المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة لقمان سورة (لقمان)، وهي مكية غير آيتين قال قتادة: أولهما: - تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة - جـ ٧

[محمد علي طه الدرة]

الفصل: ‌ ‌سورة لقمان سورة (لقمان)، وهي مكية غير آيتين قال قتادة: أولهما:

‌سورة لقمان

سورة (لقمان)، وهي مكية غير آيتين قال قتادة: أولهما: {وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ..} . إلى آخر الآيتين. وقال ابن عباس-رضي الله عنهما: غير ثلاث آيات، أولهن:{وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ..} . إلخ. وهي أربع وثلاثون آية، وخمسمائة، وثمان وأربعون كلمة، وألفان ومائة وعشرة أحرف. انتهى. قرطبي، وخازن.

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم

{الم (1) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (2) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3)}

الشرح: {الم:} انظر سورة (الروم). {تِلْكَ:} الإشارة إلى ما تضمنته السورة الكريمة من آيات القرآن، وإنما أدخل اللام على اسم الإشارة هنا، وفي كثير من الآيات، وهي للبعد، والسورة الكريمة؛ بل القرآن كله في متناول اليد، وذلك للإيذان بعلو شأنه، وكونه في الغاية القصوى من الفضل، والشرف، وعلو المكانة، فكأنه بسبب ذلك بعيد كل البعد. وانظر شرح {آياتُ} في الآية رقم [20] من سورة (الروم). {الْكِتابِ الْحَكِيمِ:} المحكم؛ أي: لا خلل فيه، ولا تناقض. وقيل:

ذو الحكمة. وقيل: الحاكم. أو وصفه الله بالحكيم؛ لاشتماله على الحكم. أو لأنه كلام حكيم.

أو محكم آياته لم ينسخ منها شيء. هذا؛ وقد وصفه الله بالمبين في أول سورة (الشعراء)، وفي أول سورة (النمل)، وفي أول سورة (القصص) وهو بمعنى: الظاهر إعجازه، وصحته، وما فيه من الأحكام، والمبين للحق من الباطل، والحلال، والحرام، وقصص الأنبياء، ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك. وقيل:{الْحَكِيمِ} بمعنى: المحكوم فيه؛ أي: حكم الله فيه بالعدل، والإحسان، وبالنهي عن الفحشاء. والمنكر، وبالجنة لمن أطاعه، وبالنار لمن عصاه.

{هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ:} جمع: محسن، وهو الذي يعمل الحسنات التي ذكرها في الآية التالية، ووصف الله المحسنين في سورة (الذاريات) بقوله:{كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (18) وفى أموالهم حق للسائل اتاهم لذا؛ فالقول: إن المحسنين هم الذين يعملون جميع ما يحسن من الأعمال، ثم خص منهم القائمين بهذه الأعمال الثلاثة بفضل الاعتداد بها، فهو أولى بالاعتبار، وفي قول الرسول صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام:«الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه؛ فإنّه يراك» . هذا؛ وقد قال الله تعالى في أول سورة

ص: 321

(النمل): {هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ} وتخصيص المؤمنين، والمحسنين بالذكر؛ وهم جميعا بمعنى واحد؛ لأنهم هم المهتدون، والمنتفعون بآيات القرآن الكريم، فعملوا بتعاليمه، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، فكانوا جديرين بكون القرآن هدى، ورحمة، وبشارة لهم برضا الله، ورضوانه.

والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {الم:} انظر إعرابه في أول سورة (الروم). {تِلْكَ:} اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، وأجيز اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: هذه تلك؛ فتكون {آياتُ} بدلا من اسم الإشارة، والأول أقوى معنى، وأصح إعرابا. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {آياتُ:} خبر المبتدأ، أو بدل من اسم الإشارة. و {آياتُ} مضاف، و {الْكِتابِ} مضاف إليه. {الْحَكِيمِ:} صفة {الْكِتابِ،} والجملة الاسمية: {تِلْكَ آياتُ..} . إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو: {الم} على الوجه الثاني من وجهي الرفع كما رأيت، والرابط: اسم الإشارة على اعتبار الإشارة عائدة على {الم} وهي مستأنفة على بقية الأوجه فيه.

{هُدىً:} يجوز في محله النصب على الحال من: {آياتُ} . أي: هداية، ورحمة، والعامل اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل، ويجوز في محله الجر على أنه بدل من {الْكِتابِ} بدل اشتمال، كما يجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف التقدير: هي هدى، أو على البدل من:{آياتُ،} أو على أنه خبر بعد خبر، وعلامة النصب، أو الجر، أو الرفع مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. {وَرَحْمَةً:}

الواو: حرف عطف. (رحمة): معطوفة على ما قبله، وينبغي أن تعلم أنه قرئ برفعه، ونصبه، ولم يقرأ بجره، لذا فالبدلية من {الْكِتابِ} ضعيفة، تنبه لهذا. {لِلْمُحْسِنِينَ:} جار ومجرور متعلقان بأحد الاسمين على التنازع، أو بمحذوف صفة لأحدهما، وحذفت صفة الثاني.

{الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)}

الشرح: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ:} يؤدونها في أوقاتها، ويحافظون على طهارتها، ويتمون ركوعها، وسجودها، وخشوعها، ومن لم يؤدها على الوجه الأكمل يقال عنه: صلى، ولا يقال:

أقام الصلاة. هذا؛ والصلاة في اللغة: الدعاء، والتضرع، وهي في الشرع: أقوال، وأفعال مخصوصة، مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، ولها شروط، وأركان، ومبطلات، ومكروهات، ومندوبات مذكورة في الفقه الإسلامي، والصلاة من العبد معناها: التضرع، والدعاء، ومن الملائكة على العبد معناها: الاستغفار، وطلب الرحمة له، ومن الله على عباده معناها الرحمة وإنزال البركات، وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى:{إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [الأحزاب: 56].

ص: 322

وأما {الزَّكاةَ} فهي في اللغة: النماء، والتطهير. وفي الشرع: اسم لمال مخصوص يدفع لأشخاص معلومين مذكورين في الآية رقم [60] من سورة (التوبة)، وقد خص الله الصلاة، والزكاة بالذكر؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية، وشرعت لذكر الله، و {الزَّكاةَ} أفضل العبادات المالية، وفرضت للفقير، ومجموعهما التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله. وانظر الصلاة التي تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، والتي لا تنهاه في الآية رقم [45] من سورة (العنكبوت).

{وَهُمْ بِالْآخِرَةِ:} المراد بالآخرة: الحياة الثانية التي تكون بعد الموت، ثم بعد البعث، ثم بعد الحساب، والجزاء، ودخول الجنة، والخلود فيها، أو دخول النار، والخلود فيها.

تنبيه: قال زاده: ولما كان إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة مما يتكرر، ويتجدد في أوقاتهما؛ أتى بهما فعلين، ولما كان الإيقان بالآخرة أمرا ثابتا مطلوبا دوامه؛ أتى به جملة اسمية، وجعل خبرها مضارعا للدلالة على: أن إتقانهم مستمر على سبيل التجدد. انتهى. جمل. هذا؛ ولا تنس: أن هذه الآية مذكورة بحروفها كاملة في الآية رقم [3] من سورة (النمل) والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وهو الموفق، والمعين.

الإعراب: {الَّذِينَ:} يجوز فيه أن يكون في محل جر على الاتباع للمحسنين على البدلية، أو على الوصفية، وأن يكون في محل نصب على أنه مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني. وأن يكون في محل رفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، وهو مبني على الفتح في محل جر، أو في محل نصب، أو في محل رفع. {يُقِيمُونَ:} فعل مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله. {الصَّلاةَ:} مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة:

{وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ} معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. {وَهُمْ:} الواو: واو الحال. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {بِالْآخِرَةِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. {هُمْ:} ضمير فصل لا محل له من الإعراب، أو هو توكيد للمبتدإ، وجملة:{يُوقِنُونَ} في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{هُمْ..} . إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وأجيز عطفها على جملة الصلة، كما أجيز اعتبارها مستأنفة، ومعترضة في آخر الكلام، ولا محل لها على جميع الاعتبارات.

{أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)}

الشرح: {أُولئِكَ:} الإشارة إلى المحسنين الذين وصفوا في الآية السابقة بالأعمال المجيدة، والصفات الحميدة. {عَلى هُدىً:} على هداية، وتوفيق. {مِنْ رَبِّهِمْ} للقيام بالأعمال المذكورة. {الْمُفْلِحُونَ:} الفائزون بالجنة، الناجون من النار، فهو اسم فاعل من: أفلح الرجل:

فاز ببغيته، ومراده. وأصله:«مؤفلح» حذفت الهمزة منه كما رأيت مثله في الآية رقم [3] من

ص: 323

سورة (النمل) وغيرها، وتكرار اسم الإشارة لإظهار مزيد العناية بشأن المشار إليهم، وأنهم جديرون بذلك الفضل: الذي خصهم الله به، ومنحهم إياه، ومثل هذه الآية في (البقرة) رقم [5].

الإعراب {أُولئِكَ:} اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. {عَلى هُدىً:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، التقدير: كائنون على هدى ونحوه، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. {مِنْ رَبِّهِمْ:} جار ومجرور متعلقان ب: {هُدىً،} أو بمحذوف صفة له، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية:{أُولئِكَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وأجيز اعتبار:

{الَّذِينَ}

إلخ مبتدأ، والجملة الاسمية:{أُولئِكَ..} . إلخ في محل رفع خبره، وهو وجه ضعيف فيما يظهر. {أُولئِكَ:} مبتدأ مثل سابقه. {رَبِّهِمْ:} ضمير فصل لا محل له من الإعراب.

{الْمُفْلِحُونَ:} خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ ثانيا، و {الْمُفْلِحُونَ} خبره، والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية:{أُولئِكَ..} . إلخ معطوفة على سابقتها على الوجهين المعتبرين فيها.

{وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (6)}

الشرح: {وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ:} نحو السمر بالأساطير، والأحاديث التي لا أصل لها، والتحدث بالخرافات، والمضاحيك، وفضول الكلام، وما لا ينبغي من القول، والفعل، ونحو الغناء، وتعلم الموسيقى، وما أشبه ذلك. وفي الجملة هو كل باطل ألهى عن طاعة الله، ومنع من الخير.

وقيل: نزلت الآية في النضر بن الحارث بن كلدة، وكان يتجر إلى فارس، فيشتري كتاب الأعاجم، فيحدث بها قريشا، ويقول: إن كان محمد يحدثكم بحديث عاد، وثمود، فأنا أحدثكم بأحاديث رستم، وبهرام، والأكاسرة، وملوك الحيرة، فيستملحون حديثه، ويتركون استماع القرآن. وقيل: كان يشتري المغنيات، فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته، فيقول: أطعميه، واسقيه، وغنيه. ويقول: هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة، والصيام، وأن تقاتل بين يديه.

وقيل: هو شراء القينات، والمغنين. فيكون معنى الآية: ومن الناس من يشتري ذات لهو، أو ذا لهو الحديث. وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي أمامة-رضي الله عنه-قال: قال

ص: 324

رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحلّ تعليم المغنيات، ولا بيعهنّ، وأثمانهنّ حرام» . وفي مثل ذلك نزلت هذه الآية. {وَمِنَ النّاسِ..} . إلخ «وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله له شيطانين:

أحدهما على هذا المنكب، والآخر على هذا المنكب، فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الّذي يسكت». أخرجه الترمذي.

وهذا لفظه عن أبي أمامة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبيعوا القينات المغنّيات، ولا تشتروهنّ، ولا تعلّموهنّ، ولا خير في تجارة فيهنّ، وثمنهنّ حرام» . وفي مثل هذا نزلت:

{وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ..} . إلخ. معنى {يَشْتَرِي:} يستبدل، ويختار الغناء، والمزامير، والمعازف على القرآن. وقال أبو الصهباء: سألت ابن مسعود-رضي الله عنه-عن هذه الآية، فقال: هو الغناء والله الذي لا إله إلا هو (يرددها ثلاث مرات). هذا؛ وقيل: الغناء منفدة للمال، مسخطة للرب، مفسدة للقلب.

هذا؛ والإضافة معناها التبيين على حد قولهم: باب ساج، وخاتم حديد، فيكون المعنى:

ومن الناس من يشتري اللهو من الحديث، والمراد بالحديث: الحديث المنكر. ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى من التبعيضية كأنه قيل: ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه.

{لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ:} عن دين الإسلام، وعن سماع القرآن. وقرئ بضم الياء، فيكون المعنى ليضل غيره. وقرئ بفتح الياء، فيكون المعنى: ليثبت على ضلاله. وفي اشتراء لهو الحديث استعارة تصريحية واضحة، لا خفاء فيها.

{بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي: بحال ما يشتريه، وما يجره عليه من الوبال، أو بالتجارة؛ لأن شأن التاجر أن يشتري من أجل الربح، وهو خاسر في تجارته، قال تعالى:{فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ} أي: وما كانوا مهتدين للتجارة، بصراء فيها. {وَيَتَّخِذَها هُزُواً:} يقرأ الفعل بالرفع، والنصب، ويقرأ بسكون الزاي والهمز، وبضم الزاي والهمز، وبضم الزاي بلا همز، وهو بجميع قراءاته مصدر: هزأ، يهزأ، هزءا من باب: فتح، ويأتي من باب: تعب. {أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ} أي: شديد، يهينهم لإهانتهم الحق باستئثارهم الباطل.

تنبيه: (من) مفرد لفظا، جمع معنى، روعي لفظها، أولا في ثلاثة ضمائر «يشتري، ويضلّ، ويتخذ» وروعي معناها ثانيا في موضعين، وهما:{أُولئِكَ لَهُمْ} ثم رجع إلى مراعاة اللفظ في خمسة ضمائر، وهي في الآية التالية.

هذا؛ وجمع الحديث: أحاديث شذوذا، انظر جمع الباطل في الآية رقم [52] من سورة (العنكبوت) فهو مثله، وأصل {مُهِينٌ} «مهين» فهو اسم فاعل من أهان الرباعي، فقل في إعلاله: نقلت كسرة الياء إلى الهاء قبلها بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ومثله قل في إعلال {مُبِينٌ} .

ص: 325

الإعراب: {وَمِنَ:} الواو: حرف استئناف. {(مِنَ النّاسِ)} : جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {مِنَ:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر.

وقيل: إن الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمبتدإ محذوف، التقدير: وفريق كائن من الناس، على حد قوله تعالى:{وَمِنّا دُونَ ذلِكَ} . والأصح: أن مضمون الجار، والمجرور مبتدأ، و (من) هي الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض، أي: وبعض الناس، وجمع الضمير في قوله:{أُولئِكَ لَهُمْ} يؤيد ذلك، وانظر تفصيل ذلك وشرحه في الآية رقم [10] من سورة (العنكبوت)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {يَشْتَرِي:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى {مِنَ} وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة:{مِنَ،} أو صفتها. {لَهْوَ:} مفعول به، وهو مضاف، و {الْحَدِيثِ} مضاف إليه.

{لِيُضِلَّ:} فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى:{مِنَ،} ومفعوله محذوف على قراءته بضم الياء، وهو لازم على قراءته بفتحها، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل:{يَشْتَرِي} .

{عَنْ سَبِيلِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و {سَبِيلِ} مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه.

{بِغَيْرِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل: {يَشْتَرِي} المستتر، و (غير) مضاف، و {عِلْمٍ} مضاف إليه. {وَيَتَّخِذَها:} الواو: حرف عطف. (يتخذها): بالرفع معطوف على {يَشْتَرِي،} وبالنصب معطوف على يضل، والفاعل يعود إلى {مِنَ} أيضا، وأجاز أبو البقاء: الرفع على إضمار مبتدأ، فتكون الجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل:{يَشْتَرِي،} وفيه ضعف كما ترى. و (ها): مفعوله الأول. {هُزُواً:} مفعوله الثاني. {أُولئِكَ:} اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. {لَهُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {عَذابٌ:} مبتدأ مؤخر. {مُهِينٌ:} صفته، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{أُولئِكَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (7)}

الشرح: {وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا:} آيات القرآن. {وَلّى مُسْتَكْبِراً:} أعرض عن تدبرها متكبرا رافعا نفسه عن الإصغاء لآيات القرآن. {كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها:} يشبه حاله في ذلك حال من لم يسمعها، وهو سامع. {كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً:} الوقر بفتح الواو: الصمم في الأذن. والوقر بكسر الواو: حمل البغل، والحمار. والوقار: الحلم، والرزانة، والتعقل، وهو أيضا: العظمة، والهيبة، والمهابة. {فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ:} أعلمه: أن العذاب يحيق به لا محالة.

ص: 326

هذا؛ والبشارة عبارة عن الخبر السار؛ الذي يظهر على بشرة الوجه أثر الفرح به، ولما كان ذلك الفرح والسرور يوجبان تغير بشرة الوجه، كان كذلك الحزن والغم يظهر أثرهما على الوجه، وهو الكمودة، التي تعلو الوجه عند حصول الغم، والحزن. فثبت بهذا: أن البشارة لفظ مشترك بين الخبر السار، والخبر المحزن، فصح قوله تعالى في سورة (النحل):{وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} ولكن قد تستعمل البشارة بالشر، وبما يسوء على سبيل التهكم والاستهزاء كما في هذه الآية، وهو كثير في القرآن الكريم.

هذا؛ وولّى، ومثله تولّى يكونان بمعنى الإعراض، والإدبار عن الشيء بالجسم، ويستعملان في الإعراض عن الأمور الاعتقادية اتساعا، وانظر شرح (يسمع) في الآية رقم [23] من سورة (الروم). هذا؛ و {عَذابٌ} . اسم مصدر، لا مصدر؛ لأن المصدر: تعذيب؛ لأن فعله: عذب، يعذب بتشديد الذال فيهما. وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، مثل: عطاء، وسلام، ونبات لأعطى، وسلم، وأنبت، و {أَلِيمٍ} بكسر اللام اسم فاعل بمعنى: موجع، وقال سليمان الجمل:

بفتح اللام على طريق الإسناد المجازي، حيث أسند الألم للعذاب، وهو في الحقيقة إنما يسند إلى الشخص المعذب، فهو على حد: جدّ جدّه. انتهى. بتصرف.

الإعراب: {وَإِذا:} الواو: حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. {تُتْلى:} فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. {عَلَيْهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {آياتُنا:} نائب فاعل، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة:{تُتْلى..} . إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح.

{وَلّى:} فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى {مِنَ}. {مُسْتَكْبِراً:}

حال من الفاعل المستتر، وجملة:{وَلّى مُسْتَكْبِراً} جواب (إذا)، لا محل لها. و:(إذا) ومدخولها كلام معطوف على الجملة الاسمية: {(مِنَ النّاسِ

)} إلخ لا محل له مثلها.

{كَأَنْ:} حرف مشبه بالفعل، مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف، التقدير:

كأنه. {لَمْ:} حرف نفي، وقلب، وجزم. {يَسْمَعْها:} فعل مضارع مجزوم ب: {لَمْ،} والفاعل يعود إلى {مِنَ،} و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر:{كَأَنْ،} والجملة الاسمية في محل نصب حال ثانية من فاعل: {وَلّى} المستتر، والرابط ضمير الشأن المحذوف وفاعل يسمع المستتر. {كَأَنْ:} حرف مشبه بالفعل. {فِي أُذُنَيْهِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر {كَأَنْ} تقدم على اسمها، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {وَقْراً:} اسمها مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال ثالثة من فاعل ولى، أو بدل مما قبلها، أو هي حال من فاعل {يَسْمَعْها،} أو هي تفسير لما قبلها، وجوز الزمخشري وتبعه البيضاوي اعتبار جملتي التشبيه

ص: 327

استئنافيتين. {فَبَشِّرْهُ:} الفاء: هي الفصيحة. (بشره): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا، تقديره:«أنت» ، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا منه فبشره، والجملة الشرطية هذه مستأنفة، لا محل لها.

{بِعَذابٍ:} متعلقان بما قبلهما. {أَلِيمٍ:} صفة (عذاب).

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ (8)}

الشرح: لما ذكر الله مآل المكذب بآيات الله؛ الذي يتخذها هزوا؛ ذكر عاقبة المؤمن بها، والعامل بتعاليمها. وهذا من باب المقابلة التي جرت سنة الله في كتابه أن يأتي بها، فإنه-تعالت حكمته، وتمت كلمته-لا يذكر التكذيب من الكافرين، والمنافقين؛ إلا ويذكر التصديق من المؤمنين، ولا يذكر الإيمان؛ إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة؛ إلا ويذكر النار، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر السخط؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا، خائفا راجيا. هذا؛ والمراد ب:{جَنّاتُ النَّعِيمِ} نعيم الجنات، فعكس للمبالغة. بيضاوي. هذا؛ و {جَنّاتُ} جمع: جنة، وهي في الأصل: البستان الكثير الأشجار. وسميت الجنة بذلك؛ لأنها تجن، أي: تستر من يدخل فيها لكثرة أشجارها، وكثافتها، وينبغي أن يلاحظ: أن هذا الوعد للذكور والإناث الصالحات، وإن كان الكلام بصيغة جمع الذكور، فيمكن أن يكون من باب تغليب الذكور على الإناث، كما يمكن أن تكون الإناث ملحقة بالذكور إلحاقا، وهناك آيات كثيرة تثني على المؤمنات الصالحات، وتبشرهن بجنة عرضها الأرض والسموات، وآية الأحزاب رقم [35] قرنت النساء بالرجال بالمدح والثناء بعشر صفات. ووعد الجميع بالأجر العظيم، والثواب الكبير.

الإعراب: {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة:{آمَنُوا} مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. (عملوا):

فعل ماض مبني على الضم، لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق.

{الصّالِحاتِ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {لَهُمْ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {جَنّاتُ:} مبتدأ مؤخر؛ و {جَنّاتُ} مضاف، و {النَّعِيمِ} مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر {إِنَّ،} والجملة الاسمية: {إِنَّ الَّذِينَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)}

الشرح: {خالِدِينَ فِيها:} ماكثون في تلك الجنات، أي: المؤمنون، والمؤمنات، لا يفنون، ولا يخرجون، ولا يهرمون. روى مسلم عن جابر بن عبد الله-رضي الله عنهما-قال: قال

ص: 328

رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أهل الجنّة يأكلون، ويشربون، ولا يبولون، ولا يتغوّطون، ولا يمتخطون، ولا يبزقون، يلهمون الحمد والتسبيح، كما يلهمون النفس، طعامهم جشاء، ورشحهم كرشح المسك» .

{وَعْدَ اللهِ حَقًّا:} مصدران مؤكدان، الأول لنفسه، والثاني لغيره؛ لأن قوله:{لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ} وعد، وليس كل وعد حقا، و {حَقًّا} يدل على معنى الثبوت، والدوام، فأكد به معنى لوعد، ومؤكّدهما الجملة الاسمية:{لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ} . {الْعَزِيزُ:} الذي لا يغلبه شيء، ولا يعجزه، يقدر على الشيء، وضده، فيعطي النعيم من يستحقه، ويعطي البؤس من يستحقه، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. {الْحَكِيمُ:} لا يشاء إلا ما توجبه الحكمة، وهو الذي يضع الأمور مواضعها. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {خالِدِينَ:} حال من الضمير المجرور محلا باللام منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. {فِيها:} جار ومجرور متعلقان به. {وَعْدَ:} مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير:

وعد وعدا، و {وَعْدَ} مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. {حَقًّا:}

مفعول مطلق لفعل محذوف أيضا، وانظر الشرح. {وَهُوَ:} الواو: واو الحال. (هو): مبتدأ.

{الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ:} خبران للمبتدإ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة؛ والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.

{خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10)}

الشرح: {خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها:} في هذه الرؤية قولان: أحدهما: أن الرؤية ترجع إلى السموات، والمعنى: وأنتم ترون السموات مرفوعة بغير عمد من تحتها، يعني: ليس تحتها دعامة تدعمها، ولا من فوقها علاقة تمسكها. قال إياس بن معاوية-رحمه الله تعالى-:

السماء مقبية على الأرض مثل القبة، وهذا قول الحسن وقتادة، وجمهور المفسرين، وإحدى الروايتين عن ابن عباس-رضي الله عنهما-والقول الثاني: أن الرؤية ترجع إلى العمد، والمعنى: أن لها عمدا، ولكن لا ترونها أنتم. والأول أصح. وهذا على أن السموات مكونة من أجرام، وأما ما يقوله العلم الحديث من أن السموات السبع طبقات هوائية، تختلف كل طبقة عما فوقها، وعما تحتها، فنكل علمه إلى الله تعالى.

{وَأَلْقى:} وخلق، وجعل. {فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ:} جبالا ثابتة. قال ابن عباس-رضي الله عنهما: هي الجبال الشامخات من أوتاد الأرض، وهي سبعة عشر جبلا منها: قاف،

ص: 329

وأبو قبيس، والجودي، ولبنان، وطور سينين، وطور سيناء. أخرجه ابن جرير كما في «المبهمات» للسيوطي. وأضيف: أن {عَمَدٍ} جمع عمود، وهو ما يقوم عليه البيت، وجمعه في القلة: أعمدة، وفي الكثرة: عمد بفتحتين، وعمد، وبهما قرئ قوله تعالى {فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ} وعمود القوم: سيدهم. في القاموس: عمد جمع: عمود، وعماد أيضا. هذا؛ والعماد: الأبنية الرفيعة، ومنه قوله تعالى {إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ}. {أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ:} تتحرك، وتضطرب، والميدان:

الاضطراب يمينا، وشمالا، ومادت الأغصان: تمايلت، وماد الرجل: تبختر، وتمايل كبرا، وغطرسة. و {رَواسِيَ} جمع: راسية، فالأرض ترسو بالجبال، أي: تثبت، وتستقر. فعن أنس بن مالك-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لمّا خلق الله الأرض جعلت تميد، وتكفّأ، فأرساها بالجبال فاستقرّت، فعجبت الملائكة من شدّة الجبال، فقالوا: يا ربّنا هل خلقت خلقا أشدّ من الجبال؟ قال: نعم الحديد، قالوا: فهل خلقت خلقا أشدّ من الحديد؟ قال: النار، قالوا: فهل خلقت خلقا أشدّ من النار؟ قال: الماء، قالوا: فهل خلقت خلقا أشدّ من الماء؟ قال: الريح. قالوا: فهل خلقت خلقا أشدّ من الريح، قال: ابن آدم إذا تصدق بصدقة بيمينه، فأخفاها من شماله» . رواه الترمذي، وقال: حديث غريب.

{وَبَثَّ فِيها:} خلق، وفرق، ونشر. {مِنْ كُلِّ دابَّةٍ:} تشمل كل ما يدب على وجه الأرض من إنسان، وحيوان، وطير، وهوام. {وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً:} انظر الآية رقم [24] من سورة (الروم).

{فَأَنْبَتْنا فِيها:} في الأرض. {مِنْ كُلِّ زَوْجٍ:} من كل صنف كثير المنفعة. ولا تنس الالتفات في الآية من الغيبة إلى التكلم، وانظر فوائده في الآية رقم [34] من سورة (الروم)، ومثل هذه الآية في الالتفات قوله تعالى في سورة (طه) رقم [53]:{الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتّى،} وقوله تعالى في سورة (النمل) رقم [60]: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ،} وقوله تعالى في سورة فاطر رقم [27]: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها} .

قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-في ختام الآية التي نحن بصدد شرحها: وكأنه جلت قدرته، وتعالت حكمته استدل بذلك على عزته التي هي كمال القدرة، وحكمته التي هي كمال العلم، ومهد به قاعدة التوحيد، وقررها بقوله:{هذا خَلْقُ اللهِ..} . إلخ.

هذا؛ وزوج في هذه الآية بمعنى: الصنف، والنوع، كما رأيت، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [5]:{فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} والزوج: القرين قال تعالى في سورة (الصافات): {اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللهِ} أي قرناءهم من الشياطين. والزوج: ضد الفرد، وكل واحد منهما يسمى زوجا أيضا، يقال للاثنين: هما زوجان، وهما زوج، كما يقال: هما سيان، وهما سواء، قال تعالى في سورة

ص: 330

(هود) رقم [40]: {قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} أي: من كل نوع ذكرا، وأنثى، وقال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [143]:{ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ} والمعنى: ثمانية أفراد، وأخيرا فزوج يطلق على الرجل والمرأة، والقرينة تبين الذكر، والأنثى، ويقال لها أيضا: زوجة، وحذف التاء منها أفصح إلا في الفرائض، فإنها بالتاء أفصح؛ لتوضيح الوارث.

أما {كَرِيمٍ} فهو كثير المنافع، والكريم من كل نوع ما يجمع فضائله، وهو صفة لكل ما يرضي في بابه، يقال: وجه كريم؛ أي: مرضيّ في حسنه، وجماله، وكتاب كريم: مرضي في معانيه وفوائده، ونبات كريم فيما يتعلق به من المنافع، وقس على ذلك الإنسان، والحيوان، والمكان، وانظر الآية رقم [29] من سورة (النمل).

الإعراب: {خَلَقَ:} فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره:«هو» يعود إلى الله. {السَّماواتِ:}

مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم.

{بِغَيْرِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من {السَّماواتِ} أي: خالية من عمد، و (غير) مضاف، و {عَمَدٍ} مضاف إليه. {تَرَوْنَها:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة {عَمَدٍ} على اعتبار الضمير المنصوب راجعا إليها، أو هي في محل نصب حال من {السَّماواتِ} على اعتباره راجعا إليها. وقيل: مستأنفة، وهو ضعيف، وجملة:

{خَلَقَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {وَأَلْقى:} الواو: حرف عطف. (ألقى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى {اللهِ} أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة {خَلَقَ..}. إلخ لا محل لها مثلها. {فِي الْأَرْضِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.

{رَواسِيَ:} مفعول به، وهو صفة لموصوف محذوف، انظر الشرح. {أَنْ تَمِيدَ:} فعل مضارع منصوب ب: «أن» ، والفاعل يعود إلى (الأرض) تقديره:«هي» : و {أَنْ تَمِيدَ} في تأويل مصدر في محل جر بإضافته لمصدر محذوف، يقع مفعولا لأجله، التقدير: كراهية ميدها بكم، وهذا عند البصريين، وهو عند الكوفيين في محل جر بحرف محذوف، التقدير: لئلا تميد بكم، ومثل هذه الآية قول عمرو بن كلثوم من معلقته المشهورة: رقم [97]: [الوافر] نزلتم منزل الأضياف منّا

فعجّلنا القرى أن تشتمونا

وهذا هو الشاهد رقم [48] من كتابنا فتح القريب المجيب.

{بِكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {وَبَثَّ:} الواو: حرف عطف. (بث): فعل ماض، والفاعل يعود إلى {اللهِ} أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:{خَلَقَ..} . إلخ لا محل لها مثلها. {فِيها:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {مِنْ كُلِّ:} متعلقان به أيضا، وهما في محل نصب مفعول به. قال الجمل:{مِنْ} زائدة. انتهى. وعليه: ف: {كُلِّ} مفعول

ص: 331

صريح. والأقوى تعليقهما بمحذوف صفة لموصوف محذوف، التقدير: وبث فيها حيوانات من كل دابة. و {كُلِّ:} مضاف، و {دابَّةٍ:} مضاف إليه. {وَأَنْزَلْنا:} الواو: حرف عطف. (أنزلنا):

فعل، وفاعل. {مِنَ السَّماءِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ماء، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة:«نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا» ، وجملة:{وَأَنْزَلْنا..} . إلخ معطوفة على جملة: {خَلَقَ..} . إلخ، أو هي مستأنفة، ولا محل لها على الاعتبارين، وانظر مثل هذا الالتفات في الآيات التي ذكرتها لك في الشرح.

(أنبتنا): فعل، وفاعل. {فِيها مِنْ كُلِّ:} كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما ويجوز أن يكون: {مِنْ كُلِّ} متعلقين بمحذوف صفة لموصوف محذوف، التقدير: نباتا من كل، و {كُلِّ} مضاف، و {زَوْجٍ} مضاف إليه. {كَرِيمٍ:} صفة: {زَوْجٍ،} والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها.

{هذا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (11)}

الشرح: {هذا} أي: ما ذكر من السموات والأرض، وما تعلق بهما من الأمور المعدودة.

{خَلْقُ اللهِ} أي: مخلوق الله. {فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} أي: فأروني الذي خلقته آلهتكم؛ حتى استحقوا العبادة منكم، وحتى أشركتموهم مع الله في التقديس والتعظيم. {بَلِ الظّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ:} إضراب عن تبكيتهم، وتقريعهم إلى التسجيل عليهم بالضلال الذي لا يخفى على ناظر، ووضع الظاهر موضع المضمر؛ للدلالة على أنهم ظالمون بإشراكهم مع الله ما لا يضر، ولا ينفع.

هذا؛ والضلال مصدر: ضل بمعنى: كفر وأشرك بالله، وخرج عن جادة الحق، والصواب، وهو ضد: اهتدى، واستقام، ويأتي ضلّ بمعنى: غاب، كما في قوله تعالى:{وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ} وضل الشيء: ضاع وهلك، وضل: أخطأ في رأيه، ولولا هذا المعنى؛ لكفر أولاد يعقوب بقولهم في حضرته:{تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ} وقولهم في غيبته: {إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} وضل: تحير، وهو أقرب ما يفسر به قوله تعالى لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم:{وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى} . هذا؛ وأضل، يضل غيره من الرباعي، ومصدره الإضلال فهو متعد، والثلاثي لازم، وانظر رقم [10] من سورة (السجدة).

الإعراب: {هذا:} الهاء: حرف تنبيه. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {خَلْقُ:} خبر المبتدأ، وهو مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {فَأَرُونِي:} الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان هذا خلق الله؛ فأروني

إلخ. (أروني): فعل أمر مبني على

ص: 332

حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعوله الأول، وهو معلق عن الثاني، والثالث لفظا بسبب الاستفهام. {ماذا:} (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. {خَلْقُ:} فعل ماض.

{الَّذِينَ:} اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: ما الذي خلقه الذين، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني والثالث. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) مفعولا مقدما ل:{خَلْقُ} و (ذا) زائدة، كما أجيز اعتبار {ماذا} اسما مركبا مبنيا على السكون في محل رفع مبتدأ، خبره الجملة الفعلية بعده، أو في محل نصب مفعولا به مقدما للفعل {خَلْقُ،} وعليه فالجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد المفعولين؛ وأجاز مكي اعتبار (ما) اسما موصولا بمعنى: الذي في محل نصب مفعول به ل: (أروني)، واعتبار:(ذا) زائدة، والجملة الفعلية صلة (ما)، والعائد محذوف، التقدير: فأروني الأشياء التي خلقها الذين من دونه، وهو قول ضعيف تفرد به -رحمه الله تعالى-. {مِنْ دُونِهِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {بَلِ:} حرف إضراب، وانتقال. {الظّالِمُونَ:} مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو

إلخ. {فِي ضَلالٍ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ.

{مُبِينٍ:} صفة {ضَلالٍ} . والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وجملة:{فَأَرُونِي..} . إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء.

{وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اُشْكُرْ لِلّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12)}

الشرح: {وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ:} هو ابن باعوراء بن ناحور، بن تارح، وهو آزر أبو إبراهيم، كذا نسبه محمد بن إسحاق. وقيل: هو لقمان بن عنقاء، بن سرون، وكان نوبيا من أهل أيلة.

ذكره السهيلي. وقال وهب: هو ابن أخت أيوب النبي. وقال مقاتل: ذكر: أنه كان ابن خالة أيوب، وقال الزمخشري. هو لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب، أو ابن خالته. وقيل: كان من أولاد آزر، عاش ألف سنة، وأدركه داود عليه الصلاة والسلام، وأخذ عنه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود، فلما بعث قطع الفتوى، فقيل له: لم تركت الفتوى؟ فقال: ألا أكتفي إذ كفيت.

وقال الواقدي: كان قاضيا في بني إسرائيل، وأكثر الأقاويل: أنه كان حكيما، ولم يكن نبيا.

وعن ابن عباس-رضي الله عنهما: لقمان لم يكن نبيا، ولا ملكا، ولكن كان راعيا أسود، فرزقه الله العتق، ورضي قوله، ووصيته، فقص أمره في القرآن؛ لتمسكوا بوصيته.

وقال عكرمة، والشعبي: كان نبيا. وقيل: خيّر بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة. وعن ابن المسيب: كان أسود من سودان مصر خياطا. وعن مجاهد: كان عبدا أسود غليظ الشفتين،

ص: 333

متشقق القدمين. وقيل: كان نجارا. وقيل: كان راعيا. وقيل: كان يحتطب لمولاه كل يوم حزمة. وروي عنه: أن قال لرجل ينظر إليه: إن كنت تراني غليظ الشفتين، فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق، وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض.

وروي: أن رجلا وقف عليه في مجلس وهو يعلّم الناس الحكمة. فقال له: ألست عبد بني فلان؟ قال: نعم، قال: ألست كنت ترعى معي في مكان كذا؟ قال: بلى، قال: ما بلغ بك ما أرى، ويراه الناس من العلم، والحكمة؟ قال: بفضل الله علي وصدقي في الحديث، وأداء الأمانة، وصمتي عما لا يعنيني.

وروي من حديث ابن عمر-رضي الله عنهما-قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لم يكن لقمان نبيا، ولكن كان عبدا كثير التفكر، حسن اليقين، أحبّ الله تعالى فأحبّه، فمنّ عليه بالحكمة، وخيّره في أن يجعله خليفة يحكم بالحق، فقال: يا رب! إن خيرتني قبلت العافية، وتركت البلاء، وإن عزمت علي فسمعا، وطاعة، فإنك ستعصمني» . ذكره ابن عطية. وزاد الثعلبي: «فقالت له الملائكة بصوت لا يراهم: لم يا لقمان؟ قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاه المظلوم من كل مكان، إن يعن فبالحرى أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلا فذلك خير من أن يكون فيها شريفا، ومن يختر الدنيا على الآخرة؛ تفته الدنيا، ولا يصب الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة، فأعطي الحكمة، فانتبه يتكلم بها» .

ثم نودي داود بعده فقبل الخلافة، ولم يشرط ما اشترطه لقمان، فهوى في الخطيئة غير مرة، كل ذلك يعفو الله عنه. وكان لقمان يؤازره في حكمته، فقال له داود: طوبى لك يا لقمان، أعطيت الحكمة، وصرف عنك البلاء، وأعطي داود الخلافة، وابتلي بالبلاء، والفتنة.

قال له سيده ذات يوم: اذبح لي شاة، وائتني بأطيب مضغتين فيها. فأتاه باللسان، والقلب، ثم أمره بمثل ذلك بعد أيام، وأن يخرج أخبث مضغتين في الشاة الأخرى، فأتاه باللسان، والقلب، فسأله عن ذلك، فقال: هما أطيب ما فيها؛ إذا طابا، وهما أخبث ما فيها؛ إذا خبثا.

وقد قال سيد الخلق، وحبيب الحق، الناطق بالصدق:«ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب» . رواه البخاري ومسلم.

وجاء في اللسان أحاديث شهيرة كثيرة، صحيحة، مذكورة في كتاب الترغيب والترهيب، خذ منها ما يلي: عن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من وقاه الله شرّ ما بين لحييه وشرّ ما بين رجليه دخل الجنّة» . رواه الترمذي وحسنه. انتهى. قرطبي وكشاف وغيرهما بتصرف.

هذا؛ وأما الحكمة؛ فهي الصواب في المعتقدات، والفقه في الدين، والعقل، والعمل.

وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: والحكمة في عرف العلماء: استكمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية، واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها.

ص: 334

وقال أبو بكر بن دريد: الحكمة: كل كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح.

{أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ} أي: آتيناه الحكمة، وقلنا له: اشكر، وانظر الإعراب، وانظر الشكر لغة، واصطلاحا في الآية رقم [25] الآتية، والمعنى: اشكر نعمة الله عليك. {وَمَنْ يَشْكُرْ} أي:

النعمة وأدى حق الله فيها. {فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ:} يرجع نفع ذلك إلى نفسه، لا إلى غيره، حيث يستوجب بشكره تمام النعمة، ودوامها، والمزيد منها، قال تعالى:{لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} .

والشكر: قيد النعمة الموجودة، وبه تنال النعمة المفقودة. {وَمَنْ كَفَرَ} أي: جحد النعمة، ولم يقم بشكرها. {فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ} أي: عن العباد، وعن شكرهم. {حَمِيدٌ:} حقيق بالحمد، وإن لم يحمد، أو: محمود، نطق بحمده جميع مخلوقاته بلسان الحال. وفي سورة (النمل) رقم [40]:{فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} . والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

هذا؛ وقد سمى الله سبحانه وتعالى جحود النعمة كفرا؛ لأن معنى الكفر اللغوي: الستر، والتغطية، كما رأيت في الآية رقم [34] من سورة (الروم) أما الفعل: شكر، يشكر، فيتعدى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له.

الإعراب: {وَلَقَدْ:} الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. {آتَيْنا:} فعل، وفاعل. {لُقْمانَ:} مفعول به أول. {الْحِكْمَةَ:}

مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم، وجوابه: كلام مستأنف لا محل له. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [23] من سورة (السجدة). {لُقْمانَ:} حرف صلة على تقدير: قلنا له:

اشكر، وهي مفسرة على تضمين الحكمة معنى القول، ومصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بحرف تعليل التقدير: لإتيان لقمان الحكمة، أو بحرف دال على السببية، أي بأن اشكر.

{اُشْكُرْ:} فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره:«أنت» . {لِلّهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف كما رأيت، أو هي مفسرة، لا محل لها، أو هي بعد تأويلها بمصدر تعليل للكلام السابق. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.

{وَمَنْ:} الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {يَشْكُرْ:} فعل مضارع فعل الشرط، وفاعله يعود إلى:(من). {فَإِنَّما:} الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة ومكفوفة. {يَشْكُرْ:} فعل مضارع، وفاعله يعود إلى (من) أيضا. {لِنَفْسِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة:{فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو

ص: 335

المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {وَمَنْ:} مثل سابقه.

{كَفَرَ:} فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) أيضا.

{فَإِنَّ:} الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل. {اللهَ:} اسم (إن). {غَنِيٌّ حَمِيدٌ:} خبران ل: (إن)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط. هذا؛ وإن اعتبرت الجواب محذوفا، تقديره: ومن كفر فلا يحزنك كفره، أو فلا يضرك كفره، فالجملة الاسمية:

{فَإِنَّ..} . إلخ تعليل للنفي، والمعنى: يؤيده، وبقية الإعراب مثل سابقه، والجملة الاسمية:

{وَمَنْ كَفَرَ..} . إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.

{وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)}

الشرح: {وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ:} واسمه: ثاران. وقيل: أشكم. وقيل: أنعم. وقيل:

ماتان. {وَهُوَ يَعِظُهُ:} ينصحه ويرشده، والفعل مثال واوي، أصله: وعظ، يوعظ، مثل وعد، يوعد، حذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما الفتحة، والكسرة، والأمر منه: عظ، مثل:

عد، وزن، والأصل: اوعظ، واوعد، واوزن، فحذفت الهمزة، والواو.

{يا بُنَيَّ:} تصغير ابن، تصغير: إشفاق، وإرفاق، لا تصغير تحقير، فأصل ابن: بنو فلما صغر؛ صار: بنيو، فلما اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، ثم ألحقت به ياء المتكلم، فاجتمع ثلاث ياءات، فحذفت الثانية منهن؛ التي هي لام الكلمة، ولم تحذف الأولى؛ لأنها ياء التصغير، وقد أتي بها لغرض خاص، ولم تحذف الثالثة؛ التي هي ياء المتكلم؛ لأنها كلمة برأسها. هذا؛ وقرئ بإسكان الياء، وكسرها، وفتحها في هذه الآية، وفيما يأتي.

{لا تُشْرِكْ بِاللهِ:} قال القشيري: إن ابنه، وامرأته كانا كافرين، فما زال يعظهما؛ حتى أسلما، وذلك لأن أعلى مراتب الإنسان أن يكون كاملا في نفسه مكملا لغيره، فقوله تعالى:

{وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ} إشارة إلى الكمال، وقوله تعالى:{وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ..} .

إلخ إشارة إلى التكميل لغيره، وبدأ بالأقرب إليه، وهو ابنه، وبدأ في وعظه بالأهم، وهو المنع من الشرك.

{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ:} لأن التسوية بين من يستحق العبادة، وبين من لا يستحقها ظلم عظيم؛ لأنه وضع العبادة في غير موضعها. هذا؛ وقد بينات لك فيما سبق: أن الشرك أنواع منوعة، فأعظمها: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، ومنها: الرياء، ومنها: أن يعتقد الإنسان تأثير مؤثر في هذا الكون مع الله، من جلب نفع، أو ضر، وغير ذلك، فعن يزيد بن خالد الجهني

ص: 336

-رضي الله عنه-قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في إثر مطر نزل بالليل، فلما انصرف؛ أقبل على الناس، فقال:«هل تدرون ماذا قال ربّكم اللّيلة؟» . قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر، فأمّا من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأمّا من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك مؤمن بالكوكب، كافر بي» . رواه مسلم.

تنبيه: ذكر الله في هذه الآية، والآيات التالية بعض الحكم، والوصايا التي أوصى بها لقمان-عليه الصلاة والسلام-ابنه. وفي الخطيب، فرجع الابن إليه، وأسلم، ثم قال له: يا بني! اتخذ تقوى الله تعالى تجارة؛ يأتك الربح من غير بضاعة. يا بني احضر الجنائز، ولا تحضر العرس، فإن الجنائز تذكر الآخرة، والعرس يشهيك الدنيا، يا بني! لا تكن أعجز من هذا الديك، الذي يصوت بالأسحار، وأنت نائم على فراشك، يا بني! لا تؤخر التوبة، فإن الموت يأتي بغتة، يا بني! لا ترغب في ود الجاهل، فيرى أنك ترضى عمله، يا بني! اتق الله، ولا تر الناس: أنك تخشى الله؛ ليكرموك بذلك، وقلبك فاجر، يا بني! ما ندمت على الصمت قطّ، فإن الكلام إذا كان من فضة؛ كان السكوت من ذهب، يا بني! اعتزل الشرّ، كما يعتزلك، فإنّ الشر للشر خلق، يا بني عليك بمجالسة العلماء، واستمع كلام الحكماء، فإن الله تعالى يحيي القلب الميت بنور الحكمة، كما يحيي الأرض بوابل المطر. يا بني! من كذب ذهب ماء وجهه، ومن ساء خلقه كثر غمّه، ونقل الصخور من مواضعها أيسر من إفهام من لا يفهم.

يا بني لا ترسل رسولك جاهلا، فإن لم تجد حكيما فكن رسول نفسك، يا بني لا تنكح أمة غيرك، فتورث بنيك حزنا طويلا، يا بني! يأتي على الناس زمان لا تقر فيه عين حليم، يا بني! اختر المجالس على عينك، فإذا رأيت المجلس يذكر فيه الله عز وجل، فاجلس معهم، فإنك إن تك عالما ينفعك علمك، وإن تك غبيا يعلموك، وإن يطلع الله عز وجل عليهم برحمة تصبك معهم، يا بني! لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر الله فيه، فإنك إن تكن عالما لا ينفعك علمك، وإن تكن غبيا يزيدوك غباوة، وإن يطلع الله عليهم بسخط يصبك معهم.

يا بني! لا يأكل طعامك إلا الأتقياء، وشاور في أمرك العلماء، يا بني! إن الدنيا بحر عميق، وقد غرق فيه ناس كثير، فاجعل سفينتك فيها تقوى الله، وحشوها الإيمان بالله، وشراعها التوكل على الله، لعلك تنجو، يا بني! إني حملت الجندل والحديد، فلم أحمل شيئا أثقل من جار السوء، وذقت المرارة كلها، فلم أذق أشد من مرارة الفقر، يا بني! كن كمن لا يبتغي محمدة الناس، ولا يكسب مذمتهم، فنفسه منهم في غنى، والناس منه في راحة، يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك.

يا بني! لا تتعلم ما لا تعلم حتى تعمل بما تعلم. يا بني! إذا أردت أن تؤاخي رجلا فأغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك عند غضبه، وإلا فاحذره. يا بني! إنك منذ نزلت إلى الدنيا؛ استدبرتها،

ص: 337

واستقبلت الآخرة، فدار أنت إليها تسير أقرب من دار أنت عنها ترتحل. يا بني! عود لسانك أن يقول: اللهم اغفر لي، فإن لله ساعات لا ترد. يا بني! إيّاك والدّين فإنه ذل في النهار، وهمّ في الليل، يا بني! ارج الله رجاء لا يجرّئك على معصيته، وخف الله خوفا، لا يؤيسك من رحمته. انتهى. جمل، ثم قال-رحمه الله تعالى-: وإنما أكثرت من ذلك لعل الله ينفعني، ومن طالعه بذلك، واقتصرت على هذا القدر، وإلا فمواعظه لابنه لو أراد شخص الإكثار منها؛ لجعل منها مجلدات.

ومن قصص الأنبياء للثعلبي: يا بني لا تضع برّك إلا عند راعيه، كما ليس بين الكبش والذئب مودة فليس بين البار والفاجر خلة، ومن يحب المراء؛ يشتم، ومن يدخل مداخل السوء يتهم، ومن يصاحب قرين السوء؛ لا يسلم، ومن لا يملك لسانه؛ يندم، يا بني! لا تطلب من الأمر مدبرا، ولا ترفض منه مقبلا، فإن ذلك يقل الرأي، ويزري بالعقل

إلخ، وهذا قطرة من بحر.

الإعراب: {وَإِذْ:} الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (إذ): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو مفعول به لهذا المقدر، وجملة:{قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ} في محل جر بإضافة (إذ) إليها. {وَهُوَ:} الواو: واو الحال.

(هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {يَعِظُهُ:} فعل مضارع، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى الضمير العائد بدوره إلى لقمان عليه السلام، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{(هُوَ يَعِظُهُ)} في محل نصب حال من {لُقْمانُ} والرابط: الواو، والضمير. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون الإدغام، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {لا تُشْرِكْ:} فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره:

«أنت» . {بِاللهِ:} متعلقان به، والجملتان الندائية والفعلية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: (اذكر إذ قال

) إلخ معطوفة على جواب القسم، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. {لُقْمانُ:} حرف مشبه بالفعل. {الشِّرْكَ:} اسم {لُقْمانُ} . {لَظُلْمٌ:} اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة. (ظلم): خبر {لُقْمانُ} . {عَظِيمٌ:} صفة له، والجملة الاسمية تعليل للنهي لا محل لها، وهي من مقول لقمان، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.

{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اُشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)}

الشرح: هذه الآية، والآية التالية معترضتان في تضاعيف وصية لقمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-لابنه تأكيدا لما فيها من النهي عن الشرك، وغيره، فكأنه قال: وقد

ص: 338

وصينا بمثل ما وصى به، وذكر الوالدين للمبالغة في ذلك، مع أنهما تلو الباري في استحقاق التعظيم، والطاعة، لا يجوز أن يطاعا في الإشراك، والمعاصي. الآيتان نزلتا في حق سعد بن أبي وقاص-رضي الله عنه-لما أسلم، وأن أمه حمنة قد حلفت ألا تأكل. انظر تفصيل ذلك في الآية رقم [8] من سورة (العنكبوت) ففيها الكفاية، فإن ما هنا، وهناك نزل فيه، رضي الله عنه.

{حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ} أي: ضعفا على ضعف، وقال ابن عباس-رضي الله عنهما:

شدة بعد شدة. وقيل: إن المرأة إذا حملت توالى عليها الضعف، والتعب، والمشقة، وذلك؛ لأن الحمل ضعف، والطلق ضعف، والوضع ضعف، والرضاعة ضعف. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الأحقاف) رقم [15]:{حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً} . وفي هاتين الآيتين تنويه بشأن الأم، وأن حقها أعظم من حق الأب، وأنها تستحق من الطاعة، والإكرام، والخدمة، والاحترام أكثر مما يستحقه الأب، وذلك لما قاسته من الآلام بسبب الولادة، ولما هي مجبولة عليه من الضعف الخلقي، والجسدي، ولا سيما إذا بلغت من العمر عتيا، وقد لفت النبي صلى الله عليه وسلم نظر المسلم المؤمن إلى هذا، وذلك فيما يلي:

فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! من أحقّ النّاس بحسن صحابتي؟ قال: «أمّك» ، قال: ثمّ من؟ قال: «أمّك» . قال: ثمّ من؟ قال:

«أمّك» . قال: ثمّ من؟ قال: «أبوك» رواه البخاري ومسلم، وعن أنس-رضي الله عنه-قال:

أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنّي أشتهي الجهاد، ولا أقدر عليه! قال:«هل بقي من والديك أحد؟» . قال: أمّي، قال:«قابل الله في برّها، فإذا فعلت ذلك؛ فأنت حاجّ، ومعتمر، ومجاهد» . رواه الطبراني في الصغير، والأوسط، وأبو يعلى. فالرسول صلى الله عليه وسلم قد جعل للأم ثلاث مراتب، وللأب واحدة، وهو ما يفهم من مغزى الآيتين الكريمتين.

هذا؛ وقرأ عيسى الثقفي: «(وهنا على وهن)» بفتح الهاء فيهما، ورويت عن أبي عمرو، وهما بمعنى واحد، قال قعنب بن أم صاحب:[البسيط] هل للعواذل من ناه فيزجرها؟

إنّ العواذل فيها الأين والوهن

هذا؛ ويأتي: وهن، يهن، مثل: ضرب، يضرب، ووهن، يوهن، مثل: كرم، يكرم، ووهن، يهن، مثل: حسب، يحسب، وورث، يرث. {وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ} أي: فطامه في انقضاء عامين، وهي مدة الرضاع، التي ذكرها الله في آية البقرة رقم [233]. {وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ} . وهذه هي المدة التي يتعلق بها تحريم الرضاع، ولا تحريم بعدها. هذا؛ وانظر ما ذكرته في سورة (الأحقاف) رقم [15] فهو مرتبط في هذه الآية، وهو جيد جداجدا؛ إن شاء الله تعالى.

ص: 339

{أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ:} فقد قرن الله شكره بشكر الوالدين؛ لأن للوالدين صورة التربية الظاهرة، والله هو الموجد، والمربي في الحقيقة؛ لذا جعل الشكر بينه وبين الوالدين، ثم فرق، فقال:{إِلَيَّ الْمَصِيرُ} أي: المرجع، والمآب؛ أي: إن نعمة الوالدين على الوالد مختصة بالدنيا، ونعمتي وإفضالي عليك في الدنيا، والآخرة. وقيل: لما أمر الله بشكره، وشكر الوالدين؛ قال: الجزاء عليّ وقت المصير إليّ.

قال سفيان بن عيينة: من صلى الصلوات الخمس؛ فقد شكر الله، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات الخمس؛ فقد شكرهما. انتهى. أقول: إن كانت الصلاة قد نهته عن الفحشاء، والمنكر، وأما إذا اتخذ الصلاة عادة، ولم تنهه؛ فأي شكر لله يكون فيها؟! وهذا هو الغالب على المصلين في هذا العصر.

ومن القرطبي في تفسير سورة (النور) قال: وفي حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من فرّق بين ثلاث فرّق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة، من قال: أطيع الله، ولا أطيع الرّسول، والله تعالى يقول:{أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} ومن قال: أقيم الصلاة، ولا أوتي الزّكاة، والله تعالى يقول:

{وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ} ومن فرّق بين شكر الله وشكر والديه، والله عز وجل يقول:{أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ»} . والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {وَوَصَّيْنَا:} الواو: واو الاعتراض. (وصينا): فعل، وفاعل. {الْإِنْسانَ:} مفعول به. {بِوالِدَيْهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى تغليبا، وحذفت النون للإضافة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {حَمَلَتْهُ:}

فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والهاء مفعول به. {أُمُّهُ:} فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. {وَهْناً:} حال من {أُمُّهُ} أي: ذات وهن، أو هو مفعول مطلق، تقديره:

تهن وهنا، وهذه الجملة في محل نصب حال، أو هو منصوب بنزع الخافض، التقدير: على وهن أو بوهن، أو هو صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: حملا وهنا، وجملة:{حَمَلَتْهُ..} .

إلخ معترضة لا محل لها، وفيها معنى التعليل للوصية. {وَفِصالُهُ:} الواو: حرف عطف، أو اعتراض آخر، {وَفِصالُهُ:} مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. {فِي عامَيْنِ:} متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وعلامة الجر الياء

إلخ، والجملة الاسمية معترضة أيضا لا محل لها. {الْإِنْسانَ:} مفسرة؛ لأن (وصينا) متضمن معنى القول دون حروفه. وقيل: مصدرية. {اُشْكُرْ:} فعل أمر، وفاعله تقديره:«أنت» ، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار:{الْإِنْسانَ} تفسيرية، وعلى اعتبار {الْإِنْسانَ} مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لأن اشكر، أو بأن اشكر، وهو أقوى من سابقه. كما

ص: 340

أجيز اعتبار المصدر في محل جر بدل اشتمال من: (والديه)، وأجاز الزجاج اعتبار المصدر مفعولا به ثانيا ل:(وصينا) والتفسير أقوى من كل هذه الوجوه، وما بين التفسير والمفسر جملتان معترضتان لا محل لهما. {عَلى:} جار ومجرور متعلقان بالفعل {اُشْكُرْ} . (لوالديك): جار ومجرور متعلقان معطوفان على: {عَلى،} والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {إِلَيَّ:}

جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {الْمَصِيرُ:} مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، أو تعليل للأمر، وفيها معنى التقوية له، ولا محل لها على الاعتبارين.

{وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاِتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15)}

الشرح: {وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي:} وإن حملاك على أن تشرك بي، وألحّا عليك في ذلك. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [8] من سورة (العنكبوت) من الفرق بين ما هنا، وهناك. {ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ:} بأنه يستحق العبادة مع الله، تقليدا للأبوين المشركين. {فَلا تُطِعْهُما:} فيما يأمران به، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

{وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً} أي: بالمعروف، وهو البر، والصلة، والعشرة الجميلة اللطيفة. والآية دليل واضح على حسن معاشرة الأبوين إذا كانا كافرين، وحثّ على صلتهما بما يمكن من المال إن كانا فقيرين.

فعن أسماء بنت أبي بكر الصديق-رضي الله عنهما، قالت: قدمت عليّ أمي؛ وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: يا رسول الله! قدمت عليّ أمي، وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال:

«نعم صلي أمّك» . رواه البخاري، ومسلم، ومعنى: راغبة، أي: طامعة فيما عندي، تسألني الإحسان إليها. وفي رواية أخرى راغمة، أي: كارهة للإسلام، واسم أمها قتيلة بنت عبد العزى، طلقها أبو بكر-رضي الله عنه-قبل الهجرة لكفرها، وإبائها الإسلام، أما أم عائشة-رضي الله عنهما-فهي قديمة الإسلام، واسمها زينب الفراسيّة، وتكنى أم رومان-رضي الله عنهما.

{وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ} أي: اتبع دين من رجع إلي بالإسلام والتوبة، فقد حكى النقاش وغيره: أن المأمور سعد، والذي أناب إلى الله: أبو بكر. وقال: إن أبا بكر لما أسلم أتاه سعد، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان، وطلحة، وسعيد، والزبير، فقالوا: آمنت بهذا الرجل، وصدقته؟! قال: نعم إنه صادق، فآمنوا به! ثم ذهب بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى أسلموا، فهؤلاء لهم سابقة الإسلام أسلموا بإرشاد أبي بكر، رضي الله عنهم أجمعين-.

ص: 341

{ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} أي: يوم القيامة ترجعون إلي. {فَأُنَبِّئُكُمْ:} فأخبركم جميعا. {بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: بما عملتم في الدنيا من أعمال، فأجازيكم عليها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

الإعراب: {وَإِنْ:} الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. {جاهَداكَ} فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، وألف الاثنين فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. {عَلى:}

حرف جر، والمصدر المؤول من {أَنْ تُشْرِكَ:} في محل جر ب: {عَلى،} والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {بِي:} جار ومجرور متعلقان بالفعل {تُشْرِكَ} . {ما:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. وهي نكرة موصوفة. {لَيْسَ:} فعل ماض ناقص. {لَكَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {بِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، ويجيز بعضهم تعليقهما بمحذوف حال من:{عِلْمٌ} كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. {عِلْمٌ:} اسم {لَيْسَ} مؤخر، والجملة الفعلية:{لَيْسَ..} . إلخ صلة: {ما،} أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء.

{فَلا:} الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية. {تُطِعْهُما:} فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، والفاعل مستتر، تقديره:«أنت» ، والهاء مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله.

{وَصاحِبْهُما:} الواو: حرف عطف. (صاحبهما): فعل أمر، والفاعل تقديره:«أنت» ، والهاء مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. {فِي الدُّنْيا:} متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جزم مثلها. {مَعْرُوفاً:} صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: صحابا معروفا. وقيل: منصوب على نزع الخافض، التقدير: بمعروف، والناصب له عند الكوفيين النزع، وعند البصريين الفعل. {وَاتَّبِعْ:} فعل أمر، والفاعل تقديره:

«أنت» ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. {سَبِيلَ:} مفعول به، وهو مضاف، و {مَنْ:}

اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. {أَنابَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى:{مَنْ،} تقديره: «هو» وهو العائد. {إِلَيَّ:} جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية صلة:{مَنْ،} لا محل لها. {ثُمَّ:} حرف عطف. {إِلَيَّ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {مَرْجِعُكُمْ:} مبتدأ مؤخر، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {فَأُنَبِّئُكُمْ:} الفاء: حرف عطف وسبب. (أنبئكم): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«أنا» ، والكاف مفعول به.

ص: 342

{بِما:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. و (ما):

تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالياء، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: فأنبئكم بالذي، أو بشيء كنتم تعلمونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فأنبئكم بعملكم، وهو أضعف من الاعتبارين السابقين. {كُنْتُمْ:} فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمها. {تَعْمَلُونَ:} فعل مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، كما رأيت تقديره، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية {فَأُنَبِّئُكُمْ..} . إلخ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها. هذا؛ وقد ذكرت لك: أن هاتين الآيتين معترضتان في تضاعيف وصية لقمان لابنه، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.

{يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16)}

الشرح: {يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ} أي: إن الخصلة من فعل الخير، أو من فعل الشر، إن تك مثلا في الصغر كحبة خردل. وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: أي لو كان للإنسان رزق مثقال حبة خردل في هذه المواضع جاء الله بها حتى يسوقها إلى من هي رزقه، والمعتمد الأول؛ لقوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [47]:{وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ} .

هذا؛ والخردل نبات له حب صغير جدّا أسود، واحدته: خردلة، يقال: إن الحس لا يدرك لها ثقلا؛ إذ لا ترجح ميزانا. هذا؛ ويقال: خردل الطعام: أكل خياره، وخردل اللحم: قطع أعضاءه قطعا صغارا. هذا؛ ويقرأ برفع «(مثقال)» على اعتبار {تَكُ} فعلا تاما، وتأنيث الفعل على هذا؛ لأن مثقال اكتسب التأنيث من المضاف إليه، وهو {حَبَّةٍ} ومثل ذلك قول الأعشى:[الطويل] وتشرق بالقول الّذي قد أذعته

كما شرقت صدر القناة من الدّم

وهذا هو الشاهد رقم [904] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» .

{فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ:} قال ابن عباس-رضي الله عنهما: هي صخرة تحت الأرضين السبع، وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار، وخضرة الماء منها. وقيل: خلق الله الأرض على حوت، وهو النون، والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك. وقيل: على ظهر ثور، وهو على صخرة، وهي التي ذكر لقمان، ليست في الأرض، ولا في السماء، فلذلك

ص: 343

قال تعالى: {أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ} والصخرة على متن الريح، والريح على القدرة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، وما أحسن قول البيضاوي: في أخفى مكان، وأحرزه، كجوف صخرة، أو أعلاها كمحدّب السموات، أو أسفله كمقعّر الأرض. هذا؛ وقرئ:«(فتكن)» بكسر الكاف، من: وكن الطائر: إذا استقر في وكنته.

{يَأْتِ بِهَا اللهُ:} يحضرها يوم القيامة ويحاسب عليها، وهذا على اعتبار ضمير {إِنَّها} مقصود به الفعلة الحسنة، أو السيئة، وأما على اعتباره مقصودا به رزق الإنسان؛ فيكون المعنى:

لو كان للإنسان رزق مثقال حبة خردل في هذه المواضع؛ جاء الله بها حتى يسوقها إلى من هي رزقه، ويكون محصله: لا تهتم للرزق؛ حتى تشتغل به عن أداء الفرائض، وعن اتباع سبيل من أناب إليّ. ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود-رضي الله عنه:«لا تكثر همّك، ما يقدّر يكن، وما ترزق يأتك» . والأحاديث النبوية في هذا الباب مشهورة مسطورة في كتاب: الترغيب والترهيب، وغيره.

{إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ:} يصل علمه إلى كل خفي. {خَبِيرٌ:} عالم بكنهه، أو: هو لطيف باستخراج الحبة خبير بمستقرها، أو: هو لطيف باستخراج النبات من الأرض رزقا للعباد، والحيوان، خبير بالتدابير الظاهرة، والباطنة، وخبير بحاجات العباد، وفاقتهم، وخبير بما في قلوب العباد إذا نزل بهم الضر، وخبير بمصالح عباده.

ومعنى الآية: له جل شأنه، وتعالت حكمته الإحاطة بجميع الأشياء: صغيرها، وكبيرها.

قيل: إن هذه الكلمة آخر كلمة قالها لقمان لابنه، فانشقت مرارة ابنه من هيبتها، وعظمتها فمات. والله أعلم.

هذا؛ وإن الضمير في قوله تعالى: {إِنَّها إِنْ تَكُ..} . إلخ يعود إلى غير مذكور، وهو مفهوم يدل عليه المقام، والحال المشاهدة، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (هود):{وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ،} وقوله تعالى في سورة (القيامة): {كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ راقٍ} أي بلغت الروح التراقي، وأيضا قوله تعالى في سورة (الواقعة):{فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ} أي: بلغت الروح الحلقوم، ومثل هذه الآيات قول بشار بن برد:[الطويل]

إذا ما أعرنا سيّدا من قبيلة

ذرا منبر صلّى علينا وسلّما

إذا ما غضبنا غضبة مضريّة

هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما

والبيتان هما الشاهد رقم [190] من كتابنا فتح رب البرية.

أما {تَكُ،} فأصله: تكون، فلما دخل الجازم صار: إن تكون، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، فصار «إن تكن» ثم حذفت النون للتخفيف، ولكثرة الاستعمال. وهذا الحذف جائز

ص: 344

وغير لازم، وله شروط: أن يكون مضارعا ناقصا من «كان» ، وأن يكون مجزوما بالسكون، وأن لا يكون بعده ساكن، وأن لا يتصل به ضمير، كما في الآية الكريمة، وغيرها كثير، وهو وارد في الكلام العربي شعرا، ونثرا، ولا تحذف النون عند فقد أحد الشروط، إلا في ضرورة الشعر، كما في قول الشاعر:[الطويل] إذا لم تك الحاجات من همّة الفتى

فليس بمغن عنك عقد الرّتائم

وقول الخنجر بن صخر الأسدي: [الطويل] فإن لم تك المرآة أبدت وسامة

فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم

هذا؛ وقرئ شاذا قوله تعالى في سورة (البينة): (لم يك الذين كفروا من أهل الكتاب

) إلخ، ولم تحذف النون في قول أبي الأسود الدؤلي-رحمه الله تعالى-؛ لجريانه على القاعدة:[الطويل] دع الخمر تشربها الغواة فإنّني

رأيت أخاها مجزئا بمكانها

فإلاّ يكنها، أو تكنه فإنّه

أخوها غذته أمّه بلبانها

الإعراب: {يا بُنَيَّ:} انظر الآية رقم [13]. {إِنَّها:} حرف مشبه بالفعل، و (ها): اسمها.

{إِنْ:} حرف شرط جازم. {تَكُ:} فعل مضارع ناقص، فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه محذوف، كما رأيت في الشرح. {مِثْقالَ:}

خبر: {تَكُ،} وعلى قراءته بالرفع فهو فاعل، والفعل {تَكُ} تام، اكتفى به، وعلى الاعتبارين فالجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، و {مِثْقالَ:}

مضاف، و {حَبَّةٍ:} مضاف إليه. {مِنْ خَرْدَلٍ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة:

{حَبَّةٍ} . {فَتَكُنْ:} الفاء: حرف عطف. (تكن): فعل مضارع ناقص معطوف على (تك) مجزوم مثله، واسمه، أو فاعله مستتر تقديره:«هي» يعود إلى: {حَبَّةٍ} . {فِي صَخْرَةٍ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل: (تكن) على تمامه، وبمحذوف خبره على نقصانه، وما بعدهما معطوفان عليهما ب:{أَوْ} العاطفة. {يَأْتِ:} فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. {بِهَا:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {اللهُ:} فاعل {يَأْتِ،} والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، و {إِنْ} ومدخولها في محل رفع خبر {إِنْ،} والجملة الاسمية: {إِنَّها..} . إلخ مع الجملة الندائية قبلها كلتاهما في محل نصب مقول القول؛ لأنهما من مقول لقمان لابنه. {إِنْ:} حرف مشبه بالفعل. {اللهُ:} اسمها. {لَطِيفٌ خَبِيرٌ:} خبران لها، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول أيضا، وهي معترضة؛ إن كانت من قول الله تعالى.

ص: 345

{يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَاِنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاِصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17)}

الشرح: {يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ:} تكميلا لنفسك؛ أي: إذا قمت بها على الوجه الأكمل من المحافظة على طهارتها وأدائها في أوقاتها، والمحافظة على إتمام شروطها، وأركانها، وآدابها؛ فإنها تكون سببا لتأديبك، وتهذيبك، وقربك من ربك. {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ:} وهو ما استحسنه الشرع، وأجمعت العقول السليمة على حسنه. {وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ:} وهو ما استقبحه الشرع، وأجمعت العقول السليمة على قبحه، وكذلك الفطرة السليمة تنفر منه، وتأباه. {وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ:} يجوز أن يكون عاما في كل ما يصيبه من المحن، والمتاعب في نفسه، وولده وماله، وأن يكون خاصا بما يصيبه فيما يأمر به من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من أذى من يدعوهم إلى الخير، وينهاهم عن الشر.

{إِنَّ ذلِكَ:} الإشارة إلى: إقام الصلاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على أنواع البلاء. {مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} أي: مما عزمه الله، وأمر به. وقطعه قطع إيجاب وإلزام.

ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل» . أي: لم يقطعه ويجزم به بالنية، ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم:«إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يحب أن يؤخذ بعزائمه» . وقولهم:

عزمة من عزمات ربنا. ومنه: عزمات الملوك، وذلك أن يقول الملك لمن تحت يده: عزمت عليك إلا فعلت كذا؛ إذا قال ذلك؛ لم يكن للمعزوم عليه بد من فعله، ولا مندوحة في تركه.

وحقيقته: أنه من تسمية المفعول بالمصدر، وأصله من معزومات الأمور، أي: مقطوعاتها، ومفروضاتها. ويجوز أن يكون مصدرا في معنى الفاعل، أصله من: عازمات الأمور، من قوله تعالى:{فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ} كقولك: جد الأمر، وصدق القتال. وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات، وأنها كانت مأمورا بها في سائر الأمم، وأن الصلاة لم تزل عظيمة الشأن، سابقة القدم على ما سواها، موصى بها في الأديان كلها. انتهى. كشاف بتصرف.

هذا؛ والفعل الثلاثي المبدوء بالهمزة: «أخذ، وأمر، وأكل» تحذف منه في الأمر الهمزة الأصلية، وهي همزة قطع، وهمزة الوصل التي يتوصل بها إلى النطق بالساكن، فتقول: خذ، ومر، وكل، وإنما تحذف الهمزتان تخفيفا لاجتماع الضمات، وقد قالوا: اؤمر، وأؤخذ، فاستعمل على الأصل، ومنه:«اؤمر» في هذه الآية، وفي الآية رقم [132] من سورة (طه)، والآية رقم [144] من سورة (الأعراف).

الإعراب: {يا بُنَيَّ:} انظر الآية رقم [13]. {أَقِمِ:} فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:

«أنت» . {الصَّلاةَ:} مفعول به. {وَأْمُرْ:} الواو: حرف عطف. (اؤمر): فعل أمر، وفاعله

ص: 346

تقديره: «أنت» . {بِالْمَعْرُوفِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {وَانْهَ:} الواو: حرف عطف. (إنه): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . {عَنِ الْمُنْكَرِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.

(اصبر): فعل أمر، وفاعله:(أنت). {عَلى:} حرف جر. {ما:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب:{عَلى،} والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما.

{أَصابَكَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى:{ما،} وهو العائد، أو الرابط، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة:{ما،} أو صفتها. {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {ذلِكَ:} اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم {إِنَّ،} واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {مِنْ عَزْمِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: {إِنَّ،} و {عَزْمِ:} مضاف، و {الْأُمُورِ} مضاف إليه. هذا؛ والآية كلها من مقول لقمان لابنه، أي: فهي في محل نصب مقول القول.

تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

{وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (18)}

الشرح: {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ} أي: لا تمله عنهم، ولا تولهم صفحة وجهك، كما يفعله المتكبرون، من: الصعر، وهو داء يعتري البعير، فيلوي منه عنقه. وقرئ:«(ولا تصاعر)» (ولا تصعر)، والمعنى: واحد، ومنه قول عمرو بن حنيّ التغلبي:[الطويل] وكنّا إذا الجبّار صعّر خدّه

أقمنا له من ميله فتقوّما

{وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً} أي: ذا مرح، وهو الخيلاء، والكبر، والبطر، وقرئ:{مَرَحاً} بفتح الراء وكسرها، والأول أبلغ، فإن قولك: جاء زيد ركضا، أبلغ من قولك: جاء زيد راكضا. {إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ} أي: يفخر على الناس، ويعدد عليهم مناقبه تطاولا، وتكبرا، ومعنى عدم محبة الله للمتكبر: سخطه وغضبه عليه، وإبعاده من رحمته، وعفوه، ورضوانه. ولا تنس: أن هذا يشمل الذكر، والأنثى، وإن كان المخاطب به الذكر وحده.

تنبيه: في الآية الكريمة مسألة بيانية لم يتعرض لها المفسرون البتة، وهي ما إذا وقعت «كلّ» في حيز النفي كان النفي موجها إلى الشّمول خاصة، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد، كقولك:«ما جاء كلّ القوم، ولم آخذ كلّ الدراهم، وكلّ الدّراهم لم آخذ» وإن وقع النفي في حيزها اقتضى السلب عن كل فرد، كقول النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له ذو اليدين: أنسيت، أم قصرت الصلاة يا رسول الله؟! «كلّ ذلك لم يكن» . وقد يشكل على قولهم في القسم الأول، قوله تعالى في سورة (البقرة):{وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ،} وقوله تعالى في سورة (ن): {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ}

ص: 347

{مَهِينٍ،} وما في الآية التي نحن بصدد شرحها، حيث وقعت {كُلَّ} في حيز النفي فتفيد أن المنفي الشمول، وأن البعض ثابت له المحبة من الله.

والجواب عن الآيات: أن دلالة المفهوم إنما يعول عليها عند عدم المعارض، وهو هنا موجود؛ إذ دل الدليل، وهو الإجماع على تحريم الاختيال، والفخر، والحلف، والكفر مطلقا.

ومستند هذا الإجماع الأحاديث الشريفة الكثيرة. هذا؛ ويعبر عما تقدم ب: سلب العموم، وعموم السلب.

هذا؛ وفي الآية الكريمة نهي عن الكبر، والتكبر، والفخر، والتفاخر، والخيلاء، وقد نهى الله عنه في كثير من الآيات القرآنية، وبين أنه يكون سببا في صرف العبد المتكبر عن قبول الحق، واتباع الهوى، قال تعالى:{سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} .

والرسول صلى الله عليه وسلم شدد النكير على المتكبرين، وتوعدهم بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده-رضي الله عنهم-عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«يحشر المتكبّرون يوم القيامة أمثال الذّرّ في صور الرّجال، يغشاهم الذّلّ من كلّ مكان، يساقون إلى سجن في جهنّم، يقال له: بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النّار، طينة الخبال» . رواه النسائي والترمذي.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر» . فقال رجل: إنّ الرجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنا، قال:

«إنّ الله جميل يحبّ الجمال، الكبر بطر الحقّ، وغمط النّاس» . رواه مسلم والترمذي.

هذا؛ وإن الكبر ليس سببه الغنى، وعلو المنصب، والجاه، أو قوة الجسم، وغير ذلك، وإنما هو من شيم النفوس الخبيثة، والطبائع الوضيعة الدنيئة، فعن عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما-عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«إيّاكم والكبر، فإنّ الكبر يكون في الرّجل، وإنّ عليه العباءة» .

رواه الطبراني في الأوسط.

لذا لا يتكبر إلا ناقص العقل، أو ناقص الدين، أو الحقير الدنيء فيحاول أن يكمل نقصه عن طريق الكبرياء، والتظاهر بالعظمة، ورحم الله من يقول:[الكامل] ملأى السّنابل تنحني بتواضع

والفارغات رءوسهنّ شوامخ

وعن أبي هريرة-رضي الله عنه-أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لينتهينّ أقوام يفتخرون بآبائهم الّذين ماتوا، إنّما هم فحم جهنّم، أو ليكوننّ أهون على الله عز وجل من الجعل الّذي يدهده الخرء بأنفه، إنّ الله أذهب عنكم عيبة الجاهليّة، وفخرها بالآباء، إنّما هو مؤمن تقيّ، وفاجر شقيّ، النّاس كلّهم بنو آدم، وآدم خلق من تراب» . رواه الترمذي. وخذ قول الشاعر: [الطويل] تواضع تكن كالنّجم لاح لناظر

على صفحات الماء، وهو رفيع

ص: 348

ولا تك كالدّخان يعلو بنفسه

إلى طبقات الجوّ، وهو وضيع

وقال آخر: [الكامل] إن شئت أن تبني بناء شامخا

يلزم لذا البنيان أسّ شامخ

إنّ البناء هو الكمال وأسّه الصّ

خريّ فهو الاتّضاع الباذخ

وقال آخر: [الطويل] تواضع إذا ما نلت في النّاس رفعة

فإنّ رفيع القوم من يتواضع

وقال آخر: [الطويل] تواضع إذا ما كان قدرك عاليا

فإنّ اتّضاع المرء من شيم العقل

الإعراب: {وَلا:} الواو: حرف عطف. {(لا تُصَعِّرْ)} : فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره:«أنت» . {خَدَّكَ:} مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {لِلنّاسِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {وَلا:} الواو: حرف عطف.

{(لا تَمْشِ)} : فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره:«أنت» . {فِي الْأَرْضِ:} جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. {مَرَحاً:} مفعول مطلق، أو صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: ولا تمش في الأرض مشيا مرحا، أو هو حال من الفاعل المستتر على حذف المضاف، التقدير: ذا مرح.

وقيل: مفعول لأجله، ولا وجه له. {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {اللهَ:} اسمها. {لا:}

نافية. {يُحِبُّ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله. {كُلَّ:} مفعول به، و {كُلَّ} مضاف، و {مُخْتالٍ} صفة لموصوف محذوف. {فَخُورٍ:} صفة ثانية له؛ إذ التقدير: لا يحب كل إنسان مختال فخور، والجملة الفعلية في محل رفع خبر:{إِنَّ،} والجملة الاسمية تعليل للنهي، والآية الكريمة بكاملها من مقول لقمان، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.

{وَاِقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاُغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)}

الشرح: قال القرطبي: لما نهى لقمان ابنه عن الخلق الذميم؛ رسم له الخلق الكريم، الذي ينبغي أن يستعمله فقال:{وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} أي: توسط فيه بين الإسراع، والبطء، أي: لا تدبّ دبيب المتماوتين ولا تثب وثب الشطار. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سرعة المشي تذهب بهاء الوجه» . فأمّا ما روي: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا مشى؛ أسرع، وقول عائشة-رضي الله عنها-في عمر رضي الله عنه:«كان إذا مشى؛ أسرع، وإذا ضرب؛ أوجع» . فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن

ص: 349

دبيب المتماوت، المظهر الضعف، والزهد كذبا، ورياء، ونفاقا، فالإسراع منهي عنه؛ لأنه من الخيلاء، والتأني، والتباطؤ منهي عنه؛ لأن فيه إظهار الضعف تزهدا، وكلا الطرفين مذموم؛ بل ليكن المشي بين السكينة، والوقار. هذا؛ وقرئ بقطع همزة:(أقصد) من: أقصد الرامي: إذا سدد سهمه نحو الرمية، قال الأخطل التغلبي:[الطويل] فإن كنت قد أقصدتني إذ رميتني

بسهمك فالرّامي يصيد ولا يدري

{وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ:} أي أنقص منه، وأقصر، ولا تتكلف رفع صوتك، فإن الجهر بأكثر من الحاجة تكلف، ويؤذي، والمراد بذلك كله التواضع، وقد قال عمر-رضي الله عنه-لأبي محذورة سمرة بن معير المؤذن، وقد رفع صوته بأكثر من طاقته: لقد خشيت أن ينشق مريطاؤك، أي ما بين السرة إلى الركبة. هذا؛ ويستثنى الخطيب؛ إذا صعد المنبر، فإنه يحق له أن يرفع صوته ما أمكنه، فإنه أوقع أثرا في القلوب، وأردع، وأزجر عن المعاصي، والمنكرات. ودليلنا ما يلي: فعن جابر بن عبد الله-رضي الله عنهما-قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، كأنّه منذر جيش، يقول. «صبّحكم ومسّاكم». ويقول: «بعثت أنا والسّاعة كهاتين، ويقرن بين إصبعيه: السّبّابة، والوسطى

إلخ». رواه مسلم، وابن ماجة، وغيره، ويستثنى أيضا المظلوم في حقه، المهضوم في عمله، فإنه يحق له أن يجهر ويرفع صوته؛ بل وينطق بالكلام السوء حتى يصل إلى حقه، ويدفع الظلم عن نفسه. دليلنا قوله تعالى في الآية رقم [148] من سورة (النساء):

{لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً} .

{إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ:} أقبحها، وأوحشها. {لَصَوْتُ الْحَمِيرِ:} لأن أوله زفير، وآخره شهيق كصوت أهل النار، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنّها رأت شيطانا» . وقد روي: أنه ما صاح حمار، ولا نبح كلب إلا أن يرى شيطانا، وما صاح ديك إلا أن يرى ملكا. وقال سفيان الثوري: صياح كل شيء تسبيح إلا نهيق الحمار. وفي تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير، وتمثيل أصواتهم بالنهاق تنبيه على أن رفع الصوت في غاية الكراهة، ويؤيده ما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه أن يكون الرجل خفيض الصوت، ويكره أن يكون مجهور الصوت، وقد كانت العرب تفخر بجهارة الصوت الجهير، فمن كان منهم أشد صوتا كان أعز، ومن كان أخفض صوتا كان أذل، حتى قال شاعرهم:[المتقارب] جهير الكلام، جهير العطاس

جهير الرّواء جهير النّعم

ويعدو على الأين عدو الظّليم

ويعلو الرّجال بخلق عمم

الرواء: المنظر الحسن. النّعم: الإبل. الأين: التعب. الظليم: الذكر من النعام. بخلق عمم: أي: خلق تام. هذا؛ وفي تمثيل الصوت المرتفع بصوت الحمار، ثم إخراجه مخرج

ص: 350

الاستعارة مبالغة شديدة. وتوحيد الصوت مع كونه مضافا إلى الجمع؛ لأن المراد تفضيل الجنس في النكير، دون الآحاد، أو لأنه مصدر في الأصل، والمصدر يدل على الكثرة، وأيضا يستعمل للمفرد مثل قولك: شاهد عدل، وللجمع مثل قولك: شهود عدل

إلخ.

هذا؛ والحمير جمع: حمار، وهو معروف يكون وحشيا، ويكون أهليا، وأنثاه: أتان، ويقال: حمارة أيضا، ويجمع على: حمير، وحمر، وحمور، وحمرات، وكلها للكثرة، ويجمع جمع قلة على: أحمرة، قال الراعي النميري، أو القتّال الكلابي:[البسيط] هنّ الحرائر لا ربّات أخمرة

سود المحاجر، لا يقرأن بالسّور

والحمار الأهلي يوصف بالهداية إلى سلوك الطرقات التي مشى فيها، ولو مرة واحدة، وبحدة السمع، وللناس في مدحه، وذمه أقوال متباينة، وقد أطال الدّميري الكلام فيه.

هذا؛ وقال الزمخشري: فإن قلت: لم وحد صوت الحمير ولم يجمع؟ قلت: ليس المراد أن يذكر صوت كل واحد من آحاد هذا الجنس حتى يجمع، وإنما المراد: أن كل جنس من الحيوان الناطق له صوت، وأنكر أصوات هذه الأجناس صوت هذا الجنس، فوجب توحيده. انتهى.

كشاف. وقال القرطبي: ووحد الصوت؛ لأنه مصدر، والمصدر يدل على الكثرة فلا يثنى، ولا يجمع. ولا تنس: أن في الكلام استعارة تصريحية حيث شبه بعض الناس بالحمير.

خاتمة: قال وهب: تكلم لقمان-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-باثني عشر ألف باب من الحكمة أدخلها الناس في كلامهم، وقضاياهم، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [13] وفي الخطيب ما نصه: وعن عبد الله بن دينار-رحمه الله تعالى-أن لقمان قدم من سفر، فلقيه غلامه في الطريق، فقال: ما فعل أبي؟ قال: مات، قال: الحمد لله ملكت أمري. قال: فما فعلت أمي؟ قال: ماتت، قال: ذهب همي. قال: ما فعلت امرأتي؟ قال: ماتت. قال: جدّد فراشي. قال: ما فعلت أختي؟ قال: ماتت، قال: سترت عورتي. قال: ما فعل أخي، قال:

مات، قال: انقطع ظهري. انتهى. جمل.

الإعراب: {وَاقْصِدْ:} الواو: حرف عطف. (اقصد): فعل أمر؛ وفاعله مستتر تقديره:

«أنت» . {فِي مَشْيِكَ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. (اغضض): فعل أمر، وفاعله: أنت. {مِنْ صَوْتِكَ:}

متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. هذا؛ ويجوز عند الأخفش اعتبار {مِنْ} زائدة في الإيجاب، ويؤيده قوله تعالى في سورة (الحجرات):{إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ..} . إلخ. {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {أَنْكَرَ:} اسم {إِنَّ،} وهو مضاف، و {الْأَصْواتِ} مضاف إليه. {لَصَوْتُ:} اللام: لام الابتداء، وتسمى المزحلقة، أو المزحلفة. (صوت): خبر {إِنَّ،} وهو مضاف، و {الْحَمِيرِ} مضاف إليه، والجملة

ص: 351

الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها، والآية بكاملها معطوفة على ما قبلها، وهي في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول لقمان على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.

{أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (20)}

الشرح: {أَلَمْ تَرَوْا..} . إلخ: ذكر الله نعمه على بني آدم، وأنه سخر لهم ما في السموات من شمس وقمر وملائكة تحوطهم، وتحرسهم، وتجر إليهم منافعهم، وأيضا: النجوم، والسحاب، وغير ذلك، وما في الأرض من البحار، والأنهار، والجبال، والأشجار، والمعادن، والدواب على اختلاف أجناسها، وتفاوت منافعها.

{وَأَسْبَغَ} أي: أتم، وأكمل. قال تعالى لداود:{أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ} أي: دروعا تامات كاملات، وقرئ:«(أصبغ)» بالصاد على إبدالها من السين؛ لأن حروف الاستعلاء، تجتذب السين من سفلها إلى علوها، فتردها صادا. {نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً:} محسوسة، ومعقولة، ما تعرفونه، وما لا تعرفونه. هذا؛ وقرئ:«(نعمة)» بالإفراد، وهو يدل على الكثرة، كقوله تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها} قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس-رضي الله عنهما-وقد سأله عن هذه الآية: «الظّاهرة الإسلام، وما حسن من خلقك، والباطنة ما ستر عليك من سيّئ عملك» .

وقيل: الظاهرة: تسوية الأعضاء وحسن الصورة، والباطنة: الاعتقاد بالقلب. وقيل:

الظاهرة: الرزق، والباطنة: حسن الخلق. وقيل: الظاهرة: تخفيف الشرائع، والباطنة:

الشفاعة. وقيل: الظاهرة ظهور الإسلام، والنصر على الأعداء، والباطنة: الإمداد بالملائكة.

وقيل: الظاهرة: اتباع الرسول، والباطنة: محبته. انتهى. خازن. وقريب منه في الكشاف، وتفسير القرطبي.

وأجل هذه النعم على وجه الإطلاق نعمة الإيمان لمن هداه الله، ووفقه للعمل بمقتضاه.

وينبغي أن تعلم: أن الإنسان مهما عمل من الصالحات، وعبد الله تعالى لا يوفي حق أصغر هذه النعم، فعن أنس بن مالك-رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النّعم من الله عليه، فيقول الله عز وجل لأصغر نعمة (أحسبه قال: في ديوان النعم): خذي ثمنك من عمله الصالح، فتستوعب عمله الصّالح، ثم تنحّى، وتقول: وعزّتك ما استوفيت! وتبقى الذنوب والنّعم؛ وقد ذهب العمل الصالح، فإذا أراد الله أن يرحم عبده، قال: يا عبدي! قد ضاعفت لك حسناتك، وتجاوزت عن سيّئاتك، (أحسبه قال: ووهبت لك نعمي)» . رواه البزار. هذا؛ وحديث الذي عبد الله خمسمائة

ص: 352

سنة برأس جبل، وقال الله له: ادخل الجنة برحمتي، فقال: بل بعملي مشهور مسطور في كتاب الترغيب والترهيب، وغيره.

فائدة: النّعمة: بكسر النون: واحدة النعم، والنّعمة بفتح النون: التّنعّم، والترفه، ولذا قيل: كم ذي نعمة لا نعمة له، أي: كم ذي مال لا تنعّم له.

{وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ:} نزلت في النضر بن الحارث، وأبيّ بن خلف، وأمية بن خلف، وأشباههم كانوا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم في الله، وفي صفاته. وخصوص السبب لا يمنع التعميم، ففي كل زمان، ومكان يوجد مجادلون في الله بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير، وما أكثرهم في هذا الزمن! ولا تنس: أن هذا الكلام مذكور بحروفه في الآية رقم [8] من سورة (الحج). {وَلا هُدىً} أي: لا سند له في جداله، وليس معه بيان من الله، وليس هو على بينة من أمره. {وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ} أي: وليس معه كتاب من الله ينير له طريقه، بل هو يخبط خبط عشواء في ليلة ظلماء.

الإعراب: {أَلَمْ:} الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.

{تَرَوْا:} فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. {أَنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {اللهَ:} اسمها. {سَخَّرَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، تقديره:«هو» . {لَكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.

{ما:} اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. {فِي السَّماواتِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. {وَما:} الواو: حرف عطف. (ما): معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. {فِي الْأَرْضِ:} متعلقان بمحذوف صلة: {ما،} وجملة: {سَخَّرَ..} .

إلخ في محل رفع خبر: {أَنَّ،} و {أَنَّ} واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول: {تَرَوْا،} وهو بصري كما هو ظاهر. وقيل: الرؤية قلبية، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. {وَأَسْبَغَ:} الواو: حرف عطف. (أسبغ): فعل ماض، الفاعل يعود إلى {اللهَ} .

{عَلَيْكُمْ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {نِعَمَهُ:} مفعول به. {ظاهِرَةً:} حال من {نِعَمَهُ} وعلى قراءة الإفراد، فهو صفة (نعمة). {وَباطِنَةً:} معطوف على ما قبله، وجملة:

{وَأَسْبَغَ..} . إلخ معطوفة على جملة: {سَخَّرَ لَكُمْ..} . إلخ فهي في محل رفع مثلها.

{وَمِنَ النّاسِ:} الواو: حرف استئناف. {(مِنَ النّاسِ)} : جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {مِنَ:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر.

وقيل: إن الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمبتدإ محذوف، التقدير: وفريق كائن من الناس. على حد قوله تعالى: {وَمِنّا دُونَ ذلِكَ} أي: ومنا فريق دون ذلك، والأصح: أن مضمون

ص: 353

الجار والمجرور مبتدأ، و {مِنَ} هي الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض، أي: وبعض الناس، وانظر تفصيل ذلك في الآية رقم [10] من سورة (العنكبوت). {يُجادِلُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:{مِنَ} تقديره: «هو» . {فِي اللهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.

{بِغَيْرِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أي: ملتبسا بغير علم.

و (غير) مضاف، و {عِلْمٍ} مضاف إليه. {وَلا:} الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي.

{هُدىً:} معطوف على (علم) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. {وَلا:} الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي أيضا. {كِتابٍ:} معطوف على ما قبله. {مُنِيرٍ:} صفة {كِتابٍ،} وجملة:

{يُجادِلُ..} . إلخ في محل رفع صلة: {مِنَ،} أو صفتها، والجملة الاسمية:{وَمِنَ النّاسِ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (21)}

الشرح: {وَإِذا قِيلَ لَهُمُ} أي: للناس الكفار، والقائل لهم هو النبي صلى الله عليه وسلم، أو أحد المؤمنين الصادقين. {اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ} أي: من التوحيد، وتحليل الطيبات، وتحريم الخبائث، وإنما عدل عن الخطاب مع الكفار للنداء على ضلالهم، كأنه التفت إلى العقلاء من المؤمنين الصادقين، وقال لهم: انظروا إلى هؤلاء الحمقى بماذا يجيبون؟!.

{قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا} أي: من عبادة الأصنام، وتحريم السوائب، والبحائر، والوصائل، والحوامي، وتحريم بعض الزروع

إلخ، فإنهم كانوا خيرا منا، وأعلم وأعقل، فرد الله عليهم هنا بقوله:{أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ..} . إلخ: أي: أيتبعون آباءهم، ولو كان الشيطان يدعوهم جميعا إلى ما فيه هلاكهم، ودخولهم جهنم، وبئس المصير. هذا؛ وفي آية (البقرة) رقم [170]:{أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ} أي لا يفهمون، ولا يفقهون شيئا، ولا يهتدون إلى الحق، والصواب، وبإبدال:{ما وَجَدْنا} هنا ب: {ما أَلْفَيْنا} هناك.

هذا؛ و {السَّعِيرِ:} النار الشديدة الاستعار؛ أي: الاحتراق، وهي واد من أودية جهنم، أو دركة من دركات النار، وطبقاتها، والسّعير كزبير بصيغة المصغر: اسم صنم لبني عنزة، قال رشيد بن رميض العنزي:[الوافر] حلفت بمائرات حول عوض

وأنصاب تركن لدى السّعير

ص: 354

ف: «عوض» عندهم صنم صغير، والسعير: صنم كبير، وخرج ابن أبي حلاس الكلبي على ناقته، فمرت به على ذلك الصنم، وقد ذبحت عنده قبيلة عنزة، فنفرت ناقته من الصنم، فأنشأ يقول:[الكامل] نفرت قلوصي من عتائر صرّعت

حول السّعير يزوره ابنا يقدم

وجموع يذكر مهطعين جنابه

ما إن يحير إليهم بتكلّم

قال أبو المنذر: «يقدم» و «يذكر» ابنا عنزة، فرأى هؤلاء يطوفون حول السّعير، انتهى.

بغدادي.

الإعراب: {وَإِذا:} الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. {قِيلَ:} فعل ماض مبني للمجهول. {لَهُمُ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {اِتَّبِعُوا:} فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. {ما:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: اتبعوا الذي، أو: شيئا أنزله الله، وجملة:{اِتَّبِعُوا..} . إلخ في محل رفع نائب فاعل {قِيلَ} وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول:«يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه» وهذا لا غبار عليه. وقيل:

نائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: هو، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وقيل قول. وقيل: الجار والمجرور في محل رفع نائب فاعل.

والمعتمد الأول، وأيده ابن هشام في المغني حيث قال: إن الجملة التي يراد بها لفظها يحكم لها بحكم المفردات، ولهذا تقع مبتدأ، نحو:«لا حول ولا قوّة إلا بالله كنز من كنوز الجنة» ونحو: «زعموا: مطيّة الكذب» وجملة: {قِيلَ لَهُمُ..} . إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح.

{قالُوا:} فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. {بَلْ:} حرف إضراب. {نَتَّبِعُ:} فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» . {ما:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. {وَجَدْنا:} فعل، وفاعل. {عَلَيْهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم على الأول.

{آباءَنا:} مفعول به أول، ونا: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة:

{ما،} أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا ب: (على)، وجملة:{بَلْ نَتَّبِعُ..} . إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:{قالُوا..} . إلخ جواب (إذا) لا محل لها، وإذا ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.

ص: 355

{أَوَلَوْ:} الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الواو: حرف عطف. (لو) حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. {كانَ:} فعل ماض ناقص. {الشَّيْطانُ:} اسم {كانَ} . {يَدْعُوهُمْ:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى الشيطان، والهاء في محل نصب مفعول به. {إِلى عَذابِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و {عَذابِ} مضاف، و {السَّعِيرِ} مضاف إليه، وجملة:{يَدْعُوهُمْ..} . إلخ في محل نصب خبر (كان) وجملة:

{كانَ..} . إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، تقديره: لا تبعوه. هذا؛ وقال الجمل تبعا للزمخشري: إن الجملة في محل نصب حال، وهذا يعني: أن (لو) وصلية، ولا تحتاج إلى جواب

، ويكون تقدير الكلام: أيتبعونه، ولو كان الشيطان يدعوهم؟! أي: في حال دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب. وهذا هو المعتمد.

هذا؛ ومثل هذه الآية في تركيبها، وإعرابها الآية رقم [170] من سورة (البقرة) ورقم [104] من سورة (المائدة)، ورقم [43] من سورة الزمر.

{وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (22)}

الشرح {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ:} بأن أقبل بكليته عليه، وفوض أمره إليه، وأخلص عبادته، وقصده إليه. {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي: في علمه؛ لأن العبادة من غير إحسان، ولا معرفة القلب لا تنفع، وفي حديث جبريل عليه الصلاة والسلام، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك» .

{فَقَدِ اسْتَمْسَكَ:} تمسك، فالسين، والتاء ليستا للطلب. {بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى:} العروة في الأصل موضع شدّ اليد، وأصل المادة تدل على التعلق، ومنه: عروته؛ إذا ألممت به متعلقا به، واعتراه الهم: تعلق به. والوثقى: تأنيث الأوثق، وهي للتفضيل، كفضلى تأنيث الأفضل. وفي الآية الكريمة تمثيل حال المتوكل على الله بحال من أراد أن يتدلى من شاهق، فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين، مأمون انقطاعه. {وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ} أي: صائرة إليه، فيجازي عليها، والمراد: أعمال العباد، مردها، ومصيرها إلى الله تعالى. هذا؛ وفي سورة (البقرة) قوله تعالى:{فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها} . أي لا انقطاع لها، فيكون المعنى: اعتصم بالعهد الأوثق، الذي لا يخلف عليه، ولا يخاف انقطاعه، ويرتقي بسببه إلى أعلى المراتب، وأسمى الغايات. هذا؛ وفي الآيتين استعارة تمثيلية، وتفصيلها ما ذكرته آنفا.

وقيل: هو تشبيه تمثيلي لذكر طرف التشبيه. هذا؛ وعاقبة كل شيء: نتيجته، وآخره. وقال القرطبي: فإن قلت: ما له عدّي: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ} هنا ب: {إِلَى،} وقد عدّي باللام

ص: 356

في قوله عز وجل: {بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ} الآية رقم [112] من سورة (البقرة) قلت: معناه مع اللام: أنه جعل وجهه، وهو ذاته، ونفسه سالما لله؛ أي: خالصا له. ومعناه مع {إِلَى} راجع إلى أنه سلم إليه نفسه، كما يسلم المتاع إلى الرجل؛ إذا دفع إليه، والمراد: التوكل عليه، والتفويض إليه. انتهى. ومثله في الكشاف.

هذا؛ وإنما خص الوجه بالذكر؛ لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة، وفيه أكثر الحواس، ولأنه موضع السجود، ومظهر آثار الخشوع، والخضوع، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {وَمَنْ:} الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {يُسْلِمْ:} فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). {وَجْهَهُ:} مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {إِلَى اللهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما. {وَهُوَ:} الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {مُحْسِنٌ:} خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير، وهو أولى من اعتبار الجملة معترضة. {فَقَدِ:} الفاء:

واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. {اِسْتَمْسَكَ:} فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من). {بِالْعُرْوَةِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {الْوُثْقى:}

صفة العروة مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة:{فَقَدِ اسْتَمْسَكَ..} . إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية:

{وَمَنْ يُسْلِمْ..} . إلخ معطوفة على (إذا) ومدخولها في الآية السابقة، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. {وَإِلَى:} الواو: حرف استئناف. {(إِلَى اللهِ)} : جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {عاقِبَةُ:} مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و {الْأُمُورِ} مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.

{وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (23)}

الشرح: {وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ:} فإنه لا يضرك في الدنيا، والآخرة. {إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ} أي: يوم القيامة. {فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا:} فنخبرهم بأعمالهم التي عملوها في الدنيا، ونجازيهم عليها، فصار المعنى: لا يهمنك كفر من كفر، وكيده للإسلام، ومحاربته لك، وإيذاؤه لأصحابك، فإن الله عز وجل دافع كيده في نحره، ومنتقم منه، ومعاقبه على عمله. هذا؛ وقرئ

ص: 357

الفعل: (يحزن) بفتح الياء من الثلاثي، وبضمها من الرباعي، والأول من باب دخل، وقتل، قال اليزيدي-رحمه الله تعالى-:«حزنه» لغة قريش، و «أحزنه» لغة تميم. انتهى. وهو متعد على اللغتين، مثل سلكه، وأسلكه. هذا؛ وحزن بكسر الزاي، من باب: فرح، وطرب لازم.

{إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ} أي: إن الله عليم بما في صدور عباده من نية حسنة، أو نية خبيثة، فيفعل بهم على حسب ما تكنه صدورهم من غدر، وخيانة، وتبييت للشر، وغير ذلك.

هذا؛ وانظر شرح النبأ في الآية رقم [3] من سورة (القصص). هذا؛ وقد أفرد الضمير بقوله:

{كُفْرُهُ} مراعاة للفظ (من)، وجمعه بالضمير المنصوب مراعاة لمعناها.

الإعراب: {وَمَنْ:} الواو: حرف عطف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {كَفَرَ:} فعل ماض، مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، ومتعلقه محذوف. {فَلا:} الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): ناهية جازمة. {يَحْزُنْكَ:} فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والكاف مفعول به. {كُفْرُهُ:}

فاعله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط

إلخ، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية السابقة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. {إِلَيْنا:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {مَرْجِعُهُمْ:} مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {فَنُنَبِّئُهُمْ:} الفاء:

حرف عطف. (ننبئهم): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«نحن» والهاء مفعول به. {بِما:}

جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ننبئهم بالذي، أو بشيء عملوه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملهم، والجملة الفعلية: ننبئهم بعملهم معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {اللهَ:} اسمها. {عَلِيمٌ:} خبرها.

{بِذاتِ:} جار ومجرور متعلقان ب: {عَلِيمٌ،} و (ذات) مضاف، و {الصُّدُورِ} مضاف إليه، والجملة الاسمية:{إِنَّ اللهَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (24)}

الشرح: {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً} أي: نمهلهم؛ ليتمتعوا بنعيم الدنيا إلى انقضاء آجالهم. هذا؛ والتمتع بالشيء: التلذذ به، والانتفاع بفوائده، ومثله الاستمتاع، والاسم: المتعة، فهنيئا لمن تمتع، واستمتع بالمباح الحلال، وويل، ثم ويل لمن تمتع، واستمتع بالحرام. هذا؛ والمتعة

ص: 358

بكسر الميم، وضمها: اسم للتمتيع، والزاد القليل، وما يتمتع به من الصيد والطعام؛ ومتعة المرأة ما وصلت به بعد الطلاق من نحو القميص، والإزار، والملحفة، قال تعالى:{وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} هذا؛ والتمتع بالمرأة إلى أجل معلوم بيّنت فساده في أول سورة (المؤمنون).

{ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ:} نلجئهم، ونردهم. {إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ:} شديد. شبه إلزامهم التعذيب، وإرهاقهم إياه باضطرار المضطر إلى الشيء؛ الذي لا يقدر على الانفكاك منه، وهي استعارة مكنية هذا؛ والغلظ مستعار من الأجرام الغليظة، والمراد الشدة، والثقل على المعذب. هذا؛ وقد قال تعالى في الآية رقم [126] من سورة (البقرة):{وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} .

الإعراب: {نُمَتِّعُهُمْ:} فعل مضارع، والفاعل المستتر فيه وجوبا تقديره:«نحن» ، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {قَلِيلاً:} صفة مفعول مطلق محذوف، أي: تمتيعا قليلا، أو صفة زمان محذوف؛ أي: نمتعهم زمانا قليلا، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وإعرابها مثلها بلا فارق.

{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (25)}

الشرح: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ:} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمسئول منهم أهل مكة. {مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ:} ذكر الله من آثار قدرته، ودلائل عظمته خلق السموات والأرض، وخصهما بالذكر هنا وفي كثير من الآيات؛ لأنها أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع السموات دون الأرض، وهي مثلهن؛ لأن طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة بالصفات، والآثار، والحركات، وقدمها لشرفها، وعلو مكانها، وتقدم وجودها، ولأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية كما في الأرض، وأيضا: لأنها كالذكر، فنزول المطر من السماء على الأرض، كنزول المني من الذكر في رحم المرأة؛ لأن الأرض تنبت، وتخضر بالمطر.

{لَيَقُولُنَّ اللهُ:} لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد واجب الوجود.

{قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ:} إلزام لهم على إقرارهم بأن الذي خلق السموات، والأرض هو الله وحده، وأنه يجب أن يكون له الحمد، والشكر، وأن لا يعبد معه أحد غيره. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ:} أن ذلك يلزم، وإذا نبهوا عليه؛ لم ينتبهوا، وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لا يعرف الحق لنقصان عقله، أو لتقصيره في النظر، أو لم تقم عليه الحجة؛ لأنه لم يبلغ حد التكليف، أو لأنه يقام مقام الكل، وانظر الآية رقم [6] من سورة (الروم). والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

ص: 359

الإعراب: {وَلَئِنْ:} الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. (إن): حرف شرط جازم.

{سَأَلْتَهُمْ:} فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والهاء مفعوله الأول، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. {مَنْ:} اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. {خَلَقَ:} فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر تقديره:«هو» يعود إلى {مَنْ} . {السَّماواتِ:} مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. (الأرض): معطوف على ما قبله، وجملة:{خَلَقَ..} . إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:{مَنْ خَلَقَ..} . إلخ في محل نصب مفعول به ثان للفعل: (سأل). {لَيَقُولُنَّ:} اللام: واقعة في جواب القسم المقدر. (يقولن): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة، المدلول عليها بالضمة في محل رفع فاعل، ونون التوكيد حرف لا محل له.

{اللهُ:} مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: الله خلقهن، أو هو فاعل لفعل محذوف، التقدير:

خلقهن الله، ويرجحه التصريح به في قوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [9]:{لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ،} والجملة على الاعتبارين في محل نصب مقول القول، وجملة:{لَيَقُولُنَّ اللهُ} جواب القسم المقدر، المدلول عليه باللام الموطئة، وحذف جواب الشرط، لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة:«إذا اجتمع شرط وقسم، فالجواب للسابق منهما» ، والكلام:

{وَلَئِنْ..} . إلخ كله مستأنف لا محل له، وقال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته:[الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم

جواب ما أخّرت فهو ملتزم

{قُلِ:} فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا، تقديره:«أنت» . {الْحَمْدُ:} مبتدأ. {اللهُ:}

متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:{قُلِ..} .

إلخ مستأنفة، لا محل لها. {بَلْ:} حرف إضراب. {أَكْثَرُهُمْ:} مبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {لا:} نافية. {يَعْلَمُونَ:} فعل مضارع مرفوع

إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة وهي في محل نصب مقول القول.

{لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26)}

الشرح: {لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:} خلقا، وملكا، وعبيدا، لا يستحق العبادة فيهما غيره. {إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ} أي: عن العباد، وعن حمدهم، وشكرهم. {الْحَمِيدُ:} المستحق للحمد وإن لم يحمد، أو محمود نطق بحمده جميع مخلوقاته بلسان الحال، وبلسان المقال أيضا، وانظر الآية رقم [15] من سورة (فاطر).

ص: 360

الإعراب: {لِلّهِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. {ما:} اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. {فِي السَّماواتِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {وَالْأَرْضِ:} معطوف على ما قبله. {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {اللهَ:} اسمها. {هُوَ:} ضمير فصل، لا محل له. {الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ:} خبران ل: {إِنَّ} . هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ و {الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} خبرين له؛ فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر {إِنَّ،} والجملة الاسمية: {إِنَّ اللهَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها.

{وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27)}

الشرح: لما احتج الله بما احتج به على المشركين؛ بين: أن معاني كلامه سبحانه لا تنفد، وأنها لا نهاية لها. وقال القفال: لما ذكر: أنه سخر لهم ما في السموات، وما في الأرض، وأنه أسبغ عليهم النعم؛ نبه على أن الأشجار لو كانت أقلاما، والبحار مدادا، فكتاب بها عجائب صنع الله الدالة على قدرته، ووحدانيته؛ لم تنفد تلك العجائب.

وقال أبو جعفر النحاس: فقد تبين: أن الكلمات هاهنا يراد بها العلم، وحقائق الأشياء؛ لأنه عز وجل علم قبل أن يخلق الخلق ما هو خالق في السموات والأرض من كل شيء، وعلم ما فيه من مثاقيل الذر، وعلم الأجناس كلها وما فيها من شعرة وعضو، وما في الشجرة من ورقة، وما فيها من ضروب الخلق، وما يتصرف فيه من ضروب الطعم واللون، فلو سمى كل دابة وحدها، وسمى أجزاءها على ما علم من قليلها، وكثيرها، وما تحولت عليه من الأحوال، وما زاد فيها في كل زمان، ثم كتاب البيان على كل واحد منها ما أحاط الله جل ثناؤه به منها، ثم كان البحر مدادا لذلك البيان الذي بين الله تبارك وتعالى عن تلك الأشياء يمده من بعده سبعة أبحر؛ لكان البيان عن تلك الأشياء أكثر. انتهى. قرطبي بتصرف.

والمعنى: الإجمالي للآية: ولو أن أشجار الأرض أقلام، والبحر ممدود بسبعة أبحر، وكتبت بتلك الأقلام، وبذلك المداد كلمات الله، لما نفدت كلماته، ونفدت الأقلام، والمداد، كقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [109]:{قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً} انظر شرحها هناك، والآيتان نزلتا بسبب واحد. {إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} . انظر الآية رقم [9].

تنبيه: وإنما ذكر «شجرة» على التوحيد؛ لأنه أريد تفصيل الشجر، وتقصيها شجرة شجرة، حتى لا يبقى من جنس الشجر، ولا واحدة إلا وقد بريت أقلاما، وأوثر «الكلمات» وهي جمع

ص: 361

قلة على الكلم وهي جمع كثرة؛ لأن معناه: أن كلماته لا تفي بكتبتها البحار، فكيف به كلمه. انتهى. نسفي.

خاتمة: نزلت الآية الكريمة جوابا لليهود حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً} رقم [85] من سورة (الإسراء) فقالوا له: نحن مختصون بهذا الخطاب؟ فقال: «بل نحن وأنتم» . فقالوا: ما أعجب شأنك! ساعة تقول: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} الآية رقم [269] من سورة (البقرة)، وساعة تقول: هذا، فنزل:{وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ..} . إلخ وما قالوه دليل على سوء فهمهم؛ لأن الحكمة الإنسانية أن يعلم العبد من الخير والحق ما تسعه الطاقة البشرية؛ بل ما ينتظم به معاشه، ومعاده-وهو بالإضافة إلى معلومات الله تعالى؛ التي لا نهاية لها قليل-ينال به خير الدارين، وهو بالإضافة إليه كثير. انتهى. وانظر شرح الآيتين في محلهما.

الإعراب: {وَلَوْ:} الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. (أنّ):

حرف مشبه بالفعل. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسم (أنّ). {فِي الْأَرْضِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. {مِنْ شَجَرَةٍ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق: {فِي الْأَرْضِ} وهو عائد الموصول، و {مِنْ} بيان لما أبهم في (ما). {أَقْلامٌ:} خبر: (أن)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأول مصدر في محل رفع فاعل لفعل محذوف، تقديره: ولو حصل، أو وقع كون ما في الأرض

إلخ، وهذا الفعل شرط (لو) عند المبرد. وقال سيبويه: هو في محل رفع بالابتداء والخبر محذوف، التقدير: ولو كون ما في الأرض من شجرة أقلاما حاصل، وقول المبرد هو المرجح؛ لأن «لو» لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدر، والفعل المقدر على قول المبرد وفاعله المؤول جملة فعلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. {وَالْبَحْرُ:} الواو: حرف عطف. (البحر):

يقرأ بنصبه عطفا على (ما)، التقدير: ولو أن البحر يمده، ويقرأ برفعه عطفا على محل (أن) واسمها؛ إذ محلهما الرفع على الفاعلية، أو على الابتداء كما رأيت، أو هو مبتدأ، والجملة بعده خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في متعلق الصلة، والرابط:

الواو فقط على حد قوله تعالى: {قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} وما أشبه ذلك من الأحوال، التي حكمها حكم الظرف. {يَمُدُّهُ:} فعل مضارع، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {مِنْ بَعْدِهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال مما بعدهما، وهو أقوى معنى، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {سَبْعَةُ:} فاعل:

(يمد)، و {سَبْعَةُ} مضاف، و {أَبْحُرٍ:} مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر «أنّ» على نصب (البحر)، وفي محل رفع خبره على الاعتبارات الأخرى. {ما:} نافية. {نَفِدَتْ:}

فعل ماض، والتاء للتأنيث. {كَلِماتُ:} فاعل، وهو مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه، وجملة:{ما}

ص: 362

نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ جواب (لو)، لا محل لها، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، والجملة الاسمية:{إِنَّ اللهَ..} . إلخ مستأنفة، أو تعليلية لا محل لها على الاعتبارين.

{ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28)}

الشرح: {ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ:} قال الضحاك-رحمه الله تعالى-:

المعنى: ما ابتداء خلقكم جميعا إلا كخلق نفس واحدة، وما بعثكم يوم القيامة إلا كبعث نفس واحدة. انتهى. أي: فحذف هذا المقدر للعلم به، والمعنى: سواء في قدرته القليل، والكثير، فلا يشغله شأن عن شأن؛ لأنه يقول للقليل والكثير:{كُنْ فَيَكُونُ،} فلا يصعب عليه ما يصعب على العباد، وخلقه للعالم كخلقه لنفس واحدة. {إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ:} لقول المشركين: إنه لا بعث.

{بَصِيرٌ:} بأعمالهم، فيجازيهم عليها.

قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: نزلت الآية في أبيّ بن خلف، وأبي الأسود؛ ومنبّه ونبيه ابني الحجاج بن السباق، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قد خلقنا أطوارا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما، ثم تقول: إنا نبعث خلقا جديدا جميعا في ساعة واحدة.

الإعراب: {ما:} نافية. {خَلْقُكُمْ:} مبتدأ حذف خبره لدلالة ما بعده عليه، كما رأيت في الشرح، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف؛ إذ التقدير: ما خلقي إياكم، فيكون في الكلام التفات من الغيبة إلى التكلم، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. {وَلا:} الواو: حرف عطف. (لا): نافية، أو صلة لتأكيد النفي. {بَعْثُكُمْ:} مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة

إلخ، مثل سابقه. {إِلاّ:} أداة حصر. {كَنَفْسٍ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ الثاني، ويجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف خبر {خَلْقُكُمْ} فيكون الحذف من الثاني لدلالة الأول عليه. وعلى الأول فالحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، كما يجوز اعتبار الكاف اسما بمعنى: مثل، فهي الخبر، وتكون مضافة، و (نفس) مضاف إليه. {واحِدَةٍ:} صفة نفس. {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل.

{اللهَ:} اسمها. {سَمِيعٌ بَصِيرٌ:} خبران لها، والجملة الاسمية مستأنفة، أو تعليلية، أو معترضة في آخر الكلام، لا محل لها على جميع هذا الاعتبارات.

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29)}

الشرح: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ:} ألم تنظر نظر تبصر، واعتبار، وتدبر، واستبصار. {يُولِجُ:}

يدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل، أي: يزيد من هذا في ذاك، ومن ذاك في هذا.

ص: 363

أو بسبب أنه خالق الليل والنهار، ومصرفهما، فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير، والشر. هذا؛ و {يُولِجُ} من: أولج الرباعي، أصله: يؤولج حذفت الهمزة منه حملا على المبدوء بالهمزة: أؤولج للتخفيف، ومصدره: الإيلاج، وأما الثلاثي فهو: ولج، يلج، وأصله: يولج، حذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما: الياء، والكسرة، مثل: وعد، يعد، ووزن، يزن، ومصدره: الولوج. والمراد بإيلاج الليل في النهار، وبالعكس بأن يزيد كل منهما بما نقص من الآخر، كما هو ظاهر في طول الليل، وقصره، تبعا لفصول السنة، قال تعالى:

{يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ} رقم [44] من سورة (النور).

وقيل: المراد بالإيلاج: أنه سبحانه وتعالى يجعل ظلمة الليل مكان ضياء النهار، وذلك بغيبوبة الشمس، ويجعل ضياء النهار مكان ظلمة الليل بطلوع الشمس. {وَأَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ:} لا يخفى عليه شيء مما يقع في الليل، والنهار. كما لا يخفى عليه شيء من أعمالكم كانت صغيرة، أو كبيرة. هذا؛ والمراد بالأجل المسمى: يوم القيامة؛ لأن جريان الشمس، والقمر لا ينقطع إلا حينئذ، ودل أيضا بالليل، والنهار، وتعاقبهما، وزيادتهما، ونقصانهما، وجري النيرين في فلكيهما-كلّ ذلك على تقدير وحساب-وبإحاطته بجميع أعمال الخلق على عظم قدرته، وحكمته.

فإن قلت: {يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} و {يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى} أهو من تعاقب الحرفين؟ قلت:

كلا ولا يسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع، ضيق العطن، ولكنّ المعنيين أعني: الانتهاء والاختصاص كل منهما ملائم لصحة الغرض؛ لأن قولك: يجري إلى أجل مسمى معناه: يبلغه، وينتهي إليه، وقولك: يجري لأجل مسمى تريد: يجري لإدراك أجل مسمى، تجعل الجري مختصا بإدراك أجل مسمّى، ألا ترى أن جري الشمس مختص بآخر السنة، وجري القمر مختصّ بآخر الشهر، فكلا المعنيين غير ناب به موضعه. انتهى. كشاف.

هذا؛ وتعاطف الجمل مع اختلافها بالمضارعية، والماضوية لا غبار عليه هنا؛ لأن ما تتحدث عنه هذه الجمل واقع في الماضي، وفي الحال، وفي المستقبل؛ بل هو مستمر حتى نهاية الدنيا، لا ينكره إلا مكابر. وقيل: عبر ب: {يُولِجُ} لأن إيلاج أحد الملوين في الآخر متجدد كل حين، فعبر عنه بالمضارع المتجدد حينا بعد حين، وأما تسخير النيرين؛ فهو أمر ثابت لا يتجدد، فعبر عنه بالماضي المفيد ذلك. هذا؛ ويطلق على الليل، والنهار اسم الجديدين.

قالت الخنساء، رضي الله عنها:[البسيط] إنّ الجديدين في طول اختلافهما

لا يفسدان ولكن يفسد الناس

الإعراب: {أَلَمْ:} الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.

{تَرَ:} فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف

ص: 364

والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره:«أنت» . {أَنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {اللهَ:} اسمها. {يُولِجُ:} فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:«هو» يعود إلى {اللهَ} .

{اللَّيْلَ:} مفعول به. {فِي النَّهارِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة:{يُولِجُ..} . إلخ في محل رفع خبر: {أَنَّ،} و {أَنَّ} واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول (ترى)، والجملة الفعلية:{أَلَمْ تَرَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة:{وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ} معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وجملة:{وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} معطوفة أيضا عليها، فهي في محل رفع مثلها. {كُلٌّ:} مبتدأ، جوز الابتداء به الإضافة المقدرة. {يَجْرِي:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى {كُلٌّ،} والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. {إِلى أَجَلٍ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {مُسَمًّى:} صفة {أَجَلٍ} مجرور مثله، وعلامة جرّه كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الاسمية:

{كُلٌّ..} . إلخ في محل نصب حال من الشمس، والقمر، والرابط: الضمير المقدر، أو هي معترضة بين المتعاطفين.

{وَأَنَّ:} الواو: حرف عطف. (أن): حرف مشبه بالفعل. {اللهَ:} اسم (أن). {بِما:}

جار ومجرور متعلقان ب: {خَبِيرٌ} بعدهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء. والجملة الفعلية صلة:(ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، إذ التقدير: بالذي، أو: بشيء تعملونه. {خَبِيرٌ:} خبر (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب معطوف على المصدر المؤول السابق، فهو في محل نصب مثله. هذا؛ وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان ب:{خَبِيرٌ} بعدهما، التقدير: خبير بعملكم.

{ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30)}

الشرح: {ذلِكَ:} الإشارة إلى الذي ذكر من سعة العلم، وشمول القدرة، وعجائب الصنع، واختصاص الباري بها. وقيل: المعنى فعل الله تعالى ذلك لتعلموا، وتقروا بأن الله هو الحق بسبب: أن الثابت في ذاته الواجب من جميع جهاته، فهو الحق، ودينه حقّ، وعبادته حق، والمؤمنون يستحقون منه النصر بحكم وعده الحق. {وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} أي: ما يعبدون من سواه. {الْباطِلُ:} أي المعدوم في حد ذاته. والمراد: الأصنام؛ التي يعبدونها من دون الله، فإنها لا استحقاق لها في العبادة، والتقديس، والتعظيم. وقيل: المراد: الشياطين. ولا وجه له.

ص: 365

{وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ} أي: العالي على كل شيء، والعالي عن الأشباه، والأنداد، المقدس عما يقوله الظالمون من الصفات؛ التي لا تليق بجلاله. {الْكَبِيرُ} أي: الموصوف بالعظمة والجلال، وكبر الشأن. وقيل:{الْكَبِيرُ:} ذو الكبرياء. والكبرياء. عبارة عن كمال الذات، أي له الوجود المطلق أبدا، وأزلا، فهو الأول القديم، والآخر الباقي بعد فناء خلقه؛ بل بعد فناء الزمان، والمكان.

هذا؛ و {الْحَقُّ} ضد الباطل، قال الراغب: أصل الحق المطابقة، والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقّه لدورانه على الاستقامة. الحق يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى: هو الحق، وللموجود بحسب مقتضى الحكمة، ولذلك يقال: فعل الله كله حقّ، نحو: الموت، والحساب

إلخ. وللاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه.

نحو اعتقاد زيد في الجنة حق. وللفعل، والقول الواقعين بحسب ما يجب، وقدر ما يجب في الوقت الذي يجب، نحو: قولك حقّ، وفعلك حق، ويقال: أحققت ذا، أي أثبتّه حقا، أو حكمت بكونه حقا، انتهى. بغدادي. هذا؛ وانظر شرح الباطل في الآية رقم [52] من سورة (العنكبوت).

الإعراب: {ذلِكَ:} اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وقد رأيت في الشرح اعتباره مفعولا به لفعل محذوف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {بِأَنَّ:}

الباء: حرف جر. (أن): حرف مشبه بالفعل. {اللهَ:} اسم (أن). {هُوَ:} ضمير فصل لا محل له، أو هو توكيد لاسم:(أن) على المحل. {الْحَقُّ:} خبر: (أن). هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ والحق خبره، وتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، أو هما متعلقان بالفعل الذي رأيت تقديره في الشرح، وعلى الوجهين فالجملة مستأنفة، لا محل لها.

{وَأَنَّ:} الواو: حرف عطف. (أن): حرف مشبه بالفعل. {ما:} اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب اسم (أن)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: وأن الذي، أو: أن شيئا يدعونه. {مِنْ دُونِهِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف الواقع مفعولا به، و {مِنْ} بيان لما أبهم في (ما)، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {الْباطِلُ:} خبر: (أن)، وفي سورة (الحج):{هُوَ الْباطِلُ} والمصدر المؤول من: (أنّ) واسمها وخبرها معطوف على المصدر المؤول السابق فهو في محل جر مثله. {وَأَنَّ:} الواو: حرف عطف. (أن): حرف مشبه بالفعل. {اللهَ:} اسمها. {هُوَ:} يجوز فيه ما جاز بسابقه، وباقي الإعراب مثل:{هُوَ الْحَقُّ} والمصدر المؤول من: (أن) واسمها، وخبرها معطوف على ما قبله أيضا، وينبغي أن تعلم: أن الآية مذكورة بحروفها في سورة (الحج) برقم [62].

ص: 366

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (31)}

الشرح: {أَلَمْ تَرَ:} ألم تنظر: نظر تبصر، واعتبار، لا نظر إهمال، واستهتار. {أَنَّ الْفُلْكَ:} أن السفن والمراكب البحرية على جميع أنواعها، وتفاوت مراتبها. {تَجْرِي فِي الْبَحْرِ:}

تسير. {بِنِعْمَتِ اللهِ:} بإحسانه، وكرمه في تهيئة أسبابه، من هبوب الريح، وغير ذلك، وهو استشهاد آخر على باهر قدرته، وكمال حكمته وشمول إحسانه وكرمه، وبره، وإفضاله. {لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ} من دلائل قدرته، ووحدانيته، وعجائب صنعه. قال النقاش: الآيات: ما يرزقهم الله من البحر بسبب السفن. وقال الحسن: مفتاح البحار السفن، ومفتاح الأرض الطرق، ومفتاح السماء الدعاء. {إِنَّ فِي ذلِكَ} أي: فيما ذكر. {لَآياتٍ:} لدلائل واضحات، وبينات باهرات على قدرته وعظمته. {لِكُلِّ صَبّارٍ:} على المصائب، والمتاعب، والمشاق، وعلى التفكر في صنع الله، وما ذرأ، وبرأ في هذا الكون الواسع المترامي الأطراف. {شَكُورٍ:} يعرف النعم، ويتعرف فضل مانحها، أو لكل مؤمن، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر. هذا؛ و {صَبّارٍ شَكُورٍ} صيغتا مبالغة، كما هو ظاهر. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {أَلَمْ تَرَ:} انظر الآية رقم [29]. {أَنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {الْفُلْكَ:} اسم {أَنَّ} . {تَجْرِي:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر، تقديره:«هي» يعود إلى الفلك، والجملة الفعلية في محل رفع خبر:{أَنَّ،} و {أَنَّ} واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد المفعول به على اعتبار (ترى) بصريا، وسد مسد مفعوليه على اعتباره قلبيا، والجملة الفعلية:{أَلَمْ تَرَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {فِي الْبَحْرِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. {بِنِعْمَتِ:} متعلقان بالفعل:

{تَجْرِي،} أو في محل نصب حال من فاعله، التقدير: تجري في البحر مصحوبة بنعمة، و (نعمة) مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، ومتعلقه محذوف، التقدير: بنعمة الله عليكم. {لِيُرِيَكُمْ:} فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى {اللهِ} تقديره:«هو» ، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل:

{تَجْرِي،} أو هما متعلقان بفعل محذوف، يدل عليه المقام، تقديره: فعل ذلك؛ ليريكم. {مِنْ آياتِهِ:} متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {أَنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {فِي ذلِكَ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: {أَنَّ} تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. {لَآياتٍ:}

اللام: لام الابتداء. (آيات): اسم {أَنَّ} منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه

ص: 367

جمع مؤنث سالم. {لِكُلِّ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة آيات، و (كل) مضاف، و {صَبّارٍ} مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف. {شَكُورٍ:} صفة ثانية؛ إذ التقدير: لكل شخص، أو لكل إنسان صبار شكور. وهو يشمل الذكر، والأنثى. وصيغتا المبالغة صالحة لهما، كما هو معلوم، والجملة الاسمية:{إِنَّ فِي ذلِكَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. وانظر مثل هذه الجملة في الآية رقم [19] من سورة (سبأ).

{وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ (32)}

الشرح: {وَإِذا غَشِيَهُمْ:} علاهم، وغطاهم. {مَوْجٌ كَالظُّلَلِ:} مرتفع كالجبال، و (الظلال) جمع: ظلة، وهي السحابة الكبيرة، شبه الموج بها لكبرها وارتفاعها، قال النابغة في وصف بحر:[الوافر] يماشيهنّ أخضر ذو ظلال

على حافاته فلق الدّنان

وإنما شبه الموج-وهو واحد-بالظلال، وهو جمع؛ لأن الموج يأتي شيئا بعد شيء، ويركب بعضه بعضا كالظلال. وقيل: هو بمعنى الجمع، وإنما لم يجمع؛ لأنه مصدر، وأصله من الحركة، والازدحام.

{دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} أي: تركوا الأصنام؛ التي يعبدونها، ولجئوا إلى الله بالتضرع، والدعاء، حالة كونهم كائنين في صورة من أخلص دينه من المؤمنين، حيث لا يذكرون إلا الله، ولا يدعون سواه، لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد إلا هو، وإنما لجئوا إلى الله لزوال ما ينازع الفطرة من الهوى، والتقليد بما دهاهم من الخوف الشديد. {فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ} أي: إلى الأرض اليابسة، وأمنوا من الغرق.

{فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ:} قال ابن عباس-رضي الله عنهما: موف بما عاهد عليه الله في البحر.

وقال الحسن: «مقتصد» مؤمن، متمسك بالتوحيد، والطاعة. وقال الزمخشري: متوسط في الكفر، والظلم، خفض من غلوائه، وانزجر بعض الانزجار. وقال الخازن: وقيل: نزلت في عكرمة بن أبي جهل، وذلك: أنه هرب عام الفتح إلى البحر، فجاءهم ريح عاصف، فقال عكرمة رضي الله عنه: لئن أنجانا من هذه لأرجعن إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ولأضعن يده في يدي! فسكتت الريح، ورجع عكرمة إلى مكة، وأسلم، وحسن إسلامه، رضي الله عنه.

{وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا:} وما يكفر بدلائل قدرتنا. {إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ:} غدار، والختر: أسوأ الغدر، ومنه قولهم: إنك لا تمد لنا شبرا من غدر؛ إلا مددنا لك باعا من ختر. قال عمرو بن معديكرب رضي الله عنه: [الوافر]

ص: 368

فإنّك لو رأيت أبا عمير

ملأت يديك من غدر وختر

يريد الشاعر المبالغة في وصف غدر أبي عمير. روي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا عدّ بأصابع يده اليمنى: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، وبأصابع يده اليسرى: اللهمّ اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني، واجبرني، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ملأت يديك خيرا» . فعلى القياس، من عد معايب أحد بأصابع يديه ملأ يديه شرا، فكأن الشاعر ينبه: أن في أبي عمير عشرا من الأخلاق الذميمة.

وقال الأعشى: [البسيط] بالأبلق الفرد من تيماء منزله

حصن حصين وجار غير ختّار

الإعراب: {وَإِذا:} الواو: حرف استئناف. (إذا) انظر الآية رقم [21]. {غَشِيَهُمْ:} فعل ماض، والهاء مفعول به. {مَوْجٌ:} فاعله. {كَالظُّلَلِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة {مَوْجٌ،} وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى: مثل فهي الصفة، وتكون مضافة، و (الظلال) مضاف إليه، وجملة:{غَشِيَهُمْ..} . إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح.

{دَعَوُا:} فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق. {اللهَ:} منصوب على التعظيم، وجملة:{دَعَوُا اللهَ} جواب (إذا) لا محل لها من الإعراب، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. {مُخْلِصِينَ:} حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. {اللهَ:} جار ومجرور متعلقان ب:

{مُخْلِصِينَ} . {الدِّينَ:} مفعوله.

{فَلَمّا:} الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. {نَجّاهُمْ:} فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى:{اللهَ،} تقديره: «هو» ، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. {إِلَى الْبَرِّ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لما) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على اعتبارها ظرفا. {فَمِنْهُمْ:} الفاء: واقعة في جواب: (لما). (منهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. {مُقْتَصِدٌ:} مبتدأ مؤخر، هذا هو الظاهر. وأرى: أن مضمون الجار والمجرور مبتدأ، و {مُقْتَصِدٌ} هو الخبر؛ لأن من الجارة دالة على التبعيض؛ أي: بعضهم مقتصد، والجملة الاسمية جواب:(لما) لا محل لها.

وانظر ما ذكرته في الآية رقم [10] من سورة (العنكبوت).

ص: 369

هذا؛ وقال ابن هشام في «المغني» : وقال جماعة منهم ابن مالك في قوله تعالى: {فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ:} إن الجملة الاسمية: {فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ} جواب (لما)، والظاهر:

أن الجواب جملة فعلية محذوفة، أي: انقسموا قسمين: فمنهم مقتصد، ومنهم غير ذلك. ويؤيد هذا: أن جواب (لما) لا يقترن بالفاء. انتهى. بتصرف. وعليه فالفاء حرف عطف، وتفريع.

و (لما) ومدخولها معطوف على (إذا) ومدخولها، أو هو مستأنف لا محل له على الوجهين.

{وَما:} الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. {يَجْحَدُ:} فعل مضارع. {بِآياتِنا:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {إِلاّ:} حرف حصر. {كُلُّ:} مبتدأ، وهو مضاف، و {خَتّارٍ} مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف.

{كَفُورٍ:} صفة ثانية؛ إذ التقدير: إلا كل شخص، أو إنسان ختار، كفور. وهو يشمل الذكر، والأنثى، والجملة الفعلية:{وَما يَجْحَدُ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها، والحالية ضعيفة.

{يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاِخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (33)}

الشرح: {يا أَيُّهَا النّاسُ:} هذا النداء يشمل المؤمن، والكافر، والصالح، والطالح. {اِتَّقُوا رَبَّكُمْ:} خافوه، واعبدوه. {وَاخْشَوْا يَوْماً:} احذروا يوما، وخافوا عقابه، وأهواله، والمراد به يوم القيامة بلا ريب. {لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ:} لا يقضي، وقرئ:«(لا يجزئ)» من: أجزأ: إذا أغنى ونفع. {وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً:} بمعنى غير قاض، وغير مغن عن والده شيئا في ذلك اليوم الطويل زمانه، العظيم أهواله، القريب أوانه.

{إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ:} لا خلف فيه قطعا؛ بل إن ما وعد به عباده من الخير لا بد وأن يقع، وأن ما توعدهم به من الشر فهو بالخيار، لا يسأل عما يفعل، فإن شاء عفا، وإن شاء عاقب.

{فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا:} فلا تخدعنكم بزخارفها، وزينتها، ولا تشغلنكم عن طاعة الله تعالى بحطامها الفاني ومتاعها الزائل. {وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ} أي: الشيطان بأن يرجّيكم التوبة، ويؤملكم المغفرة، فيجرّئكم على المعاصي، ويسوف لكم بالتوبة.

هذا؛ و {الْغَرُورُ} بفتح الغين: الشيطان كما رأيت، وهو الذي يغر الخلق، ويمنيهم الأماني الكاذبة، قال تعالى في سورة (النساء) رقم [120]:{يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً} . هذا؛ وقرئ بضم الغين، كأنه مصدر: غرّ، يغرّ غرورا: خدعه، وأطمعه في الباطل.

قال سعيد بن جبير-رضي الله عنه-هو أن يعمل بالمعصية، ويتمنى المغفرة.

ص: 370

أما {جازٍ،} فأصله: «جازي» بكسرة على الياء علامة للجر، أو بضمة على الياء علامة للرفع، وبتنوين الصرف، لكن استثقلت الكسرة، أو الضمة على الياء بعد كسرة، فسكنت الياء، فالتقى ساكنان: الياء، والتنوين، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، وبقيت الزاي مكسورة على ما كانت عليه قبل الإعلال، فقيل:{جازٍ} بالكسر، وإنما لم يقل بالرفع؛ لأن الياء محذوفة لعلة الالتقاء، فهي كالثابتة فتمنع الرفع للزاي، وهكذا قل في إعلال كل اسم منقوص مجرد من ال والإضافة، سواء أكان ثلاثيا، أم رباعيا؟

قال الخازن-رحمه الله تعالى-: قيل: إن معنى الآية: أن الله تعالى ذكر شخصين في غاية الشفقة، والمحبة، وهما الوالد، والولد، فنبه بالأعلى على الأدنى، وبالأدنى على الأعلى، فالوالد يجزي عن ولده لكمال شفقته عليه، والولد يجزي عن والده لما له عليه من حق التربية وغيرها، فإذا كان يوم القيامة، فكل إنسان يقول: نفسي نفسي، ولا يهتم بقريب، ولا بعيد، كما قال ابن عباس-رضي الله عنهما: كل امرئ تهمه نفسه.

وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: قوله: {وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً} وارد على طريق من التوكيد، لم يرد عليه ما هو معطوف عليه؛ قلت: الأمر كذلك؛ لأن الجملة الاسمية آكد من الفعلية، وقد انضم إلى ذلك قوله:{هُوَ} وقوله: {مَوْلُودٌ} . والسبب في مجيئه على هذا السنن: أن الخطاب للمؤمنين، وعليتهم قبض آباؤهم على الكفر، وعلى الدين الجاهلي، فأريد حسم أطماعهم، وأطماع الناس فيهم أن ينفعوا آباءهم في الآخرة، وأن يشفعوا لهم، وأن يغنوا عنهم من الله شيئا، فلذلك جيء به على الطريق الآكد. ومعنى التوكيد في لفظ المولود: أن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه؛ لم تقبل شفاعته؛ فضلا عن أن يشفع لمن فوقه من أجداده؛ لأن الولد يقع على الولد، وولد الولد، بخلاف المولود، فإنه لمن ولد منك. انتهى.

وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فتمسّه النار إلاّ تحلّة القسم» . رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، ومالك عن أبي هريرة، رضي الله عنه. وفي رواية:«من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسّه النّار إلا تحلّة القسم» . هذا؛ والقسم هو مضمون، وفحوى قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [71]:{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها} . وقال صلى الله عليه وسلم: «من ابتلي من هذه البنات بشيء، فأحسن إليهنّ؛ كنّ له سترا من النّار» . رواه البخاري، ومسلم، والترمذي عن عائشة رضي الله عنها؛ قيل له: المعنى بهذه الآية: أنه لا يحمل والد ذنب ولده، ولا مولود ذنب والده، ولا يؤاخذ أحدهما عن الآخر. والمعنى بالأخبار-أي: بالأحاديث-: أن ثواب الصبر على الموت، والإحسان إلى البنات يحجب العبد عن النار، ويكون الولد سابقا له إلى

ص: 371

الجنة. انتهى. بتصرف كبير. أقول: والأحاديث التي ترغب الآباء، والأمهات في تربية الأولاد، والصبر على موتهم كثيرة مسطورة في كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، وغيره.

الإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو: أنادي. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب: (يا)، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. {النّاسُ:} بعضهم يعرب هذا وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل:

إن الاسم الواقع بعد «أي» ، وبعد اسم الإشارة، إن كان مشتقا؛ فهو نعت، وإن كان جامدا-كما هنا-فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع-أعني:«أي» -منصوب محلا، فكذا التابع، أعني:

الناس، وأمثاله، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الاتباع اللفظية

إلخ، وانظر الآية رقم [1] من سورة الأحزاب. ففيها بحث جيد.

{اِتَّقُوا:} فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. {رَبَّكُمْ:} مفعول به، والكاف ضمير متصل في محلّ جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية لا محل لها كالجملة الندائية قبلها؛ لأنهما ابتدائيتان.

{وَاخْشَوْا:} الواو: حرف عطف. (اخشوا): فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. {يَوْماً:} مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. {لا:} نافية. {يَجْزِي:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. {والِدٌ:} فاعله. {عَنْ وَلَدِهِ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب صفة:

{يَوْماً،} ورابط الصفة محذوف، التقدير: يوما لا يجزي فيه والد عن ولده. {وَلا:} الواو:

حرف عطف. (لا): نافية، أو هي صلة لتأكيد النفي. {مَوْلُودٌ:} يجوز وجهان: أحدهما أنه معطوف على {والِدٌ،} وثانيهما: أنه مبتدأ جاز الابتداء به؛ لأنه في سياق النفي. {هُوَ:} ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. {جازٍ:} خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل رفع صفة:

{مَوْلُودٌ،} أو هي في محل رفع خبره، وعليه؛ فالجملة الاسمية:{وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ} معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، وهي في محل نصب صفة مثلها. {عَنْ والِدِهِ:} جار ومجرور متعلقان ب: {جازٍ،} والهاء في محل جر بالإضافة. {شَيْئاً:} مفعول به ل: {جازٍ} .

{إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {وَعْدَ:} اسمها، وهو مضاف، و {اللهِ} مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. {حَقٌّ:} خبر: {إِنَّ،} والجملة الاسمية مستأنفة، أو تعليل للنفي،

ص: 372

لا محل لها على الاعتبارين. {فَلا:} الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك، -أي ما ذكر-حاصلا، وواقعا. {فَلا..}. إلخ. (لا): ناهية جازمة.

{تَغُرَّنَّكُمُ:} فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم ب: (لا) الناهية، والنون حرف لا محل له، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به.

{الْحَياةُ:} فاعله. {الدُّنْيا:} صفة {الْحَياةُ} مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، والجملة:{وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ} معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وإعرابها مثلها أيضا، ولا خفاء فيه. تأمل، وتدبر وربك أعلم، وأجل، وأكرم.

{إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)}

الشرح: روي: أن رجلا من قبيلة محارب، اسمه: الحارث بن عمرو، بن حارثة، بن حفصة من أهل البادية أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! أخبرني عن الساعة متى قيامها؟ وإني قد ألفيت حياتي في الأرض، وقد أبطأت عنا السماء؛ فمتى تمطر؟ وأخبرني عن امرأتي؛ فقد اشتملت ما في بطنها، أذكر، أم أنثى؟ وإني علمت ما عملت أمس، فما أعمل غدا؟ وهذا مولدي قد عرفته فأين أموت؟ فنزلت الآية الكريمة.

وعن عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مفاتح الغيب خمس، لا يعلمها إلاّ الله تعالى، لا يعلم أحد ما يكون في غد إلاّ الله، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام إلاّ الله، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا، ولا تدري نفس بأيّ أرض تموت، ولا يدري أحد متى يأتي المطر» . وفي رواية أخرى: «لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلاّ الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلاّ الله، ولا تدري نفس بأيّ أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى السّاعة إلاّ الله» . أخرجه البخاري.

وعن ابن عباس-رضي الله عنهما: «من ادّعى علم هذه الخمسة فقد كذب، إياكم والكهانة، فإن الكهانة تدعو إلى الشرك، والشرك وأهله في النار» . وروي: أن المنصور العباسي أهمه معرفة مدة عمره، فرأى في منامه كأن خيالا أخرج يده من البحر، وأشار إليه بالأصابع الخمس، وكان سأله عن مدة عمره، فاستفتى العلماء في ذلك. فتأولوها بخمس سنين وبخمسة أشهر، وبخمسة أيام، حتى قال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-: تأويلها أن مفاتح الغيب خمس، لا يعلمها إلا الله، وأن ما طلبت معرفته لا سبيل لك إليه.

ص: 373

{إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ} أي: علم وقت قيامها، وانظر شرح {السّاعَةِ} في الآية رقم [14] من سورة (الروم). {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} أي: المطر في وقته المقدر له، والمكان المعيّن له، لا يتجاوزه، من غير تقديم، ولا تأخير. وسمي المطر: غيثا؛ لأنه يغيث الناس، فيزيل همهم، ويفرج كربهم، ويطلق مجازا على الجواد الكريم، قال ذو الرمة في مدح بلال بن أبي بردة الأشعري:[الوافر] سمعت الناس ينتجعون غيثا

فقلت لصيدح انتجعي بلالا

فقد جعله أجود من الغيث، وأنفع. وصيدح: اسم ناقته. وللزمخشري قوله: [البسيط] لا تحسبوا أنّ في سرباله رجلا

ففيه غيث وليث مسبل مشبل

{وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ:} أذكر، أم أنثى، تام أم ناقص، أسود، أو أبيض، صبيح أم قبيح.

وفي سورة (الرعد) رقم [9]: {اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ} والأرحام جمع:

رحم، وهو مستودع الجنين في بطن الأنثى الحبلى من الإنسان، والحيوان. هذا؛ والرحم:

القرابة من جهة الأب، أو الأم، قال تعالى:{وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ} .

{وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً:} من خير، أو شر، وربما تعزم على شيء، وتفعل خلافه. {وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ:} ليس أحد يعلم أين مدفنه من الأرض في بر، أو بحر في سهل، أو جبل، وكل إنسان يساق إلى الأرض التي قدر الله فيها موته، كما يساق إلى الأرض التي قدر الله فيها دفنه، وربما أقام الإنسان بأرض، وحدثته نفسه بالإقامة الدائمة فيها، وضربت، أوتادها، وقالت: لا أبرحها، وأقبر فيها، فترمي بها مرامي القدر حتى تموت في مكان لم يخطر ببالها، ولا حدثتها به ظنونها.

روي: أن ملك الموت عليه السلام-مر على سليمان، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه، ويديم النظر إليه، فقال الرجل: من هذا؟ قال: ملك الموت، فقال: كأنه يريدني، وسأل سليمان أن يحمله على الريح، ويلقيه ببلاد الهند، ففعل، ثم قال ملك الموت لسليمان كان دوام نظري إليه تعجبا منه؛ لأني أمرت أن أقبض روحه بالهند، وهو عندك! {إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ:} يعلم الأشياء كلها. {خَبِيرٌ:} يعلم بواطنها، كما يعلم ظواهرها. {غَداً:} المراد به: اليوم الذي بعد يومك على الأثر، وأصله: غدو، فحذفت منه الواو لغير علة تصريفية، وهو ما يسمى الحذف اعتباطا، وقد ردها لبيد بن ربيعة الصحابي-رضي الله عنه-في قوله:[الطويل] وما النّاس إلاّ كالدّيار وأهلها

بها يوم حلّوها وغدوا بلاقع

تنبيه: أقول: إن ما اخترع من أشياء، وما اكتشف من أمور، وما يتحدثون عنه من مغيبات، مثل نزول المطر، وغير ذلك، إنما هو قائم على التجربة، والحدس، والتخمين، كثيرا ما يخطئ، وقد يصيب، فيبقى من مكنون علم غيب الله تعالى.

ص: 374

تنبيه: جعل العلم لله، والدراية للعبد لما في الدراية من معنى الختل، والحيلة، فيكون المعنى أن النفس لا تعرف أين تموت، وماذا تكسب غدا، وإن أعملت حيلها في معرفة ما يلصق بها، ويختص بها، ولا شيء أخص بالإنسان من كسبه، وعاقبته، فإذا لم يكن له طريق إلى معرفتهما؛ كان من معرفة ما عداهما أبعد.

تنبيه: قرأ أبي بن كعب-رضي الله عنه: (بأيّة أرض تموت) وقرأ الباقون: {بِأَيِّ أَرْضٍ} قال الفراء: اكتفى بتأنيث الأرض من تأنيث: (أي). وقيل: أراد بالأرض المكان فذكر، قال عامر بن جوين الطائي:[المتقارب] فلا مزنة ودقت ودقها

ولا أرض أبقل إبقالها

وقال الأخفش: يجوز مررت بجارية أيّ جارية، وأية جارية. وشبه سيبويه تأنيث (أي) بتأنيث كل في قولهم: كلّتهنّ. انتهى. قرطبي: أقول: وإنما جاء {بِأَيِّ أَرْضٍ} لأن أرضا مؤنث مجازي، والمؤنث المجازي يجوز تذكيره، وتأنيثه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

الإعراب: {إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {اللهَ:} اسمها. {عِنْدَهُ:} ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. {عِلْمُ:} مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و {السّاعَةِ} مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر:{إِنَّ،} والجملة الاسمية: {إِنَّ اللهَ..} . إلخ مستأنفة، لا محل لها. {وَيُنَزِّلُ:} الواو: حرف عطف. (ينزل):

فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، تقديره:«هو» . {الْغَيْثَ:} مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، فهي في محل رفع مثلها. {وَيَعْلَمُ:} الواو: حرف عطف.

(يعلم): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {اللهَ} أيضا. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. {فِي الْأَرْحامِ:} جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا.

{وَما:} الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. {تَدْرِي:} فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. وهو معلق عن العمل لفظا. {نَفْسٌ:} فاعله. {ماذا:} (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: ما الذي تكسبه غدا.

هذا؛ وإن اعتبرت {ماذا} اسما مركبا فلك وجهان: أحدهما: اعتباره مبتدأ، والجملة الفعلية بعده خبره، والرابط محذوف. والثاني: اعتباره مبنيا على السكون في محل نصب مفعول به مقدما، والجملة:{ماذا تَكْسِبُ} على جميع الاعتبارات في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل {تَدْرِي،} وهذه الجملة مستأنفة، لا محل لها. {غَداً:} ظرف زمان متعلق بالفعل قبله.

{بِأَيِّ:} جار ومجرور متعلقان بالفعل: {تَمُوتُ} بعدهما، و (أي) اسم استفهام علق الفعل:

ص: 375

{تَدْرِي} عن العمل لفظا، و (أي) مضافا، و {أَرْضٍ} مضاف إليه. {تَمُوتُ:} فعل مضارع، والفاعل يعود إلى {نَفْسٌ} والجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعولي {تَدْرِي} المعلق عن العمل لفظا، وجملة:{وَما تَدْرِي..} . إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.

{إِنَّ:} حرف مشبه بالفعل. {اللهَ:} اسمها. {عَلِيمٌ خَبِيرٌ:} خبران لها، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.

انتهت سورة (لقمان) بحمد الله، وتوفيقه والحمد لله رب العالمين

ص: 376