الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لأنه لا أب له. قال: فآدم أولى لأنه لا أبوين له. قالوا: كان يحيي الموتى. قال: فحزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة نفر وأحيا حزقيل ثمانية آلاف. فقالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص. قال: فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالما. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق يعني الذي أنبأتك من شأن عيسى لا الذي اعتقد النصارى فيه أنه إله، ولا الذي يزعم اليهود من رميها بيوسف النجار، أو الْحَقُّ مبتدأ ومِنْ رَبِّكَ خبره كما يقال: الحق من الله والباطل من الشيطان. فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ الشاكين. قال ابن الأنباري: أصله من مريت الناقة والشاة حلبتها فكأن الشاك يجتذب بشكه شرا. وفي هذا النهي ترغيب له في زيادة الثبات والطمأنينة ولطف للأمة وقد مر نظائره في سورة البقرة.
التأويل:
الاصطفاء ثلاثة أنواع: اصطفاء على غير الجنس إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ [آل عمران: 33] ولم يكن له جنس حين خلقه وأسجد له ملائكته، واصطفاء على الجنس وعلى غير الجنس كاصطفاء محمد صلى الله عليه وسلم على الكائنات
كقوله: لولاك لما خلقت الأفلاك.
وقال صلى الله عليه وسلم: «آدم فمن دونه تحت لوائي»
، واصطفاء على الجنس كقوله: يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ [الأعراف: 144] ولمريم إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ لاصطفائك إياه وَطَهَّرَكِ عن الالتفات لغيره وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ لنيل درجة الكمال وإن لم يكن ذلك من شأن النساء. إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ كل صنف من أصناف الخلق حرف من حروف كلمة معرفة الله تعالى. والعالم بما فيه كلمة المعرفة
كقوله: «كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف»
والإنسان وإن كان صنفا من أصناف العالم وهو حرف من حروف كلمة المعرفة لكنه خلق نسخة العالم بما فيه فهو أيضا كلمة المعرفة كالعالم، لكنه خص من العالم بما فيه بكرامة معرفة نفسه ومعرفة ربه ومعرفة العالم بما فيه، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكى بتزكية الشريعة المربى بتربية أرباب الطريقة.
وإنما خص عيسى علية السلام بهذا الاسم- أعني الكلمة- من بين سائر الأنبياء والأولياء لأنه خلق مستعدا لهذا الكمال في بدء أمره. قد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه كما
قال صلى الله عليه وسلم «من عرف نفسه فقد عرف ربه»
وكان من اختصاصه بالكلمة أنه قال في المهد: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ [مريم: 30] روى مجاهد قال: قالت مريم بنت عمران: كنت إذا خلوت أنا وجنيني حدثته وحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع. وسمي المسيح لأنه حين مسح الله تعالى ظهر آدم فاستخرج منه ذرّات ذرّياته لم يردّه إلى مقامه كما
جاء في الخبر «إن الله تعالى أذن للذرّات بالرجوع إلى ظهر آدم وحفظ ذرة عيسى وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم»
فكان قد بقي عليه اسم المسيح أي الممسوح. وَكَهْلًا أي حالة النبوة
لأن بلوغ الأنبياء عند كهولتهم وَمِنَ الصَّالِحِينَ يعني صلاحية قبول الفيض بلا واسطة كما هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام. وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ الروح الإنساني الذي هو خليفة الله في أرضه قابل لجميع أنوار الصفات خلافة عنه حتى القدرة على الخلق والإحياء والإبراء والإنباء وغير ذلك من الآيات التي هي من نتائج القدرة، لكنه لتعلقه بالجسد الكائن من العناصر ولاحتجابه بظلمات شهوات الأبوين امتنع عن قبول أنوار الصفات إلى أن يخرجه مدد العناية بطريق الهداية، وقوة استعداد الروحية والجسمية من تلك الظلمات فيظهر على النبي صلى الله عليه وسلم آيات المعجزات وعلى الولي أمارات الكرامات. ولما كان روح عيسى عليه السلام وذرّة طينته المستخرجة من ظهر آدم محتبسة عند الله حتى ألقاها إلى مريم من غير شائبة ظلمات شهوة الأبوين ولهذا سمي روح الله، كان قابل أنوار الصفات في بدوّ أمره يكلم الناس في المهد ويكتب ويقرأ التوراة والإنجيل غير من تعلم، ويحيي ويبرىء إلى غير ذلك من الآيات. فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ فيه إشارة إلى أن عيسى الروح، لما أحس من النفس وصفاتها الكفر قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ وهم القلب وصفاته نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ أي بوحدانيته والتبري عن غيره وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ منقادون لأحكامه، راضون بقضائه، صابرون على بلائه رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ من الحكم والأسرار واللطائف والحقائق وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ
الوارد من نفحات ألطافك فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ المشاهدين لأنوار جلالك وَمَكَرُوا أي النفس وصفاتها والشياطين وأتباعها في هلاك عيسى الروح وَمَكَرَ اللَّهُ بتجلي صفات قهره في فناء النفس وصفاتها وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ في قهر النفس الأمارة بالسوء وقمع صفاتها وقلع شهواتها إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ عن الصفات النفسانية والسمات الحيوانية وَرافِعُكَ إِلَيَّ بجذبات العناية كما أسرى بعبده إلى قاب قوسين أو أدنى. ومن خواص الجذبة الربوبية خمود الصفات البشرية ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ باللطف أو القهر بالاختيار على قدم السلوك، أو بالاضطرار عند نزع الروح. فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا بحجاب الغفلة والاشتغال بغير الله، وَالْآخِرَةِ بالقطيعة والبعد عن الله وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ الذين يظلمون أنفسهم بانقضاء العمر في طلب غير الله تعالى. ثم قال له كن فيكون. هذه السنة في تكوين الأرواح والملكوت لا الأجساد والملك، ولكنه أجراها في تكوين آدم من تراب بلا أب وأم، وخلق حوّاء منه بلا أم، وخلق عيسى ابن مريم بلا أب خرقا للعادة ودلالة على اختياره ورغما بأنف من قال بالإيجاب في الإيجاد فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ نهي الكينونة قاله في الأزل فما كان من الممترين ولا يكون إلى الأبد.