المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

مجرى الوقف. وقرأ أبو بكر وحماد «جزءا» مثقلا مهموزا. الباقون: - تفسير النيسابوري = غرائب القرآن ورغائب الفرقان - جـ ٢

[النيسابوري، نظام الدين القمي]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد الثاني]

- ‌[تتمة سورة البقرة]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 252 الى 254]

- ‌القراءات:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 255 الى 257]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 258 الى 260]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 261 الى 266]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 267 الى 274]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 275 الى 281]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 282 الى 283]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 284 الى 286]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌(سورة آل عمران وهي مدنية)

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 1 الى 11]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 12 الى 25]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 26 الى 34]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 35 الى 41]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 42 الى 60]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 61 الى 71]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 72 الى 80]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 81 الى 91]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 92 الى 101]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 102 الى 111]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 112 الى 120]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 121 الى 129]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 130 الى 141]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 142 الى 150]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 151 الى 160]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 161 الى 175]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 176 الى 189]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 190 الى 200]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌(سورة النساء

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 1 الى 10]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 11 الى 22]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 23 الى 30]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 31 الى 40]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 41 الى 57]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌ التأويل

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 58 الى 70]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 71 الى 81]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 82 الى 91]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 92 الى 101]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 102 الى 113]

- ‌القراءات:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 114 الى 126]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 127 الى 141]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 142 الى 152]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 153 الى 169]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة النساء (4) : الآيات 170 الى 176]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌(سورة المائدة)

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 1 الى 11]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 12 الى 19]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 20 الى 26]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 27 الى 40]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 41 الى 47]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 48 الى 58]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 59 الى 69]

- ‌القراآت:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌التأويل:

- ‌[سورة المائدة (5) : الآيات 70 الى 81]

- ‌القراءات:

- ‌الوقوف:

- ‌التفسير:

- ‌الفهرس

الفصل: مجرى الوقف. وقرأ أبو بكر وحماد «جزءا» مثقلا مهموزا. الباقون:

مجرى الوقف. وقرأ أبو بكر وحماد «جزءا» مثقلا مهموزا. الباقون: ساكنة الزاي مهموزة.

‌الوقوف:

الْمُلْكَ م لأن إذ ليس بظرف لإيتاء الملك. وَيُمِيتُ (لا) لأن قالَ عامل، إذ وَأُمِيتُ ط، كَفَرَ ط، الظَّالِمِينَ لا، للعطف بأو التعجب. عُرُوشِها ج لأن ما بعده من تتمة كلام قبله من غير عطف. مَوْتِها ج لتمام المقول مع العطف بفاء الجواب والجزاء بَعَثَهُ ط. كَمْ لَبِثْتَ ط. يَوْمٍ ط. لَمْ يَتَسَنَّهْ ج وإن اتفقت الجملتان لوقوع الحال المعترض بينهما، ومن وصل حسن له الوقف على حِمارِكَ بإضمار ما يعطف عليه قوله وَلِنَجْعَلَكَ أي لتستيقن ولنجعلك، ومن جعل الواو مقحمة لم يقف.

لَحْماً ط لتمام البيان لَهُ (لا) لأن قالَ جواب لما. قَدِيرٌ هـ الْمَوْتى ط تُؤْمِنْ ط. قَلْبِي ط. سَعْياً ط، لاعتراض جواب الأمر حَكِيمٌ.

‌التفسير:

إنه سبحانه ذكر هاهنا قصصا ثلاثا أولاها في إثبات العلم بالصانع والباقيتان في إثبات البعث والنشور. فالقصة الأولى مناظرة إبراهيم ملك زمانه، عن مجاهد أنه نمرود بن كنعان وهو أول من تجبر وادّعى الربوبية والمحاجة المغالبة بالحجة. والضمير في «ربه» لإبراهيم، ويحتمل أن يكون ل «نمرود» ، والهاء في «أن آتاه» قيل لإبراهيم لأنه أقرب في الذكر، ولأنه لا يجوز أن يؤتى الكافر الملك والتسليط، ولأنه يناسب قوله فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً [النساء: 54] . وقال جمهور المفسرين:

الضمير لذلك الشخص الذي حاج إبراهيم، ولا يبعد أن يعطي الله الكافر بسطة وسعة في الدنيا. ومعنى أن آتاه لله أي لأن أتاه الله الملك فأبطره وأورثه الكبر والعتو أو جعل محاجته في ربه شكرا له كقولك «عاداني فلان لأني أحسنت إليه» تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان، ويجوز أن يكون المعنى: حاج وقت أن آتاه. وعن مقاتل أن هذه المحاجة كانت حين ما كسر إبراهيم الأصنام وسجنه نمرود ثم أخرجه من السجن ليحرقه فقال: من ربك الذي تدعو إليه؟ فقال: ربي الذي يحيي ويميت. وهذا دليل في غاية الصحة لأن الخلق عاجزون عن الإحياء والإماتة فلا بد أن يستند إلى مؤثر قادر مختار خبير بأجزاء الحيوان وأشكاله، بصير بأعضائه وأحواله، ولأمر ما ذكره الله تعالى في مواضع من كتابه فقال وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [المؤمنون: 12] وهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ [غافر: 67] أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ [المرسلات: 20] ويروى أن الكافر دعا حينئذ شخصين فاستبقى أحدهما وقتل الآخر وقال: أنا أيضا أحيي وأميت. ثم للناس في هذا المقام طريقان: الأول وعليه أكثر المفسرين أن إبراهيم عليه السلام لما رأى من

ص: 22

نمرود أنه ألقى تلك الشبهة عدل عن ذلك إلى دليل آخر ومثال آخر أوضح من الأول فقال فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ قالوا: وفي هذا دليل على جواز الانتقال للمجادل من حجة إلى حجة. وأورد عليه أن الشبهة إذا وقعت في الأسماع وجب على المحق القادر على ذكر الجواب أن يذكر الجواب في الحال إزالة لذلك الجهل واللبس.

ولما طعن الملك الكافر في الدليل الأول أو في المثال الأول بتلك الشبهة كان الاشتغال بإزالة ذلك واجبا مضيقا فكيف يليق بالمعصوم أن يترك ذلك الواجب مع أن فيه إيهام أن كلامه الأول كان ضعيفا؟ ولئن سلمنا أن الانتقال من دليل إلى دليل حسن لكنه يجب أن يكون المنتقل إليه أوضح. لكن الاستدلال بالإحياء والإماتة على وجود الصانع أظهر وأقوى من الاستدلال بطلوع الشمس، فإن جنس الحياة لا قدرة للخلق عليه، وأما جنس تحريك الأجسام فللخلق قدرة عليه. وأيضا دلالة الإحياء والإماتة على الحاجة إلى المؤثر القادر لكونهما من المتبدلات أقوى من دلالة طلوع الشمس لكون حركة الأفلاك على نهج واحد.

وأيضا إن نمرود لما لم يستحي من معارضة الإحياء والإماتة الصادرين عن الله بالقتل والتخلية، فكيف يؤمن منه عند استدلال إبراهيم بطلوع الشمس أن يقول بل طلوع الشمس من المشرق مني، فإن كان لك إله فقل له حتى يطلعها من المغرب. وعند ذلك التزم المحققون من المفسرين ذلك وقالوا: إنه لو أورد هذا السؤال لكان من الواجب أن يطلع الشمس من مغربها، ومن المعلوم أن الاشتغال بإظهار فساد سؤاله في الإحياء والإماتة أسهل بكثير من التزام طلوع الشمس من المغرب، فما الذي حمل إبراهيم على ترك الجواب عن ذلك السؤال الركيك، والتزم الانقطاع، واعترف بالحاجة إلى الانتقال، وتمسك بدليل لا يمكن تمشيته إلا بالتزام اطلاع الشمس من المغرب؟ ولما كانت هذه الاعتراضات واردة على الطريق الأول عدل بعض المحققين إلى طريق آخر وقالوا: إن إبراهيم عليه السلام لما احتج بالإحياء والإماتة قال المنكر: أتدعي الإحياء والإماتة من الله ابتداء أم بواسطة الأسباب الأرضية والسماوية؟ أما الأول فلا سبيل إليه، وأما الثاني فنظيره أو ما يقرب منه حاصل للبشر. فإن الجماع يفضي إلى الولد بتوسط الأسباب، وتناول السم يفضي إلى الموت، فأجاب إبراهيم عليه السلام بناء على معتقدهم، وكانوا أصحاب تنجيم- بأن الإحياء والإماتة وإن حصلا بواسطة حركات الأفلاك، لكن الحركات والاتصالات لا بد لها من فاعل ومدبر، وليس ذلك هو البشر فإنه لا قدرة لهم على الفلكيات، فهي إذن بتحريك رب الأرض والسموات. قلت: وفيه أيضا طريق آخر نذكره في التأويلات إن شاء الله تعالى. فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ يقال: بهت الرجل بالكسر إذا دهش وتحير، وبهت بالضم مثله. وقد قرىء بهما وأفصح منهما القراءة المشهورة فبهت على البناء للمفعول لأنه يقال: رجل مبهوت ولا يقال

ص: 23

باهت ولا بهيت قاله الكسائي. وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فلهذا لم ينفعه الدليل وإن بلغ في الظهور إلى حيث صار المبطل مبهوتا محجوجا، فيعلم منه أن الكل بقضاء الله وقدره وبمشيئته وإرادته.

القصة الثانية قوله سبحانه أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ ذهب الكسائي والفراء والفارسي وأكثر النحويين إلى أنه معطوف على المعنى، والتقدير: أرأيت كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مر، ونظيره من القرآن قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [المؤمنون: 84، 85] ثم قال قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [المؤمنون: 186، 187] فهذا عطف على المعنى كأنه قيل: لمن السموات؟ فقيل:

لله. ومثله قول الشاعر:

فلسنا بالجبال ولا الحديدا وعن الأخفش: أن الكاف زائدة والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم، أو إلى الذي مر. وعن المبرد: أنا نضمر الفعل في الثاني والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إلى إبراهيم أو ألم تر إلى مثل الذي مر. واختلف في المار بالقرية فعن مجاهد وعليه أكثر المفسرين من المعتزلة أن المار كان رجلا كافرا. شاكا في البعث لأن قوله أَنَّى يُحْيِي استبعاد وإنه لا يليق بالمؤمن، ولأنه تعالى قال في حقه فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ وفيه دليل على أن ذلك التبين لم يكن حاصلا قبل ذلك. وكذا قوله أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وذهب سائر المفسرين إلى أنه كان مسلما ثم قال قتادة وعكرمة والضحاك والسدي: هو عزير، وقال عطاء عن ابن عباس هو أرميا. ثم من هؤلاء من قال: إن أرميا هو الخضر عليه السلام وهو رجل من سبط هارون بن عمران وهذا قول محمد بن إسحق. وقال وهب بن منبه: إن أرميا هو النبي الذي بعثه الله عند ما خرب بختنصر بيت المقدس وأحرق التوراة. وقيل: هو عزير على ما يجيء.

حجة هؤلاء أن قوله أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها يدل على أنه كان عالما بالله، وبأنه تعالى يصح منه الإحياء في الجملة، والاستبعاد إنما هو في القرية المخصوصة. وأيضا قد شرفه الله تعالى بالتكلم في قوله قالَ كَمْ لَبِثْتَ وفي قوله وَانْظُرْ وَلِنَجْعَلَكَ وفي نفس قصته من الإعادة وغيرها إكرام له أيضا. روي عن ابن عباس أن بختنصر غزا بني إسرائيل فسبى منهم الكثير- ومنهم عزير وكان من علمائهم- فجاء بهم إلى بابل. فدخل عزير تلك القرية ونزل تحت ظل شجرة وربط حماره وطاف في القرية فلم ير فيها أحدا، فعجب من ذلك وقال أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها أي من أين يتوقع عمارتها؟ لا على

ص: 24

سبيل الشك في القدرة، بل بسبب اطراد العادة في أن مثل ذلك الموضع الخراب قلما يصيره الله معمورا. وكانت الأشجار مثمرة فتناول منها التين والعنب وشرب من عصير العنب، ونام فأماته الله في منامه مائة عام وهو شاب، ثم أعمى عنه في موته أبصار الإنس والطير والسباع، ثم أحياه بعد المائة ونودي من السماء يا عزير كَمْ لَبِثْتَ؟ قالَ: لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ. قالَ: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ من التين والعنب وَشَرابِكَ من العصير لم يتغير. فنظر فإذا التين والعنب كما شاهد. ثم قال وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ فنظر فإذا عظام بيض تلوح وقد تفرقت أوصاله. فسمع صوتا: أيتها العظام البالية إني جاعل فيك روحا فانضم أجزاء العظام بعضها إلى بعض ثم التصق كل عضو بما يليق به، الضلع إلى الضلع والذراع إلى مكانه، ثم جاء الرأس إلى مكانه، ثم العصب، ثم العروق، ثم انبسط اللحم عليه، ثم انبسط الجلد عليه، ثم خرجت الشعور من الجلد، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو قائم ينهق، فخر عزير ساجدا فقال أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثم إنه دخل بيت المقدس فقال القوم: حدثنا آباؤنا أن عزير بن شرحيا مات ببابل، وقد كان بختنصر قتل ببيت المقدس أربعين ألفا من قراء التوراة وكان فيهم عزير. والقوم ما عرفوا أنه يقرأ التوراة، فلما أتاهم بعد مائة عام جدد لهم التوراة وأملاها عليهم عن ظهر قلبه لم يخرم منها حرفا.

وكانت التوراة قد دفنت في موضع فأخرجت وعورضت بما أملاه فما اختلفا في حرف، فعند ذلك قالوا: عزير ابن الله. وعن وهب وقتادة وعكرمة والربيع أن القرية إيليا وهو بيت المقدس. وقال ابن زيد: هي القرية التي خرجت منها الألوف حذر الموت. ومعنى قوله خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ساقطة على سقوفها من خوى النجم إذا سقط. والعروش الأبنية، والسقوف من الخشب، كان حيطانها قائمة وقد تهدمت سقوفها ثم انقعرت الحيطان من قواعدها فتساقطت على السقوف المتهدمة، وهذا من أحسن ما يوصف به خراب المنازل.

ويحتمل أن يكون من خوى المنزل إذا خلا عن أهله، وخوى بطن الحامل. «وعلى» بمعنى «عن» أي خاوية عن عروشها، ويجوز أن يراد أن القرية خاوية مع بقاء عروشها وسلامتها.

قال في الكشاف: ويجوز أن يكون عَلى عُرُوشِها خبرا بعد خبر كأنه قيل: هي خالية وهي على عروشها أي هي قائمة مظلة على عروشها على معنى أن السقوف سقطت إلى الأرض فصارت في قرار الحيطان، وبقيت الحيطان بحالها فيه مشرفة على السقوف الساقطة، ويجوز أن يراد أن القرية خاوية مع كون أشجارها معروشة، وكان التعجب من ذلك أكثر لأن الغالب من القرية الخالية أن يبطل ما فيها من عروش الفواكه فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ لأن الإحياء بعد مدة طويلة أغرب فيكون أدخل في كونه آية ثُمَّ بَعَثَهُ أي أحياه كما كان أوّلا عاقلا فهما مستعدا للنظر والاستدلال في المعارف الإلهية، ولو قال أحياه لم

ص: 25

تحصل هذه الفوائد. قالَ كَمْ لَبِثْتَ أي كم مدة؟ فحذف المميز. والحكمة في السؤال هو التنبيه على حدوث ما حدث من الخوارق وإلا فمن المعلوم أن الميت لا يمكنه بعد أن صار حيا أن يعلم أن مدة موته طويلة أو قصيرة قالَ بناء على الظن لا بطريق الكذب لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ

روي أنه مات ضحى وبعث بعد مائة سنة قبل غروب الشمس. فقال قبل النظر إلى الشمس: يوما. ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: أو بعض يوم.

والظاهر أنه علم أن ذلك اللبث كان بسبب الموت بأمارات شاهدها في نفسه وفي حماره لَمْ يَتَسَنَّهْ لم يتغير. وأصله من السنة أي لم يأت عليه السنون لأن مرّ السنين إذا لم يغيره فكأنها لم تأت عليه. وعلى هذا فالهاء إما للسكت بناء على أن أصل سنة سنوة بدليل سنوات في الجمع وسنية في التحقير، وقولهم «سانيت الرجل مساناة» إذا عامله سنة. وإما أصلية على أن نقصان سنة هو الهاء بدليل سنيهة في التصغير، وقولهم «أجرت الدار مسانهة» . وقيل: أصله لم يتسنن إما من السن وهو التغير قال تعالى مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الحجر: 26] أي متغير منتن. وإما من السنة أيضا بناء على ما نقل الواحدي من أن أصل سنة يجوز أن يكون سننة بدليل سنينة في تحقيرها وإن كان قليلا. وعلى التقديرين أبدلت النون الأخيرة ياء مثل تقضي الباري في تقضض. ثم حذفت الياء للجزم وزيدت هاء السكت في الوقف. وعن أبي علي الفارسي أن السن هو الصب فقوله «لم يتسن» أي الشراب بقي بحاله لم ينصب. فعلى هذا يكون قوله لَمْ يَتَسَنَّهْ عائدا إلى الشراب وحده، ويوافقه قراءة ابن مسعود فانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسنن وأما على سائر الأقوال فيكون عدم التغير صالحا لأن يعود إلى الطعام وإلى الشراب جميعا. فإن قيل: إنه تعالى لما قال بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ كان من حقه أن يذكر عقيبه ما يدل على ذلك، ولكن قوله فَانْظُرْ يدل ظاهرا على ما قاله من أنه لبث يوما أو بعض يوم. فالجواب أن الشبهة كلما كانت أقوى كان الاشتياق إلى الدليل الكاشف عنها أشد ولهذا قيل: وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ فرآه عظاما نخرة فعظم تعجبه حيث رأى ما يسرع إليه التغير وهو الطعام والشراب باقيا، وما يمكن أن يبقى زمانا طويلا وهو الحمار غير باق فعرف طول مدة لبثه بأن شاهد عظام حماره رميما. وهذا بالحقيقة لا يدل بذاته لأن القادر على إحياء الحيوان قادر على إماتته وجعل عظامه نخرة في الحال، ولكن انقلاب عظام الحمار إلى حالة الحياة كانت معجزة دالة على صدق ما سمع من قوله بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ.

وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً قال الضحاك: معناه أنه جعله دليلا على صحة البعث. وقال غيره: كان آية لِلنَّاسِ لأن الله تعالى بعثه شابا أسود الرأس، وبنو بنيه شيوخ بيض اللحى والمفارق.

وقيل: إنه كان يقرأ التوراة عن ظهر قلبه فذلك كونه آية. وقيل: إن حماره لم يمت.

والمراد وانظر إلى حمارك سالما في مكانه كما ربطته وذلك من أعظم الآيات أن يعيشه مائة

ص: 26

عام من غير علف ولا ماء كما حفظ طعامه وشرابه من التغير، وأما فائدة الواو في قوله وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ فقد قال الفراء: فإنما دخلت لنية فعل بعدها مضمر، لأنه لو قال وانظر إلى حمارك لنجعلك آية، كان النظر إلى الحمار شرطا وجعله آية جزاء، وهذا المعنى غير مطلوب من هذا الكلام. بل المعنى: ولنجعلك آية فعلنا ما فعلنا من الإماتة والإحياء.

ومثله في القرآن كثير وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [الأنعام: 105] وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام: 75] وانظر إلى العظام كيف ننشرها بالراء المهملة أي كيف نحييها. وقرىء كيف ننشرها من نشر الله الموتى بمعنى أنشرهم. ويحتمل أن يكون من النشر ضد الطي فإن الحياة تكون بالانبساط. وقد وصف الله العظام بالإحياء في قوله مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس: 79] ومن قرأ بالزاء فمعناه نحركها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب. والنشز ما ارتفع من الأرض ومنه نشوز المرأة لأنها ترتفع عن حد رضا الزوج.

«وكيف» في موضع الحال من العظام والعامل فيه «ننشرها» لا «انظر» لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. ثم أكثر المفسرين على أن المراد بالعظام عظام حماره، وأن اللام فيه بدل من الكناية. وعن قتادة والربيع وابن زيد: أن العظام عظام هذا الرجل نفسه. قالوا: إنه تعالى أحيا رأسه وعينيه وكانت بقية بدنه عظاما نخرة وكان ينظر إلى أجزاء عظام نفسه فرآها تجتمع وينضم البعض إلى البعض وكان يرى حماره واقفا كما ربطه، وزيف بأن قوله لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ إنما يليق بمن لا يرى في نفسه أثر التغير لا بمن شاهد أجزاء بدنه متفرقة وعظامه رميمة. وأيضا قوله ثُمَّ بَعَثَهُ يدل على أن المبعوث هو تلك الجملة التي أماتها، وقيل:

هي عظام الموتى الذين تعجب من إحيائهم، وفاعل تبين مضمر تقديره فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أن الله على كل شيء قدير قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فخذف الأول لدلالة الثاني عليه كما في قوله «ضربني وضربت زيدا» أو التقدير: فلما تبين له ما أشكل عليه من أمر الإماتة والإحياء قال أعلم. وتأويله إني قد علمت مشاهدة ما كنت أعلمه قبل ذلك استدلالا. ومن قرأ أَعْلَمُ على لفظ الأمر فمعناه أنه عند التبين أمر نفسه بذلك، والله تعالى أمره بذلك كما في آخر قصة إبراهيم وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ قال القاضي:

القراءة الأولى أولى لأن الأمر بالشيء إنما يحسن عند عدم المأمور به، وهاهنا العلم حاصل بدليل قوله فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ فلا يحسن الأمر بتحصيل العلم بعد ذلك. أما الإخبار عن أنه حصل فجائز. قلت: ليس هذا من باب الأمر بتحصيل الحاصل، وإنما الأمر فيه عائد إلى شيء آخر غير حاصل وهو عدم التعجب من إيجاد سائر الممكنات البعيدة، فإن من قدر

ص: 27

على إيجاد أمر مستبعد الحصول كان قادرا على نظائره من الغرائب والعجائب لا محالة، ولهذا أوردت القضية كلية. نعم لو قيل: اعلم أن الله قادر على إحياء الموتى لأشبه أن يكون أمرا بتحصيل الحاصل، على أن ذلك أيضا ممنوع فإن الأمر حينئذ يعود إلى شيء آخر غير حاصل هو عدم الشك فيما يستأنف من الزمان أي لتكن هذه الآية على ذكر منك كيلا يعترض لك شك فيما بعد، وذلك كقولك للمتحرك «تحرك» أي واظب على الحركة ولا تفتر. وليت شعري كيف يطعن بعض العلماء في بعض القراآت السبع مع ثبوت التواتر وكونها كلها كلام الحكيم العليم تقدس وتعالى؟

القصة الثالثة قوله عم طوله وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ التقدير: واذكر وقت قول إبراهيم.

وقيل: معطوف على قوله إِلَى الَّذِي أي ألم تر إلى وقت قول إبراهيم. وهاهنا دقيقة وهي أنه لم يسم عزيرا في قصته بل قال أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهاهنا سمى إبراهيم لأن عزيرا لم يحفظ الأدب بل قال ابتداء أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها وإبراهيم أثنى على الله أولا بقوله رَبِّ أَرِنِي وأيضا إن عزيرا استبعد الإحياء فأرى ذلك في نفسه، وإبراهيم التمس ودعا بقول أَرِنِي فأرى ذلك في غيره. ومعنى أرني بصرني. وذكروا في سبب سؤال إبراهيم وجوها. الأول قال الحسن والضحاك وقتادة وعطاء وابن جريج: إنه رأى جيفة مطروحة على شط النهر، فإذا مد البحر أكل منها دواب البحر، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت، فإذا أكل السباع جاءت الطيور فأكلت وطارت، فقال إبراهيم: رب أرني كيف تجمع أجزاء هذا الحيوان من بطون السباع والطيور ودواب البحر. فقيل: أو لم تؤمن؟ قال: بلى. ولكن المطلوب بالسؤال أن يصير العلم الاستدلالي ضروريا. الثاني:

قال محمد بن إسحق والقاضي: إنه في مناظرته مع نمرود لما قال ربي الذي يحيي ويميت قال الكافر أنا أحيي وأميت فأطلق محبوسا وقتل آخر فقال إبراهيم: ليس هذا بإحياء وإماتة وعند ذلك قال رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى لتنكشف هذه المسألة عند نمرود وأتباعه، ويزول الإنكار عن قلوبهم.

وروي أن نمرود قال له: قل لربك يحيي وإلا قتلتك، فسأل الله ذلك،

وقوله لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أي بنجاتي من القتل، أو ليطمئن قلبي بقوة حجتي وبرهاني، وأن عدو لي إلى غيرها كان بسبب جهل المستمع. الثالث: عن ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي أن الله تعالى أوحى إليه أني أتخذ بشرا خليلا، فاستعظم ذلك إبراهيم عليه السلام وقال: إلهي، ما علامة ذلك؟ فقال: علامته أنه يحيي الميت بدعائه فلما عظم مقام إبراهيم عليه السلام في درجات العبودية وأداء الرسالة خطر بباله أني لعلي أكون ذلك الخليل.

فسأل الله إحياء الموتى فقال الله: أو لم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي على أني خليل

ص: 28

لك. الرابع: لا يبعد أن يقال: إنه لما جاء الملك إلى ابراهيم وأخبره بأن الله بعثك رسولا إلى الخلق طلب المعجزة ليطمئن قلبه على أن الآتي ملك كريم لا شيطان رجيم. الخامس:

لعله طالع في الصحف المنزلة عليه أن الله تعالى يحيي الموتى بدعاء عيسى، فطلب ذلك ليطمئن قلبه أنه ليس أقل منزلة عند الله من عيسى وأنه من أولاده. السادس: أمر بذبح الولد فسارع إلى ذلك فقال: إلهي، أمرتني أن أجعل ذا روح بلا روح فامتثلت فشرفني بأن تجعل بدعائي فاقد الروح ذا روح. السابع: أراد أن يخصصه الله بهذا التشريف في الدنيا بأن جميع الخلائق يشاهدون الحشر في الآخرة. الثامن: لعل إبراهيم لم يقصد إحياء الموتى بل قصد سماع الكلام بلا واسطة. وأما أن إبراهيم عليه السلام كان شاكا في المعاد فلا ينبغي أن يعتقد فيه، ومن كفر النبي المعصوم فهو بالكفر أولى وكيف يظن ذلك بإبراهيم عليه السلام وقوله بَلى اعتراف بالإيمان، وقوله لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي كلام عارف طالب لمزيد اليقين.

والشك في قدرة الله يوجب الشك في نبوّة نفسه، والذي

جاء في الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم «نحن أحق بالشك من إبراهيم» «1»

فذلك أنه لما نزلت هذه الآية قال بعض من سمعها: شك إبراهيم ولم يشك نبينا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تواضعا منه وتقديما لإبراهيم على نفسه «نحن أحق بالشك منه» «2»

والمعنى أننا لم نشك ونحن دونه، فكيف يشك هو؟ والاستفهام في قوله أَوَلَمْ تُؤْمِنْ للتقرير كقوله: ألستم خير من ركب المطايا؟ وأيضا المقصود من هذا السؤال أن يجيب بما أجاب به ليعلم السامعون أنه صلى الله عليه وسلم كان مؤمنا بذلك عارفا به، وأن المقصود من هذا السؤال شيء آخر. واللام في قوله لِيَطْمَئِنَّ تتعلق بمحذوف أي ولكن سألت ليزيد قلبي سكونا وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال. وقد تعرض الخواطر للمستدل بخلاف المعاين، هذا إذا قلنا: المطلوب حصول الطمأنينة في اعتقاد قدرة الله تعالى على الإحياء، أما إذا قلنا: إن الغرض شيء آخر فلا إشكال فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ عن ابن عباس: هنّ طاوس ونسر وغراب وديك. وفي قول مجاهد وابن زيد: حمامة بدل النسر فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ بضم الصاد وكسرها من صاره يصوره ويصيره أي أملهن وضمهن إليك.

وقال الأخفش: يعني وجههنّ إليك. وفائدة أمره بضمها إلى نفسه بعد أخذها أن يتأملها ويعرف أشكالها وهيئتها وحلاها كيلا تلتبس بعد الإحياء، ولا يتوهم أنها غير تلك. وفي الآية حذف كأنه قبل أملهن وقطعهن ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً وقيل: معنى صرهن قطعهن فلا إضمار.

روي أنه أمر بذبحها ونتف ريشها وأن يقطعها ويفرق أجزاءها ويخلط

(1، 2) رواه البخاري في كتاب الأنبياء باب 11. مسلم في كتاب الإيمان حديث 238. ابن ماجه في كتاب الفتن باب 23. أحمد في مسنده (2/ 326) .

ص: 29