الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أن العلوم الكونية والتقنيات الحديثة هي لغة العصر وأسلوب التخاطب والإقناع، بل على الدعاة وكل من يدعو إلى دين الإسلام أن يهتموا بجوانب الإعجاز العلمي للقرآن والسنة في العقيدة والأخلاق والتشريع والمعاملات والعبادات، على أن يظل الإعجاز العلمي في مقدمة خطاب الدعوة بجانب تعاليم الإسلام شاهدين على أن مصدر هذا الدين هو الله عز وجل وصدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
-2-
أسلوب المطابقة وأسلوب التطبيق وتقويمهما
تتحرك أعمال الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية في اتجاهين:
· أحدهما: تكون فيه الاكتشافات العلمية والمعارف الكونية معروفة وتكون مطابقة لما في الآيات القرآنية والسنة النبوية من الحقائق، فيقوم العلماء بإظهار العلاقة بين الكشوف العلمية وتلك الحقائق القرآنية والنبوية، وهذا هو معنى (أسلوب المطابقة) ، وهو يمثل أكثر أعمال الإعجاز العلمي في الوقت الحاضر، وذلك يتماشى مع قول الله سبحانه وتعالى:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (فصلت:53) . وحسب سياق الآيات، فإن هذه الآية خطاب للكفار المكذبين، مما يدل على أن ما سيظهر من الاكتشافات في الآفاق وفي الأنفس سيتحقق في معظمه على أيدي من لا يؤمنون بالله سبحانه وتعالى، ولا بالقرآن ولا باليوم الآخر، حتى يكون ما يتوصلون إليه من
الاكتشافات والسنن الكونية، برهانا وتبيانا على أن هذا الدين وحي من الله وشاهد على صدق القرآن وإعجازه، وعلى ما جاء به الوحي على سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه، ويصبح حجة على الكفار والمكذبين. وما يجري الآن في مجال الاكتشافات على يد غير المسلمين يؤكد ذلك. وقد يكون الخطاب في الآية السابقة عاما لكل البشر.
"وأسلوب المطابقة" لا مأخذ عليه إذا توخَّى المشتغلون بالإعجاز العلمي سلامة المطابقة، وتجنبوا التعسف في الاستدلال الذي يقع فيه بعضهم؛ اندفاعا وتحمسا منهم، أو لقصور في البحث والاستدلال.
· والاتجاه الآخر، وفيه تكون المعارف العلمية والاكتشافات الكونية التي تطابق ما في القرآن الكريم والسنة النبوية من الحقائق مازالت مجهولة ولم يتم اكتشافها بعد، فيقوم العلماء بالنظر في الإشارات والعبارات العلمية الواردة بالقرآن والسنة والانطلاق منها نحو الدراسات العلمية والبحوث التجريبية التي تقودهم إلى الاكتشافات، وهذا هو المقصود من مصطلح (أسلوب التطبيق) ؛ وذلك ليتماشى مع قول الله سبحانه وتعالى:{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل 89) . وأعمال الإعجاز العلمي في اتجاه (أسلوب التطبيق) مازالت ضئيلة، وهى في حاجة إلى مزيد من الاهتمام من جانب هيئات وجمعيات ولجان الإعجاز العلمي بالتنسيق مع مراكز البحوث العلمية، وتوفير الإمكانات للعلماء والباحثين. والعمل "بأسلوب التطبيق" شاق، لكنه ضروري طالما أن هناك اقتناعا لدى علماء المسلمين بأن الآيات القرآنية والسنة النبوية بهما الكثير من
الحقائق في شتى العلوم. ولقد أصبح من المفيد، بل ومن الواجب التوجه إليهما بالنظر والدراسة والبحث لاستكشاف ما بهما من حقائق لاشك أنها ستزود العلوم والتقنيات - النابعة من العقول العلمانية والفكر المادي المجرد من الإيمان بالله سبحانه وتعالى اللتين ابتليت بهما الحضارة المعاصرة، من الحقائق العلمية التي تعين وتهدي إلى الدخول في الإسلام وبهذا يصبح "منهج الإعجاز العلمي بالأسلوب التطبيقي" مصدر خير للبشرية، كما أنه يحقق ثلاث فوائد مهمة هي:
1 -
يصبح القرآن الكريم والسنة النبوية مصدراً للحقائق العلمية بضوابط أخلاقية ومقاصد إنسانية.
2 -
لا يظل فهم آيات القرآن الكريم وما تتضمنه من الحقائق وفهم السنة النبوية والمعارف العلمية تابعاً على الدوام للمعارف التي يتحقق اكتشافها من خارج القرآن الكريم والسنة النبوية.
3 -
يصبح الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية أكثر إشراقا وواقعية وإيجابية ومصداقية وعطاء.
4 -
يصبح للعلماء مصدران لمعرفة الحقائق والسنن الكونية وهما:
"الكون المسطور"، ويمثله القرآن الكريم والسنة النبوية، و"الكون المنظور" في الآفاق وفي الأنفس.
· ولتوسيع مفهوم "أسلوب التطبيق"، فإننا ننظر إليه في أمور ثلاثة وهي:
1 -
الانطلاق من الإشارات والعبارات العلمية في القرآن والسنة نحو اكتشافات
جديدة غير معروفة: كالبحث في حديث الذبابة (1) لاكتشاف المواد الضارة والمواد الشافية، وكالبحث عن الصفات المعنوية للقلب على ضوء ما جاء في القرآن والأحاديث النبوية.
2 -
الاستقصاء العلمي التجريبي لحقائق جرى التعرف على بعضها وقد طابقت القرآن والسنة، لكنها في حاجة إلى مزيد من البحوث: كأضرار لحم الخنزير، وكأضرار زواج الإخوة من الرضاعة، وكأثر الحبة السوداء في زيادة مناعة الجسم.
3 -
ترجيح بعض الآراء العلمية حينما تتعارض كاستخدام الحجامة في العلاج، وكالأبحاث التي تناولت نوع الجنين ذكراً أو أنثى، فهناك أقوال بأن نوع الجنين يتحدد بالحيوانات المنوية من ماء الرجل، وأقوال بأنه يتحدد بماء الرجل وماء المرأة، وهو القول المقبول شرعا، والذي وردت فيه أحاديث نبوية (2) ، وعلى العلماء أن يرجحوا بالأحاديث النبوية أحد القولين، لكن بعد التأكد من دلالة الحديث أو فهمه فهما صحيحاً.
(1) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء" رواه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه وجمع من المحدثين.
(2)
حديث ثوبان: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا، فعلا مني الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل أنَّث بإذن الله" أخرجه مسلم. وهذا الحديث وغيره يثبت أن مني الرجل ومني المرأة يشتركان في تحقيق الجنين وفي صفاته ومنها الإذكار والتأنيث.