الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرَهُمْ مِنَ الْآخِرَةِ وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ (. فَقَوْلُهُ:) نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ) يَقْتَضِي أَنَّ لِمَنْ يُسْتَشْهَدُ مِنَ الْمُجَاهِدِينَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ، إِمَّا الْأَجْرُ إِنْ لَمْ يَغْنَمْ، وَإِمَّا الْغَنِيمَةُ ولا أجر، بخلاف حديث عبد الله ابن عَمْرٍو، وَلَمَّا كَانَ هَذَا قَالَ قَوْمٌ: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ حُمَيْدَ بْنَ هَانِئٍ وَلَيْسَ بِمَشْهُورٍ، وَرَجَّحُوا الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ عَلَيْهِ لِشُهْرَتِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ بَيْنَهُمَا تَعَارُضٌ وَلَا اخْتِلَافٌ. وَ (أَوْ) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَى الْوَاوِ، كَمَا يَقُولُ الْكُوفِيُّونَ وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ:(مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ) بالوا والجامعة. وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُ رُوَاةِ مُسْلِمٍ بِالْوَاوِ الْجَامِعَةِ أَيْضًا. وَحُمَيْدُ بْنُ هَانِئٍ مِصْرِيٌّ سَمِعَ أَبَا عبد الرحمن الحبلى وعمرو ابن مَالِكٍ، وَرَوَى عَنْهُ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ وَابْنُ وَهْبٍ، فَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى مُجَرَّدِ النِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ فِي الْجِهَادِ، فَذَلِكَ الَّذِي ضَمِنَ اللَّهُ لَهُ إِمَّا الشَّهَادَةَ، وَإِمَّا رَدَّهُ إِلَى أَهْلِهِ مَأْجُورًا غَانِمًا، وَيُحْمَلُ الثَّانِي عَلَى مَا إِذَا نَوَى الْجِهَادَ وَلَكِنْ مَعَ نَيْلِ الْمَغْنَمِ، فَلَمَّا انْقَسَمَتْ نِيَّتُهُ انْحَطَّ أَجْرُهُ، فَقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ لِلْغَانِمِ أَجْرًا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَلَا تَعَارُضَ. ثُمَّ قِيلَ: إِنْ نَقَصَ أَجْرُ الْغَانِمِ عَلَى مَنْ يَغْنَمُ إِنَّمَا هُوَ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا فَتَمَتَّعَ بِهِ وَأَزَالَ عَنْ نَفْسِهِ شَظَفَ عَيْشِهِ، وَمَنْ أَخْفَقَ فَلَمْ يُصِبْ شَيْئًا بَقِيَ عَلَى شَظَفِ عَيْشِهِ وَالصَّبْرِ عَلَى حَالَتِهِ، فَبَقِيَ أَجْرُهُ مُوَفَّرًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: (فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شيئا- منهم مصعب ابن عمير- ومنا من أينعت له تمرته فهو يهد بها «1» .
[سورة النساء (4): آية 75]
وَما لَكُمْ لَا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (75)
(1). هدب التمرة تهديبا واهتدبها: جناها. الظاهر أن منهم مصعب إلخ من الراوي كما في أسد الغابة.
فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَما لَكُمْ لَا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) حَضٌّ عَلَى الْجِهَادِ. وَهُوَ يَتَضَمَّنُ تَخْلِيصَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ أَيْدِي الْكَفَرَةِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسُومُونَهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ، وَيَفْتِنُونَهُمْ عَنِ الدِّينِ، فَأَوْجَبَ تَعَالَى الْجِهَادَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ وَإِظْهَارِ دِينِهِ وَاسْتِنْقَاذِ الْمُؤْمِنِينَ الضُّعَفَاءِ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ تَلَفُ النُّفُوسِ. وَتَخْلِيصُ الْأُسَارَى وَاجِبٌ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ إِمَّا بِالْقِتَالِ وَإِمَّا بِالْأَمْوَالِ، وَذَلِكَ أَوْجَبُ لِكَوْنِهَا دُونَ النُّفُوسِ إِذْ هِيَ أَهْوَنُ مِنْهَا. قَالَ مَالِكٌ: وَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَفْدُوا الْأُسَارَى بِجَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ. وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، لِقَوْلِهِ عليه السلام (فُكُّوا الْعَانِيَ) وَقَدْ مَضَى فِي (الْبَقَرَةِ «1»). وَكَذَلِكَ قَالُوا: عَلَيْهِمْ أَنْ يُوَاسُوهُمْ فَإِنَّ الْمُوَاسَاةَ دُونَ الْمُفَادَاةِ. فَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ غَنِيًّا فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْفَادِي أَمْ لَا، قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، أَصَحُّهُمَا الرُّجُوعُ. الثَّانِيةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:(وَالْمُسْتَضْعَفِينَ) عَطْفٌ عَلَى اسْمِ اللَّهِ عز وجل، أَيْ وَفِي سَبِيلِ الْمُسْتَضْعَفِينَ، فَإِنَّ خَلَاصَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ الزَّجَّاجِ وَقَالَهُ الزُّهْرِيُّ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: أَخْتَارُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَفِي الْمُسْتَضْعَفِينَ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلَى السَّبِيلِ، أَيْ وَفِي الْمُسْتَضْعَفِينَ لِاسْتِنْقَاذِهِمْ، فَالسَّبِيلَانِ مُخْتَلِفَانِ. وَيَعْنِي بِالْمُسْتَضْعَفِينَ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ تَحْتَ إِذْلَالِ كَفَرَةِ قُرَيْشٍ وَأَذَاهُمْ وَهُمُ الْمَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ عليه السلام:(اللهم أنج الوليد ابن الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ. فِي الْبُخَارِيِّ عَنْهُ (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) فَقَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ، أَنَا مِنَ الْوِلْدَانِ وَأُمِّي مِنَ النِّسَاءِ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:(مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها) الْقَرْيَةُ هُنَا مَكَّةُ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْمُتَأَوِّلِينَ. وَوَصْفُهَا بِالظُّلْمِ وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ لِلْأَهْلِ لِعُلْقَةِ الضَّمِيرِ. وَهَذَا كَمَا تَقُولُ: مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ الْوَاسِعَةِ دَارُهُ، وَالْكَرِيمِ أَبُوهُ، وَالْحَسَنَةِ جَارِيَتُهُ. وَإِنَّمَا وَصَفَ الرَّجُلَ بها للعلقة اللفظية
(1). راجع ج 2 ص 21.