الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ضعها على رأس المائتين والثمانين من البقرة، وعاش صلى الله عليه وسلم بعدها أحدا وثمانين يوما، وقيل أحدا وعشرين، وقيل سبعة أيام، وقيل ثلاث ساعات، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
التأويل:
أخبر عن حرص أهل الدنيا وهم أكلة الربا بعد ذكر قناعة أهل العقبى. فمثل آكل الربا كمثل من به جوع الكلب يأكل ولا يشبع حتى ينتفخ بطنه ويثقل عليه فلا يقوم إلا كما يقوم المصروع لأنه كلما أقام صرعه ثقل بطنه، ومثله
وفي الحديث مثلان:
أحدهما للمفرط في جمع الدنيا بحيث يفضي به إلى الهلاك في الدنيا والعقبى وأشار إليه
بقوله: «وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطا أو يلم» «2»
وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول فتستكثر منها الماشية لاستطابتها إياها حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حد الاعتدال فتنشق أمعاؤها فتهلك أو تقارب الهلاك. والمثل الآخر للمقتصد وذلك قوله «إلا آكلة الخضر» وذلك أن الخضر ليست من أحرار البقول وجيدها التي ينبتها الربيع بتوالي أمطاره ولكنها من كلإ الصيف التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبسها حيث لا تجد سواها، فلا ترى الماشية تكثر منها وهو مثل التاجر الذي يكتسب المال بطريق البيع والشراء ويؤدي حقه وإن كان له حرص في الطلب والجمع. ولكن لما كان بأمر الشرع وطريق الحل ما أضربه وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا يعني كيف يكون ما أزال نور الأمر ظلمته مثل ما زاد ظلمته ارتكاب المنهي؟ فمرتكب الربا في ظلمات ثلاث: ظلمة الحرص وظلمة الدنيا وظلمة المعصية.
وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ يرزقه من حيث لا يحتسب وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ بنعمة الشرع وأنواره أَثِيمٍ عامل بالطبع مقيم في ظلمة إصراره. ثم أخبر عن العاملين بالشرع الخارجين عن الطبع الذين آمنوا إيمان التصديق بالتحقيق مقرونا بالتوفيق، ثم خرجوا عن ظلمة اتباع الهوى بإقامة الصلاة وعالجوا ظلمة الركون إلى الدنيا بأنوار إيتاء الزكاة، فجذبتهم العناية من حضيض العبدية إلى ذروة العندية لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من الرجوع إلى ظلمات الطبيعة وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ لفوات أنوار الشريعة. ثم أخبر عن أهل الإيمان المجازي فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا باللسان اتَّقُوا اللَّهَ أي بالله كما جاء. «كنا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم» . أي جعلناه قدامنا. ومن شرط المؤمن الحقيقي اتقاؤه بالله في
(1، 2) رواه البخاري في كتاب الجهاد باب 37. مسلم في كتاب الزكاة حديث 121. ابن ماجه في كتاب الفتن باب 18. أحمد في مسنده (3/ 7، 21) .
ترك الزيادات كما
قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» «1»
وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا تركوا ما سوى الله في طلبه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إيمانا حقيقيا. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا لم تتركوا كل زيادة تمنعكم فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ببعد منهما وبغض. وَإِنْ تُبْتُمْ تركتم غيره فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ وهي الكرامة التي فضلكم بها على كثير من خلقه وهي المحبة يحبهم ويحبونه لا تَظْلِمُونَ بوضع محبتي في غير موضعها من المخلوقات وَلا تُظْلَمُونَ بوضع محبتكم في غير موضعها. وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ لم يصل إليه ما أعد لأجله عاجلا فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وهو وقت وصوله إليه آجلا وَأَنْ تَصَدَّقُوا تبذلوا فينا ما تتمنون من صنوف برنا في الدنيا والعقبى على قدر همتكم فهو خَيْرٌ لَكُمْ لأنا نجازيكم على قدر مواهبنا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قدرها وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
«من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين» «2»
ثم إنه سبحانه كما جمع في القرآن خلاصة الكتب السماوية جمع في خاتمة الوحي خلاصة أي القرآن فقال: وَاتَّقُوا يَوْماً الآية. وذلك أن فائدة جميع الكتب راجعة إلى معنيين: النجاة من الدركات السفلى وهي سبعة: الكفر والشرك والجهل والمعاصي والأخلاق المذمومة وحجب الأوصاف وحجاب النفس. والفوز بالدرجات العلى وهي ثمانية: المعرفة والتوحيد والعلم والطاعات والأخلاق المحمودة وجذبات الحق والفناء عن أنانيته والبقاء بهويته. فقوله وَاتَّقُوا شامل لما يتعلق بالسعي الإنساني من هذه المعاني، لأن حقيقة التقوى مجانبة ما يبعدك عن الله ومباشرة ما يقربك إليه، فتقوى العام الخروج بسبب الإقامة بشرائط جاهَدُوا فِينا [العنكبوت: 69] عن الكفر بالمعرفة، وعن الشرك بالتوحيد، وعن الجهل بالعلم، وعن المعاصي بالطاعات، وعن الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة. ثم من هاهنا تقوى الخاص تخرجهم جذبات لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت: 69] من حجب أوصافهم إلى درجة تجلي صفات الحق فيستظلون بظل سدرة المنتهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى [النجم: 15] فينتفعون بمواهب إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى [النجم: 16] ثم من هاهنا تقوى خاص الخاص فتخرجه العناية بجذبات ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [النجم: 17] من سدرة المنتهى الأوصاف إلى قاب قوسين نهاية حجاب النفس وبدية أنوار القدس. وهناك من عرف نفسه فقد عرف ربه وهو مقام أو أدنى ترجعون فيه إلى الله. لأن مبدأ وجودك النفخة، وآخر حالك الجذبة، وبها
(1) رواه الترمذي في كتاب الزهد باب 11. ابن ماجه في كتاب الفتن باب 12. الموطأ في كتاب حسن الخلق حديث 3.
(2)
رواه الترمذي في كتاب ثواب القرآن باب 25. الدارمي في كتاب فضائل القرآن باب 6.