الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من شدة اليأس، والمبلس كثيرا ما يلزم السكوت وينسى ما يعنيه، ومن ثم قيل أبلس فلان إذا سكت وانقطعت حجته، قاله الراغب، مالك: خازن النار، ليقض علينا ربك: أي ليمتنا، من قولهم: قضى عليه: أي أماته، وأبرم الأمر: أحكم تدبيره، أمرا: هو التحيل فى تكذيب الحق، والسر: هو ما يحدث به المرء نفسه أو غيره فى مكان خال، والنجوى: التناجي فيما بينهم.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر ما أعدّ لأهل الجنة من النعيم المقيم، والتمتع بفنون اللذات من المآكل والمشارب والفواكه- أعقب ذلك بذكر ما يكون فيه الكفار من العذاب الأليم الدائم الذي لا يخفّف عنهم أبدا، وهم فى حزن لا ينقطع، ثم ذكر أن هذا ليس إلا جزاء وفاقا لما دسّوا به أنفسهم من سييء الأعمال، ثم أردف ذلك بمقال أهل النار لخزنة جهنم وطلبهم من ربهم أن يموتوا حتى يستريحوا مما هم فيه من العذاب، ثم إجابته لهم عن ذلك، ثم وبخهم على ما عملوا فى الدنيا واستحقوا به العذاب، ثم ذكر ما أحكموا تدبيره من ردّ الحق وإعلاء شأن الباطل ظنا منهم أنا لا نسمع سرّهم ونجواهم، وقد وهموا فيما ظنوا، فإن الله عليم بذلك ورسله يكتبون كل ما صدر عنهم من قول أو فعل.
الإيضاح
(إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ) أي إن الذين اجترموا الكفر بالله فى الدنيا يجازيهم ربهم بعذاب جهنم خالدين فيه أبدا لا ينفك عنهم ولا يجدون عنه حولا.
(لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) أي لا يخفف عنهم لحظة وهم فيه ساكتون سكوت يأس من النجاة والفرج، ولا منافاة بين هذا وبين قوله الآتي: ونادوا
يا مالك إلخ لأن تلك أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة، فتختلف بهم الأحوال، فيسكتون تارة لغلبة اليأس عليهم وعلمهم أنه لا فرج، ويشتد عليهم العذاب أخرى فيستغيثون.
ثم ذكر أن ذلك العذاب جزاء ما كسبت أيديهم فقال:
(وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ) أي وما ظلمنا هؤلاء المجرمين بفعلنا بهم ما أخبرناكم أننا فاعلون بهم، ولكن هم الذين أساءوا إلى أنفسهم، فكذبوا الرسل وعصوهم بعد أن أقاموا الحجة عليهم، فأتوهم بباهر المعجزات.
ثم ذكر ما يقوله أهل النار وما يجيبهم به خزنتها فقال:
(وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ) أي ونادى المجرمون من شدة العذاب فقالوا: يا مالك ادع لنا ربك أن يقبض أرواحنا ليريحنا مما نحن فيه، فأجابهم بقوله إنكم ماكثون لا خروج لكم منها، ولا محيص لكم عنها.
ونحو الآية قوله تعالى: «لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها» وقوله: «وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى. الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى. ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى» .
ثم خاطبهم خطاب تقريع وتوبيخ وبين سبب مكثهم فيها بقوله:
(لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ) أي لقد بيّنا لكم الحق على ألسنة رسلنا وأنزلنا إليكم الكتب مرشدة إليه، ولكن سجاياكم لا تقبله ولا تقبل عليه، وإنما تنقاد للباطل وتعظمه، وتصد عن الحق وتأباه، وتبغض أهله، فعودوا على أنفسكم بالملامة، واندموا حيث لا تنفعكم الندامة.
وبعد أن ذكر كيفية عذابهم فى الآخرة، بين سببه وهو مكرهم وسوء طويتهم فى الدنيا فقال:
(أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ) أي بل هم تحيلوا فى رد الحق بالباطل بوجوه من الحيل والمكر، فكادهم الله تعالى ورد عليهم سوء كيدهم بتخليدهم فى النار معذبين فيها أبدا.