الزلازل، وكثرة القتل، وتطاول البدو في البنيان، وكثرة الفجور، والفسوق، وغير ذلك مما هو واقع، ومشاهد الآن.

أما العلامات الكبرى فخذها مما يلي، فعن حذيفة بن أسيد الغفاري-رضي الله عنه-قال:

طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نتذاكر الساعة، فقال:«ما تذاكرون؟» . قالوا: نتذاكر الساعة، قال:«إنّها لن تقوم حتّى تروا قبلها عشر آيات، فذكر الدّخان، والدّجّال، والدّابّة، وطلوع الشّمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم» . أخرجه مسلم. انتهى. خازن.

أقول: ما ذكر في الحديث الشريف، بعضه من علاماتها، وبعضه من مبادئها، كخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، فعند ذلك يغلق باب التوبة، ولا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، انظر الآية رقم [158] من سورة (الأنعام)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [63] من سورة (الأحزاب) فإنه جيد.

ص: 246

الإعراب: {وَيَوْمَ:} الواو: حرف عطف. (يوم): ظرف زمان متعلق بالفعل {يَتَفَرَّقُونَ} .

{تَقُومُ:} فعل مضارع. {السّاعَةُ:} فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها.

{يَوْمَئِذٍ:} توكيد لفظي لسابقه، و:(إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والتنوين عوض عن جملة محذوفة؛ إذ التقدير:

يوم إذ تقوم الساعة. {يَتَفَرَّقُونَ:} فعل مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:{يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ} في الآية رقم [12] لا محل لها مثلها.

{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15)}

الشرح: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:} عطف العمل الصالح على الإيمان في الآية الكريمة، وغيرها يوحي بأن العمل قرين الإيمان، وقد لا يجدي الإيمان بلا عمل، وهو ما أفاده قول الرسول صلى الله عليه وسلم:«الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه» . كما أن الإيمان مشروط لقبول العمل الصالح وقد بينته الآية رقم [39] من سورة (النور)، والآية رقم [23] من سورة (الفرقان) وغيرهما، ويسمى هذا في علم البديع احتراسا.

{فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ:} الروضة: كل أرض ذات نبات، وماء، ورونق، ونضارة. وقال أبو عبيدة: الروضة: ما كان في تسفل من الأرض، فإذا كانت مرتفعة فهي ترعة. وقال غيره:

أحسن ما تكون الروضة؛ إذا كانت في موضع مرتفع غليظ، كما قال الأعشى في معلقته رقم [12] وما بعده:[البسيط] ما روضة من رياض الحزن معشبة

خضراء جاد عليها مسبل هطل

يضاحك الشمس منها كوكب شرق

مؤزّر بعميم النّبت مكتهل

يوما بأطيب منها نشر رائحة

ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل

انظر شرح هذه الأبيات، وإعرابها في كتابنا إعراب المعلقات العشر؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك؛ إلا أنه لا يقال له: روضة إلا إذا كان فيها نبت، فإن لم يكن فيها نبت، وكانت مرتفعة فهي ترعة. وقال القشيري: والروضة عند العرب ما ينبت حول الغدير من البقول، ولم يكن عند العرب شيء أحسن منه. هذا؛ وجمع روضة: روض، ورياض، وأصل هذا: رواض، قلبت الواو ياء لكسر ما قبلها، مثل: حوض، وحياض، وثوب، وثياب، ونحو ذلك، وتجمع أيضا على: روضات، كما في سورة (الشورى)[22].

{يُحْبَرُونَ:} يكرمون، وينعّمون. وقيل: يسرون سرورا تهللت له وجوههم. والحبر، والحبور هو السرور. وقيل: هو من التحبير، وهو التحسين، يقال: هو حسن الحبر، والسّبر،

ص: 247

بكسر الحاء، والسين وفتحهما. وفي الحديث «يخرج من النار رجل ذهب حبره، وسبره» .

فالمفتوح مصدر، والمكسور اسم.

روي: أن في الجنة أشجارا عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحا من تحت العرش، فتقع في تلك الأشجار، فتحرك تلك الأجراس بأصوات لو سمعها أهل الدنيا؛ لماتوا طربا.

وقال الأوزاعي: ليس أحد من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل، فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سماوات صلاتهم، وتسبيحهم. زاد غير الأوزاعي: ولم تبق شجرة في الجنة إلا وردّدت، ولم يبق ستر، ولا باب إلا أرتج، وانفتح، ولم تبق حلقة إلا طنّت بألوان طنينها، ولم تبق أجمة من آجام الذهب إلى وقع أهبوب الصوت في مقاصبها، فزمرت تلك المقاصب بفنون الزمر، ولم تبق جارية من جواري الحور العين إلا غنت بأغانيها، والطير بألحانها.

ويوحي الله إلى الملائكة أن جاوبوهم، وأسمعوا عبادي الذين نزهوا أسماعهم من مزامير الشيطان! فيجاوبون بألحان، وأصوات روحانيين، فتختلط هذه الأصوات، فتصير رجة واحدة، ثم يقول الله عز وجل:«يا داود قم عند ساق عرشي فمجدني، فيندفع داود بتمجيد ربه بصوت يغمر الأصوات، ويجليها، وتتضاعف اللذة» ، فذلك قوله تعالى:{فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} ذكره الترمذي الحكيم رحمه الله. انتهى. قرطبي، ثم قال-رحمه الله تعالى-: وهذا كله من النعيم والسرور والإكرام، فلا تعارض بين الأقوال، وأين هذا من قوله الحق:{فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} على ما يأتي، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:«فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» . انتهى.

الإعراب: {فَأَمَّا:} الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (أما): أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد.

أما كونها أداة شرط؛ فلأنها قائمة مقام الشرط، وفعله؛ بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل:

مهما يك من شيء؛ فالذين آمنوا

إلخ، فأنيبت (أما) مناب مهما، ويك من شيء. فصار:

{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ..} . إلخ.

وأما كونها أداة تفصيل؛ فلأنها في الغالب مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها.

وأما كونها أداة توكيد؛ فلأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة؛ لأنها علقته على أمر متيقن. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {آمَنُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. {الصّالِحاتِ:}

مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. {فَهُمْ:}

ص: 248

الفاء: واقعة في جواب (أما). (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {فِي رَوْضَةٍ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. {يُحْبَرُونَ:} فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون

إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (هم

) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية:{فَأَمَّا الَّذِينَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (16)}

الشرح: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا:} بالله، وبرسوله، وبكتابه. {وَكَذَّبُوا بِآياتِنا:} آيات القرآن، أو بالمعجزات التي أيد بها رسوله. {وَلِقاءِ الْآخِرَةِ:} البعث، والحساب، والجزاء يوم القيامة.

{فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ:} مقيمون، لا يغيبون عنه، ولا يخفف عنهم منه شيء. قال تعالى:{وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها} وقال: {لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} .

تنبيه: لما ذكر الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وما أعد لهم من النعيم المقيم، والخير العميم؛ ذكر الذين كفروا، وما أعد لهم من العذاب المقيم، والعقاب الشديد، وتلك سنة الله في كتابه العظيم؛ حيث اقتضت حكمته تعالى، ورحمته، فلا يذكر التصديق من المؤمنين؛ إلا ويذكر التكذيب من الكافرين، ولا يذكر الإيمان إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة؛ إلا ويذكر النار، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر الغضب، والسخط؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا، راجيا خائفا.

والمراد ب: {(عَمِلُوا الصّالِحاتِ)} الأعمال الصالحات على اختلافها، وتفاوت درجاتها، ومراتبها.

الإعراب: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا} انظر الآية السابقة؛ فالإعراب مثله. {وَلِقاءِ:}

الواو: حرف عطف. (لقاء): معطوف على (آياتنا)، و (لقاء) مضاف، و {الْآخِرَةِ} مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: ولقائهم الآخرة. {فَأُولئِكَ:} الفاء:

واقعة في جواب (أما). (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. {فِي الْعَذابِ:} جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. {مُحْضَرُونَ:} خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو

إلخ، والجملة الاسمية: (أولئك

) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

{فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18)}

الشرح: قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: الكلام إخبار في معنى الأمر بتنزيه الله تعالى، والثناء عليه في هذه الأوقات؛ التي تظهر فيها قدرته، وتتجدد فيها نعمته. أو دلالة على أن ما

ص: 249

يحدث فيها من الشواهد الناطقة بتنزيهه، واستحقاقه الحمد ممن له تمييز من أهل السموات، والأرض. وتخصيص التسبيح بالمساء، والصباح؛ لأن آثار القدرة، والعظمة فيهما أظهر، وتخصيص الحمد بالعشي؛ الذي هو آخر النهار، وبالظهيرة؛ التي هي وسطه؛ لأن تجدد النعم فيهما أكثر.

هذا؛ وقال الجوهري: العشي، والعشية: من صلاة المغرب إلى العتمة، تقول: أتيته عشيّة أمس، وعشيّ أمس. وتصغير العشي: عشيّان على غير قياس مكبّره، والجمع: عشيّانات، وتصغير العشية: عشيشة، والجمع عشيشيات، والعشاء مثل العشي. والعشاءان: المغرب، والعتمة، وزعم قوم: أن العشاء من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، وأنشدوا:[الوافر] غدونا غدوة سحرا بليل

عشاء بعد ما انتصف النّهار

هذا؛ وقال الأزهري: العشي ما بين زوال الشمس، وغروبها. وهذا هو المعتمد عنده.

أقول: والمعتمد أنه الوقت من قبيل العصر إلى المغرب، وهو ما رأيته في تفسير الآية، وإن أفتاك الناس، وأفتوك. وقال الماوردي: والفرق بين المساء، والعشاء: أن المساء بدوّ الظلام بعد المغيب، والعشاء آخر النهار عند ميل الشمس للمغيب، وهو مأخوذ من: عشا العين، وهو نقص النور من الناظر، كنقص نور الشمس.

هذا؛ وقد قوبل العشي بالإبكار في قوله تعالى لزكريا عليه السلام: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ،} وقد قوبل بالغدو، في قوله تعالى في حق فرعون، وأشياعه:{النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا،} وقوبل بالغداة في قوله تعالى لنبينا، وحبيبنا صلى الله عليه وسلم:{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ..} . إلخ. وقوبلت العشية بالضحى في قوله تعالى في بيان يوم القيامة في سورة (النازعات) رقم [46]: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها} .

هذا وأكثر المفسرين على أن المراد بالتسبيح هنا: الصلاة، والمراد ب:{حِينَ تُمْسُونَ:}

تدخلون في المساء وفيه صلاة المغرب والعشاء، والمراد ب:{وَحِينَ تُصْبِحُونَ} تدخلون في الصباح، وفيه صلاة الصبح، والمراد بالعشي: الوقت ما بين العصر، والمغرب، وفيه صلاة العصر والمراد ب {وَحِينَ تُظْهِرُونَ:} حين تدخلون في الظهيرة، وفيه صلاة الظهر، قال نافع بن الأزرق الخارجي لابن عباس-رضي الله عنهما: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن، قال:

نعم، وقرأ هاتين الآيتين: وقال: جمعتا الصلوات الخمس، ومواقيتها.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من سرّه أن يكال له بالقفيز الأوفى، فليقل: {فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ..}. إلخ» ، وعنه صلى الله عليه وسلم:«من قال حين يصبح: {فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ..}. إلخ إلى قوله: {وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ} أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته» .

ص: 250

وإنما خص الله هذه الأوقات بالصلاة لله تعالى، وتسبيحه، وتعظيمه، وتقديسه؛ لأن أفضل الأعمال أدومها، والإنسان لا يقدر أن يصرف جميع أوقاته إلى الصلاة، والتسبيح، والتحميد، والتقديس؛ لأنه محتاج إلى ما يمونه من مأكول، وملبوس، وغير ذلك، فخفف الله عنه العبادة في غالب الأوقات، وأمره بها في أول النهار، ووسطه، وآخره، وفي أول الليل، وآخره، فإذا صلى العبد ركعتي الفجر، فكأنما عبد الله قدر ساعتين، وكذلك باقي الركعات، وهي سبع عشرة ركعة مع ركعتي الفجر، فإذا صلى المسلم، والمسلمة الصلوات الخمس في أوقاتها، فكأنما سبحه، وقدسه، وعظمه سبع عشرة ساعة من الليل، والنهار، وبقي عليه سبع ساعات في جميع الليل والنهار، وهي مقدار النوم، والنائم مرفوع عنه القلم، فيكون قد صرف جميع أوقاته في التسبيح، والعبادة. انتهى. خازن بتصرف.

هذا؛ وإن الصلوات الخمس إذا أديت على الوجه الأكمل كانت كفارة لما بينها من الذنوب الصغار. وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

«أرأيتم لو أنّ نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كلّ يوم خمس مرّات، هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال:«فكذلك مثل الصّلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا» .

رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي. وعنه أيضا-رضي الله عنه-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«الصّلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفّارة لما بينهنّ ما لم تغش الكبائر» . رواه مسلم والترمذي، وفي رواية أخرى:«الصّلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفّرات لما بينهنّ؛ إذا اجتنبت الكبائر» .

هذا؛ وتفسير التسبيح بالصلاة على ما تقدم هو قول لبعض المفسرين، وقال بعضهم:

المراد: التنزيه، أي: نزهوا الله عن صفات النقص، وصفوه بصفات الكمال. وهذا أولى؛ لأنه يتضمن الصلاة؛ لأن التنزيه المأمور به يتناول التنزيه بالقلب؛ الذي هو الاعتقاد الجازم، ويتناول التنزيه باللسان، وهو الذكر الحسن، ويتناول التنزيه بالأركان، وهو العمل الصالح، والثاني ثمرة الأول، والثالث ثمرة الثاني، فاللسان ترجمان الجنان، والأركان ترجمان اللسان، لكن الصلاة أفضل أعمال الأركان، فهي مشتملة على الذكر باللسان، والتصديق بالجنان، فهو نوع من أنواع التنزيه، والأمر المطلق، لا يختص بنوع دون نوع، فيجب حمله على كل ما هو تنزيه، الذي من جملته الصلاة، انتهى. جمل نقلا عن الرازي. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [43] من سورة الأحزاب.

هذا؛ وقد حضنا الرسول صلى الله عليه وسلم على كثرة التسبيح باللسان زيادة على تسبيح الله، وتعظيمه بالصلوات: فرضها، ونفلها، وذكر لنا أحاديث ترغبنا به، وصيغا مفضلة على غيرها لما فيها من المعاني الجميلة، وخذ نبذة من ذلك: فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ص: 251

«كلمتان خفيفتان على اللّسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرّحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» . رواه الستة ما عدا أبا داود. وعنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشّمس» .

رواه مسلم، والترمذي.

وعن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، عن أبيها-رضي الله عنهما: أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة، بين يديها نوى، أو حصى تسبح به، فقال:«أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا، أو أفضل؟ فقال: سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما خلق بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلاّ الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله مثل ذلك» .

رواه أبو داود، والترمذي. فلفظ مثل يجوز رفعه ونصبه.

الإعراب: {فَسُبْحانَ:} الفاء: حرف استئناف. وقيل الفصيحة، ولا وجه له. (سبحان):

مفعول مطلق لفعل محذوف: و (سبحان) مضاف، و {اللهِ:} مضاف إليه، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والفعل المقدر والمصدر كلام مستأنف لا محل له. {حِينَ:} ظرف زمان متعلق بالفعل المقدر، أو بالمصدر المذكور. {تُمْسُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وهو تام، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة:{حِينَ} إليها، وقوله:{وَحِينَ تُصْبِحُونَ} معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق.

هذا؛ ويقرأ: «(حين)» بالتنوين، فتكون الجملة الفعلية في الموضعين في محل نصب صفة له.

{وَلَهُ:} الواو: واو الاعتراض. (له): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {الْحَمْدُ:}

مبتدأ مؤخر. {فِي السَّماواتِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من {الْحَمْدُ،} ومن لا يجيز مجيء الحال من المبتدأ يعتبرهما متعلقين في محل نصب حال من الخبر المحذوف.

{وَالْأَرْضِ:} معطوف على ما قبله. {وَعَشِيًّا:} معطوف على (حين)، وعليه فالجملة الاسمية معترضة بين المتعاطفين. {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق.

{يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (19)}

الشرح: {يُخْرِجُ الْحَيَّ:} كالإنسان، والطائر. {الْمَيِّتِ:} النطفة، والبيضة، ومعروف إخراج أحدهما من الآخر. هذا؛ وقد قيل: إن المراد ب: {الْحَيَّ} المسلم يخرج من صلب الكافر، وب:{الْمَيِّتِ} الكافر يخرج من صلب المؤمن، فالمسلم حي القلب بالإيمان، والكافر

ص: 252

ميت القلب بالكفر، خذ قول ربك:{أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ} الآية رقم [122] من سورة (الأنعام) انظر شرحها، وتفسيرها هناك. {وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها} أي: يبسها وجدبها؛ إذ موتها حين تكون يابسة لا نبات فيها شبيهة بالميت، وإحياؤها يكون بنزول المطر عليها، وقد قال تعالى في سورة (الحج) رقم [5]:{وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} انظر تفسيرها، وشرحها هناك.

{وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ} أي: ومثل ذلك الإخراج تخرجون من قبوركم. والمعنى: أن بدء خلق الإنسان، وإعادته بعد موته متساويان في قدرة من هو قادر على إخراج الميت من الحي، وعكسه. روى ابن عباس-رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ: {فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ..}. إلخ إلى الثلاث، وآخر سورة (الصافات) دبر كلّ صلاة، كتاب له من الحسنات عدد نجوم السماء، وقطر الأمطار، وورق الأشجار، وتراب الأرض، فإذا مات أجري له بكلّ حرف عشر حسنات في قبره» .

هذا؛ و {الْمَيِّتِ} والميتة بفتح الميم، وسكون الياء فيهما، وهو من فارقت روحه جسده، وجمعهما: أموات، وميتات، وأما المشدد، فهو الحي الذي سيموت، وعليه قوله تعالى:{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} وجمعه: موتى قال بعض الأدباء في الفرق بينهما: [الطويل] أيا سائلي تفسير ميت وميّت

فدونك قد فسّرت ما عنه تسأل

فمن كان ذا روح فذلك ميّت

وما الميت إلاّ من إلى القبر يحمل

هذا هو الأصل الغالب في الاستعمال، وقد يتعاوضان، كما في قول عدي بن الرّعلاء الغساني:[الخفيف] ليس من مات، فاستراح بميت

إنّما الميت ميّت الأحياء

إنّما الميت من يعيش كئيبا

كاسفا باله قليل الرّجاء

أقول: ومن هذا ما في هذه الآية، والآية رقم [95] من سورة (الأنعام)، والآية رقم [27] من سورة (آل عمران) حيث استعمل المشدد في الآيات الثلاث لفاقد الحياة، والروح، كما هو واضح، ولا تنس: أن أصل ميّت المشدد: ميوت؛ لأنه من: مات، يموت، فقل في إعلاله: اجتمعت الياء، والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وقل مثله في إعلال سيّد وهيّن وصيّب ونحو ذلك، وأضيف: أنه قرئ في الآيات الثلاث بتشديد ياء الميت وتخفيفها.

الإعراب: {يُخْرِجُ:} فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، أو من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط: الضمير فقط، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. {الْحَيَّ:} مفعول به. {مِنَ}

ص: 253

الْمَيِّتِ: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وإن اعتبرتهما متعلقان بمحذوف حال من:

{الْحَيَّ} فلست مفندا، والمعنى لا يأباه، والجملة الفعلية بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها.

(يحيي): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله). {الْأَرْضَ:} مفعول به. {بَعْدَ:} ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و {بَعْدَ} مضاف، و {مَوْتِها} مضاف إليه، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة:{وَيُحْيِ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها. {وَكَذلِكَ:} الواو: حرف استئناف. الكاف: حرف تشبيه، وجر، و (ذا):

اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: تخرجون إخراجا كائنا مثل إخراج الحي من الميت. أو التقدير: تخرجون إخراجا كائنا مثل إخراج النبات من الأرض

إلخ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {تُخْرَجُونَ:} فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل، أو هو فاعل له، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.

{وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20)}

الشرح: {وَمِنْ آياتِهِ} أي: ومن علامات ربوبيته، ووحدانيته. {أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ:}

في هذا الخلق تأويلان: خلق من تراب غير مباشر، وخلق مباشر، فالأول: خلق أبينا آدم من تراب، كما رأيت في سورة (الحجر) رقم [26]{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} .

والثاني: كل واحد منا خلق من التراب خلقا مباشرا، وذلك إذا نظرنا إلى المادة التي يتخلق منها الإنسان، فإنها من الدم بلا ريب، والدم مصدره من الطعام، والشراب، وأنواع الغذاء، وكل ذلك مصدره من التراب، كما هو معروف.

{ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ:} ثم أنتم عقلاء ناطقون، تتصرفون فيما فيه قوام معايشكم؛ إذا فلم يكن خلقكم عبثا، ومن قدر على هذا؛ فهو أهل للعبادة، والتسبيح، والتحميد، والتقديس. هذا؛ والترتيب والمهلة المفهومان من {ثُمَّ} هنا ظاهران، فإنهم إنما يصيرون بشرا بعد أطوار كثيرة، والغالب أن تقع «إذا» الفجائية بعد الفاء؛ لأنها تقتضي التعقيب بلا مهلة، ووجه وقوعها هنا بعد {ثُمَّ} بالنسبة إلى ما يليق بالحالة الخاصة، أي بعد تلك الأطوار، التي قصها الله علينا في مواضع أخر من كتابه من كوننا نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظما مجردا، ثم عظما مكسوا لحما فاجأ البشرية والانتشار. انتهى. جمل نقلا عن السمين. بتصرف مني.

هذا؛ وآيات: جمع: آية، وتطلق على معان كثيرة: الدلالة على قدرة الله تعالى، كما في الآية الكريمة، وما يليها من آيات، ومنه قوله تعالى:{إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} . وتطلق

ص: 254

على المعجزة الخارقة للعادة، مثل: انشقاق القمر، وعصا موسى، ونحو ذلك، قال تعالى:

{وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ} . وتطلق على الموعظة. ومنه قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} كما تطلق على جملتين أو أكثر من كلام الله تعالى، وعلى السورة بكاملها، كما في أول سورة (الشعراء) ونحوها.

أما: {بَشَرٌ} فإنه يطلق على الإنسان ذكرا، أو أنثى، مفردا، أو جمعا مثل كلمة «الفلك» تطلق على المفرد، والجمع. وسمي بنو آدم بشرا لبدو بشرتهم، وهي ظاهر الجلد بخلاف أكثر المخلوقات، فإنها مكسوة بالشعر، أو الصوف، أو الريش. هذا؛ و {بَشَرٌ} يطلق على الواحد، كما في قوله تعالى:{فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا} ولذا ثني في قوله تعالى: {فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا} ويطلق على الجمع، كما في قوله تعالى:{فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً} .

تنبيه: ذكر الله لفظ: {وَمِنْ آياتِهِ} في هذه السورة ست مرات، تنتهي عند قوله:{إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} ذكر فيها بدء خلق الإنسان آية آية إلى حين بعثه من القبور، وختم هذه الآيات بقيام السموات والأرض، لكونه من العوارض اللازمة؛ لأن كلا من السماء، والأرض، لا يخرج عن مكانه، فيتعجب من وقوف الأرض، وعدم نزولها، ومن علو السماء وثباتها بغير عمد، ثم أتبع ذلك بالنشأة الآخرة، وهي الخروج من الأرض، وذكر من الأنفس أمرين:{خَلَقَكُمْ} و {خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ،} وذكر من الآفاق السماء، والأرض، وذكر من لوازم الإنسان: اختلاف الألسنة، واختلاف اللون، وذكر من عوارضه: المنام، والابتغاء، ومن عوارض الآفاق البرق، والمطر، ومن لوازمها: قيام السماء وقيام الأرض، فجملة ما يتعلق بالنوع الإنساني ستة أشياء:

اثنان أصول، واثنان لوازم، واثنان عوارض، وستة متعلقة بالآفاق، اثنان أصول، واثنان لوازم، واثنان عوارض، انتهى. جمل من هنا، وهناك، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {وَمِنْ:} الواو: حرف استئناف. {(مِنْ آياتِهِ)} : جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {أَنْ:} حرف مصدري، ونصب. {خَلَقَكُمْ:}

فعل ماض مبني على الفتح في محل نصب ب: {أَنْ،} والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {مِنْ تُرابٍ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (أن) والفعل (خلق) في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {ثُمَّ:} حرف عطف. {إِذا:} كلمة دالة على المفاجأة، وانظر الآية رقم [25] الآتية.

{أَنْتُمْ:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {بَشَرٌ:} خبره: والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، على اعتبار {إِذا} حرفا، واعتبارها هنا ظرفا غير جيد، ولا يصح معنى. {تَنْتَشِرُونَ:} فعل مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة بشر، أو هي في محل رفع خبر ثان. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

ص: 255

{وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)}

الشرح: {وَمِنْ آياتِهِ} أي: من دلائل قدرته، وعلامات ربوبيته، ووحدانيته. {أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً} أي: لأن حواء خلقت من ضلع آدم عليهما السلام، وسائر النساء خلقن من نطف الرجال، أو لأنهن من جنسهم لا من جنس آخر. {لِتَسْكُنُوا إِلَيْها:} لتميلوا إليها، وتأنسوا بها؛ لأنهن من جنسكم، لا من جنس آخر، وذلك لما بين الاثنين من جنس واحد من الإلف، والسكون، وما بين الجنسين المختلفين من التنافر، يقال: سكن إليه إذا مال إليه، وأنس به. هذا؛ والمودة، والرحمة، والألفة التي تقع بين الزوجين ظاهرة لا خفاء فيها.

{وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} أي: محبة، وشفقة متبادلتين، فعن ابن عباس-رضي الله عنهما-قال: المودة حبّ الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن يصيبها بسوء. انتهى.

والعكس صحيح، وعن ابن عباس، ومجاهد، والحسن: المودة الجماع، والرحمة: الولد، ولا أراه قويا، فلعله متقوّل عليهم. {إِنَّ فِي ذلِكَ} أي: الخلق. {لَآياتٍ:} لعلامات واضحة على قدرته تعالى. {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ:} وإذا تفكروا؛ اتعظوا، وإذا اتعظوا؛ آمنوا، وعبدوا الله، والتفكير في صنع الله أعظم عبادة يقوم بها العبد، وقد ورد: لتفكّر ساعة في صنع الله أفضل من عبادة ستّين سنة. وورد: تفكّروا في آلاء الله، ولا تفكّروا في الله، فإنه لا تحيط به الفكرة.

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا عبادة كالتّفكّر» . لأنه المخصوص بالقلب، والمقصود من الخلق، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:«بينما رجل مستلق على فراشه، إذ رفع رأسه، فنظر إلى السماء والنّجوم، فقال: أشهد أنّ لك ربّا، وخالقا، اللهمّ اغفر لي! فنظر الله إليه، فغفر له» .

هذا؛ والفكر: تصرف القلب في طلب الأشياء. وقال صاحب المفردات: الفكر: قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكر: جريان تلك القوة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يكون له صورة في القلب. انتهى. هذا؛ والفكر يؤدي إلى الوقوف على المعاني المطلوبة من التآنس، والتجانس بين الأشياء كالزوجين.

الإعراب: {وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ:} انظر الآية السابقة فالإعراب واحد لا يتغير. {لَكُمْ:}

جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {مِنْ أَنْفُسِكُمْ:} متعلقان بالفعل {خَلَقَ} أيضا، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {أَزْواجاً:} مفعول به. {لِتَسْكُنُوا:} فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل:{خَلَقَ} أيضا. {إِلَيْها:} جار ومجرور متعلقان

ص: 256

بالفعل قبلهما، والجملة الاسمية:{وَمِنْ آياتِهِ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {وَجَعَلَ:} الواو: حرف عطف. (جعل): معطوف على {خَلَقَ،} فهو يؤول مثله بمصدر، أو هو داخل معه بالمصدرية بسبب العطف، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا.

{بَيْنَكُمْ:} ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. وقيل: مفعول ثان، ولا وجه له، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {مَوَدَّةً:} مفعول به. {وَرَحْمَةً:} معطوف على ما قبله.

{أَنْ:} حرف مشبه بالفعل. {فِي:} حرف جر. (ذلك): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر ب: {فِي،} والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر: {أَنْ} تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {لَآياتٍ:} اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم {أَنْ} مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. {لِقَوْمٍ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (آيات). {يَتَفَكَّرُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل جر صفة (قوم)، والجملة الاسمية:{إِنَّ فِي ذلِكَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (22)}

الشرح: {وَمِنْ آياتِهِ} أي: الدالة على أمر البعث، وما يتلوه من الحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار. {خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:} في تخصيصهما بالذكر أحد أمرين: إما من حيث إن القادر على خلقهما بما فيهما من المخلوقات بلا مادة مساعدة لها أظهر قدرة على إعادة ما كان حيا قبل ذلك. وإما من حيث إن خلقهما، وما فيهما ليس إلا لمعاش البشر، ومعاده، كما يفصح عنه قوله تعالى:{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً،} وقوله جل ذكره: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} .

{وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ} أي: لغاتكم بأن علّم كل صنف لغته، أو ألهمه وضعها، وأقدره عليها، أو أجناس نطقكم وأشكاله، فإنك لا تكاد تسمع متكلمين متساويين في الكيفية من كل وجه، فكيف بالاختلاف الكبير، من العربية، والتركية، والرومية، والإنكليزية

إلخ.

{وَأَلْوانِكُمْ:} بياض الجلد، وسواده، وتوسطه فيما بينهما، أو تخطيطات الأعضاء، وهيآتها، وألوانها، وحلاها بحيث وقع بها التمايز بين الأشخاص، حتى إن التوأمين مع توافق موادهما، وأسبابهما، والأمور الملاقية لهما في التخليق مختلفان في شيء من ذلك لا محالة، وإن كانا في غاية التشابه، وإنما نظم هذا في سلك الآيات الآفاقية من خلق السموات، والأرض

ص: 257

مع كونه من الآيات الأنفسية الحقيقة بالانتظام في سلك ما سبق من خلق أنفسهم، وأزواجهم للإيذان باستقلاله، والاحتراز عن توهم كونه من تتمات خلقهم. انتهى جمل نقلا من أبي السعود، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [28] من سورة فاطر.

تنبيه: خالف سبحانه وتعالى بين الألوان، والألسنة حتى ما تكاد تسمع منطقين متفقين في جرس واحد، ولا جهارة واحدة، وحتى ما تكاد ترى صورتين متشابهتين تمام التشابه في الألوان، والسمات، والقسمات؛ لحصول التعارف، وإلا فلو كان الناس على هيئة واحدة، وبلون واحد، وتقاسيم وتقاطيع واحدة لحصل الخلل والالتباس، ولانعدم التمييز بينها جميعا حتى إن التوأمين مع توافق موادهما وأسبابهما، والأمور الملاقية في التخليق يختلفان في شيء من ذلك لا محالة، مهما تقاربا في وجه الشبه انتهى.

{إِنَّ فِي ذلِكَ} أي: فيما ذكر في هذه الآية. {لَآياتٍ:} لدلالات بالغة لا تكاد تخفى على عاقل من ملك، أو إنس، أو جن على قدرة الواحد القهار، حيث ولدوا من أب واحد، وهم على هذه الكثرة التي لا يعلمها إلا الله مختلفون متفاوتون.

{لِلْعالِمِينَ:} يقرأ بكسر اللام على أنه جمع: عالم بكسرها أيضا، ويؤيده قوله تعالى في آية أخرى:{وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ} ويقرأ بفتح اللام على أنه جمع: عالم بفتحها أيضا، وهو يقال لكل ما سوى الله، ويدل له قوله تعالى:{قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (23) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} والعوالم كثيرة، لا تحصيها الأرقام، وهي منتشرة في هذا الكون المترامي الأطراف في البر والبحر؛ إذ كل جنس من المخلوقات يقال له: عالم قال تعالى: {وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ} .

هذا وخص الله السموات والأرض بالذكر هنا وفي كثير من الآيات؛ لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع السموات دون الأرض؛ وهي مثلهن؛ لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة بالصفات، والآثار، والحركات، وقدمها لشرفها، وعلو مكانها، وتقدم وجودها، ولأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية كما في الأرض، وأيضا؛ لأنها كالذّكر، فنزول المطر من السماء على الأرض كنزول المني من الذكر في رحم المرأة؛ لأن الأرض تنبت، وتخضر بالمطر.

أما {أَلْسِنَتِكُمْ} فهو جمع لسان، ويجمع أيضا على لسن بضم اللام، وضم السين وتسكينها أيضا، وهو على هذا مؤنث كذراع وأذرع، والأول مذكر، كحمار، وأحمرة، وتصغيره على التذكير: لسين، وعلى التأنيث: لسينة، وقد يجعل اللسان كناية عن كلمة السوء، كما في قول الشاعر:[الوافر] لسان السّوء تهديها إلينا

وحنت وما حسبتك أن تحينا

ص: 258

فيؤنث لا غير، كما يجعل كناية عن الرسالة، أو عن القصيدة من الشعر، كقول الآخر:[المتقارب] أتتني لسان بني عامر

فجلّت أحاديثها عن بصر

وقد أطلقه الله على القرآن الكريم بكامله مع التذكير في قوله تعالى: {وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} الآية رقم [103] من سورة (النحل)، كما أطلقه على الثناء، والذكر الحسن في قوله تعالى:{وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} الآية رقم [50] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. وأيضا قوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في سورة (الشعراء) رقم [84]:{وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} .

الإعراب: {وَمِنْ:} الواو: حرف عطف. {(مِنْ آياتِهِ)} : جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {خَلْقُ:} مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و {السَّماواتِ} مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: ومن آياته خلقه السموات، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. {وَالْأَرْضِ:}

معطوف على ما قبله. {وَاخْتِلافُ:} معطوف على {خَلْقُ،} و (اختلاف) مضاف. {أَلْسِنَتِكُمْ:}

مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. {وَأَلْوانِكُمْ:} معطوف على ما قبله، والكاف فيهما ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وانظر إعراب:{إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ} في الآية السابقة.

{لِلْعالِمِينَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (آيات)، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، أو لأنه ملحق به، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.

{وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَاِبْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23)}

الشرح: {وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ} أي: منامكم في الزمانين لاستراحة القوى النفسانية، وقوة القوى الطبيعية، وطلب معاشكم فيهما، أو منامكم بالليل، وابتغاؤكم بالنهار، فلف وضم بين الزمانين، والفعلين بعاطفين إشعارا بأن كلا من الزمانين؛ وإن اختص بأحدهما؛ فهو صالح للآخر عند الحاجة، يؤيده سائر الآيات الواردة فيه. انتهى. بيضاوي.

وقال الجمل: قيل في الآية تقديم وتأخير ليكون كل واحد مع ما يلائمه، والتقدير: ومن آياته منامكم بالليل، وابتغاؤكم من فضله بالنهار، فحذف حرف الجر لاتصاله بالليل، وعطف عليه؛ لأن حرف العطف قد يقوم مقام الجار، والأحسن أن يجعل على حاله، والنوم بالنهار مما كانت العرب تعده نعمة من الله، ولا سيما في أوقات القيلولة في البلاد الحارة. انتهى. نقلا عن السمين.

ص: 259

{إِنَّ فِي ذلِكَ} أي: فيما ذكر في هذه الآية. {لَآياتٍ:} لدلالات واضحة على قدرة الله تعالى. {لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ:} سماع تفهم واستبصار، وتدبر، واعتبار؛ لأن الحكمة فيما ذكر ظاهرة.

هذا و {مَنامُكُمْ} مصدر ميمي بمعنى النوم، أو هو اسم مكان بمعنى موضعه، أو هو اسم زمان بمعنى زمانه؛ لأن «مفعلا» يصلح لهذا كله. هذا؛ والنوم هو الموتة الصغرى؛ لذا أرشدنا سيد الخلق وحبيب الحق صلى الله عليه وسلم أن نقول عند القيام من النوم:«سبحان من أحيانا بعد ما أماتنا، وإليه النّشور» . والنوم قسمان: نوم العين، ونوم القلب، فنوم العين فترة طبيعية، تعتري الحيوان، وتتعطل حواسه بها، وأما نوم القلب، فهو تعطيل القوى المدركة، والثاني لم يقع من النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن قلبه لا ينام، كما في حديث الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «إنّ عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي» . ورحم الله البوصيري إذ يقول: [البسيط] لا تنكر الوحي من رؤياه إنّ له

قلبا إذا نامت العينان لم ينم

هذا والفعل (يسمع) من الأفعال الصوتية، إن تعلق بالأصوات؛ تعدى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذوات؛ تعدى إلى اثنين، الثاني منهما جملة فعلية مصدرة بمضارع من الأفعال الصوتية، مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا، وهذا اختيار الفارسي، واختار ابن مالك، ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال، إن كان المتقدم معرفة، وصفة إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول كذا.

الإعراب: {وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ:} انظر الآية السابقة فإعراب هذه الجملة مثلها، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله. {بِاللَّيْلِ:} جار ومجرور متعلقان بالمصدر الميمي، وإن علقتهما بمحذوف حال من الكاف؛ فالمعنى لا يأباه. (النهار):

معطوف على الليل. (ابتغاؤكم): معطوف على منامكم، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. {مِنْ فَضْلِهِ:} متعلقان بالمصدر (ابتغاء) والهاء في محل جر بالإضافة، وانظر إعراب مثل:{إِنَّ فِي ذلِكَ..} . إلخ في الآية رقم [21] مفردات، وجملا، والجملة الاسمية:{وَمِنْ آياتِهِ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا.

{وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24)}

الشرح: {وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ:} هذا الفعل من: «رأى» البصرية التي تنصب مفعولا واحدا، فلما دخلت عليه همزة التعدية صار:«أرى» وحذفت الهمزة الأصلية منه؛ لأن أصله «أرأى» مثل: «أذهب» ، وفي المضارع حذفت منه الهمزتان كما ترى، وهمزة التعدية عدته إلى المفعولين.

ص: 260

{الْبَرْقَ:} مصدر: برق، يبرق: إذا لمع. والرعد مصدر: رعد، يرعد، وهما معروفان، ومشاهدان للناس، وتفسيرهما وشرحهما في الشرع غير تفسيرهما في العلم الحديث. {خَوْفاً وَطَمَعاً:} هذا الخوف، والطمع من رؤية البرق يكونان من وجوه: الأول: عند لمعان البرق يخاف من الصواعق، ويطمع في نزول المطر. الثاني: أنه يخاف من البرق من يتضرر بالمطر كالمسافر، ومن على بيدره التمر، والزبيب، والقمح ونحو ذلك، ويطمع فيه من له في نزول المطر نفع كالزراع، ونحوهم. الثالث: أن المطر يخاف منه إذا كان في غير مكانه، وزمانه، ويطمع فيه إذا كان في مكانه وزمانه المناسبين لسقوطه، وخذ قول أبي الطيب في ممدوحه:[الطويل] فتى كالسّحاب الجون يخشى ويرتجى

يرجى الحيا منه، وتخشى الصّواعق

هذا؛ وقيل: {خَوْفاً} أن يكون البرق برقا خلبا، لا يمطر، {وَطَمَعاً} أن يكون ممطرا. قاله ابن بحر، وأنشد قول الشاعر:[الرمل] لا يكن برقك برقا خلّبا

إنّ خير البرق ما الغيث معه

هذا؛ والسماء يذكر، ويؤنث، والسماء: كل ما علاك، فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت:

سماء، والسماء: المطر، يقال: ما زلنا نطأ السماء؛ حتى أتيناكم، قال معاوية بن مالك:[الوافر] إذا نزل السّماء بأرض قوم

رعيناه، وإن كانوا غضابا

أراد بالسماء المطر، ثم أعاد الضمير عليه في:«رعيناه» بمعنى النبات، وهذا يسمى في فن البديع بالاستخدام، وأصل سماء سماو، فيقال في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة، وانظر شرح {السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} في الآية رقم [22].

وأما {السَّماءِ} فاصله: موه بفتح الميم والواو، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار:«ماه» فلما اجتمعت الألف والهاء، وكلاهما خفي، قلبت الهاء همزة، ودليل ذلك: أن جمع {السَّماءِ:} أمواه، ومياه، وتصغيره: مويه، وأصل ياء مياه واو، لكنها قلبت ياء لانكسار ما قبلها في جمع أعلت في مفرده، كما قالوا: دار، وديار، وقيمة، وقيم، ومثله قولهم: سوط، وسياط، وحوض، وحياض، وثوب، وثياب، وثور، وثيرة. ويقال في تعريف الماء: هو جسم رقيق مائع به حياة كل نام. وقيل في حده: جوهر سيال به قوام الأرواح. بعد هذا خذ قول أبي ذؤيب الهذلي: [الطويل] شربن بماء البحر ثمّ ترفّعت

متى لجج خضر لهنّ نئيج

فهو يصف السحاب على اعتقاد العرب في الجاهلية، ومثلهم العصريون في هذا الزمن من أن السحاب، أي: الغيوم تدنو من البحر الملح في أماكن مخصوصة، فتمتد منها خراطيم

ص: 261

كخراطيم الفيلة، فتشرب بها من مائه، فيسمع لها عند ذلك صوت مزعج، ثم تصعد إلى الجو، وترتفع، فيلطف ذلك الماء، ويعذب بإذن الله تعالى في زمن صعودها، ثم تمطره حيث شاء العلي القدير. هذا ونص الآية يرد هذا الاعتقاد، وأما عند أهل السنة، فهم يقولون: إن أصله من الجنة، يأتي به المولى القدير من السحاب من خروق فيها كخروق الغربال.

وأقول: إن ما ينزل من السماء من مطر بعضه من ماء البحار المالحة الأرضية، وبعضه من خزائن القدرة على أن الأول لا ينبت وإنما الإنبات والخصب في الثاني، وعلامة الأول أنه ينزل غزيرا كأنما ينصب من أفواه قرب، وأما ما يقوله الدهريون الملحدون: إن الطبيعة تمطر فهو كفر صراح.

{فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها:} انظر الآية رقم [19]. {إِنَّ فِي ذلِكَ} أي: فيما ذكر في هذه الآية. {لَآياتٍ:} لدلالات واضحة على قدرة الله تعالى. {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي: يفهمون.

وإذا فهموا؛ تدبروا، وإذا تدبروا؛ اتعظوا، وتذكروا؛ وإذا اتعظوا؛ آمنوا، ووحدوا، وإذا آمنوا؛ عبدوا الله.

الإعراب: {وَمِنْ:} الواو: حرف عطف. (من آياته): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {يُرِيكُمُ:} هذا الفعل مقدر ب: «أن يريكم» وعليه فأن المقدرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، ومثل ذلك قول طرفة بن العبد في معلقته رقم [60]:[الطويل] ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى

وأن أشهد اللّذّات هل أنت مخلدي؟

بنصب «أحضر» بعد حذف أن الناصبة، وهي رواية الكوفيين، ولكن لم يقرأ أحد بنصب الفعل في الآية، أو الفعل منزل منزلة المصدر، كما في قول طرفة المذكور في رفع «أحضر» وهي رواية البصريين، ومنه المثل العربي:«تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه» فيروى «تسمع» برفعه، ونصبه، وإنزال الفعل منزلة المصدر واضح في قول عروة بن الورد العبسي، المعروف بعروة الصعاليك:[الوافر] فقالوا: ما تشاء؟ فقلت: ألهو

إلى الإصباح آثر ذي أثير

هذا؛ أو: الجملة الفعلية: {يُرِيكُمُ} في محل رفع صفة لمبتدإ محذوف، التقدير: ومن آياته آية يريكم بها البرق، كما قال ابن مقبل الشاعر:[الطويل] وما الدّهر إلاّ تارتان فمنهما

أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح

التقدير: فمنهما تارة أموت منها. وقيل: التقدير: ومن آياته أنه يريكم البرق. وتعسف أبو البقاء وجها آخر، فاعتبر:(من آياته) متعلقين بمحذوف حال من البرق، وقال التقدير: يريكم

ص: 262

البرق كائنا من آياته، والمعتمد من كل ما تقدم تنزيل الفعل منزلة المصدر، و {يُرِيكُمُ} مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وفاعله ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى (الله) والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. {الْبَرْقَ:} مفعول به ثان، والجملة الاسمية:{وَمِنْ آياتِهِ..} . إلخ على جميع الوجوه معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.

{خَوْفاً:} مفعول لأجله، أو هو حال على حذف المضاف، التقدير: ذوي خوف، وذوي طمع، أو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: فتخافون خوفا، وتطمعون طمعا. أجاز الاعتبارات الثلاثة ابن هشام في المغني. {وَيُنَزِّلُ:} الواو: حرف عطف. (ينزل): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). {مِنَ السَّماءِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {السَّماءِ} كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة:«نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» . وجملة: {وَيُنَزِّلُ..} . إلخ معطوفة على جملة: {يُرِيكُمُ..} . إلخ على جميع الوجوه المعتبرة فيها. {فَيُحْيِي:} الفاء: حرف عطف. (يحيي): فعل مضارع مرفوع

إلخ، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا. {بِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {الْأَرْضَ:} مفعول به. {بَعْدَ:} ظرف زمان متعلق بالفعل (يحيي)، و {بَعْدَ} مضاف، و (موتها) مضاف إليه، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة:{فَيُحْيِي..} . إلخ معطوفة على ما قبلها أيضا، وانظر مثل:{إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ..} . إلخ في الآية رقم [21] فالإعراب لا يختلف.

{وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25)}

الشرح: {وَمِنْ آياتِهِ} أي: من علامات قدرة الله، ودلائل ربوبيته، ووحدانيته. {أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ} أي: تثبتا وتدوما بلا عمد، كما قال تعالى في آية أخرى:{اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها} سورة (الرعد) رقم [2]، وقال في الآية رقم [15] من سورة (النحل):{وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} والتعبير بالأمر للمبالغة في كمال القدرة، والغنى عن الآلة. {ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} أي: الذي فعل هذه الأشياء قادر على أن يبعثكم من قبوركم، والمراد بالدعوة هي ما عبر عنها جلت قدرته بسورة (ق) في قوله:{وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (41) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ} والمنادي هو إسرافيل عليه السلام، والصيحة هي قوله: أيتها العظام البالية! أيتها اللحوم المتمزقة! أيتها الشعور المتفرقة! أيتها الأوصال المتقطعة! إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. فلا تبقى حينئذ نسمة من الأولين، والآخرين إلا قامت تنظر، كما قال تعالى في آية أخرى:{ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ} .

ص: 263

هذا؛ وأظهر الله تعالى {أَنْ} الناصبة هنا التي هي علم الاستقبال، ولم يظهرها في الآية السابقة قبل:{يُرِيكُمُ} لأن القيام هنا بمعنى البقاء لا الإيجاد، وهو مستقبل باعتبار أواخره، وما بعد نزول هذه الآيات. انتهى. جمل بتصرف.

فائدة: ذكر الله قوله: {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ} في الأربع مواضع، ولم يذكره في الأول، وهو قوله تعالى:{وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ} ولا في الأخير، وهو هذا، ووجه عدم ذكره في الأول: أن خلق الأنفس، وخلق الأزواج من باب واحد، وهو الإيجاد، فاكتفى فيهما بذكره مرة واحدة، أي: اكتفى بذكر قوله: {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ} مرة واحدة. وأمّا قيام السموات، والأرض الذي هو الأخير فلذكره الدلائل الظاهرة بقوله:{لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ} و {يَسْمَعُونَ} و {يَعْقِلُونَ} فيكون الأمر بعدها أظهر فلم يميز أحدا عن أحد، أو ذكر ما هو مدلوله، وهو قدرته على الإعادة. انتهى. جمل نقلا من الرازي.

فائدة: قال هنا: {إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} وقال في خلق الإنسان أولا: {ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ؛} لأنه هناك يكون خلق، وتقدير، وتدريج، حتى يصير التراب قابلا للحياة، فتنفخ فيه الروح، فإذا هو بشر. وأما في الإعادة فلا يكون تدريج، بل يكون بدء، وخروج، فلم يقل هنا:

ثم. انتهى. جمل نقلا عن كرخي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {وَمِنْ:} الواو: حرف عطف. {(مِنْ آياتِهِ)} : جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {أَنْ:} حرف مصدري، ونصب، واستقبال. {تَقُومَ:} فعل مضارع منصوب ب: {أَنْ} . {السَّماءُ:} فاعل.

{وَالْأَرْضُ:} معطوف على ما قبله. {بِأَمْرِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، و {أَنْ تَقُومَ} في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، التقدير: ومن آياته قيام السموات

إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. {ثُمَّ:} حرف عطف. {إِذا:} ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب.

{دَعاكُمْ:} فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر فيه، تقديره:«هو» يعود إلى الله، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة {إِذا} إليها. {دَعْوَةً:} مفعول مطلق. {مِنَ الْأَرْضِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل: (دعا) كقوله: دعوته من أسفل الوادي، فطلع إليّ، وقال أبو البقاء:

وجهان: أحدهما هو صفة ل: {دَعْوَةً} والثاني: أن يكون متعلقا بمحذوف، تقديره: خرجتم من الأرض، ودل على المحذوف ما بعده، والمعتمد الأول، تأمل. {إِذا:} كلمة دالة على المفاجأة، وهي رابطة لجواب {إِذا} الشرطية قبلها.

ص: 264

و «إذا» الفجائية تختص بالجملة الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال لا الاستقبال، نحو خرجت؛ فإذا الأسد بالباب، وهي حرف عند الأخفش، وابن مالك، ويرجحه نحو:«خرجت فإذا إنّ زيدا بالباب» لأن «إنّ» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وهي ظرف مكان عند المبرد، وابن عصفور، وظرف زمان عند الزجاج، والزمخشري، وزعم الأخير: أن عاملها فعل مشتق من لفظ المفاجأة. ولا يعرف هذا لغير الزمخشري، وإنما ناصبها عندهم الخبر المذكور، في نحو «خرجت فإذا زيد جالس» أو المقدر في نحو: فإذا الأسد. أي:

حاضر، وإذا قدرت أنها الخبر؛ فعاملها مستقر، أو: استقر، ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرحا به. انتهى. ملخصا من مغني اللبيب.

وعلى اعتبارها ظرف مكان، أو زمان فعاملها الفعل بعدها، فيكون التقدير: أنتم تخرجون وقت مفاجأتكم، أو في مكان مفاجأتكم العذاب. {أَنْتُمْ:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {تَخْرُجُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب {إِذا} لا محل لها، و {إِذا} ومدخولها معطوف على الجملة الاسمية السابقة على المعنى؛ إذ المعنى: ومن آياته قيام السموات والأرض بأمره، ثم خروجكم من القبور إذا دعاكم دعوة واحدة من الأرض، وانظر الآية رقم [33] الآتية.

{وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (26)}

الشرح: {وَلَهُ} أي: لله. {مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:} خلقا، وملكا، وعبيدا. {كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ:} روي عن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «كلّ قنوت في القرآن فهو طاعة» ومطيعون طاعة انقياد، وإقرار بالعبودية، إما قولا، وعملا من المؤمنين، وإما دلالة من الكافرين، وما أحسن ما روي عن ابن عباس-رضي الله عنهما: أنه قال: {كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ:} مطيعون في الحياة والبقاء، والموت، والبعث، وإن عصوا في العبادة».

الإعراب: {وَلَهُ:} الواو: حرف استئناف. (له): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {مَنْ:} اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وكذا إن اعتبرتها معطوفة على ما قبلها. {فِي السَّماواتِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. (الأرض): معطوف على ما قبله. {كُلٌّ:} مبتدأ، جوز الابتداء به الإضافة المقدرة؛ إذ التقدير: كلهم. {لَهُ:} جار ومجرور متعلقان بما بعدهما.

{قانِتُونَ:} خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو

إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وفيها معنى التأكيد لما قبلها.

ص: 265

{وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)}

الشرح: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ} أي: يخلقهم ابتداء بعلوق كل واحد في الرحم قبل ولادته. {ثُمَّ يُعِيدُهُ:} يحييه بعد الموت بالنفخة الثانية للبعث، فجعل ما علم من ابتداء خلقه دليلا على ما يخفى من إعادته.

{وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} أي: والإعادة بعد الموت أسهل على الله تعالى من بدء الخلق، وإنشائه، وهذا بالنظر إلى ما عند المخاطبين من أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه، وإلا فهما عند الله تعالى سواء في السهولة. وهذا جواب لسؤال قد يرد، وهو أنه كيف قال تعالى:{وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} والأفعال كلها بالنسبة إلى قدرته تعالى متساوية في السهولة؟! وإيضاحه: أن الأمر مبني على ما ينقاس على أصولكم، ويقتضيه معقولكم من أن الإعادة للشيء أهون من ابتدائه؛ لأن من أعاد منكم صنعة شيء، كانت أسهل عليه، وأهون من إنشائها، فالإعادة محكوم عليها بزيادة السهولة. هذا وذكر الضمير في قوله:{وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} مع أنه عائد على الإعادة باعتبار كونها ردا، وإرجاعا، أو مراعاة للخبر، وهو {أَهْوَنُ} قال الجمل: وذكّر الضمير فيه مع أنه راجع إلى الإعادة المأخوذة من لفظ: {يُعِيدُهُ} نظرا إلى المعنى دون اللفظ، وهو رجعه، أو رده كما نظر إليه في قوله:{لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً} أي: مكانا ميتا، أو تذكيره باعتبار الخبر. انتهى. نقلا عن كرخي.

وقيل: الضمير المجرور ب: (على) يعود إلى الخلق، فتكون الإعادة أهون على الخلق، وذلك؛ لأنهم يقومون بصيحة واحدة فيكون أهون عليهم من أن يكونوا نطفا، ثم علقا، ثم مضغا، إلى أن يصيروا رجالا، ونساء. وقيل: إن أهون بمعنى: هين وليس على بابه من التفضيل؛ لأنه ليس شيء أهون على الله من شيء. قال أبو عبيدة: ومن جعل أهون يعبر عن تفضيل شيء على شيء، فقوله مردود بقوله تعالى:{وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً،} وبقوله: {وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما} والعرب تحمل «أفعل» على فاعل، ومنه قول الفرزدق:[الكامل] إنّ الّذي سمك السّماء بنى لنا

بيتا دعائمه أعزّ وأطول

أي: دعائمه عزيزة طويلة. وقال معن بن أوس: [الطويل] لعمرك ما أدري وإنّي لأوجل

على أيّنا تعدو المنيّة أوّل

أراد: إني لوجل. ومن ذلك قول الشافعي رضي الله عنه: [الطويل] تمنّى رجال أن أموت، وإن أمت

فتلك سبيل لست فيها بأوحد

ص: 266

أي: لست فيها بواحد. هذا؛ وتذكير الضمير في قوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ} مع أن المراد به الإعادة المفهومة من الفعل لأن المعنى: وأن يعيده أهون عليه، وأخّر الجار، والمجرور {عَلَيْهِ} عن {أَهْوَنُ} هنا، وقدّم في قوله تعالى:{هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} الآية رقم [20] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام لقصد الاختصاص هناك، وأما هنا فلا معنى للاختصاص، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

{وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى} أي: الوصف العجيب الشأن، كالقدرة العامة، والحكمة التامة، وليس لغيره ما يساويه، أو يدانيه في ذلك، وقد وصف به في السموات والأرض على ألسنة الخلائق، وألسنة الدلائل، وهو أنه القادر، الذي لا يعجز عن شيء، من إنشاء، وإعادة، وغيرهما من المقدورات والممكنات، وعن مجاهد، وقتادة-رضي الله عنهما:{الْمَثَلُ الْأَعْلى} قول: لا إله إلا الله؛ أي: الذي له الوصف الأرفع شأنا والأعلى مكانة؛ الذي هو الوصف بالوحدانية.

ويعضده ما يلي في الآية التالية.

{وَهُوَ الْعَزِيزُ:} القوي القاهر الغالب لكل مقدور. {الْحَكِيمُ:} الذي يجري كل فعل على حسب حكمته، وعلمه، ومقتضى قضائه، وقدره، وإرادته، ومشيئته.

الإعراب: {وَهُوَ:} الواو: حرف عطف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {الَّذِي:} اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. {يَبْدَؤُا:}

فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {الَّذِي،} وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {الْخَلْقَ:} مفعول به. {ثُمَّ:} حرف عطف. {يُعِيدُهُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {الَّذِي،} والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية:{وَهُوَ الَّذِي..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. {وَهُوَ:} الواو: واو الحال. (هو): مبتدأ. {أَهْوَنُ:}

خبر المبتدأ. {عَلَيْهِ:} جار ومجرور متعلقان ب: {أَهْوَنُ} على جميع الاعتبارات فيه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير.

{وَلَهُ:} الواو: حرف استئناف. (له): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {الْمَثَلُ:}

مبتدأ مؤخر. {الْأَعْلى:} صفة المثل مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر.

{فِي السَّماواتِ:} جار ومجرور متعلقان ب: {الْأَعْلى} . وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وهو غير وجيه. {وَالْأَرْضِ:} معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية:{وَلَهُ الْمَثَلُ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها، ولا محل لها على الاعتبارين، والجملة الاسمية:

{وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} معطوفة عليها، لا محل لها مثلها.

ص: 267

{ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28)}

الشرح: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً..} . إلخ: قال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: نزلت هذه الآية في كفار قريش، كانوا يقولون في التلبية: لبيك لا شريك لك؛ إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: هذا مثل ضربه الله للمشركين، والمعنى: هل يرضى أحدكم أن يكون مملوكه في ماله، ونفسه مثله؟! فإذا لم ترضوا بهذا لأنفسكم، فكيف جعلتم لله شركاء؟.

هذا؛ وقال بعض العلماء: هذه الآية أصل في الشركة بين المخلوقين لافتقار بعضهم إلى بعض، ونفيها عن الله سبحانه، وذلك: أن الله عز وجل لما قال: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً..} . إلخ فيجب أن يقولوا: ليس عبيدنا شركاءنا فيما رزقتنا. فيقال لهم: فكيف يتصور أن تنزهوا نفوسكم عن مشاركة عبيدكم، وتجعلوا عبيدي شركائي في خلقي؟! فهذا حكم فاسد، وقلة نظر، وعمى قلب، فإذا بطلت الشركة بين العبيد وساداتهم، فيما يملكه السادة، والخلق كلهم عبيد الله، فيبطل أن يكون شيء من العالم شريكا لله تعالى في شيء من أفعاله، فلم يبق إلا أنه يستحيل أن يكون له شريك؛ إذ الشركة تقتضي المعاونة، ونحن مفتقرون إلى معاونة بعضنا بعضا بالمال، والعمل، والقديم الأزلي منزه عن ذلك. وهذه المسألة أفضل للطالب من حفظ ديوان كامل في الفقه؛ لأن جميع العبادات البدنية لا تصح إلا بتصحيح هذه المسألة في القلب، فافهم ذلك. انتهى. قرطبي.

{ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ..} . إلخ: منتزعا من أحوالها التي هي أقرب الأمور إليكم. {هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ:} من عبيدكم، ومماليككم. {مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ} أي: من الأموال، وغيرها. {فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ} أي: هل يشارككم عبيدكم في أموالكم التي أعطيناكم، فتكونون أنتم وهم فيه شرك يتصرفون فيه كتصرفكم مع أنهم بشر مثلكم، وأن أموالكم معارة لكم؟.

{تَخافُونَهُمْ} أي: تخافون معاشر السادة عبيدكم فيها، فلا تمضون فيها حكما دون إذنهم خوفا من لائمة تلحقكم من جهتهم. {كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ} أي: كما يخاف بعض الأحرار بعضا، فيما هو مشترك بينهم. فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم؛ فكيف ترضون لرب الأرباب، ومالك الأحرار، والعبيد أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء. {كَذلِكَ} أي: مثل هذا التفصيل. {نُفَصِّلُ الْآياتِ:}

نبينها؛ لأن التمثيل مما يكشف المعاني، ويوضحها. {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ:} يفهمون، وإذا فهموا؛ تدبروا، وإذا تدبروا؛ اتعظوا وتذكروا، وإذا اتعظوا؛ آمنوا ووحدوا، وإذا آمنوا؛ عبدوا الله.

فاستعمال العقل يؤدي إلى كل خير، وعدم استعماله يجعل الإنسان في عداد البهائم.

ص: 268

هذا؛ وأما النفس، فإنها تجمع في القلة: أنفس، وفي الكثرة: نفوس، والنفس تؤنث باعتبار الروح، وتذكر باعتبار الشخص؛ أي: فإنها تطلق على الذات أيضا، سواء أكان ذكرا؛ أم أنثى، فعلى الأول قيل: إنها جسم لطيف مشتبك بالجسم اشتباك الماء بالعود الأخضر الرطب، فتكون سارية في جميع البدن.

قال الجنيد-رحمه الله تعالى-: الروح: شيء استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، فلا يجوز البحث عنه بأكثر من أنه موجود، قال تعالى في سورة (الإسراء):{وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً} وقال بعضهم: إن هناك لطيفة ربانية، لا يعلمها إلا الله تعالى فمن حيث تفكرها تسمى: عقلا، ومن حيث حياة الجسد بها تسمى:

روحا، ومن حيث شهوتها تسمى: نفسا، فالثلاثة متحدة بالذات، مختلفة بالاعتبار، وهذا ما تدل عليه الآثار الصحاح، انظر رقم [42] من سورة (الزمر).

هذا؛ وقد ذكر القرآن الكريم: أن للنفس خمس مراتب: الأمارة بالسوء، واللوامة، والمطمئنة، والراضية، والمرضيّة، ويزاد: الملهمة، والكاملة، فالأمارة بالسوء هي التي تأمر صاحبها بالسوء، ولا تأمر بالخير إلا نادرا، وهي مقهورة، ومحكومة للشهوات. وإن سكنت لأداء الواجبات الإلهية، وأذعنت لاتباع الحق؛ لكن بقي فيها ميل للشهوات؛ سميت لوامة. وإن زال هذا الميل، وقويت على معارضة الشهوات، وزاد ميلها، إلى عالم القدس، وتلقت الإلهامات؛ سميت ملهمة. فإن سكن اضطرابها، ولم يبق للنفس، الشهوانية حكم أصلا؛ سميت مطمئنة. فإن ترقت من هذا، وأسقطت المقامات من عينها، وفنيت عن جميع مراداتها؛ سميت راضية. فإن زاد هذا الحال عليها؛ صارت مرضية عند الحق، وعند الخلق، فإن أمرت بالرجوع إلى العباد لإرشادهم، وتكميلهم؛ سميت كاملة، فالنفس سبع طبقات، ولها سبع درجات، كما ذكرت، وقدمت.

وأخيرا خذ ما ذكره القرطبي-رحمه الله تعالى-: وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «ما تقولون في صاحب لكم، إن أكرمتموه، وأطعمتموه، وكسوتموه؛ أفضى بكم إلى شرّ غاية. وإن أهنتموه، وأعريتموه، وأجعتموه؛ أفضى بكم إلى خير غاية؟» . قالوا: يا رسول الله! هذا شرّ صاحب! قال: «فو الّذي نفسي بيده، إنّها لنفوسكم التي بين جنوبكم!» .

الإعراب: {ضَرَبَ:} فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره:«هو» ، يعود إلى (الله). {لَكُمْ:}

جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: في محل مفعول ثان تقدم على الأول. {مَثَلاً:}

مفعول به. {مِنْ أَنْفُسِكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة {مَثَلاً،} والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة:{ضَرَبَ لَكُمْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {هَلْ:} حرف استفهام توبيخي إنكاري. {لَكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {مِنْ:} حرف جر. {ما:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب:{مِنْ،} والجار

ص: 269

والمجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من {شُرَكاءَ} كان نعتا له

إلخ، وبعضهم لا يجيز مجيء الحال من المبتدأ. {مَلَكَتْ:} فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. {أَيْمانُكُمْ:} فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة:

{ما،} أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من الذي، أو: من شيء ملكته أيمانكم. {مِنْ:} حرف جر صلة. {شُرَكاءَ:} مبتدأ مؤخر مجرور لفظا، مرفوع محلا، والجر اللفظي لم يظهر؛ لأنه ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، والجملة الاسمية مفسرة ل:{مَثَلاً} . {فِي ما:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: {شُرَكاءَ،} و {ما} تحتمل الموصولة والموصوفة، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: من شركاء كائنين في الذي، أو: في شيء رزقناكموه.

{فَأَنْتُمْ:} الفاء: حرف عطف وسبب. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {فِيهِ:} جار ومجرور متعلقان ب: {سَواءٌ} لأنه بمعنى: مستوون، أو: متساوون.

{سَواءٌ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وقال أبو البقاء: الجملة في موضع نصب جواب الاستفهام، أي: هل لكم، فتستووا. {تَخافُونَهُمْ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون

إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، وقال أبو البقاء: في محل نصب حال من الضمير المستتر في: (سواء). {كَخِيفَتِكُمْ:}

جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف؛ إذ التقدير: تخافونهم خيفة كائنة مثل خيفتكم، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. {أَنْفُسِكُمْ:}

مفعول به للمصدر: (خيفة)، والكاف في محل جر بالإضافة. {كَذلِكَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، التقدير: نفصل الآيات تفصيلا كائنا مثل ذلك التفصيل. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {نُفَصِّلُ:} فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر وجوبا، تقديره:«نحن» . {الْآياتِ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. {لِقَوْمٍ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:

{يَعْقِلُونَ} في محل جر صفة (قوم)، وجملة:{كَذلِكَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{بَلِ اِتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (29)}

الشرح: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي: أشركوا بالله غيره، وأطلق على الشرك لفظ الظلم، كقوله تعالى:{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} . وفيه الإضراب مع الالتفات، وأقيم الظاهر مقام

ص: 270

الضمير للتسجيل عليهم بوصف الظلم. {أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي: اتبعوا أهواءهم جاهلين؛ لأن العالم إذا ركب هواه؛ ربما ردعه علمه، وكفه، وأما الجاهل، فإنه يهيم على وجهه كالبهيمة، لا يكفه شيء عن غيه، وضلاله. هذا؛ ولما قامت عليهم الحجة ذكر الله تعالى: أنهم يعبدون الأصنام باتباع أهوائهم، وتقليد الأسلاف في عبادتها، بدون سند يعتمدون عليه.

{فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ} أي: لا هادي لمن أضله الله تعالى، وفي هذا رد على القدرية، وغيرهم. {وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ:} يخلصونهم من الضلالة، ويحفظونهم من آفاتها، وأضرارها في الدنيا والآخرة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [17] من سورة (الفرقان) من إضلال الكافرين؛ وانظر شرح (الهوى) في الآية رقم [43] منها أيضا، وفيه مراعاة المعنى.

الإعراب: {بَلِ:} حرف إضراب انتقالي. {اِتَّبَعَ:} فعل ماض. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. {ظَلَمُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {أَهْواءَهُمْ:} مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {بِغَيْرِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و (غير) مضاف، و {عِلْمٍ} مضاف إليه، والجملة الفعلية:{اِتَّبَعَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {فَمَنْ:} الفاء: حرف استئناف. وقيل: هي الفصيحة، ولا وجه له. (من): اسم استفهام توبيخي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {يَهْدِي:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى: (من). {فَمَنْ:}

اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلة:{فَمَنْ،} أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير الذي، أو شخصا أضله الله، والجملة الفعلية:{يَهْدِي..} . إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:

{فَمَنْ يَهْدِي..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {وَما:} الواو: حرف عطف. (ما): نافية.

{لَهُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {فَمَنْ:} حرف جر صلة. {ناصِرِينَ:} مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو المقدرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بالياء؛ التي جلبها حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.

{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30)}

الشرح: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً:} هذا خطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق صلى الله عليه وسلم، ويدخل في هذا الخطاب أمته باتفاق من أهل التأويل. وإقامة الوجه معناها: تقويم المقصد، والقوة على

ص: 271

الجد في أعمال الدين، فإن من اهتم بشيء محسوس بالبصر؛ عقد عليه طرفه، ومد إليه نظره، وقوم له وجهه، مقبلا عليه؛ أي: فقوم وجهك له غير ملتفت يمينا، ولا شمالا. و {حَنِيفاً} مائلا عن كل دين باطل إلى دين الحق. قال الشاعر:[الوافر] ولكنّا خلقنا إذ خلقنا

حنيفا ديننا عن كلّ دين

ولقد تكرر الكلام على إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بأنه كان حنيفا، وفسر بما ذكرته. هذا؛ والحنف: الميل في القدمين. وقد قال القرطبي-رحمه الله تعالى- في غير هذا الموضع: ولفظة: حنيفا، وحنفاء من الأضداد، تقع على الاستقامة، وتقع على الميل. انتهى. وهذا يكون على المعنى المأخوذ منه، وهو الميل، وقد ذكرت لك فيما مضى:

أن الفعل: «مال» يتغير معناه بتغير الجار، تقول: ملت إليه، وملت عنه، وهو ظاهر.

{فِطْرَتَ اللهِ} أي: الزموا فطرة الله، والفطرة: الخلقة، ألا ترى إلى قوله تعالى:{لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ} فالمعنى: أنه خلقهم قابلين للتوحيد، والإسلام، غير نائين عنه، ولا منكرين له، لكونه مجاوبا للعقل، ومساوقا للنظر الصحيح، حتى لو تركوا لما اختاروا عليه دينا آخر، ومن غوى منهم فبإغواء شياطين الجن، والإنس، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل:«كلّ عبادي خلقت حنفاء، فاجتالتهم الشّياطين عن دينهم، وأمروهم أن يشركوا بي غيري» .

وعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلاّ يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، وينصّرانه، ويمجّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسّون فيها من جدعاء» . ثم يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم: {فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ} . وفي رواية: «حتّى تكونوا أنتم تجدعونها» . قالوا: يا رسول الله! أفرأيت من يموت صغيرا؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» . رواه مسلم. ومعنى: «كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء» أي سالمة من العيوب، كاملة الخلق، ومعنى:«هل تحسّون فيها من جدعاء» . أي:

مقطوعة الأذن. فمثّل قلوب بني آدم بالبهائم؛ لأنها تولد كاملة الخلق ليس فيها نقصان، ثم تقطع آذانها بعد وأنوفها، فيقال: هذه بحائر، وهذه سوائب. يقول: فكذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم، ليس فيها كفر، ولا إيمان، ولا معرفة، ولا إنكار كالبهائم السائمة، فلما بلغوا استهوتهم الشياطين، فكفر أكثرهم، وعصم الله أقلهم.

وقال الزجاج-رحمه الله تعالى-: معناه: أن الله تعالى فطر الخلق على الإيمان به على ما جاء في الحديث: أن الله عز وجل أخرج من صلب آدم كالذر، وأشهدهم على أنفسهم، بأنه خالقهم، فقال:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ..} . إلخ الآية رقم [172] من سورة (الأعراف) وكل مولود هو من تلك الذرية؛ التي شهدت بأن الله تعالى خالقها. فمعنى فطرة الله:

ص: 272

دين الله. انتهى. ولكن لا اعتبار بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا، وإنما يعتبر الشرعي المأمور به المكتسب بالإرادة، والفعل، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم:«فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه» . فهو مع وجود الإيمان الفطري، فإنه محكوم له بحكم أبويه الكافرين.

وحكي عن عبد الله بن المبارك-رحمه الله تعالى-: أنه قال: معنى الحديث: أن كل مولود يولد على فطرته؛ أي: خلقته التي خلقه الله عليها، في علمه تعالى من السعادة، والشقاوة، فكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليه، وعامل في الدنيا بالعمل المشاكل لها، فمن أمارات الشقاوة للطفل أن يولد بين يهوديين، أو نصرانيين، فيحملانه على اعتقاد دينهما. انتهى. أقول:

وإذا كان الله قد قدر له السعادة، فيهديه إلى الإيمان، فيترك دين أبويه، ويؤمن بالله، ورسوله.

وقيل: معناه: أن كل مولود في مبدأ الخلقة على الفطرة، أي على الجبلة السليمة، والطبع المتهيئ لقبول الدين، فلو ترك عليها؛ لاستمر على لزومها؛ لأن هذا الدين موجود حسنه في العقول السليمة، والحجة المستقيمة، وإنما يعدل عنه من عدل إلى غيره؛ لأنه من آفات التقليد، ونحوه، فمن سلم من تلك الآفات، لم يعتقد غيره، فعرف الحق، وعرف دين الإسلام، وقد دل على صحة هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم:«كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسّون فيها من جدعاء» . أي: كما تلد البهيمة بهيمة مستوية، لم يذهب من بدنها شيء.

ولا بأس بهذا القول، وأن انحراف العبد عن الفطرة السليمة، يظهر بعد أن يدرك، ويعقل أمر الدنيا، وقد تأكدت حجة الله عليه بما نصب من الآيات الظاهرة من خلق السموات والأرض، والشمس والقمر، والبر والبحر، واختلاف الليل والنهار، فلما عملت أهواؤه فيه؛ أتته الشياطين، فدعته إلى اليهودية، أو النصرانية، أو الوثنية فذهبت بأهوائه يمينا، وشمالا، وهو إن مات صغيرا فهو في الجنة، وأعني: جميع أطفال الكفار من يهود، ونصارى، ومجوس، بل ووثنيين؛ لأن الله لما أخرج ذرية آدم من صلبه في صور الذر؛ أقروا له بالربوبية والوحدانية وهو فحوى قوله تعالى:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ..} . إلخ الآية رقم [171] من سورة (الأعراف).

ثم أعادهم في صلب آدم بعد أن أقروا له بالربوبية، وأنه الله لا إله غيره، ثم يكتب العبد في بطن أمه شقيا، أو سعيدا على الكتاب الأول، فمن كان في الكتاب الأول شقيا عمّر حتى يجري عليه القلم، فينقض الميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم بالشرك، ومن كان في الكتاب الأول سعيدا عمّر حتى يجري عليه القلم، فيصير سعيدا، ومن مات صغيرا من أولاد المسلمين قبل أن يجري عليه القلم فهم مع آبائهم في الجنة؛ لأنهم ماتوا على الميثاق الأول الذي أخذ عليهم في صلب آدم، ولم ينقضوا الميثاق. ذهب إلى هذا جماعة من أهل التأويل، وهو يجمع بين الأحاديث، ويكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أولاد المشركين، فقال:«الله أعلم بما كانوا عاملين» أي: لو بلغوا.

ص: 273

وقد روي من حديث أنس-رضي الله عنه-قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين، فقال:«لم تكن لهم حسنات فيجزوا بها، فيكونوا من ملوك الجنّة، ولم تكن لهم سيّئات فيعاقبوا عليها، فيكونوا من أهل النّار، فهم خدم لأهل الجنّة» . ذكره يحيى بن سلام في التفسير له.

وقال أبو بكر الوراق-رحمه الله تعالى-: {فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها} هي الفقر، والفاقة، وهذا حسن فإنه منذ ولد إلى حين يموت فقير محتاج، نعم؛ وفي الآخرة؛ أي: أحوج إلى فضل الله تعالى. انتهى. قرطبي بتصرف.

{لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ} أي: هذه الفطرة لا تبديل لها من جهة الخالق، ولا يجيء الأمر على خلاف هذا بوجه، أي: لا يشقى من خلقه سعيدا، ولا يسعد من خلقه شقيا. وقال مجاهد:

المعنى لا تبديل لدين الله، ويدل عليه ما بعده. وقاله قتادة، وابن جبير، والضحاك، وابن زيد، والنخعي، والزجاج، قالوا: هذا معناه في المعتقدات. وقال عكرمة: وروي عن ابن عباس، وعمر بن الخطاب-رضي الله عنهم أجمعين-: أن المعنى لا تغيير لخلق الله من البهائم أن تخصى فحولها، فيكون معناه النهي عن خصاء الفحول من الحيوان.

{ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} أي: دين الإسلام هو الدين القيم المستقيم، فالإشارة إلى الدين المأمور بإقامة الوجه له، أو الفطرة؛ إن فسرت بالملة، أو الطريقة، {وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ} أي: لا يتفكرون، فيعلمون: أن لهم خالقا معبودا، وإلها قديما سبق قضاؤه، ونفذ حكمه. وانظر الآية رقم [6] تجد ما يسرك.

هذا؛ والدين بكسر الدال اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى. والدين أيضا: الملة، والشريعة.

ومن هذا قوله تعالى: {ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} . والدّين: الحساب، والجزاء، ومنه:

يوم الدين، أي: يوم الجزاء، والحساب. ومنه: كما تدين تدان، أي: كما تفعل تجازى. وعن ابن عباس-رضي الله عنهما-قال: يوم الدّين: يوم حساب الخلائق يدينهم بأعمالهم، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا فشرّ، إلا من عفى الله عنه، والأمر أمره، ثم قال:{أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} . هذا؛ والدّين بفتح الدال: القرض المؤجل، وجمع الأول: أديان، وجمع الثاني: ديون، وأدين. هذا؛ والدينونة: القضاء، والحساب، والديانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى.

أما {الْقَيِّمُ} فهو المستقيم، المعتدل، أي: لا إفراط فيه، ولا تفريط، وأصله: القيوم:

فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياء في الياء، وهذا على القاعدة:«إذا اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء» ، وانظر سورة (يوسف) رقم [40].

الإعراب: {فَأَقِمْ:} الفاء: حرف استئناف، وقيل: الفصيحة، وهو ضعيف معنى. (أقم):

فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» . {وَجْهَكَ:} مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {لِلدِّينِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {حَنِيفاً:} حال من

ص: 274

الفاعل المستتر، أو من:(الدين). {فِطْرَتَ:} مفعول به على الإغراء بفعل محذوف، تقديره:

الزموا فطرة، أو: عليكم فطرة، أو: اتبعوا فطرة، وقدر بالجمع لقوله:{مُنِيبِينَ إِلَيْهِ..} . إلخ في الآية التالية، وقال الطبري:{فِطْرَتَ} مصدر من معنى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ} لأن معنى ذلك: فطر الله الناس على ذلك فطرة، وانظر إعراب:{صُنْعَ اللهِ} في الآية رقم [88] من سورة (النمل).

و {فِطْرَتَ} مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. {الَّتِي:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: {فِطْرَتَ} . {فَطَرَ:} فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى الله. {النّاسَ:} مفعول به. {عَلَيْها:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية:{فَأَقِمْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {لا:} نافية للجنس تعمل عمل «إن» . {تَبْدِيلَ:} اسم {لا} مبني على الفتح في محل نصب. {لِخَلْقِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: {لا،} و (خلق) مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية:{لا تَبْدِيلَ..} . إلخ في محل نصب حال مؤكدة لمضمون الكلام السابق مثل «أنت أخي حقا» . {ذلِكَ:} اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له.

{الدِّينُ:} بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، أو نعت له. {الْقَيِّمُ:} خبر المبتدأ.

هذا؛ وإن اعتبرت (الدين) خبر المبتدأ، و (القيم) صفته، فالمعنى لا يأباه، وانظر ما ذكرته في سورة (يوسف) رقم [40] وانظر تتمة الإعراب في الآية رقم [6].

{مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاِتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31)}

الشرح: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ:} راجعين إليه، من: أناب إذا رجع مرة بعد مرة. وقيل: منقطعين إليه، ومنه أخذ اسم الناب؛ لأنه قاطع، فكأن الإنابة هي الانقطاع إلى الله عز وجل بالطاعة، والمفرد: منيب، وأصله:«منيب» على وزن مفعل؛ لأنه من الرباعي كما ترى، فقل في إعلاله:

اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الياء إلى النون قبلها، بعد سلب سكونها، فصار «منيب» ومثله قل في إعلال «مبين» ونحوه. (اتقوه): خافوه، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه. {(أَقِيمُوا الصَّلاةَ)}:

أدوها على الوجه الأكمل، وقد شرحت ذلك كثيرا. {وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ:} بأي نوع من أنواع الشرك، فإن الشرك لا يكون مقصورا على عبادة الحجارة، أو عبادة الشمس، والقمر، أو عبادة فرد من الناس، لا؛ فإن الرياء بالعمل شرك، وإن من اعتقد: أن لمخلوق في هذا الكون تأثيرا في شيء من الأشياء؛ فقد أشرك، وإن من اعتقد: أن فلانا؛ ضره، أو نفعه، ولم يعز ذلك إلى الله؛ فقد أشرك، ومن يقول: إن فلانا سبب في النفع، أو الضر؛ فلا بأس به شرعا مع اعتقاده: أنه من الله.

ص: 275

الإعراب: {مُنِيبِينَ:} حال من واو الجماعة ب: «الزموا» الذي رأيت تقديره في الآية السابقة، أو حال من فاعل (أقم) المستتر؛ لأن الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم أمر له، ولأمته. فالمعنى أقيموا وجوهكم.

ويؤيده عطف: {وَاتَّقُوهُ} عليه، فهو منصوب وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. {إِلَيْهِ:} جار ومجرور متعلقان به. {وَاتَّقُوهُ:} الواو: حرف عطف: (اتقوه): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:«الزموا» التي رأيت تقديرها في الآية السابقة، أو هي معطوفة على جملة: (أقم

) إلخ التي رأيت تأويلها، وجملة:{وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} معطوفة عليها. {وَلا:} الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة. {تَكُونُوا:} فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع اسمه، والألف للتفريق. {مِنَ الْمُشْرِكِينَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر {تَكُونُوا،} وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها.

{مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)}

الشرح: {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ:} إن كان الضمير راجعا إلى كفار قريش، فيكون معنى التفريق راجعا إلى تفريق أهوائهم، واختلافهم فيما يعبدون من أوثان، وعبادة الملائكة، وغير ذلك من المعبودات الباطلة؛ التي كانت شائعة عند العرب في الجاهلية، ويؤيده قراءة حمزة، والكسائي:«(فارقوا)» أي: فارقوا دينهم الصحيح، وهو دين إبراهيم، وإسماعيل، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. وقيل: هم أهل البدع من هذه الأمة. وقيل: هم اليهود والنصارى، ويؤيده قوله تعالى:{وَكانُوا شِيَعاً} .

هذا؛ وشيع: جمع: شيعة، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، وأشياع، وأصله من التشيع، وهو التحزب، ومعنى الشيعة الجماعة الذين يتبع بعضهم بعضا. وقيل: الشيعة هم الذين يتقوى بهم الإنسان، وفي القاموس المحيط: وشيعة الرجل بالكسر: أتباعه، وأنصاره؛ والفرقة على حدة، وتقع على الواحد، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث. وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى علي بن أبي طالب، وأهل بيته-رضي الله عنهم أجمعين-، حتى صار اسما لهم خاصة، قال الكميت:[الطويل] وما لي إلاّ آل أحمد شيعة

وما لي إلاّ مذهب الحقّ مذهب

{كُلُّ حِزْبٍ:} كل فريق، وملة. هذا؛ والحزب في اللغة: أصحاب الرجل الذين يكونون معه على مثل رأيه، وهم القوم الذين يجتمعون لأمر حزبه، يعني: أهمّه، والجمع: أحزاب.

{بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ:} مسرورون معجبون به، معتقدون: أنه الحق.

ص: 276

هذا؛ و {لَدَيْهِمْ} ظرف مكان بمعنى: «عند» وهي معربة مثلها، وقد تستعملان في الزمان، وإذا أضيف «لدى» إلى مضمر كما هنا قلبت ألفه ياء عند جميع العرب، إلا بني الحارث بن كعب، وبني خناعة فلا يقلبونها تسوية بين الظاهر، والمضمر، كما لا يقلبون ألف على وإلى ونحوهما، وعلى لغتهم جاء قول الشاعر:[الوافر] إلاكم يا خناعة، لا إلانا

عزا النّاس الضّراعة والهوانا

فلو برأت عقولكمو بصرتم

بأنّ دواء دائكمو لدانا

وذلكمو إذا واثقتمونا

على قصر اعتمادكمو علانا

ثم اعلم: أن «عند» أمكن من: «لدى» من وجهين: أحدهما أنها تكون ظرفا للأعيان، والمعاني، تقول: هذا القول عندي صواب، وعند فلان علم به، ويمتنع ذلك في «لدى» ، ذكره ابن الشجري في أماليه، ومبرمان في حواشيه. والثاني: أنك تقول: عندي مال، وإن كان غائبا، ولا تقول: لديّ مال إلا إذا كان حاضرا. قاله جماعة.

خاتمة: هذه الآية وأمثالها تنظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإنّ هذه الأمّة ستفترق إلى ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النّار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة» . الحديث خرجه أبو داود، ورواه الترمذي وزاد فيه:

قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» . خرجه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، وهذا يبين أن الافتراق المحذّر منه في الآية، والحديث إنما هو في أصول الدين وقواعده؛ لأنه قد أطلق عليها مللا، وأخبر أن التمسك بشيء من تلك الملل موجب لدخول النار، ومثل هذا لا يقال في الفروع، فإنه لا يوجب تعديد الملل، ولا عذاب النار. انتهى.

قرطبي في غير هذا الموضع.

أقول: وإنما يعني-رحمه الله تعالى-المذاهب الأربعة المختلفة في بعض الأحكام، فأهل هذه المذاهب يطلق عليهم اسم أهل السنة، والجماعة؛ لأنهم هم المتمسكون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه الراشدين، وصحابته المهتدين، وعاضّون عليها بالنواجذ. والحمد لله رب العالمين.

بعد هذا: فالفرح لذة في القلب، بإدراك المحبوب، ولذا أكثر ما يستعمل في اللذات البدنية، وقد ذم الله الفرح في مواضع من كتابه، كقوله تعالى:{لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ،} وقوله تعالى: {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} ولكنه مطلق، فإذا قيّد الفرح لم يكن ذمّا لقوله تعالى في حق الشهداء:{فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ،} وقال سبحانه: {قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} أي: برحمته، وقال تعالى:{يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللهِ} هذا؛ وقد قال تعالى في

ص: 277

سورة (غافر) رقم [75]: {ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} فقوله: {بِغَيْرِ الْحَقِّ} يدل على أنه يكون في الحق وغيره، ثم قال تعالى في تتمة الآية:{وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ} فلم يستثن؛ لأن المرح لا يكون إلا في الشر كالبطر، والأشر.

الإعراب: {مِنَ الَّذِينَ:} جار ومجرور بدل من قوله تعالى: {مِنَ الْمُشْرِكِينَ} بإعادة العامل. {فَرَّقُوا:} فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {دِينَهُمْ:} مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.

{وَكانُوا:} الواو: حرف عطف. (كانوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. {شِيَعاً:} خبر (كان) والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.

{كُلُّ:} مبتدأ، وهو مضاف، و {حِزْبٍ:} مضاف إليه. {بِما:} جار ومجرور متعلقان ب: {فَرِحُونَ} بعدهما. {لَدَيْهِمْ:} ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء؛ لاتصاله بالهاء التي هي ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {فَرِحُونَ:} خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الواو

إلخ، والجملة الاسمية:

{كُلُّ..} . إلخ مستأنفة أو معترضة في آخر الكلام لا محل لها على الاعتبارين، وهي مقررة لما قبلها من تفريق دينهم، وكونهم شيعا.

هذا؛ وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون: {مِنَ الَّذِينَ} منقطعا مما قبله، ومعناه: من المفارقين دينهم كل حزب فرحين بما لديهم، ولكنه رفع {فَرِحُونَ} على الوصف ل:{كُلُّ} وفحواه أنه يريد اعتبار {كُلُّ} مبتدأ مؤخرا، والجار والمجرور {مِنَ الَّذِينَ} متعلقين بمحذوف خبر مقدم، والمعنى لا يؤيده. تأمل.

{وَإِذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33)}

الشرح: {وَإِذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ:} أصابهم شدة من هزال، أو مرض، أو قحط، أو غير ذلك. {دَعَوْا رَبَّهُمْ:} لجئوا إلى الله بالدعاء، والتضرع. {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ:} مقبلين عليه بقلوبهم، وجميع جوارحهم. {ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً:} صحة من مرض، وخصبا من قحط، ونعمة من نقمة. {إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ:} المراد: الكفار من الناس. {بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} أي: يرجعون إلى عبادة الأصنام، وترك عبادة الملك العلام.

ومعنى هذا الكلام التعجب: عجب الله نبيه صلى الله عليه وسلم من المشركين في ترك الإنابة إليه تعالى، مع تتابع الحجج عليهم، ولكنهم إذا نزل بهم ضر؛ لجئوا إليه في كشف الضر عنهم، فإذا كشف

ص: 278

عنهم؛ انقلبوا على أعقابهم خاسئين. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [6] من سورة العنكبوت تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.

هذا؛ وانظر (الذوق) في الآية رقم [55] منها أيضا. هذا؛ وأما {دَعَوْا} فأصله قبل دخول واو الجماعة: (دعو) فقل في إعلاله: تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فلما اتصلت به واو الجماعة، صار «دعاوا» فالتقى ساكنان: ألف العلة، وواو الجماعة، وحرف العلة أولى بالحذف من الضمير، فحذف حرف العلة، وبقيت الفتحة على العين دليلا على الألف المحذوفة. ويقال في إعلاله أيضا: ردّت الألف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار «دعوا» فقلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فصارت ألفا، فالتقى ساكنان: ألف العلة، وواو الجماعة

إلخ، كما يقال أيضا: ردت الألف لأصلها عند اتصاله بواو الجماعة، فصار:

«دعووا» فاستثقلت الضمة على الواو فحذفت، فالتقى ساكنان: واو العلة، وواو الجماعة، فحذفت واو العلة

إلخ، وما ذكرته يجري في إعلال كل فعل ناقص، اتصل به واو الجماعة، مثل: نجا، ورمى، وسعى، ودعا، وغزا

إلخ تنبه لذلك واحفظه.

هذا؛ وتحرك واو الجماعة بالضمة إذا التقى معها ساكن، مثل قوله تعالى:{أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى} وإنما حركت بالضمة دون غيرها ليفرق بين واو الجماعة، والواو الأصلية في نحو قولك:«لو اجتهدت لنجحت» وقيل: ضمت؛ لأن الضمة أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو. وقيل: حركت بحركة الواو المحذوفة. وقيل: غير ذلك.

هذا؛ والفريق: الطائفة من الناس، والفريق أكثر من الفرقة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كرهط، ومعشر

إلخ، وقد جمع الضمير في الثلاثة بعده مراعاة لمعناه. تأمل.

الإعراب: {وَإِذا:} الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان

إلخ.

{مَسَّ:} فعل ماض. {النّاسَ:} مفعول به. {ضُرٌّ:} فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. {دَعَوْا:} فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة كما رأيت، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (إذا)، لا محل لها. {رَبَّهُمْ:} مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {مُنِيبِينَ:} حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء

إلخ. {إِلَيْهِ:} جار ومجرور متعلقان به، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. {ثُمَّ:} حرف عطف. {إِذا:} ظرف لما يستقبل

إلخ. {أَذاقَهُمْ:}

فعل ماض، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى {رَبَّهُمْ،} والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: (إذا) إليها

إلخ. {مِنْهُ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب:{رَحْمَةً} بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف

ص: 279

حال من: {رَحْمَةً} كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة:«نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» . (إذا): كلمة دالة على الفجاءة، وهي رابطة لجواب (إذا) الشرطية قبلها، وانظر الآية رقم [25]. {فَرِيقٌ:} مبتدأ. {مِنْهُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة {فَرِيقٌ} . {بِرَبِّهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة

إلخ. {يُشْرِكُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{فَرِيقٌ..} . إلخ جواب {إِذا} الشرطية، و {إِذا} ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله، وفي الآية دليل واضح على أن «إذا» الشرطية لا تكون معمولة لجوابها؛ لأن ما بعد «إذا» الفجائية، لا يعمل فيما قبلها. هذا؛ ومثل هذه الآية في المعنى، والإعراب الآية رقم [54] من سورة (النحل).

{لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34)}

الشرح: {لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ:} اللام لام التعليل، ومتعلقة بما قبلها؛ إذ التقدير: فريق منهم بربهم يشركون؛ ليكونوا كافرين بشركهم نعمة النجاة، وجمع الضمير مراعاة لمعنى {فَرِيقٌ}. {فَتَمَتَّعُوا:} لفظه أمر، ومعناه: التهديد، والوعيد، والمعنى: فاسرحوا في هذه الدنيا الفانية، وامرحوا إلى انتهاء آجالكم، وقرئ:«(وليتمتعوا)» . وقيل: اللام فيه للأمر، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [66] من سورة (العنكبوت) ففيها الكفاية. {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ:} سوء تدبيركم عند تدميركم، فهذا تهديد بعد تهديد، ووعيد بعد وعيد. والالتفات من الغيبة إلى الخطاب واضح وظاهر، ويقرأ:(يعلمون) بالياء ليوافق: (ليتمتعوا) فتكون الآية قد وافقت آية (العنكبوت) رقم [66] بحروفها، وعلى القراءة بالتاء فهي موافقة للآية رقم [55] من سورة (النحل) بحروفها.

هذا؛ والكفر: ستر الحق بالجحود، والإنكار، وكفر فلان النعمة، يكفرها كفرا، وكفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وسترها، وأخفاها، وكفر الشيء: ستره وغطاه. وسمي الكافر كافرا؛ لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وعبادته غيره. وسمي الزارع: كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه، ويستره بالتراب، قال تعالى في تشبيه حال الدنيا:{كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ} وسمي الليل: كافرا؛ لأنه يغطي، ويستر كل شيء بظلمته، قال لبيد بن ربيعة الصحابي-رضي الله عنه-في معلقته البيت رقم [65] وما بعده:[الطويل] وألقيتها بالثّني من جنب كافر

كذلك ألقي كلّ رأي مضلّل

رضيت لها بالماء لمّا رأيتها

يجول بها التّيّار في كلّ جدول

ص: 280

هذا؛ والتمتع: التلذذ بالشيء، والانتفاع به، ومثله: الاستمتاع، والاسم: المتعة. فهنيئا لمن تمتع، واستمتع بالمباح الحلال، وويل، ثم ويل لمن تمتع، واستمتع بالحرام! هذا؛ والمتعة بكسر الميم وضمها اسم للتمتيع، والزاد القليل، وما يتمتع به من الصيد، والطعام، ومتعة المرأة ما وصلت به بعد الطلاق من نحو القميص، والإزار، والملحفة، قال تعالى:{وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} . هذا؛ والمراد من الآية: الأمر للكفار بأن يتمتعوا بدنياهم قليلا، أو بعبادتهم الأوثان، أو باتباعهم الأهواء، فإنها من قبيل الشهوات التي يتمتع بها. وفي التهديد بصيغة الأمر إيذان بأن المهدّد عليه كالمطلوب لإفضائه إلى المهدّد به.

هذا؛ وذكرت لك: أن في الآية التفاتا من الغيبة إلى الخطاب، وللالتفات فوائد كثيرة:

منها: تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر، والملال؛ لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد. هذه فوائده العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حث السامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصصه بالمواجهة.

الإعراب: {لِيَكْفُرُوا:} فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل. وقيل:

العاقبة. وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل:{يُشْرِكُونَ} على اعتبار اللام للتعليل، ومتعلقان بفعل محذوف على اعتبار اللام للعاقبة، والمآل، التقدير: آل أمرهم للكفر. وقيل: اللام لام الأمر، فالفعل مجزوم لا منصوب، فتكون الجملة مستأنفة، لا محل لها. {بِما:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء.

{آتَيْناهُمْ:} فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة:(ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: ليكفروا بالذي، أو: بشيء آتيناهموه. {فَتَمَتَّعُوا:} الفاء: هي الفصيحة. (تمتعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول محذوف، التقدير: فقل لهم يا محمد: تمتعوا، وهذه الجملة لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان هذا حالهم وعملهم؛ فقل لهم: (تمتعوا). {فَسَوْفَ:} الفاء: حرف استئناف. (سوف): حرف تسويف، واستقبال.

{تَعْلَمُونَ:} فعل مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وانظر الإعراب على قراءة الفعلين بالياء في الآية رقم [66] من سورة (العنكبوت) ففيها فضل زيادة.

ص: 281

{أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35)}

الشرح: {أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ:} على المشركين. {سُلْطاناً:} حجّة، وعذرا، وقال الضحاك وقتادة، والربيع بن أنس-رضي الله عنهم أجمعين-:{سُلْطاناً} كتابا، وأضاف الكلام إليه توسعا، أو المراد: تكلم دلالة، كقوله تعالى:{هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ} . هذا؛ وفي الحقيقة قد نطق القرآن بكفرهم كثيرا، كما هو معلوم من الآيات الكثيرة، أو المراد بالكلام: الشهادة، كأنه قال: فهو يشهد بشركهم، كما يشهد بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ويشهد بصحته: أنه منزل من عند الله، ولا تنس: أن (أم) بمعنى همزة الإنكار، فيكون المعنى: لا، لم ننزل عليهم سلطانا. وهو قول الكوفيين. ومذهب البصريين: أنها بمعنى بل، والهمزة، والمعنى: لا يصح إلا على هذا. تأمل.

هذا؛ و (سلطان): تسلط وولاية، ومعناه هنا: الحجة، والبرهان، أو الكتاب، كما رأيت. قال بعض المفسرين المحققين: سميت الحجة سلطانا؛ لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة له، كالسلطان يقهر غيره بقوته. وقال الزجاج: السلطان هو الحجة، وسمي السلطان سلطانا؛ لأنه حجة الله في أرضه. انتهى. ولا تنس ما قاله عثمان بن عفان-رضي الله عنه:«إنّ الله ليزع بالسّلطان ما لا يزع بالقرآن» . أي: يكف عن المعاصي ويردع، وجمعه بمعنى الحاكم، والمالك: سلاطين، ولا يجمع إذا كان بمعنى الحجة، والبرهان. هذا؛ وزعم الفراء: أن العرب تؤنث السلطان، تقول:

قضت به عليك السلطان، أما البصريون فالتذكير عندهم أفصح، وبه جاء القرآن، والتأنيث عندهم جائز؛ لأنه بمعنى الحجة. هذا؛ والسلطان: ما يدفع به الإنسان عن نفسه أمرا يستوجب به عقوبة، كما قال تعالى حكاية عن قول سليمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-:{لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ} الآية رقم [21] من سورة (النمل).

هذا؛ والكلام بالنسبة للبشر، فهو يدل على أحد ثلاثة أمور:

أولها: الحدث الذي يدل عليه لفظ التكليم، تقول: أعجبني كلامك زيدا، تريد تكليمك إياه.

وثانيها: ما يدور في النفس من هواجس، وخواطر، وكل ما يعبر عنه باللفظ لإفادة السامع ما قام بنفس المخاطب، فيسمى هذا الذي تخيلته في نفسك: كلاما في اللغة العربية، تأمل قول الأخطل التغلبي:[الكامل] لا يعجبنّك من خطيب خطبة

حتّى يكون مع الكلام أصيلا

إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما

جعل اللّسان على الفؤاد دليلا

وثالثها: كل ما تحصل به الفائدة، سواء أكان ما حصلت به لفظا، أو خطّا، أو إشارة، أو دلالة حال. انظر إلى قول العرب:«القلم أحد اللّسانين» وانظر إلى تسمية المسلمين ما بين دفّتي

ص: 282

المصحف: «كلام الله» ، ثم انظر إلى قوله تعالى:{يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ} . وقال جل شأنه: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ،} وإلى كلمته جلت حكمته: {قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً،} ثم انظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة الذي نفى الكلام اللفظي عن محبوبته، وأثبت لعينيها القول، والكلام، وذلك في قوله:[الطويل] أشارت بطرف العين خيفة أهلها

إشارة محزون ولم تتكلّم

فأيقنت أنّ الطّرف قد قال: مرحبا

وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم

ثم انظر إلى قول نصيب بن رباح: [الطويل] فعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله

ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب

وانظر شرح القول في الآية رقم [85] من سورة (النمل).

الإعراب: {أَمْ:} حرف عطف بمعنى: «بل» ؛ لأنها منقطعة. {أَنْزَلْنا:} فعل، وفاعل.

{عَلَيْهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {سُلْطاناً:} مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {فَهُوَ:} الفاء: حرف عطف، وسبب. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {يَتَكَلَّمُ:} فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«هو» يعود إلى {سُلْطاناً،} والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وهي في المعنى صفة سلطانا، وإن اعتبرت الفاء زائدة؛ وضح المعنى. {بِما:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلا بالباء، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بسبب كونهم مشركين، ويضعفه وجود الضمير العائد عليها، والمصدرية لا يعود عليها الضمير، احفظه؛ فإنه جيد. {كانُوا:} فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. {بِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. {يُشْرِكُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة:{كانُوا..} . إلخ صلة (ما) أو صفتها

إلخ.

{وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (36)}

الشرح: {وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً:} نعمة من صحة، وغنى، وخصب، ورخاء، وراحة بال، وهناءة ضمير. وانظر الذوق في الآية رقم [55] من سورة (العنكبوت). {فَرِحُوا بِها} أي: فرحوا فرح

ص: 283

بطر، وكبر. {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ:} شدة من مرض، وفقر، وقحط، وغير ذلك مما يسوءهم. {بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي: من الكفر، والظلم، والمعاصي. ولما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي؛ نسبت الأعمال كلها إلى الأيدي، وإن كانت من أعمال القلوب، والأرجل، والعيون، والآذان تغليبا للأكثر على الأقل. {إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ:} ييأسون من رحمة الله، وهذا خلاف وصف المؤمن، فإنه يشكر ربه عند النعمة، ويصبر، ويرجوه عند الشدة، وكان الأحرى بهؤلاء الكافرين أن يعلموا، ويوقنوا أن الله هو الباسط، والقابض، فيرجعوا إليه عند الشدة، ويتوبوا من المعاصي التي عوقبوا بسببها حتى يعيد إليهم نعمته التي سلبهم إياها. هذا؛ والفعل: قنط، يقنط يأتي من الباب الرابع، والثاني، وبهما قرئ في هذه الآية، وقرأ الأعمش أيضا: قنط، يقنط من الباب السادس أيضا.

هذا؛ والآية صفة للكافر يقنط عند الشدة، ويبطر عند النعمة، كما قيل:[المديد] كحمار السّوء إن أشبعته

رمح النّاس وإن جاع نهق

وكثير ممن لم يرسخ الإيمان في قلوبهم بهذه المثابة، وقد مضى هذا في غير موضع، قال تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:{وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} .

الإعراب: {وَإِذا:} الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان

إلخ، انظر الآية رقم [25]. {أَذَقْنَا:} فعل وفاعل. {النّاسَ:} مفعول به أول. {رَحْمَةً:} مفعول به.

ثان، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. {فَرِحُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. {بِها:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.

{وَإِنْ:} الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. {تُصِبْهُمْ:} فعل مضارع فعل الشرط، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {سَيِّئَةٌ:} فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. {بِما:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر بالياء.

{قَدَّمَتْ:} فعل ماض، والتاء للتأنيث. {أَيْدِيهِمْ:} فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها.

والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو: بشيء قدمته أيديهم. {إِذا:} كلمة دالة على المفاجأة واقعة في جواب الشرط، انظر الآية رقم [25] ففيها الكفاية. {تُصِبْهُمْ:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {يَقْنَطُونَ:} فعل مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية واقعة في محل جزم جواب الشرط، والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.

ص: 284

{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37)}

الشرح: {أَوَلَمْ يَرَوْا:} أولم ينظروا ويبصروا. {أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ:} يعطي الرزق، ويمنح المال، ويوسع في المعيشة لمن يشاء من عباده. {وَيَقْدِرُ} أي: يضيق ويفقر من المال، وقال جل ذكره:{وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ} . {إِنَّ فِي ذلِكَ} أي: في البسط، والتضييق في الرزق. {لَآياتٍ:} لدلالات على قدرة الله، وكمال حكمته، وأنه هو الفاعل المختار يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء. {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ:} خصهم بالذكر؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بالتذكير، وفي كثير من الآيات {لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} وهذه الآية مذكورة في سورة الزمر رقم [52] بحروفها بإبدال {أَوَلَمْ يَرَوْا} ب:{أَوَلَمْ يَعْلَمُوا،} والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

هذا؛ والقوم اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل رهط ومعشر ونفر

إلخ، وهو يطلق على الرجال دون النساء، بدليل قوله تعالى:{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ} وقال زهير بن أبي سلمى المزني: [الوافر] وما أدري-وسوف إخال أدري

أقوم آل حصن أم نساء؟

وربما دخل فيه النساء على سبيل التبع للرجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إن كل لفظ (قوم) في القرآن يوجهه رسول إلى قومه، إنما يراد به الرجال، والنساء جميعا، قال تعالى:

{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ،} وقال جل شأنه: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ} وفي المصباح: «القوم» يذكر، ويؤنث، فيقال: قام القوم، وقامت القوم، وكذا كل اسم جمع، لا واحد له من لفظه، نحو: رهط، ونفر

إلخ، فالتأنيث باعتبار معناه، وتأويله بالجماعة. والتذكير باعتبار لفظه.

والآيتان المذكورتان دليل على التأنيث.

الإعراب: {أَوَلَمْ:} الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف استئناف. وقيل:

حرف عطف على محذوف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. {يَرَوْا:} فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على جملة مقدرة بما يلي: ما بالهم لم يشكروا في السراء والضراء كالمؤمنين، ولم يروا

إلخ. {أَنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {اللهَ:} اسم {أَنَّ} . {يَبْسُطُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {اللهَ}. {الرِّزْقَ:}

مفعول به. {لِمَنْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام. {يَشاءُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {اللهَ،} والمتعلق محذوف، تقديره: من عباده. والجملة الفعلية صلة: (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط

ص: 285

محذوف؛ إذ التقدير: للذي، أو: لشخص يشاؤه الله. {وَيَقْدِرُ:} الواو: حرف عطف. (يقدر):

فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {اللهَ} ومتعلقه محذوف، تقديره: له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة:{يَبْسُطُ..} . إلخ في محل رفع خبر {أَنَّ،} و {أَنَّ} واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول الفعل: {يَرَوْا،} وانظر مثل إعراب: {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} في الآية رقم [21]. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

{فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38)}

الشرح: لما بين الله تعالى: أنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر؛ أمر من وسع عليه في الرزق أن يوصل إلى الفقير كفايته ليمتحن شكر الغني، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد هو وأمته، وأمر بإيتاء ذي القربى لقرب رحمه، وخير الصدقة ما كان على القريب، وفيها صلة الرحم، وقد فضّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة على الأقارب على عتق الرقاب، فقال لميمونة رضي الله عنها، وقد أعتقت وليدة:«أما إنّك لو أعطيتها أخوالك؛ كان أعظم لأجرك» . ويظهر: أنّ أخوالها كانوا فقراء.

وعن سلمان بن عامر-رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصّدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرّحم ثنتان: صدقة وصلة» أخرجه النسائي، والترمذي. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيّما رجل أتاه ابن عمّه يسأله من فضله، فمنعه؛ منعه الله فضله يوم القيامة» . أخرجه الطبراني. وخذ قول زهير في معلقته: [الطويل] ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله

على قومه يستغن عنه ويذمم

{فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ:} من صلة مادية كما ذكرت، ومن المودة: الزيارة، وحسن المعاشرة، والمعاونة في الضراء، والمؤالفة في السراء، والدعاء في ظهر الغيب، والمعاضدة، ونحو ذلك، ويدخل في ذي القربى جميع الأقارب من جهة الأب، ومن جهة الأم، ويطلق عليهم جميعا اسم ذوي الأرحام، وأبو حنيفة-رحمه الله تعالى-يلزم الموسر نفقة أقاربه المعسرين من أي جهة كانوا؛ لأنه يورث ذوي الأرحام بعضهم بعضا، استدلالا بقوله تعالى في آخر سورة (الأنفال):

{وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ} ويقول: الغنم بالغرم، وهذه الآيات يقول الشافعي -رحمه الله تعالى-فيها: إنها منسوخة بآية المواريث الموجودة في سورة (النساء)، فلا يرى توريث ذوي الأرحام، ولا يلزم الموسر النفقة إلا إلى الأصول، والفروع.

والمسكين: هو الذي لا يقوم دخله بكفايته، وهو أحسن حالا من الفقير عند الشافعي، -رحمه الله تعالى-. والعكس عند أبي حنيفة، -رحمه الله تعالى-. وخذ تعريفه فيما يلي: فعن

ص: 286

أبي هريرة-رضي الله عنه-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس المسكين الّذي تردّه اللّقمة، واللّقمتان، والتّمرة والتّمرتان، ولكن المسكين الّذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدّق عليه، ولا يقوم فيسأل النّاس» . رواه البخاري، ومسلم. هذا؛ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل المسكنة، ويتعوذ بالله من الفقر، فعن أنس-رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«اللهمّ أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة» . رواه الترمذي، ولو كان المسكين أسوأ حالا من الفقير؛ لما تعوذ بالله من الفقر، وسأله المسكنة. وقد توسعت في شرح الفقير، والمسكين في الآية رقم [61] من سورة (التوبة). {وَابْنَ السَّبِيلِ} أي: ابن الطريق المنقطع في سفره، ونفد ماله بأية وسيلة كانت، فقد أمر الله الموسرين بأن يعطوه ما يوصله بلده، ولو كان من أغنى الأغنياء في وطنه، وقد جعله الله أحد الأصناف الثمانية؛ الذين تصرف إليهم الزكاة في الآية رقم [60] من سورة (التوبة).

هذا؛ وخص الله هؤلاء الثلاثة من بين الأصناف الثمانية بالذكر هنا؛ لأنه جلت قدرته أراد هاهنا بيان من يجب الإحسان إليه على كل من له مال، سواء أكان زكويا، أو لم يكن؟ وسواء أكان قبل الحول، أم لم يكن؟ لأن المقصود هنا الشفقة العامة، وهؤلاء الثلاثة يجب الإحسان إليهم، وإن لم يكن للإنسان مال زائد، وإن لم يكن مالكا للنصاب، والفقير داخل في المسكين؛ لأن من أوصى للمساكين بشيء يصرف إلى الفقراء أيضا. وإذا نظرت إلى الباقين من الأصناف رأيتهم، لا يجب صرف المال إليهم إلا على الذين وجبت الزكاة عليهم. وقدم القريب؛ لأن دفع حاجته واجب، سواء أكان في مخمصة، أو لم يكن، فلذلك قدم على من لا يجب دفع حاجته من غير مال الزكاة إلا إذا كان في شدة، وأما المسكين فحاجته ليست مختصة بموضع فقدم على من حاجته مختصة بموضع دون موضع، وهو ابن السبيل. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.

وينبغي أن تعلم: أن (ذا) بمعنى: صاحب، ويجمع جمع تكسير:«ذوين، وذوون» وتحذف نونهما للإضافة، ويجمع على غير لفظه:«أولون، وأولين» وهو كثير مثل: أولو الألباب، وهذا ذكر في الآية رقم [26] من سورة (الإسراء).

{ذلِكَ} أي: إنفاق المال إلى الفقراء والمساكين، ولا سيما الثلاثة المذكورون في هذه الآية.

{خَيْرٌ:} أفضل درجة، وأعظم مكانة. {لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ:} ذاته، أو جهته، أي: يقصدون إياه بمعروفهم ويريدون رضاه، فهو كقوله تعالى في حق أبي بكر الصديق-رضي الله عنه:{وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (19) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى} فهم لا يريدون سمعة، ولا يقصدون ثناء، ولا شكورا من الناس. {وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي: الفائزون بمطلوبهم من الثواب في الآخرة، حيث بسط لهم من النعيم المقيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما قال تعالى:{فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ} .

ص: 287

الإعراب: {فَآتِ:} الفاء: هي الفصيحة. (آت): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . {ذَا:} مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و {ذَا} مضاف، و {الْقُرْبى:} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. {حَقَّهُ:} مفعول به ثان، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية:{فَآتِ..} . إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان الغنى والفقر من الله؛ فآت ذا

إلخ.

{وَالْمِسْكِينَ:} معطوف على: {ذَا الْقُرْبى،} وحذف المفعول الثاني لدلالة ما قبله عليه. {وَابْنَ:}

معطوف عليه أيضا، وحذف الثاني أيضا، فإن التقدير: وآت المسكين حقه. وآت ابن السبيل حقه، و (ابن) مضاف، و {السَّبِيلِ} مضاف إليه.

{ذلِكَ:} اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {خَيْرٌ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.

{لِلَّذِينَ:} جار ومجرور متعلقان ب: {خَيْرٌ} . {يُرِيدُونَ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. {وَجْهَ:} مفعول به، وهو مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {وَأُولئِكَ:} الواو: حرف عطف. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. {هُمُ:} ضمير فصل لا محل له من الإعراب. {الْمُفْلِحُونَ:} خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ ثانيا، و {الْمُفْلِحُونَ} خبره، والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية:{وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير.

{وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39)}

الشرح: {وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً:} زيادة محرمة في المعاملة. {لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ:} ليزيد، ويكثر في أموالهم. {فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ:} فلا يزكو عند الله، ولا يبارك فيه، كيف لا؟ وقد قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [275]:{يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ،} وقرئ: «(ما أتيتم)» بالقصر؛ المعنى: ما جئتم به من إعطاء الربا، كما قرئ:«(لتربوا)» أي: لتزيدوا، ولتصيروا ذوي ربا.

{وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ:} صدقة تزكون بها أنفسكم. {تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ} تبتغون به وجهه والتوجه إليه بالإخلاص، وحسن النية. {فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ:} ذوو الأضعاف من الثواب

ص: 288

والحسنات، حيث يعطون الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعين، إلى سبعمائة

إلخ، وفي الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة للتعظيم، كأنه خاطب به الملائكة، وخواص الخلق، تعريفا لحالهم، أو للتعميم كأنه قال: فمن فعل ذلك فأولئك هم المضعفون، هذا هو المتبادر للأذهان من فحوى هذه الآية. وقيل المراد: أن يهب الرجل للرجل، أو يهدي له؛ ليعوضه أكثر مما وهب، وأعطى، فليست تلك الزيادة بحرام ولكن المعوض لا يثاب على تلك الزيادة، وخذ ما ذكره الجمل ملخصا من القرطبي، رحمه الله تعالى.

قال-رحمه الله تعالى-: الربا: الزيادة، وقد مضى في البقرة معناه، وهو هناك محرم، وهاهنا حلال، وثبت بهذا: أنه قسمان، منه حلال، ومنه حرام. قاله عكرمة في قوله تعالى:{وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ} قال: الربا نوعان: فربا حلال، وربا حرام، فأما الربا الحلال، فهو الذي يهدى يلتمس ما هو أفضل منه، وليس له فيه أجر، وليس عليه فيه إثم، ولذلك قال ابن عباس:{وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً} يريد هدية الرجل التي يرجو أن يثاب عليها أفضل منها، فذلك الذي لا يربو عند الله، ولا يؤجر صاحبه، ولكن لا إثم عليه، وفي هذا المعنى نزلت الآية.

قال ابن عباس، وابن جبير، وطاوس، ومجاهد: هذه الآية نزلت في هبة الثواب. قال ابن عطية: وما جرى مجراها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه، وهو إن كان لا إثم فيه؛ فلا أجر فيه، ولا زيادة عند الله، وقاله القاضي أبو بكر بن العربي. قال المهلب: واختلف العلماء فيمن وهب هبة يطلب ثوابها، وقال: إنما أردت الثواب، فقال مالك: ينظر فيه، فإن كان مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له، فله ذلك، مثاله هبة الفقير للغني، وهبة الخادم لصاحبه، وهبة الرجل لأميره، ومن فوقه، وهو أحد قولي الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يكون له ثواب إذا لم يشترط، وهو قول الشافعي الآخر، وعن علي-رضي الله عنه-قال: المواهب ثلاثة: موهبة يراد بها وجه الله، وموهبة يراد بها ثناء الناس، وموهبة يراد بها الثواب، فموهبة الثواب يرجع فيها أي صاحبها إذا لم يثب عليها، بخلاف القسمين الآخرين، فلا يرجع فيهما صاحبهما. انتهى. بحروفه.

الإعراب: {وَما:} الواو: حرف استئناف. (ما): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول مقدم، أو هي في محل رفع مبتدأ. {آتَيْتُمْ:} فعل، وفاعل، والمفعول الثاني محذوف على الوجه الأول في (ما)، والمفعولان محذوفان على الوجه الثاني فيها، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية على الوجه الأول في ما، وفي محل رفع خبرها على اعتبارها مبتدأ. {مِنْ رِباً:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: (ما)، أو من ضميرها المقدر، و {مِنْ} بيان لما أبهم فيها. {لِيَرْبُوَا:} فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى:{رِباً،} تقديره: «هو» ، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة:

ص: 289

{رِباً} . {فِي أَمْوالِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. و {أَمْوالِ} مضاف، و {النّاسِ} مضاف إليه. {فَلا:} الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية. {لِيَرْبُوَا:} فعل مضارع مرفوع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل يعود إلى:{رِباً} . {عِنْدَ:} ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، و {عِنْدَ} مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه، والجملة الفعلية:{فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ} في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (ما)، على اعتبارها مبتدأ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين.

هذا؛ وإن اعتبرت (ما) موصولة فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: الذي آتيتموه الناس

إلخ، وجملة:{فَلا يَرْبُوا..} . إلخ في محل رفع خبرها، ودخلت الفاء في خبرها؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. {وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ} إعرابه مثل سابقه بلا فارق على جميع الوجوه المعتبرة فيه. وجملة:{تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ} في محل جر صفة (زكاة) ورابط الصفة محذوف؛ إذ التقدير: تريدون بها وجه الله، وإعراب:{فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} مثل إعراب {وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} في الآية السابقة بلا فارق، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط على اعتبار (ما) شرطية، وفي محل رفع خبرها على اعتبارها موصولة مبتدأ، والجملة على جميع الاعتبارات فيها معطوفة على ما قبلها. ومفعول {الْمُضْعِفُونَ} محذوف؛ إذ التقدير: المضعفون ثوابهم. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

{اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (40)}

الشرح: {اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ:} أنشأكم من العدم. {ثُمَّ رَزَقَكُمْ:} ثم بعد خلقكم تكفل بأرزاقكم إلى أن تموتوا. {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ:} بقبض أرواحكم. {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ:} بإعادة أرواحكم إلى أجسادكم للبعث، والحساب، والجزاء، وهو سبحانه وتعالى المختص بهذه الأمور الأربعة:

الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، لا يقدر عليها أحد غيره. {هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ} أي:

أصنامكم التي زعمتم: أنهم شركاء الله. وقد أطلق الله اسم الشركاء على الأصنام المعبودة من دونه لأمرين: أحدهما أن المشركين يشركونها مع الله في العبادة، والتعظيم، والتقديس.

وثانيهما: أنهم يشركونها معهم في الأموال، والأنعام، والزروع، كما رأيت في الآية رقم [138] من سورة (الأنعام) وما بعدها.

{مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ:} أثبت الله لنفسه لوازم الألوهية، ونفاها قطعا عما اتخذوه شركاء له من الأصنام، وغيرها مؤكدا بالإنكار على ما دل عليه البرهان، والعيان، ووقع عليه الوفاق، ثم نزه نفسه بالالتفات من الخطاب إلى الغيبة عن الأنداد، والأضداد، والصاحبة،

ص: 290

والأولاد بقوله الحق: {\سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ} أي: تقديسا، وتنزيها عما يشركونه معه من الأضداد، والأصنام.

هذا؛ و (سبحان) اسم مصدر. وقيل: هو مصدر مثل: غفران، وليس بشيء؛ لأن الفعل سبّح بتشديد الباء، والمصدر تسبيح، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا منصوبا بإضمار فعله، مثل معاذ الله، وقد أجري علما على التسبيح بمعنى التنزيه على الشذوذ في قول الأعشى:[السريع] قد قلت لمّا جاءني فخره:

سبحان من علقمة الفاخر!

وتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار، والجهل بحقيقة الحال، ولذلك جعل مفتاح التوبة، فقال موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-:{سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ} وقد نزه الله ذاته في كثير من الآيات بنفسه تنزيها لائقا به، وجملة القول فيه: هو اسم وضع موضع المصدر، وهو غير متمكن؛ لأنه لا يجري بوجوه الإعراب، من رفع، وجر، ولا تدخل عليه الألف واللام، ولم يجر منه فعل، ولم ينصرف؛ لأن في آخره زائدتين: الألف والنون، ومعناه:

التنزيه، والبراءة لله عز وجل من كل نقص، فهو ذكر عظيم لله تعالى، لا يصلح لغيره.

وقد روي عن طلحة الخير بن عبيد الله، أحد العشرة المبشرين بالجنة-رضي الله عنهم أجمعين-: أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما معنى سبحان الله؟ فقال: «تنزيه الله من كلّ سوء» . والعامل فيه عند سيبويه الفعل الذي من معناه، لا من لفظه؛ إذ لم يجر من لفظه فعل، وذلك مثل قعد القرفصاء، فالتقدير عنده: أنزه الله تنزيها، فوقع سبحان الله، مكان قولك: تنزيها لله. والله أعلم، وأجل، وأكرم.

الإعراب: {اللهُ:} مبتدأ. {الَّذِي:} اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره.

{خَلَقَكُمْ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى {الَّذِي،} وهو العائد، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:{رَزَقَكُمْ} معطوفة عليها. {يُمِيتُكُمْ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى الذي أيضا، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، وكذلك جملة:{يُحْيِيكُمْ} معطوفة عليها، والتعبير بالماضي في الجملتين الأوليتين؛ لأن الخلق، والرزق كانا قد حصلا عند الخطاب، بخلاف الإماتة، والإحياء فإنهما لم يحصلا عند الخطاب، فلذا كان التعبير عنهما بالفعل المستقبل، وهو المضارع كما هو ظاهر.

{هَلْ:} حرف استفهام إنكاري توبيخي. {مِنْ شُرَكائِكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {مِنْ:} اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. {يَفْعَلُ:} فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«هو»

ص: 291

يعود إلى {مِنْ،} وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها من الإعراب. {مِنْ ذلِكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من {شَيْءٍ} كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {مِنْ:} حرف جر صلة. {شَيْءٍ:}

مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية:{هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وأجيز اعتبار الموصول صفة الجلالة، والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو لفظ الجلالة، وهو غير مسلم؛ لأن كثيرا من النحويين لا يجيز وقوع الجملة الطلبية خبرا للمبتدإ، والجملة الاسمية:{اللهُ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{سُبْحانَهُ:} مفعول مطلق لفعل محذوف، كما رأيت في الشرح، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والفعل المقدر، والمصدر جملة مستأنفة، لا محل لها. {وَتَعالى:} الواو: حرف عطف. (تعالى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل مستتر تقديره:«هو» يعود إلى {اللهُ،} والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {عَمّا:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب:(عن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: تعالى عن الذي، أو عن شيء يشركون به مع الله، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب:(عن) التقدير: تعالى الله عن شركهم به. تأمل.

{ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)}

الشرح: {ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ:} كالجدب، والموتان، وكثرة الحرق، والغرق، ومحق البركات بسبب شؤم العباد كي يتوبوا. قال النحاس: وهو أحسن ما قيل في الآية. هذا؛ وقيل: المراد ب: {الْفَسادُ} الظلم، وارتكاب المعاصي، فهذا هو الفساد على الحقيقة، ويكون المعنى ظهرت المعاصي في البر، والبحر، فحبس الله عنهم الغيث، وأغلى أسعارهم، ومحق البركة من بين أيديهم، وشدد على قلوبهم، وأكثر همومهم وغمومهم، والمراد بالبحر: قرى، ومدن السواحل، وجزر البحار، والبر: مدن وقرى الداخل البعيدة عن البحار.

{بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ} أي: بسبب الذي اجترحته أيدي الناس من المعاصي، والمنكرات. والتعبير بالأيدي على مثال ما رأيت في الآية رقم [36]. قال تعالى:{وَما أَصابَكُمْ}

ص: 292

مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ. {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا} أي: جزاء وعقوبة بعض الذي عملوا من السيئات، والمعاصي في الدنيا، والعذاب الأليم، والعقاب الشديد الذي سيلقونه في الآخرة، وانظر الاستعارة في الآية رقم [55] من سورة (العنكبوت).

{لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ:} عن غيهم، وظلمهم، وارتكابهم المعاصي، واجتراحهم المنكرات، ولكن الناس في هذه الأيام لا يرجعون مع أن البلاء قد صب عليهم بجميع أنواعه، وألوانه، والشيء العجيب الغريب: أن كل واحد يرى الناس ضالين عاصين، ويتحدث بالحلال، والحرام، وينتقد الناس، وهو غارق في الضلال من الظلم وسوء الأعمال إلى فوق الأذقان، ورحم الله الكميت؛ إذ يقول:[الطويل] كلام النّبيّين الهداة كلامنا

وأفعال أهل الجاهليّة نفعل

جاءني شخص يبكي على الإسلام؛ لأن شخصا آخر يضع مئونة سنوية عشرين تنكة من الخمر، والناس معروفون بمناصرة الباطل، ومحاربة الحق، وإنني أؤكد أن ما يضعه الشخص مئونة سنوية من الخمر أهون عند الله من كلمة يقولها إنسان بالباطل، وأهون عند الله من خطوة يخطوها مجرم أثيم لنصرة باطل، وإضاعة حق.

هذا؛ والترجي في هذه الآية وأمثالها، إنما هو بحسب عقول البشر؛ لأن الله تعالى، لا يحصل منه ترج ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

تنبيه: لقد كان أول فساد في الأرض قتل قابيل أخاه هابيل، فكانت الأرض قبل ذلك مونقة، نضرة مثمرة، لا يأتي ابن آدم شجرة إلا وجد عليها الثمر، وكان البحر عذبا، وكان السبع لا يصول على الغنم، ونحوها، فلما قتل قابيل هابيل؛ اقشعرت الأرض، ونبت الشوك في الأشجار، وصار ماء البحر ملحا، وتسلطت الحيوانات بعضها على بعض، ومن ذلك اليوم أخذ الكفر، والظلم، وارتكاب المعاصي ينتشر في الأرض، وكلما فسدت أمة يهلكها الله بسبب فسادها، وكل ذلك سجله القرآن الكريم. فاعتبروا يا أولي الأبصار، ولكن لا اعتبار، ولا استبصار!.

الإعراب: {ظَهَرَ:} فعل ماض. {الْفَسادُ:} فاعله. {فِي الْبَرِّ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {الْفَسادُ} التقدير: ظهر الفساد منتشرا في الأرض. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {وَالْبَحْرِ:} معطوف على ما قبله. {بِما:}

جار ومجرور متعلقان بالفعل {ظَهَرَ،} و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. {كَسَبَتْ:} فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له.

{أَيْدِي:} فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، و {أَيْدِي} مضاف، و {النّاسِ} مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة:(ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:

بسبب الذي، أو شيء كسبته أيدي الناس. وإن اعتبرت (ما) مصدرية؛ فالتقدير يكون: بكسبهم.

ص: 293

{لِيُذِيقَهُمْ:} فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، أو هي لام العاقبة، والمآل، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى {اللهُ،} ويؤيده قراءة الفعل بالنون، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. {بَعْضَ:} مفعول به ثان، و {بَعْضَ} مضاف، و {الَّذِي} اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة بعده صلته، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: بعض الذي عملوه، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل {ظَهَرَ،} أو هما متعلقان بفعل محذوف، تقديره: عاقبهم بذلك؛ ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة. {لَعَلَّهُمْ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها، وجملة يرجعون في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل لا محل لها من الإعراب.

{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42)}

الشرح: {قُلْ سِيرُوا..} . إلخ: هذا أمر موجه للنبي صلى الله عليه وسلم؛ ليرشد قومه بالسير في الأرض، والنظر بما فعل الله بالأقوام الذين كذبوا رسلهم؛ حيث أهلكهم بتكذيبهم إياهم، وكيف خلت منهم مساكنهم، فهو أمر للكفرة لينظروا نظرة تبصر، واعتبار، لا نظرة غفلة، وإهمال، كما قال تعالى في آية أخرى:{ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} . وفيه تهديد، ووعيد لأهل مكة، ولكلّ المكذبين. {كانَ أَكْثَرُهُمْ:} أكثر الأمم السابقة. {مُشْرِكِينَ:} فيه بيان على أن سوء عاقبتهم كان لفشو الشرك فيهم، أو كان الشرك في أكثرهم، وما دونه من المعاصي كان في قليل منهم، ومع ذلك فقد أهلكوا جميعا. فاعتبروا يا أولي الألباب.

تنبيه: قال الله تعالى هنا {سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا،} وقال في سورة (الأنعام) رقم [11]:

{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا} والفرق بينهما: أن النظر هنا جعل مسببا عن السير، فكأنه قال:

سيروا؛ لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين، ومعنى السير هناك إباحة السير للتجارة وغيرها، وإيجاب النظر في آثار الهالكين، ونبه على ذلك ب:{ثُمَّ} التي للتراخي لتباعد ما بين الواجب، والمباح. انتهى. نسفي من سورة (الأنعام) بتصرف كبير.

هذا؛ وعاقبة كل شيء: آخره، ونتيجته، ومصيره، ومآله، ولم يؤنث الفعل:{كانَ} لأن {عاقِبَةُ} مؤنث مجازي وما كان منه يستوي فيه التذكير، والتأنيث. أو لأن {عَقِبِهِ} اكتسب التذكير من المضاف إليه.

الإعراب: {قُلْ:} فعل أمر مبني على السكون، وفاعله ضمير مستتر تقديره:«أنت» .

{سِيرُوا:} فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. {فِي الْأَرْضِ:} جار

ص: 294

ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. {كَيْفَ:} اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر: {كانَ} تقدم عليها، وعلى اسمها، وهو معلق للفعل قبله عن العمل لفظا. {كانَ:} فعل ماض ناقص. {عاقِبَةُ:} اسمها، و {عاقِبَةُ} مضاف، و {الَّذِينَ} اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. {مِنْ قَبْلُ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وبني {قَبْلُ} على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى.

هذا؛ وإن اعتبرت {كانَ} تامة-والمعنى: لا يأباه-فيكون {عاقِبَةُ} فاعلها، و {كَيْفَ} في محل نصب حال من عاقبة، والعامل {كانَ،} وعلى الاعتبارين فالجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل قبلها، وجملة:{فَانْظُرُوا كَيْفَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها. {كانَ:} فعل ماض ناقص. {أَكْثَرُهُمْ:} اسمها، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {مُشْرِكِينَ:} خبر: {كانَ} منصوب

إلخ، وجملة:{كانَ..} .

إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43)}

الشرح: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ:} انظر الآية رقم [30] ففيها الكفاية. {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ:} المراد به: يوم القيامة. {لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ:} لا يقدر أن يرده أحد من الخلق. {يَوْمَئِذٍ:}

في ذلك اليوم العظيم شأنه، الطويل زمانه، القريب أوانه. وانظر الآية رقم [4]. {يَصَّدَّعُونَ:}

أصله: يتصدعون، فقلبت التاء صادا، وأدغمت في الصاد الثانية، ومعناه: يتفرقون بعد الحساب: إما إلى الجنة، وإما إلى النار، كما قال تعالى في آية أخرى:{فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} ويدل على هذا التفريق الآية التالية، ويقال: تصدع القوم: إذا تفرقوا، قال متمم بن نويرة من قصيدته في رثاء أخيه مالك:[الطويل] وكنّا كندماني جذيمة حقبة

من الدّهر، حتّى قيل لن يتصدّعا

جذيمة: هو الأبرش، وكان ملكا، ونديماه يقال لهما: مالك، وعقيل، ويضرب بهما المثل لطول ما نادماه، فقد نادماه أربعين سنة ما أعادا عليه حديثا.

الإعراب: {فَأَقِمْ:} الفاء: حرف استئناف. وقيل: الفصيحة. ولا وجه له. (أقم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» . {وَجْهَكَ:} مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {لِلدِّينِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {الْقَيِّمِ:} صفة (الدين). {مِنْ قَبْلِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل: (أقم) أيضا. وقيل:

متعلقان بمحذوف حال. ولا أراه قويا، والمصدر المؤول من:{أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ} في محل جر بإضافة {قَبْلِ} إليه، التقدير: من قبل إتيان يوم. {لا:} نافية للجنس تعمل عمل: «إن» .

ص: 295

{مَرَدَّ:} اسم {لا} مبني على الفتح في محل نصب. {لَهُ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر {لا} . {مِنَ اللهِ:} متعلقان بالفعل {يَأْتِيَ،} أو هما متعلقان بفعل محذوف يدل عليه {مَرَدَّ} أي: لا يرده من الله أحد، ولا يجوز أن يتعلقا فيه؛ لأنه ينبغي أن ينون حينئذ؛ لأنه يصير شبيها بالمضاف، والجملة الاسمية:{لا مَرَدَّ لَهُ} في محل رفع صفة: {يَوْمٌ} . {يَوْمَئِذٍ:} ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و (إذ) ظرف زمان أيضا مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض عن الجملة المحذوفة؛ إذ التقدير: يوم إذ يأتي هذا اليوم. {يَصَّدَّعُونَ:} فعل مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل:{يَوْمٌ،} أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: {وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ} والرابط على الاعتبارين محذوف؛ إذ التقدير: يصدعون فيه يومئذ.

{مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44)}

الشرح: {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي: فعليه وبال كفره، وهو النار المؤبدة، وانظر الآية رقم [34]. {وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً} أي: عملا صالحا، والعمل الصالح يتمثل بأداء ما أوجب الله، والقيام بما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم به، والعمل السّيّئ يتمثل بكل عمل نهى الله، ورسوله عنه.

{فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} أي: يوطئون، ويسوون لأنفسهم في الآخرة فراشا، ومسكنا، وقرارا بالعمل الصالح، الذي قدموه في الدنيا لآخرتهم. وقيل: يوطئون المضاجع، ويسوونها في القبر.

ولا أراه قويا، وهذه الآية مفسرة لقوله تعالى:{يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ،} وقال تعالى في آية أخرى {وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} وهي رقم [14] في هذه السورة انظر شرحها هناك، فهو جيد.

الإعراب: {مَنْ:} اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {كَفَرَ:} فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى:{مَنْ،} تقديره: «هو» والمتعلق محذوف، تقديره: كفر بالله. {فَعَلَيْهِ:} الفاء: واقعة في جواب الشرط. (عليه): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {كُفْرُهُ:} مبتدأ مؤخر، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو {مَنْ} مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت {مَنْ} اسما موصولا فهي مبتدأ، وجملة:{كَفَرَ} صلتها، والجملة الاسمية:(عليه كفره) في محل رفع خبرها، ودخلت الفاء على خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة التالية مثلها في جميع ذلك، و {صالِحاً} صفة لمفعول به محذوف، التقدير: عمل عملا صالحا. (لأنفسهم): جار ومجرور متعلقان بالفعل

ص: 296

بعدهما. {يَمْهَدُونَ:} فعل مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط، والجملة الاسمية:{مَنْ كَفَرَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، والثانية معطوفة عليها كما هو ظاهر، وتقديم الظرف في الجملتين للدلالة على الاختصاص.

{لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (45)}

الشرح: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ،} الاقتصار على بيان جزاء المؤمنين للإشعار بأنه المقصود بالذات، والاكتفاء بفحوى قوله تعالى:{إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ} فإن فيه إثبات البغض لهم، وإثبات المحبة للمؤمنين، وتأكيد اختصاص الصلاح بالمؤمنين، المفهوم من ترك ضميرهم إلى التصريح باسمهم تعليل له، وقوله جلت قدرته:{مِنْ فَضْلِهِ} دال على أن الإثابة تفضل محض، وتأويله بالعطاء، والزيادة على الثواب عدول عن الظاهر. انتهى. بيضاوي بتصرف.

هذا؛ وعطف: «العمل الصالح» على: «الإيمان» دليل واضح على أن الإيمان وحده قد لا يجدي بلا عمل، وهو ما أفاده قول الرسول صلى الله عليه وسلم:«الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه» . كما أن الإيمان مشروط لقبول العمل الصالح، ويسمى هذا في فن البديع احتراسا.

هذا؛ وعدم محبة الله للكافرين كناية عن البغض، والسخط، والغضب، ومحبته للمؤمنين رضاه عنهم، وغفر ذنوبهم، وستر عيوبهم. هذا؛ والجزاء والمجازة المكافأة على عمل ما، تكون في الخير، وتكون في الشر، فمن الأول قوله تعالى:{هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ} . ومن الثاني قوله تعالى في كثير من الآيات: {وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ،} وقوله تعالى: {وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ} فقد أراد جزاء الشر، والجزاء من جنس العمل، إن خيرا؛ فخير؛ وإن شرّا، فشرّ. هذا؛ والفعل جزى ينصب مفعولين، قال تعالى في سورة (النور):{لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا} .

الإعراب: {لِيَجْزِيَ:} فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى الله تعالى. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، وجملة:{آمَنُوا} مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها.

(عملوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. {الصّالِحاتِ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف؛ إذ التقدير: الأعمال الصالحات، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. {مِنْ فَضْلِهِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف مفعول به ثان، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل {يَصَّدَّعُونَ،} أو بالفعل {يَمْهَدُونَ} . {إِنَّهُ:} حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. {لا:} نافية. {يُحِبُّ:} فعل مضارع،

ص: 297

والفاعل يعود إلى {اللهِ} . {الْكافِرِينَ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء

إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:{إِنَّهُ..} . إلخ مستأنفة، أو تعليلية، أو معترضة في آخر الكلام لا محل لها من الإعراب على جميع الاعتبارات.

{وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46)}

الشرح: {وَمِنْ آياتِهِ} أي: ومن علامات قدرته، ودلائل ربوبيته، ووحدانيته. {أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ:} على جميع حالاتها، وقد عدد الفوائد في إرسالها فيما يلي:{مُبَشِّراتٍ} أي: بالمطر، وقد كثر مثل هذا التعبير في القرآن الكريم، فقد قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [48]:{وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ،} وقال في سورة (النمل) رقم [63]: {وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} .

{وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ} أي: ولإذاقة الرحمة، وهي نزول المطر، وحصول الخصب؛ الذي يتبعه، أو الروح الذي هو مع هبوبها. هذا؛ وأطلق الله على المطر اسم الرحمة؛ لأن به حياة الأرض، التي بها حياة الإنسان، والحيوان، وكل شيء فيها، كما هو مشاهد، وانظر (الإذاقة) في الآية رقم [55] من سورة (العنكبوت).

{وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ} أي: بقدرته، وإرادته، وتدبيره، أو بتكوينه كقوله تعالى:{إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} . {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} أي: ولتطلبوا رزقه الذي كتبه، وقدره لكم عن طريق التجارة في البحر، وركوب السفن فيه. {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ:} هذه النعم المتسببة عن إرسال الرياح، وهي أربع هنا، وفوائدها أكثر من أن تعد وتحصى، وانظر (الشكر) في الآية رقم [12] من سورة (لقمان).

هذا؛ وقرأ حمزة، والكسائي، وابن كثير:«(الريح)» على إرادة الجنس، والريح في الأصل:

الهواء المسخر بين السماء والأرض، وهو جسم متحرك لطيف، ممتنع بلطفه من القبض عليه، يظهر للحس بحركته، ويخفى عن البصر بلطفه، وهو حياة كل نام، من إنسان، وحيوان، ونبات مثل الماء، بل الحاجة إليه أشد، وأصله: الرّوح، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، والجمع:

أرواح، ورياح، وأصل رياح: رواح، فعل فيه كما فعل بأصل ريح، والأكثر في الريح التأنيث، كما في قوله تعالى:{جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ} وقد تذكر على معنى الهواء.

والرياح الأصول أربع: إحداها: الشمال، وتأتي من ناحية الشمال، وهي شمال من استقبل مطلع الشمس، وهذه الريح حارة في الصيف، باردة في الشتاء. والثانية: الجنوب، وهي

ص: 298

مقابلتها؛ أي: تأتي من جهة يمين من استقبل مطلع الشمس، وهي الريح اليمانية. والثالثة:

الصّبا، بفتح الصاد، وتأتي من مطلع الشمس، وتسمى القبول أيضا. والرابعة: الدّبور، وتأتي من مغرب الشمس، وما أتى منها من بين تلك الجهات، يقال لها: النّكباء، ثم إن خرجت من بين الجنوب والشرق، قيل لها: أزيب، (بفتح الهمزة، وسكون الزاي، وفتح الياء). وإن خرجت من بين الشمال والغرب، قيل لها: جربيا، (بكسر الجيم، وسكون الراء، وكسر الباء). وإن خرجت من بين الشمال، والشرق، قيل لها: صابية. وإن خرجت من بين الجنوب، والغرب، قيل لها: هيف (بفتح الهاء، وسكون الياء) وقد جمع الثمانية النواجي بقوله: [الطويل] صبا ودبور والجنوب وشمأل

بشرق وغرب والتّيمّن والضّدّ

ومن بينها النّكباء أزيب جربيا

وصابية والهيف خاتمة العدّ

هذا؛ وأضيف: أن ريح الصبا نصر الله بها نبينا صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق، حيث فعلت بقريش العجائب، فارتدوا على أعقابهم خاسئين، كما ستقف عليه في سورة (الأحزاب) إن شاء الله تعالى، وأن ريح الدّبور أهلك الله بها قوم عاد، ونبيهم هود-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كما رأيت في سورة (الأعراف)، وسورة (هود) وغيرهما.

هذا؛ ولا تنس: أن الريح تفسر بالدولة، والقوة، قال تعالى:{وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} أي: دولتكم وقوتكم، شبهت في نفوذ أمرها، وتمشيه بالريح، وهبوبها، يقال: هبت رياح بني فلان: إذا دانت لهم الدولة، ونفذ أمرهم. وتقول: الريح لفلان: إذا كان غالبا في الأمر. قال الشاعر: [الوافر] إذا هبّت رياحك فاغتنمها

فإنّ لكلّ خافقة سكون

ولا تغفل عن الإحسان فيها

فما تدري السّكون متى يكون؟

فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الرّيح من روح الله تعالى، تأتي بالرّحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها؛ فلا تسبّوها، واسألوا الله من خيرها، واستعيذوا بالله من شرّها» . رواه الشافعي بطوله، وأخرجه أبو داود في المسند عنه. وعن عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما-قال: «إنّ الرّياح ثمان: أربع منها عذاب، وهي القاصف، والعاصف، والصّرصر، والعقيم.

وأربع منها رحمة، وهي: النّاشرات، والمبشّرات، والمرسلات، والذّاريات».

الإعراب: {وَمِنْ:} الواو: حرف استئناف. {(مِنْ آياتِهِ)} : جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {أَنْ:} حرف مصدري، ونصب. {يُرْسِلَ:}

فعل مضارع منصوب ب: {أَنْ،} والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله تعالى.

{الرِّياحَ:} مفعول به. {مُبَشِّراتٍ:} حال من الرياح منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن

ص: 299

الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و {أَنْ يُرْسِلَ} في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {وَلِيُذِيقَكُمْ:} الواو: حرف عطف. (ليذيقكم): فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى الله تعالى، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على: معنى مبشرات؛ إذ التقدير: ليبشركم وليذيقكم، أو هما متعلقان بمحذوف، التقدير: وأرسلها (ليذيقكم). هذا؛ وأجيز اعتبار الواو صلة، فيتعلقان حينئذ بالفعل {يُرْسِلَ} والأول أقوى، وهو ما في «مغني اللبيب». {مِنْ رَحْمَتِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وقوله تعالى:{وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ} معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق، وأيضا {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} مثله بلا فارق. {وَلَعَلَّكُمْ:} الواو: حرف عطف. (لعلكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها، وجملة:{تَشْكُرُونَ} مع المفعول المحذوف في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها من تعليل.

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)}

الشرح: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنا..} . إلخ: هذا الكلام تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو اعتراض بين الكلامين المتصلين، أي في الآية السابقة، والآية اللاحقة. قال أبو حيان-رحمه الله تعالى-:

اعتراض جاء تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأنيسا له، ووعدا بالنصر، ووعيدا لأهل الكفر، وحقيّة نصر المؤمنين على الله لا تختص بالدنيا، بل تعم الآخرة أيضا، فما في الآخرة من متناولات الآية. انتهى. جمل.

{فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ} أي: بالمعجزات الواضحات، والحجج الدامغات. {فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا} أي: كفروا، وكذبوا، وقبلها جملة محذوفة؛ أي: فكفروا وكذبوا، فانتقمنا

إلخ.

{وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا..} . إلخ: فيه تعظيم للمؤمنين، ورفع لشأنهم، وتأهيل لكرامة سنية، وإظهار لفضل سابقة، ومزية؛ حيث جعلهم مستحقين على الله أن ينصرهم تفضلا منه، مستوجبين عليه أن يظهرهم، ويظفرهم، تكرما منه. وفيه من التبشير للبشير النذير صلى الله عليه وسلم بالظفر، والنصر على الأعداء.

هذا؛ وقد عد محمد علي الصابوني-جزاه الله خيرا-في كتابه: «التبيان في علوم القرآن» من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم: الوفاء بالوعد في كل ما أخبر عنه، وفي كل ما وعد الله عباده به. قال: وهذا الوعد ينقسم إلى قسمين: وعد مطلق، ووعد مقيد، فالوعد المطلق كوعده بنصر رسوله، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه، ونصر المؤمنين على الكافرين، وقد

ص: 300

تحقق ذلك كله، وذكر مطلع سورة الفتح، وسورة النصر بكاملها، والآية رقم [51] من سورة (غافر):{إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا..} . إلخ ثم قال: ومن الوعد المطلق قوله جل ثناؤه: {وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} وقد تحقق نصر المؤمنين في مواطن عديدة: في بدر، والأحزاب، وحنين، وغير ذلك من المعارك العظيمة، التي شهدها تاريخ الإسلام، وذكر آيات من سورة (الأنفال) ثم قال: ومن الوعد المطلق قوله سبحانه: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا..} . إلخ الآية رقم [55] من سورة (النور)، ومن الوعد المطلق أيضا قوله تعالى:{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ..} .

إلخ رقم [33] من (التوبة) ورقم [28] من سورة (الفتح)، ورقم [9] من سورة (الصف).

أما الوعد المقيد فهو ما كان فيه شرط، كشرط التقوى، أو شرط الصبر، أو شرط نصرة دين الله، وما شابه ذلك، قال تعالى:{إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ} رقم [7] من سورة (محمد) صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى:{وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} رقم [2 و 3] من سورة الطلاق، وبعدها:{وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً،} وقد وعد المؤمنين بالنصر بشرط الصبر، كما قال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [65]:{يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ..} . إلخ. انتهى. بتصرف كبير مني، وانظر شرح هذه الآيات في محالها.

هذا؛ وإذا كان الواحد القهار قد تعهد بنصر المؤمنين الصادقين؛ فالواجب على المؤمنين أن ينصر بعضهم بعضا في جميع أنحاء الدنيا بما يقدر عليه، ولو بالتأييد باللسان في المؤتمرات العالمية، والدولية، ومن ذلك الدفاع عنه، ونصره في غيبته؛ إذا تعرض أحد للطعن في عرضه، وجرح كرامته. وخذ ما يلي: فعن أبي الدرداء-رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ردّ عن عرض أخيه؛ ردّ الله عن وجهه النّار يوم القيامة» . رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، وفي رواية أخرى:«من ذبّ عن عرض أخيه ردّ الله عنه عذاب النّار يوم القيامة» ، وتلا صلى الله عليه وسلم قوله تعالى:{وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} .

وعن جابر بن أبي طلحة الأنصاري-رضي الله عنهم-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من امرئ مسلم يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه؛ إلاّ خذله الله في موطن يحبّ فيه نصرته. وما من امرئ مسلم ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته؛ إلاّ نصره الله في موطن يحبّ فيه نصرته» . رواه أبو داود.

وينبغي أن تعلم: أن نصر الله إنما هو للمؤمنين الصادقين، الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فوقفوا عند حدوده، فعملوا بأحكام كتابه، واهتدوا بهدي نبيه. وأكد هذا المعنى في الآية رقم [51] من سورة (غافر) حيث قال:{إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ} وقد تجلى هذا النصر للمؤمنين الصادقين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عهد خلفائه الراشدين وما

ص: 301

بعدهم، والتاريخ شاهد صادق على ذلك، أما بعد أن أهمل المسلمون العمل بكتابه تعالى، ونبذوا الاهتداء بهدي نبيه صلى الله عليه وسلم، وفسدوا، وفجروا، فقد رفع الله عنهم عونه، ولم ينصرهم في حربهم مع أعدائهم، قد يقول قائل: إن الأمة لا تخلو من مؤمنين صادقين، والجواب هو ما تضمنته الآية رقم [25] من سورة (الأنفال):{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} .

فعن عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما، قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا معشر المهاجرين! خمس خصال إذا ابتليتم بهنّ، وأعوذ بالله أن تدركوهنّ! لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ؛ حتّى يعلنوا بها؛ إلاّ فشا فيهم الطّاعون، والأوجاع؛ الّتي لم تكن مضت في أسلافهم؛ الذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال، والميزان؛ إلاّ أخذوا بالسّنين، وشدة المئونة، وجور السّلطان عليهم. ولم يمنعوا زكاة أموالهم؛ إلاّ منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله، وعهد رسوله؛ إلاّ سلّط الله عليهم عدوّا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم.

وما لم تحكم أئمّتهم بكتاب الله تعالى، ويتخيّرون فيما أنزل الله؛ إلاّ جعل الله بأسهم بينهم». رواه ابن ماجة، ورواه الحاكم بنحوه من حديث بريدة وقال: صحيح على شرط مسلم.

الإعراب: {وَلَقَدْ:} الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. {أَرْسَلْنا:} فعل، وفاعل. {مِنْ قَبْلِكَ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:{رُسُلاً} كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {رُسُلاً:} مفعول به. {إِلى قَوْمِهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة {رُسُلاً،} والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنا..} . إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام معترض، لا محل له. وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [23] من سورة (السجدة).

{فَجاؤُهُمْ:} الفاء: حرف عطف. (جاءوهم): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {بِالْبَيِّناتِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {فَانْتَقَمْنا:} الفاء: حرف عطف. (انتقمنا): فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، وهناك جملة محذوفة، التقدير: فكذبوهم فانتقمنا

إلخ. {مِنَ الَّذِينَ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:{أَجْرَمُوا} صلة الموصول، لا محل لها.

{وَكانَ:} الواو: حرف عطف. (كان): فعل ماض ناقص. {حَقًّا:} خبرها، تقدم على اسمها. {عَلَيْنا:} جار ومجرور متعلقان ب: {حَقًّا،} أو بمحذوف صفة له. {نَصْرُ:} اسم (كان) مؤخر، و (نصر) مضاف، و {الْمُؤْمِنِينَ} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة

إلخ، هذا هو الإعراب الظاهر، والمتبادر، وهو المعتمد. هذا؛ وأجيز اعتبار اسم

ص: 302

(كان) ضميرا مستترا، التقدير: وكان الانتقام حقا، ومن أجاز هذا يجيز الوقف على:{حَقًّا} .

{عَلَيْنا:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {نَصْرُ:} مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية تعليل للانتقام، كما أجيز اعتبار اسم (كان) ضميرا، و:{حَقًّا} مفعولا مطلقا، والجملة الاسمية:{عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} في محل نصب خبر (كان)، وتكون الجملة المؤلفة من حقا وفعله المحذوف معترضة بين اسم (كان) المستتر وخبرها، وجملة:{وَكانَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.

{اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48)}

الشرح: {اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ:} على جميع حالاتها، وانظر الآية رقم [46] وقرئ في الآيتين بالإفراد، والجمع. قال أبو عمرو: كل ما كان بمعنى الرحمة فهو جمع، وما كان بمعنى العذاب فهو موحد. {فَتُثِيرُ سَحاباً:} تحركه وتهيجه، قال تعالى في سورة (النور) رقم [43]:

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً} أي: يسوق، ويجري إلى حيث يشاء، والسحاب: الغيوم التي تراها العيون في السماء، وهو واحد في اللفظ، ولكن معناه جمع. وقيل: السحاب اسم جنس، واحده سحابة، فلذلك وصف بالجمع، وهو:(الثقال) في آية الرعد، وتجمع السحابة على:

سحاب، وسحائب، وسحب. وهو غربال الماء، قاله علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. هذا؛ وقيل: السحاب: الغيم فيه ماء، أو لم يكن فيه ماء، ولهذا قيل: سحاب جهام، وهو الخالي من الماء. وأصل السّحب: الجر، وسمي السحاب سحابا إما لجر الريح له، أو لجره الماء، أو لانجراره في سيره، ووصفه الله بالثقال في الآية رقم [12] من سورة (الرعد) فقال جل ذكره:

{وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ} لثقله بالماء الذي يحمله إلى حيث شاء الله الخلاق العظيم.

{فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ:} ينشره متصلا بعضه ببعض، أي: ينشره كمال الانتشار، وإلا فأصل الانتشار موجود في السحاب دائما، والمراد بالسماء: جهتها، أي: جهة العلو، وليس المراد حقيقة السماء المعروفة. {كَيْفَ يَشاءُ:} من قلة وكثرة، ومن سير تارة، ووقوف أخرى، مطبق، وغير مطبق، متراكم، وغير متراكم، من جهة دون جهة، وغير ذلك. {وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً:} قطعا متفرقة، ويقرأ بفتح السين، وسكونها، فهو جمع: كسفة، وفي القاموس: الكسفة بالكسر:

القطعة من الشيء، والجمع كسف، وكسف، وجمع الجمع: أكساف، وكسوف، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [187] من سورة (الشعراء) فإنه جيد.

{فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ} أي: من وسطه، وهو مخارج القطر، ولولا السحاب حين ينزل المطر من السماء؛ لأفسد ما يقع عليه من الأرض، وهذا يفيد: أن المطر ينزل من خزائن الله

ص: 303

تعالى، وينفي أن يكون من البحر كما يقول الدهريون والعصريون في هذا الزمن، وفي {الْوَدْقَ} قولان: أحدهما: أنه البرق، قاله الأشهب العقيلي، ومنه قول الشاعر:[الوافر] أثرن عجاجة وخرجن منها

خروج الودق من خلل السّحاب

الثاني: أنه المطر، قاله الجمهور، قال امرؤ القيس:[الطويل] فدمعهما ودق وسحّ وديمة

وسكب وتوكاف وتنهملان

وقال عامر بن جوين الطائي: [المتقارب] فلا مزنة ودقت ودقها

ولا أرض أبقل إبقالها

{فَإِذا أَصابَ بِهِ} أي: بالمطر. {مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ} يعني: بلادهم، وأراضيهم، وزروعهم. {إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ:} بنزول المطر، فيفرحون، ويؤملون الخصب بسببه.

{اللهُ:} علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم؛ الذي إذا دعي به؛ أجاب، وإذا سئل به؛ أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به؛ لتخلف شروط الإجابة؛ التي أعظمها أكل الحلال. ولم يسم به أحد سواه، قال تعالى:{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} أي: هل أحد تسمى الله غير الله؟ وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمائة وستين موضعا.

«ترى» ماضيه: رأى، وقياس المضارع ترأي، وقد تركت العرب الهمز في مضارعه لكثرته في كلامهم، وربما احتاجت إلى همزه، فهمزته كما في قول سراقة بن مرداس البارقي، وهو الشاهد رقم [504] من كتابنا فتح القريب المجيب:[الوافر] أري عينيّ ما لم ترأياه

كلانا عالم بالتّرّهات

وربما جاء ماضيه بغير همز، وبه قرأ نافع في {أَرَأَيْتَكُمْ} و {إِذا رَأَيْتَ:} «(أرأيتكم)» «(أرأيت)» بدون همز وقال الشاعر: [الخفيف] صاح هل ريت أو سمعت براع

ردّ في الضّرع ما قرى في الحلاب؟

وإذا أمرت منه على الأصل قلت: ارء، وعلى الحذف: ره بهاء السكت، وقل في إعلال ترى: أصله: ترأي قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وحذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على الراء للتخفيف.

{أَصابَ:} يحتمل معاني كثيرة، تقول: أصاب السهم، يصيب: لم يخطئ هدفه، وأصاب الرجل في قوله، أو في رأيه: أتى بالصواب، وأصاب فلانا البلاء، يصيبه: وقع عليه، وأصابهم المطر في هذه الآية: نزل عليهم. هذا؛ وأصاب: قصد، وأراد، قال تعالى في سورة (ص)

ص: 304

رقم [36]: {فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ} قاله مجاهد. والعرب تقول: أصاب الصواب وأخطأ الجواب. قاله ابن الأعرابي، وقال الشاعر:[المتقارب] أصاب الكلام فلم يستطع

فأخطا الجواب لدى المفصل

أي: أراد الكلام، والمضارع: يصيب، وإعلاله مثل: يقيمون في الآية رقم [3] من سورة (النمل).

هذا؛ ويشاء: ماضيه: شاء فلم يرد له أمر، ولا ل: أراد فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف، وأصل شاء: شئ على فعل بكسر العين، بدليل: شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وقد كثر حذف مفعوله، وحذف مفعول: أراد؛ حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل قوله تعالى:{لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا} وقال الشاعر الخزيمي: [الطويل] فلو شئت أن أبكي دما لبكيته

عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع

وقيد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد «لو» وليس كذلك.

الإعراب: {اللهُ:} مبتدأ. {الَّذِي:} اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. {يُرْسِلُ:} فعل مضارع والفاعل يعود إلى {الَّذِي} وهو العائد. {الرِّياحَ:} مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية:{اللهُ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {فَتُثِيرُ:} الفاء: حرف عطف. (تثير): فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«هي» يعود إلى الرياح، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {سَحاباً:} مفعول به. {كَيْفَ:} اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال، عامله ما بعده. {يَشاءُ:}

فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله تعالى، ومفعوله محذوف؛ إذ التقدير: كيف يشاء بسطه.

والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، التقدير: فيبسطه في السماء في الحالة التي يشاؤها، وجملة:{وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً} معطوفة على جملة: (يبسطه

) إلخ لا محل لها أيضا. {فَتَرَى:} الفاء: حرف عطف. (ترى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره:«أنت» . {الْوَدْقَ:} مفعول به. {يَخْرُجُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الودق. {مِنْ خِلالِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الودق، والجملة الفعلية:{فَتَرَى..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.

{فَإِذا:} الفاء: حرف استئناف. {فَإِذا:} ظرف لما يستقبل من الزمان

إلخ. {أَصابَ:}

فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله. {بِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {مِنْ:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، الجملة الفعلية بعدها

ص: 305

صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذين، أو: ناسا يشاؤهم. {مِنْ عِبادِهِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و {مِنْ} بيان لما أبهم في {مِنْ،} والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:{أَصابَ..} . إلخ في محل جر بإضافة {فَإِذا} إليها على المشهور المرجوح. {فَإِذا:} كلمة دالة على المفاجأة، وهي رابطة لجواب (إذا) الشرطية قبلها، وانظر الآية رقم [25]. {هُمْ:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة:{يَسْتَبْشِرُونَ} في محل رفع خبره، والجملة الاسمية جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وهو أولى من عطفه على ما قبله.

تنبيه: جاء في مغني اللبيب ما نصه: وتستعمل كيف على وجهين: أحدهما: أن تكون شرطا، فيقتضي فعلين متفقي اللفظ، والمعنى: غير مجزومين، نحو: كيف تصنع أصنع، ولا يجوز كيف تجلس أذهب باتفاق، ولا كيف تجلس أجلس بالجزم عند البصريين إلا قطربا لمخالفتها لأدوات الشرط بوجوب موافقة جوابها لشرطها كما مرّ. وقيل: يجوز مطلقا، وإليه ذهب قطرب، والكوفيون. وقيل: يجوز بشرط اقترانها ب: «ما» قالوا: ومن ورودها شرطا:

{يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ} . {يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ} . {فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ} وجوابها في ذلك كله محذوف لدلالة ما قبلها، وهذا يشكل على إطلاقهم: أن جوابها يجب مماثلته لشرطها.

وقد استدرك بعض المعلقين على المغني، فقال: أجاب بعضهم بأنه يمكن أن يقدر الجواب موافقا للشرط بأن يقدر الجواب فعل مشيئة متعلق بالفعل السابق، وهو دال عليه؛ لأن الفعل الاختياري، يستلزم المشيئة، والأصل: كيف يشاء أمرا يشاء التصوير في الأرحام، كيف يشاء أمرا يشاء الإنفاق. كيف يشاء أمرا يشاء بسطه. غاية الأمر: أن متعلق الفعلين مختلف، وهذا جواب بعيد؛ لأنهم قالوا: لدلالة ما قبلها؛ لأن المتبادر: أنه دال على الجواب، وعلى دفع الإشكال، فيكون ما قبلها دالا على متعلق جوابها، لا على نفس جوابها، وقد علمت دفع هذا بأن الفعل الاختياري، وهو الفعل الواقع قبلها يستلزم المشيئة، وهو الجواب المحذوف.

{وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49)}

الشرح: {وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ} أي: المطر. {مِنْ قَبْلِهِ:} من قبل نزول المطر، وهذا من باب التكرير، والتوكيد لما قبلهما، ومعنى التوكيد فيهما: الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول، وبعد، فاستحكم بأسهم، وتمادى إبلاسهم، فكان الاستبشار على قدر اهتمامهم بذلك. وقيل: الضمير للمطر أو للسّحاب، أو الإرسال، والمعتمد الأول.

{لَمُبْلِسِينَ:} لآيسين من رحمة الله تعالى مكتئبين، قد ظهر الحزن عليهم، لاحتباس المطر عنهم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [12].

ص: 306

الإعراب: {وَإِنْ:} الواو: واو الحال. (إن): مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها. وفسرها الجلال تبعا للبغوي ب: «قد» ولا وجه له، ويدل للأول اللام في:{لَمُبْلِسِينَ،} فإنها الفارقة.

قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وخفّفت إنّ فقلّ العمل

وتلزم اللام إذا ما تهمل

{كانُوا:} فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. {مِنْ قَبْلِ:}

جار ومجرور، متعلقان ب:(مبلسين): {أَنْ يُنَزَّلَ:} فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب: {إِنْ،} وهما في تأويل مصدر في محل جر بإضافة: {قَبْلِ} إليه، ونائب الفاعل مستتر تقديره:«هو» يعود إلى المطر المفهوم من {الْوَدْقَ} . {عَلَيْهِمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {مِنْ قَبْلِهِ:} توكيد لما قبلهما هذا على اعتبار الضمير عائدا على المطر. وقيل: عائد على السحاب، أو على الريح، أو على الكسف، فيكونان متعلقين بالفعل:{يُنَزَّلَ} على هذه الاعتبارات، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {لَمُبْلِسِينَ:} اللام: هي الفارقة بين النفي، والإثبات، أي: اعتبار (إن) مخففة كما رأيت. (مبلسين): خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء

إلخ، وجملة: (إن كانوا

) إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر. وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

{فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50)}

الشرح: {فَانْظُرْ:} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ويعم كل إنسان يعقل من بني آدم، فيكون المعنى:

انظروا نظر استبصار، واستدلال، لا نظر عمى، وإهمال. أي: انظروا على أن من قدر على ذلك قادر على إحيائكم وبعثكم بعد موتكم. {إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ} أي: أثر المطر المعبر عنه بالرحمة كيف يتسبب عنه النبات، والأشجار، وأنواع الثمار. وهذا ما يسمى بالمجاز المرسل علاقته الحالية. هذا؛ ويقرأ:«(أثر)» بالإفراد وبالجمع أيضا.

{كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها} أي: يبسها، وجدبها؛ إذ موتها حين تكون يابسة لا نبات فيها شبيهة بالميت، وإحياؤها يكون بنزول المطر عليها، والفاعل يعود إلى (الله)، ويقرأ الفعل بالتاء على عود الفاعل إلى رحمة الله. {إِنَّ ذلِكَ} أي: القادر على إحياء الأرض بعد موتها.

{لَمُحْيِ الْمَوْتى:} لقادر على إحياء الأموات من البشر يوم القيامة، فإنه إحداث لمثل ما كان في مواد أبدانهم من القوى، كما أن إحياء الأرض إحداث لمثل ما كان فيها من القوى النباتية.

هذا؛ ومن المحتمل أن يكون من الكائنات الراهنة ما يكون من مواد ما تفتت، وتبددت من جنسها في بعض الأعوام السالفة انتهى. بيضاوي. {وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:} لا يعجزه شيء؛ لأن نسبة قدرته إلى جميع الممكنات على سواء، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

ص: 307

الإعراب: {فَانْظُرْ:} الفاء: حرف استئناف، أو هي الفاء الفصيحة إن أردت اتصال الكلام بسابقة؛ (انظر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:«أنت» ، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فانظر

إلخ، والكلام لا محل له على الاعتبارين. {إِلى آثارِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و {آثارِ} مضاف، و {رَحْمَتِ} مضاف إليه، و {رَحْمَتِ} مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه. {كَيْفَ:} اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال، عامله ما بعده. {يُحْيِ:} فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله)، أو إلى المطر المفهوم مما تقدم، أو تقديره:«هي» يعود إلى: {رَحْمَتِ اللهِ،} انظر الشرح. {الْأَرْضَ:} مفعول به.

{بَعْدَ:} ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و {بَعْدَ} مضاف، و {مَوْتِها} مضاف إليه، و (ها):

ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة:{كَيْفَ يُحْيِ..} . إلخ في محل نصب حال، التقدير:{فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ} محيية للأرض بعد موتها، أو هي في محل نصب مفعول به ل:(انظر) المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. هذا؛ ويجوز اعتبار الجملة في محل جر بدل من: {آثارِ رَحْمَتِ اللهِ،} فيكون التقدير: فانظر إلى آثار رحمة الله كيفية إحياء الأرض بعد موتها، ومثله ما نسب للفرزدق:[الطويل] إلى الله أشكو بالمدينة حاجة

وبالشّام أخرى كيف يلتقيان؟!

وهذا هو الشاهد رقم [373] من كتابنا فتح القريب المجيب. {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل.

{ذلِكَ:} اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم: {إِنَّ،} واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {لَمُحْيِ:} اللام: هي المزحلقة. (محيي): خبر: {إِنَّ} مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وهو مضاف، و {الْمَوْتى} مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية:{إِنَّ ذلِكَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {وَهُوَ:} الواو: حرف استئناف. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {عَلى كُلِّ:} جار ومجرور متعلقان ب: {قَدِيرٌ} بعدهما، و {كُلِّ} مضاف، و {شَيْءٍ} مضاف إليه. {قَدِيرٌ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة أيضا لا محل لها.

{وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (51)}

الشرح: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً} أي: الدبور العقيم. {فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا:} فرأوا أثر رحمة الله؛ لأن رحمة الله هي الغيث، وأثرها النبات، فالضمير المنصوب يعود إلى النبات. وقيل: يعود إلى الريح، والريح تذكر كما رأيت في الآية رقم [46] واصفرارها عقمها. وقيل: يعود إلى السحاب، وإذا كان مصفرا لا يمطر. والأول هو المعتمد.

ص: 308

{لَظَلُّوا} أي: ليظلّنّ، وحسن وقوع الماضي في موضع المستقبل؛ لما في الكلام من معنى المجازاة، والمجازاة لا تكون إلا في المستقبل. قاله الخليل، وغيره، ومعنى:(ظلوا) بقوا، وثبتوا على كفرهم، فليس المراد التوقيت في النهار، بل المراد من الفعل الاستمرار، كما في قوله تعالى:

{فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ} وهو يفيد: أنه بمعنى المستقبل، وهو مفاد كلام ابن هشام في المغني.

هذا؛ وظلوا: أصله ظللوا، فسكنت اللام الأولى بعد إسقاط حركتها، وأدغمت في الثانية، وذلك كراهة أن يجمع بين حرفين متحركين من جنس واحد في كلمة واحدة، وهذا يطّرد في كل مضعف، مثل: مدّوا، وشدّوا، فإذا اتصل به ضمير متحرك؛ وجب الفك، مثل قولك: ظللت ومددنا، وشددن، وتقول: ظللت أفعل ذلك، وظللت أفعله، وظلت أفعل ذلك وظلت أفعله: إذا كنت تفعله نهارا، وقد قرئ قوله تعالى في سورة (الواقعة):{فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} بقراءات ثلاث.

قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وهذه الآيات ناعية على الكفار بقلة تثبتهم، وعدم تدبرهم، وسرعة تزلزلهم لعدم تفكرهم، وسوء رأيهم، فإن النظر السوي يقتضي أن يتوكلوا على الله، ويلتجئوا إليه بالاستغفار؛ إذا احتبس القطر عنهم، ولا ييأسوا من رحمته، وأن يبادروا إلى الشكر، والاستدامة بالطاعة؛ إذا أصابهم برحمته، ولم يفرطوا في الاستبشار، وأن يصبروا على بلائه؛ إذا ضرب زروعهم بالاصفرار، ولا يكفروا نعمه. انتهى. ولكنهم عكسوا الأمر، وأبوا ما يجديهم، وأتوا ما يرديهم.

الإعراب: {وَلَئِنْ:} الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله.

(إن): حرف شرط جازم. {أَرْسَلْنا:} فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، و (نا): فاعله. {رِيحاً:} مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. {فَرَأَوْهُ:} الفاء: حرف عطف. (رأوه): فعل ماض، مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {مُصْفَرًّا:} حال من الضمير المنصوب، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {لَظَلُّوا:} اللام: واقعة في جواب القسم. (ظلوا):

فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. {مِنْ بَعْدِهِ:} متعلقان بما بعدهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له. والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {يَكْفُرُونَ:} فعل مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر:(ظلوا)، وجملة:{لَظَلُّوا..} . إلخ جواب القسم المدلول عليه باللام الموطئة، وجواب الشرط محذوف؛ لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة:«إذا اجتمع شرط، وقسم فالجواب للسابق منهما» . قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم

جواب ما أخّرت فهو ملتزم

والقسم، وجوابه، والشرط أيضا كله كلام مستأنف لا محل له.

ص: 309

{فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52)}

الشرح: {فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى..} . إلخ: أي: وضحت الحجج يا محمد! لكنهم لإلفهم تقليد الأسلاف في الكفر ماتت عقولهم، وعميت بصائرهم، فلا يتهيأ لك إسماعهم، وهدايتهم، وهذا رد على القدرية. انتهى. قرطبي. وقال الجمل: تعليل لمحذوف، أي: لا تجزع، ولا تحزن على عدم إيمانهم، فإنهم موتى صم عمي، ومن كان كذلك لا يهتدي. انتهى.

وأقول: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ويعم كل عاقل من بني آدم، والمعنى: لما كان الكفار لا يفهمون ما يسمعون، ولا به ينتفعون؛ شبهوا بالموتى، وهم أحياء صحاح الحواس، وبالصم الذين ينعق بهم فلا يسمعون، وبالعمي حيث يضلون الطريق، ولا يقدر أحد أن ينتزع ذلك عنهم، ويجعلهم هداة بصراء إلا الله تعالى، ثم أكد حال الصم بقوله:{إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ؛} لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن تولى عنه مدبرا؛ كان أبعد عن إدراك صوته، وإذا كان مقبلا، وإن لم يسمع الكلام؛ تفطن منه بواسطة الحركات شيئا.

هذا؛ وأقول أيضا: إن الله تعالى قال عن الكافرين في سورة (البقرة): {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} وهم لم يكونوا في الحقيقة كذلك، ولكن المعنى: هم صم عن سماع الحق، وهم خرس عن النطق بالحق، وهم عمي عن طريق الحق، فلا يهتدون. وهذا تكرر في القرآن الكريم، وآية (الأعراف) رقم [178] ذكرت: أن لهم قلوبا؛ ولكن لا يفقهون بها، وأن لهم أعينا؛ ولكن لا يبصرون بها طريق الخير، والهدى، وأن لهم آذانا؛ ولكن لا يسمعون بها الحق سماع قبول، وتدبر. هذا؛ والموتى جمع ميت، ويجمع على: أموات أيضا، وكلاهما جمع تكسير، ويجمع جمع سلامة أيضا: ميتون، قال تعالى لحبيبه وصفيه محمد صلى الله عليه وسلم:{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} وانظر الآية رقم [19] تجد ما يسرك.

الإعراب: {فَإِنَّكَ:} الفاء: حرف تعليل، وتفريع. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. {لا:} نافية. {تُسْمِعُ:} فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره:«أنت» . {الْمَوْتى:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والمفعول الثاني محذوف، تقديره:«الدعاء» ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر:(إن)، والتي بعدها معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: (إنك

) إلخ تعليل لمحذوف، انظر تقديره في الشرح. {إِذا:} ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: {تُسْمِعُ} . {وَلَّوْا:} فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. {مُدْبِرِينَ:} حال من واو

ص: 310

الجماعة، وهي حال مؤكدة منصوبة، علامة نصبه الياء

إلخ، وجملة:{وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} في محل جر بإضافة {إِذا} إليها، واعتبار {إِذا} شرطية بعيد، ولا يؤيده المعنى، وينبغي أن تعلم: أنّ الآية الكريمة قد ذكرت بحروفها كاملة في الآية رقم [80] من سورة (النمل).

{وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (53)}

الشرح: {وَما أَنْتَ:} يا محمد. {بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ} أي: عمى البصيرة، لا عمى البصر، والمعنى: ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الهدى، وأعمى قلبه عن الإيمان. سماهم الله عميا؛ لفقدهم المقصود الحقيقي من الإبصار. {إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا:} لا تسمع سماع قبول وتدبر إلا من يؤمن، ويصدق بالقرآن: أنه منزل من عند الله تعالى. {فَهُمْ مُسْلِمُونَ:}

مخلصون. من قوله تعالى: {بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ} أي: جعله خالصا سالما لله تعالى؛ أي:

لا رياء فيه، ولا حب محمدة، وسمعة، وقد راعى معنى {مَنْ} حيث جمع الضمير، وراعى لفظها بفاعل يؤمن.

الإعراب: {وَما:} الواو: واو الحال، أو حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس» . {أَنْتَ:} ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). {بِهادِ:}

الباء: حرف جر صلة. (هادي): خبر (ما)، مجرور لفظا منصوب محلا، وهو مضاف، و {الْعُمْيِ} مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. {عَنْ ضَلالَتِهِمْ:}

جار ومجرور متعلقان ب: (هادي)، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية:{وَما أَنْتَ..} . إلخ في محل نصب حال من فاعل: {تُسْمِعُ} المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. {إِنْ:} حرف بمعنى «ما» . {تُسْمِعُ:} فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . {إِلاّ:} حرف حصر.

{مَنْ:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والمفعول الأول محذوف، التقدير: ما تسمع الدعاء إلا من. {يُؤْمِنُ:} فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:

«هو» ، يعود إلى:{مَنْ،} وهو العائد، والجملة الفعلية صلة:{مَنْ} لا محل لها.

{بِآياتِنا:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ونا: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية:{إِنْ تُسْمِعُ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {فَهُمْ:} الفاء: حرف عطف.

(هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {مُسْلِمُونَ:} خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو

إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ والآية مذكورة بحروفها كاملة برقم [81] من سورة (النمل).

ص: 311

{اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54)}

الشرح: {اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ} أي: بدأكم، وأنشأكم من ضعف، كقوله تعالى:

{وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً} . وقيل: من ماء ذي ضعف، وهو النطفة، والمعبر عنها بكثير من الآيات:{مِنْ ماءٍ مَهِينٍ} وقيل: هو إشارة إلى أحوال الإنسان المختلفة، كان جنينا، ثم طفلا مولودا، ومفطوما، فهذه أحوال غاية الضعف. {ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً} أي: حال الشباب، وبلوغ الأشد. {ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً} أي: بياض الشعر الأسود، ويحصل أوله في الغالب في السنة الثالثة والأربعين، وهو أول سن الاكتهال، والأخذ في النقص بالفعل بعد الخمسين إلى أن يزيد النقص في الثالثة والستين، وهو أول سن الشيخوخة، ويقوى الضعف إلى ما شاء الله تعالى. انتهى. جمل نقلا عن الخطيب.

قال تعالى في سورة (الحج) رقم [5]: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً} ومثله في الآية رقم [70] من سورة (النحل). {يَخْلُقُ ما يَشاءُ:} من ضعف، وقوة، وشيبة، وشبيبة. {وَهُوَ الْعَلِيمُ:} بتدبيره أمور خلقه. {الْقَدِيرُ:} القادر المقتدر على تغيير أحوال خلقه، وهذا الترديد في الأحوال أبين دليل على الصانع العليم القدير، وخذ هذين البيتين رحم الله قائلهما:[البسيط] ما أنت إلاّ كزرع عند خضرته

لكلّ شيء من الآفات مقصود

فإن سلمت من الآفات أجمعها

فأنت من بعد ذا لا بدّ محصود

هذا؛ ويقرأ بفتح الضاد في جميعها، وقرئ بالضم، وهو أقوى. قال الفراء: الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم. قال عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما: قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم {مِنْ ضَعْفٍ} فأقرأني «(من ضعف)» وهما لغتان كالعقر، والعقر. وقيل: الضعف بالفتح في الرأي، وبالضم في الجسد، ومنه الحديث في الرجل الذي كان يخدع في البيوع:«أنه يبتاع وفي عقدته ضعف» أي: في رأيه، ونظره في مصالح نفسه.

هذا؛ والشيبة، والشيب: بياض الشعر، والمشيب: عبارة عن الحيوان في زمان تكون قوته فيه غير غريزية، أما الشباب فهو الزمن الذي تكون فيه حرارة الحيوان الغريزية مشبوبة؛ أي: قوية مشتعلة. هذا قول الأصمعي، وقال الجوهري: الشيب، والمشيب بمعنى واحد.

الإعراب: {اللهُ الَّذِي:} مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {خَلَقَكُمْ:}

فعل ماض، والفاعل يعود إلى {الَّذِي} وهو العائد، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {مِنْ ضَعْفٍ:} جار ومجرور متعلقان

ص: 312

بمحذوف حال من الكاف على حد قوله تعالى: {خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ} . {ثُمَّ:} حرف عطف.

{جَعَلَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى:{الَّذِي} أيضا. {مِنْ بَعْدِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من قوة، كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا، و {بَعْدِ} مضاف، و {ضَعْفٍ} مضاف إليه. {قُوَّةً:} مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة:{جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً} معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا، وإعرابها مثلها. {يَخْلُقُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:{الَّذِي} . {ما:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يخلق الذي، أو: شيئا يشاؤه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من فاعل:{جَعَلَ} المستتر، والرابط: الضمير فقط، والجملة الاسمية:{وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من فاعل يشاء المستتر، والرابط: الواو، والضمير.

{وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (55)}

الشرح: {وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ} أي: تقوم القيامة، وانظر الآية رقم [14]. {يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ:} يحلفون. وانظر التعبير عن الكافرين بالمجرمين، ونحوه في الآية رقم [12]. هذا؛ وسمي الحلف: قسما؛ لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق، ومكذب، وهو رباعي كما ترى، فهمزته تثبت في الماضي، والأمر، وتحذف في المضارع مع ضم حرف المضارعة، كما رأيت مثله كثيرا، وأما «قسم» الثلاثي، فإنه بمعنى: جزّأ، أو فرّق، فمضارعه بفتح حرف المضارعة، وهمزته في الأمر همزة وصل، تسقط في درج الكلام، وتثبت في أوله.

{ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ:} وأرادوا لبثهم في الدنيا، أو في القبور، أو فيما بين فناء الدنيا إلى البعث، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:«ما بين فناء الدنيا إلى وقت البعث أربعون» . قالوا: لا نعلم، أهي أربعون سنة، أو أربعون ألف سنة؟! وذلك وقت يفنون فيه، وينقطع عذابهم، وإنما يقدرون وقت لبثهم بذلك على وجه استقصارهم له، أو ينسون، أو يكذبون، أو يخمنون، وعلى القول الأول، وهو أنهم أرادوا لبثهم في الدنيا، فيكون كقوله تعالى:{كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها} .

وقوله: {كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ} رقم [45] من سورة (يونس)، ومثلها من سورة الأحقاف رقم [35] والأولى من سورة النازعات.

{كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ} أي: كانوا يكذبون في الدنيا، فكذلك يكذبون في الآخرة، وقد زعم جماعة من أهل النظر: أن القيامة لا يجوز أن يكون فيها كذب لما هم فيه، والقرآن يدل على

ص: 313

غير ذلك، قال الله عز وجل:{كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ} أي: كما صرفوا عن الحق في قسمهم:

أنهم ما لبثوا غير ساعة، كذلك كانوا يصرفون عن الحق في الدنيا، وقال عز وجل في سورة (المجادلة):{يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ} وقال جل ذكره في سورة (الأنعام): {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ (23) اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا} الآية رقم [23] و [24]، انتهى. قرطبي بتصرف. والقائل:{كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ} هم الملائكة، والأنبياء، والمؤمنون، وانظر شرح {يُؤْفَكُونَ} في الآية رقم [61] من سورة (العنكبوت)، ولا تنس ما كانوا يقولونه في الدنيا:{إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} الآية رقم [29] من سورة (الأنعام)، ومثلها في سورة (المؤمنون) رقم [37].

الإعراب: {وَيَوْمَ:} الواو: حرف استئناف. (يوم): ظرف زمان متعلق بالفعل: {يُقْسِمُ} الآتي، وجملة:{تَقُومُ السّاعَةُ} في محل جر بإضافة (يوم) إليها. {يُقْسِمُ:} فعل مضارع.

{الْمُجْرِمُونَ:} فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، ومثلها في إعرابها الآية رقم [12]. {ما:} نافية. {لَبِثُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب القسم:{يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ} لا محل لها. {غَيْرَ:} ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و {غَيْرَ:} مضاف، و {السّاعَةُ} مضاف إليه. {كَذلِكَ:} الكاف: حرف تشبيه وجر. و (ذا): اسم مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: كانوا يؤفكون في الدنيا إفكا مثل إفكهم يوم القيامة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. {كانُوا:} فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. {يُؤْفَكُونَ:} فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع

إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة:{كَذلِكَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (56)}

الشرح: {وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ:} هم الملائكة، والأنبياء، والمؤمنون من هذه الأمة. وقيل: جميع المؤمنين من الأمم. ولا بأس. {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ:} في علم الله المثبت في اللوح المحفوظ، أو في حكم الله، وقضائه. {إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ:} ردوا بذلك ما قاله الكافرون، وحلفوا عليه. {فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ} أي: الذي كنتم تنكرونه، ولا تؤمنون به.

{وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ:} أنه حق؛ لتفريطكم في طلب الحق، واتباعه. هذا؛ وأصل

ص: 314

{أُوتُوا:} «أوتيوا» فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء، والواو، فحذفت الياء، وبقيت الواو، فصار:«أوتوا» ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو.

هذا؛ والإيمان الصحيح: هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان. ولما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قال:«الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، خيره وشرّه من الله تعالى» . والإيمان يزيد، وينقص على المعتمد، كما رأيت في الآية رقم [2] من سورة (الأنفال) وله شعب كثيرة هي سبع وسبعون شعبة، أعلاها: لا إله إلا الله

وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وهو بفتح الهمزة جمع: يمين بمعنى الحلف بالله، أو بصفة من صفاته، أو باسم من أسمائه قال تعالى:{وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ،} واليمين أيضا: اليد اليمنى، وتجمع أيضا على: أيمان، كما في قوله تعالى:{أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ} وهو كثير في القرآن الكريم، ولا يجمع بالمعنى الأول؛ لأنه مصدر.

الإعراب: {وَقالَ:} الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. {أُوتُوا:} فعل ماض مبني للمجهول، مبني على الضم، والواو نائب فاعله. وهو المفعول الأول، وهو العائد. {الْعِلْمَ:} مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. {وَالْإِيمانَ:} معطوف على ما قبله. {لَقَدْ:} اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. {لَبِثْتُمْ:} فعل، وفاعل. {فِي كِتابِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال، التقدير: محسوبة في علم الله وتقديره، و {كِتابِ} مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه. {إِلى يَوْمِ:}

متعلقان بالفعل قبلهما. و {يَوْمِ} مضاف، و {الْبَعْثِ} مضاف إليه، وجملة:{لَقَدْ..} . إلخ جواب القسم المقدر، والقسم وجوابه كلام في محل نصب مقول القول، وجملة:{وَقالَ..} .

إلخ معطوفة على جملة: {يُقْسِمُ..} . إلخ لا محل لها مثلها.

{فَهذا:} الفاء: واقعة في جواب شرط مقدر، التقدير: إن كنتم منكرين البعث؛ فهذا يومه. قاله القرطبي، وقاله الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي. الهاء: حرف تنبيه لا محل له، ينبه به المخاطب على ما يساق من الكلام. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (يوم): خبره. و {يَوْمِ} مضاف، و {الْبَعْثِ} مضاف إليه، والجملة الاسمية:(هذا يوم البعث) في محل جزم جواب الشرط الذي رأيت تقديره، والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول. {وَلكِنَّكُمْ:} الواو: حرف عطف. (لكنكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. {كُنْتُمْ:} فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة:{لا تَعْلَمُونَ} مع المفعول المحذوف في محل نصب خبر: (كان)، وجملة:{كُنْتُمْ..} .

ص: 315

إلخ في محل رفع خبر (لكن)، والجملة الاسمية:{وَلكِنَّكُمْ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له.

{فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57)}

الشرح: {فَيَوْمَئِذٍ} أي: يوم قامت الساعة، وحلف المشركون كاذبين، ورد عليهم الملائكة والمؤمنون، وبينوا كذبهم. {لا يَنْفَعُ الَّذِينَ..}. إلخ: يقرأ الفعل بالتاء، والياء؛ لأن الفاعل هو (معذرة) وهو مؤنث مجازي، وما كان منه يجوز تأنيث فعله، وتذكيره، والمعذرة: الاعتذار، فهي مصدر ميمي، من: عذره رفع عنه اللوم، والمؤاخذة، والذنب، أو قبل عذره.

{وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} أي: لا يدعون إلى ما يقتضي إعتابهم؛ أي: إزالة عتبهم من التوبة، والطاعة، كما دعوا إليه في الدنيا؛ حيث ندبهم الله في كثير من الآيات إلى التوبة، والطاعة، وحضّهم في كثير من الآيات على الاستغفار، والإيمان به. من قولهم: استعتبني فلان، فأعتبته؛ أي: استرضاني فأرضيته. وجملة القول: لا يقال لهم يوم القيامة: أرضوا ربكم بتوبة، وطاعة، ومثله قوله تعالى في الآية رقم [35] من سورة (الجاثية):{فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} وقال تعالى في سورة (النحل) رقم [84]: {ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} وقال تعالى في سورة (فصلت) رقم [24]: {وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ} وخذ قول أبي الأسود، وهو الشاهد [960] من كتابنا «فتح القريب المجيب»:[المتقارب] فألفيته غير مستعتب

ولا ذاكر الله إلاّ قليلا

هذا؛ والاستعتاب: طلب العتاب. والمعتبة: هي الغلظة، والموجدة التي يجدها الإنسان في نفسه على غيره، والرجل إنما يطلب العتاب من خصمه ليزيل ما في نفسه عليه من الموجدة، والغضب، ويرجع إلى الرضا عنه، وإذا لم يطلب العتاب من خصمه دل ذلك على أنه ثابت على غضبه عليه، قال النابغة الذبياني:[الطويل] فإن كنت مظلوما فعبدا ظلمته

وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب

هذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (غافر) رقم [52]: {يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ} . وفي المصباح المنير: عتب عليه عتبا من باب: ضرب، وقتل، ومعتبا أيضا: لامه في سخط، فهو عاتب، وعتّاب مبالغة، وبه سمي، ومنه عتّاب بن أسيد الصحابي رضي الله عنه-وعاتبه معاتبة، وعتابا. قال الخليل: حقيقة العتاب: مخاطبة الإدلال، ومذاكرة الموجدة. وأعتبني: الهمزة للسلب؛ أي أزال الشكوى، والعتاب. واستعتب: طلب الإعتاب، والعتبى: الاسم من الإعتاب. انتهى. جمل.

ص: 316

عن أبي هريرة-رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتمنّى أحدكم الموت، إمّا محسنا؛ فلعلّه يزداد، وإمّا مسيئا فلعلّه يستعتب» . رواه البخاري، ومسلم. هذا؛ والاستعتاب بمعنى الاسترضاء. قال الشاعر:[الكامل] غضبت تميم أن تقتّل عامر

يوم النسار فأعتبوا بالصّيلم

كيف جعلهم غضابا: ثم قال: فأعتبوا؛ أي: أزيل غضبهم بالسيف.

قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف جعلوا غير مستعتبين في بعض الآيات، وغير معتبين في بعضها؟ قلت: أما كونهم غير مستعتبين؛ فهذا معناه. أي: ما تقدم، وأما كونهم غير معتبين؛ فمعناه: أنهم غير راضين بما هم فيه، فشبهت حالهم بحال قوم جني عليهم، فهم عاتبون على الجاني، غير راضين عنه، فإن يستعتبوا الله، أي يسألوه إزالة ما هم فيه، فما هم من المجابين إلى إزالته. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {فَيَوْمَئِذٍ:} الفاء: حرف عطف، وتفريع. (يومئذ): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، وإذ هذه مضافة لجملة محذوفة، انظر تقديرها في الشرح. {لا:}

نافية: {يَنْفَعُ:} فعل مضارع. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة:{ظَلَمُوا} صلة الموصول، لا محل لها. {مَعْذِرَتُهُمْ:} فاعل ينفع، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة {لَقَدْ لَبِثْتُمْ..}. إلخ لا محل لها مثلها. {وَلا:} الواو: حرف عطف. (لا): نافية. {مَعْذِرَتُهُمْ:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {يُسْتَعْتَبُونَ:} فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع

إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال؛ فلست مفندا، والحالية مقدرة في ذلك اليوم الذي يرون فيه ما يرون من أهوال.

{وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ (58)}

الشرح: {وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ..} . إلخ أي: ولقد وصفنا لهم كل صفة، كأنها مثل في غرابتها، وقصصنا عليهم كل قصة عجيبة الشأن، كصفة المبعوثين يوم القيامة، وقصتهم، وما يقولون، وما يقال لهم، وما لا ينفع من اعتذارهم، ولا يسمع من استعتابهم، ولكنهم لقسوة قلوبهم، ومج أسماعهم حديث الآخرة؛ إذا جئتهم بآية من آيات القرآن؛ قالوا: جئتنا بزور وباطل. انتهى. كشاف.

ص: 317

قال الخازن: فإن قلت: ما معنى توحيد الخطاب في قوله: {وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ} والجمع في قوله: {إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ} قلت: فيه لطيفة، وهي: أن الله تعالى قال: ولئن جئتهم بكل آية جاءت بها الرسل. ويمكن أن يقال: معناه: إنكم كلكم أيها الرسل مبطلون. انتهى. أقول:

والأولى اعتبار الخطاب في الأول موجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الثاني موجها له وللمؤمنين معه.

هذا؛ و {مُبْطِلُونَ} اسم فاعل من: أبطل الرباعي، وانظر الآية رقم [52] من سورة (العنكبوت).

هذا؛ و (قرآن) مشتق من: قريت الماء في الحوض: إذا جمعته، فكأنه قد جمع فيه الحكم، والمواعظ، والآداب، والقصص، والفروض، وجميع الأحكام، وكملت فيه جميع الفوائد الهادية إلى طرق الرشاد. هذا؛ وهو في اللغة مصدر بمعنى الجمع، يقال: قرأت الشيء قرآنا: إذا جمعته، وبمعنى: القراءة، يقال: قرأت الكتاب قراءة، وقرآنا. ثم نقل إلى هذا المجموع المقروء، المنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم، المنقول عنه بالتواتر، فيما بين الدفتين، وهو المراد هنا، ويحرم على المحدث حدثا أكبر، قراءته، وحمله، ومسه، وعلى المحدث حدثا أصغر حمله ومسه، ولا يمنع من قراءته عن ظهر قلب، قال تعالى في تقديسه، وتعظيمه. {لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} .

الإعراب: {وَلَقَدْ:} الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.

{ضَرَبْنا:} فعل، وفاعل. {لِلنّاسِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {فِي هذَا:} جار ومجرور متعلقان بالفعل {ضَرَبْنا} . وقيل: متعلقان بمحذوف حال، وهو ضعيف معنى، والهاء حرف تنبيه لا محل له. {الْقُرْآنِ:} بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. {مِنْ كُلِّ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل {ضَرَبْنا} أيضا، وهما في محل المفعول به، و {كُلِّ} مضاف، و {مَثَلٍ} مضاف إليه، وجملة: {(لَقَدْ ضَرَبْنا

)} إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له وانظر الآية رقم [23] من سورة (السجدة). {وَلَئِنْ:} الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله. (إن): حرف شرط جازم.

{جِئْتَهُمْ:} فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط، غير ظرفي. {بِآيَةٍ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {لَيَقُولَنَّ:} اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. (يقولن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، التي هي حرف لا محل له. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة:{كَفَرُوا} مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. {إِنْ:} حرف نفي بمعنى «ما» . {أَنْتُمْ:} ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {إِلاّ:} حرف حصر. {مُبْطِلُونَ:} خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو

إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:{لَيَقُولَنَّ..} . إلخ جواب القسم المقدر، وجواب الشرط محذوف، لدلالة جواب القسم عليه، انظر الآية رقم [51].

ص: 318

{كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (59)}

الشرح أي: يطبع الله على قلوب الكافرين طبعا مثل ذلك الطبع الذي يطبعه الله على قلوب الجاهلين. ومعنى طبع الله: منع الألطاف؛ التي تنشرح لها الصدور؛ حتى تقبل الحق، وإنما يمنعها الله من علم: أنها لا تجدي عليه، ولا تغني فتيلا، كما يمنع الواعظ الموعظة من يتبين له: أن الموعظة تلغو، ولا تنجع فيه، فوقع ذلك كناية عن قسوة قلوبهم، وركوب الصدأ، والرين عليها، فكأنه قال: كذلك تقسو، وتصدأ قلوب الجهلة؛ حتى يسموا المحقين مبطلين، وهم أعرف خلق الله في تلك الصفة. انتهى. كشاف.

{الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} أي: لا يطلبون العلم، ويصرون على خرافات اعتقدوها، فإن الجهل المركب يمنع إدراك الحق، ويوجب تكذيب المحق. انتهى. بيضاوي.

هذا؛ ومعنى {طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ:} ختم عليها؛ إذ الطبع في الأصل الختم، وهو التأثير في الطين، ونحوه، فاستعير هنا لعدم فهم القلوب ما يلقى عليها، وإذا طبع على قلب الإنسان؛ فلا تؤثر فيه حينئذ الموعظة، ولا تجدي معه النصيحة، قال تعالى في كثير من الآيات:{فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ} . والطبع: السجية، والخلق الذي طبع عليه الإنسان، والطبيعة مثله، وجمع الأول: طباع، وجمع الثاني: طبائع.

هذا؛ والطبع: تدنس العرض، وتلطخه. يقال: طبع السيف: إذا دخله الجرب من شدة الصدأ، وطبع الرجل فهو طبع: إذا أتى عيبا، يقال: نعوذ بالله من طمع يدني إلى طبع، أي: إلى دنس، قال ثابت بن قطنة:[البسيط] لا خير في طمع يدني إلى طبع

وغفّة من قوام العيش تكفيني

الإعراب: {كَذلِكَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف عامله ما بعده، انظر تقدير الكلام في الشرح، وانظر الآية رقم [56]. {يَطْبَعُ:} فعل مضارع. {اللهُ:}

فاعله. {عَلى قُلُوبِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و {قُلُوبِ} مضاف، و {الَّذِينَ} اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. {لا:} نافية. {يَعْلَمُونَ:} فعل مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية:{كَذلِكَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (60)}

الشرح: {فَاصْبِرْ:} على أذاهم، وعداوتهم. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. {وَعْدَ اللهِ:} بنصرك على أعدائك، وإظهار دينك على الدين كله. {حَقٌّ:} ثابت، ومحقق، لا بد من تنفيذه،

ص: 319

وإنجازه والوفاء به. {(وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ)} : لا يحملنك على الطيش، والخفة، والقلق، أو الجهل.

{الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ:} لا يؤمنون بالبعث، والحساب، والمجازاة في يوم القيامة على الأعمال، إن خيرا؛ فخير، وإن شرا؛ فشر، فهم كافرون شاكون ضالون، لا يستغرب منهم ذلك. هذا؛ وقرئ بتخفيف النون، كما يقرأ بالقاف، فيكون المعنى لا يفتننك، فيملكوك، ويكونوا أحق بك من المؤمنين، وهذا على سبيل الفرض، والتقدير، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {فَاصْبِرْ:} الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: إذا علمت حالهم، وتبين لك كفرهم، وضلالهم فاصبر. (اصبر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:

«أنت» ، والمتعلق محذوف. انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب «إذا» ، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محل لها. {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {وَعْدَ:}

اسمها، وهو مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. {حَقٌّ:} خبر {إِنَّ،} والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. {وَلا:} الواو: حرف عطف. (لا): ناهية جازمة.

{يَسْتَخِفَّنَّكَ:} فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، أو الخفيفة في محل جزم ب:(لا) الناهية، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة:{لا يُوقِنُونَ} صلة الموصول، وجملة:{وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ..} . إلخ معطوفة على جملة: (اصبر

) إلخ لا محل لها مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم، والحمد لله رب العالمين.

انتهت سورة الروم، شرحا وإعرابا، بحمد الله وتوفيقه والحمد لله رب العالمين.

ص: 320