الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رابعا: نماذج من الأعمال التي تناولت الإعجاز العلمي الطبي في السنة النبوية وتقويمها
نقدم نماذج من مصنفات أعمال الإعجاز العلمي السابق ذكرها، ونتحدث عنها بشىء من التفصيل، وذلك فيما يلى:
1 -
نماذج من الأعمال الثقافية وتقويمها
1 -
"كتاب الطب النبوي"(1) : ومؤلفه من أشهر أطباء الجهاز الهضمي بمصر، لهذا فقد جاء الكتاب رغم صغر حجمه عامراً بالمعلومات الطبية في التخصص الذي برع فيه مؤلف الكتاب. ويصلح الكتاب لأن يكون المنهج النبوي للوقاية من أمراض الجهاز الهضمي، وذلك لأن المؤلف من المتخصصين فيها. وهذا يؤكد أهمية التأليف في موضوعات الإعجاز العلمي والطبي عن طريق العلماء المتخصصين.
ويقول المؤلف في كتابه "ومما يعمق إيمان الطبيب بإعجاز الطب النبوي أن كل ما وصل إليه الطب الحديث في علاج مرض الكبد ومرض الجهاز الهضمي ابتداء من المعدة إلى القولون - حتى هذه السنوات الأخيرة التي نعيشها - قد سبقه إليها الطب النبوي، لذلك فقد بدأت أعالج مرضاي من خلال هَدْي رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) .أ. هـ. والمأخذ الوحيد على الكتاب عدم التزام المؤلف بتوثيق الأحاديث حسب قواعد علم الحديث، ونلتمس له العذر طالما
(1) صادر عن مؤسسة أخبار اليوم بالقاهرة، ومؤلفه الأستاذ الدكتور "على مؤنس" الذي جاءت شهرته على أنه من المتخصصين في أمراض الجهاز الهضمي.
(2)
الطب النبوي ص2.
أنه التزم بالنص، ويمكن تلافي القصور في هذه الكتب الثقافية بمراجعة علماء الحديث لها.
2 -
كتاب "أحاديث معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم التي ظهرت في زماننا" تأليف أ. د. عبد المهدي عبد القادر، أستاذ الحديث بكلية أصول الدين. الناشر: مكتبة الإيمان بمصر.
يعد الكتاب نموذجا للأعمال الجادة التي تناولت الإعجاز العلمي في السنة النبوية، وترجع أهمية الكتاب إلى عدة أمور:
الأمر الأول: تناول الكتاب دراسة الإعجاز العلمي في السنة النبوية من جانب مهم يدخل في باب "النبوءات في العلوم الإنسانية". وهو باب انصرف عنه الدارسون بالانشغال بدراسة وجوه الإعجاز الكوني والطبي. وبهذا يصبح الكتاب نادرا في موضوعه، مهماً في فنه، محققا مقاصده الإنسانية في مجالات التربية والاجتماع والتاريخ
…
إلخ.
الأمر الثاني: وفرة الأحاديث النبوية التي حرص المؤلف على تخريجها، وبيان حالها، وتوضيح معانيها، وشرحها شرحا موضوعيا لإبراز الأمر الذي يعالجه كل حديث بوضوح تام، وبهذا يرقى الكتاب إلى مستوى الأعمال المرجعية للأحاديث التي تتعلق بالعلوم الإنسانية، ولهذا فإنني أطالب باتخاذه نموذجا يقتدى به في الدراسات والمؤلفات التي تتناول الإعجاز العلمي في السنة النبوية في مجال العلوم الإنسانية.
الأمر الثالث: يتبع الكتاب في دراسته للإعجاز العلمي بالسنة النبوية "أسلوب التطبيق" الذي تحدثنا عنه من قبل، وذلك بتقديمه المنهج التربوي الذي تحتاجه البشرية بعامة، والأمة الإسلامية بخاصة، والذي تظهر جوانبه
عصرا بعد عصر، مما يقتضى النظر في الأحاديث واكتشاف وجوه الإعجاز فيها وتطبيق ما بها من التوجيهات في مختلف المجالات.
· ومن الأحاديث النبوية الواردة بالكتاب (في الجزأين) والتي تحمل دلائل الإعجاز العلمي تلك الأحاديث التي أخبر بها النبي صلوات الله وسلامه عليه عن الفتوحات الإسلامية، وما أخبر به بمدة الخلافة، وظهور منكري السنة، وغربة الإسلام، والإخبار عن الإقبال على الدنيا وترك الجهاد، والإخبار بظهور المتبرجات والإخبار بكثرة الفتن، والإخبار عن تسمية الخمر بغير اسمها، والإخبار عن شيوع الربا، والإخبار باجتماع الأمم على المسلمين، والإخبار بالقتال بين المسلمين واليهود، والإخبار بتقليد الكفار.
هذه الأحاديث وغيرها الواردة في الكتاب وما تظهره من الأخبار التي تقع على مر العصور تؤكد الإعجاز العلمي في السنة النبوية.
3 -
"كتاب الإصابة في حديث الذبابة"(1) : والكتاب نموذج جيد للمؤلفات الثقافية ذات الطابع البحثي، وهو يناسب القارئ المثقف غير المتخصص.
كما يناسب المتخصصين سواء كانوا من المشتغلين بالبحوث الطبية أو كانوا من علماء الحديث. وركز المؤلف على "حديث الذبابة" الذي يثير اعتراضاً شديداً من أصحاب الفكر العلماني، وجدلاً شديداً بين المسلمين. يقول عليه الصلاة والسلام: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم
(1) الكتاب صادر عن دار القبلة للثقافة الإسلامية – ومؤلفه الدكتور "خليل إبراهيم خاطر. من علماء الحديث"
ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء" رواه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد وأبو عبيد وأبو يعلى وابن خزيمة وجمع من المحدثين. والحديث عن أبى هريرة وأبى سعيد الخدري وأنس بن مالك وعلى ابن أبي طالب رضي الله عنهم.
قام المؤلف بدراسة الحديث النبوي دراسة وافية من حيث السند والمتن، وأجاد في تخريجه للأحاديث، وتحدث عن بعض الاكتشافات الحديثة التي تتعلق بوضع الحديث وما فيه من دلالات الإعجاز الطبي.
ويعد الكتاب نموذجا جيداً لمن يريد أن يقدم مؤلفا عن الأحاديث النبوية ذات الدلالات العلمية، ولا سيما تلك الأحاديث التي يثير موضوع المتن فيها جدلاً علمياً لتعارضه مع المعارف العلمية المتاحة لدى العلماء.
وبالدراسة الجيدة للأحاديث وتوثيقها كما فعل مؤلف كتاب "الإصابة في حديث الذبابة"، تزداد ثقة المسلمين بهذه الأحاديث، رغم تعارضها مع المعارف العلمية ظاهراً، ويتمسكون بها وينشط أهل الاختصاص في القيام بدراستها من الناحية العلمية والتجريبية على ضوء ما فيها من دلالات وإرشادات علمية. وهناك أعمال ثقافية أخرى جيدة تصلح كنماذج ولا يتسع المقام لذكرها (1) .
(1) منها كتاب التداوي بالأعشاب والطب النبوي تأليف الدكتور عبد الباسط محمد سيد: وهو كتاب ثقافي جمع بين المادة العلمية الجيدة وسلامة الاستشهاد بالأحاديث النبوية وتخريجها، وقد جعل " الفصل السابع" من الكتاب خاصا بالأحاديث النبوية الواردة بالكتاب على شكل جدول ذكر فيه نص الحديث وتخريجه، وبوب الأحاديث تبويبا موضوعيا، هذا بالإضافة إلى ذكر الأحاديث مع كل بحث يكون له ارتباط بهذه الأحاديث، وبهذا يكون الكتاب متميزا في توثيقه العلمي وتوثيقه الحديثي.
2 -
نماذج من الأعمال الجامعية وتقويمها
1 -
"أطروحة ماجستير عنوانها: الطرق غير التقليدية لعلاج الألم المزمن"(1) . Non-Traditional methods for management of chronic pain، وقد أفردت الباحثة في الأطروحة بابا للطب النبوي في علاج الآلام ذكرت فيه عدة وسائل للعلاج منها: الصلاة - الحجامة - الكي - عصابة الرأس - الركض والاغتسال بالماء البارد - الحناء - الحبة السوداء - عسل النحل. وتطالب الباحثة بضرورة القيام بدراسات علمية تجريبية لكل ما ذكرته من علاجات الطب النبوي للوصول إلى أسلوب علاجي يقوم على التقنيات الحديثة مع الاحتفاظ بجوهر العلاج النبوي. والرسالة من أوائل أعمال الإعجاز العلمي في الطب على المستوى العلمي كأطروحة جامعية. وترجع أهميتها إلى أمرين:
الأمر الأول: كونها رسالة جامعية توافرت لها شروط البحث العلمي، وفي ذلك تشجيع على القيام بمثل هذه الرسائل الجامعية.
الأمر الثاني: هذا العمل أسلوب جيد لتقديم أعمال الإعجاز العلمي من خلال الدراسات العلمية والتجريبية "بأسلوب التطبيق"، وبذلك تتاح الفرص أمام هذا الأسلوب في دراسة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة النبوية. والمطلوب الإكثار من هذا النوع من أعمال الإعجاز العلمي. ويؤخذ على الأطروحة قصورها في الجانب التجريبي، كما يؤخذ عليها قصورها في
(1) إعداد الطالبة " فاطمة هاشم عاشور" تحت إشراف الأستاذ الدكتور فتحي نصر – كلية طب الأسنان – جامعة الأزهر سنة 1994م.
توثيق الأحاديث، لهذا أرى ضرورة مشاركة علماء الحديث في الإشراف على أمثال هذه الأطروحة الجامعية ليتولوا توجيه الباحثين إلى الاستدلال بالأحاديث بطريقة سليمة.
2 -
أطروحة ماجستير بعنوان "الأحاديث النبوية التي استدل بها على الإعجاز العلمي في الإنسان والأرض والفلك"(1) : وترجع أهمية الأطروحة إلى الأمور التالية:
الأمر الأول: من أوائل الرسائل الجامعية في الإعجاز العلمي بالسنة النبوية، مما يشجع على القيام بمثل هذه الأعمال ذات المستوى العلمي في دراسة الإعجاز العلمي، وثمة مشاركة جادة من قبل علماء الحديث مع المتخصصين في سائر العلوم، ويحدث تحرك نحو تقديم الإعجاز العلمي على أعلى المستويات العلمية الجامعية.
الأمر الثاني: تقديم منهج منضبط للاستدلال بالأحاديث النبوية، يستفيد منه كل من يقومون بدراسة الإعجاز العلمي في السنة النبوية، وقد ذكره صاحب الأطروحة في مقدمة رسالته، ونشير إلى بعضه فيما يلي:
"تخريج الحديث مع ذكر الطرق والشواهد واختلاف الألفاظ -ذكر اسم الصحابى راوى الحديث وتخريجه عن طريق هذ الصحابى، وتخريج غيره من أحاديث الصحابة إن كانت في الموضوع نفسه- التنبيه على اختلاف الألفاظ إن كان له أثر في الاستدلال".
(1) إعداد الطالب أحمد بن حسن بن أحمد الحارثي: - تحت إشراف فضيلة الأستاذ الدكتور " محمد ضياء الدين الأعظمي – كلية الحديث – الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة 1413?.
الأمر الثالث: الدراسة الفاحصة لأوجه الاستدلال بالأحاديث مع ترجيح من هو أحسن بيانا للاستدلال بالحديث، والتعليق على بعض الاستدلالات التي يوجد فيها تعسف، أو تكون خارجة عن مدلول الحديث. وبهذا تكون الرسالة قد عرضت الإعجاز العلمي بمنهجية سليمة.
وهي بحق تعد نموذجا يقتدى به في دراسات الإعجاز العلمي في السنة النبوية، ولا سيما في الرسائل الجامعية.
3 -
نماذج من كتب المراجع وتقويمها
وأقصد بها الكتب ذات القيمة المرجعية والتي هي على مستوى المعاجم ودوائر المعارف، ويحتاجها من يشتغلون بدراسات الإعجاز العلمي في السنة النبوية، ويريدون معرفة الأحاديث ذات الدلالات العلمية، وتكون مبوبة بطريقة موضوعية، وبها من المعلومات ما يعين على الاستدلال بالأحاديث. وليس أمامي حسب ما ذكرت سوى كتاب واحد وهو "كتاب الإعجاز العلمي في السنة النبوية"(1) ، ويقع الكتاب في مجلدين، وعدد صفحاته (1560) صفحة. وترجع أهمية الكتاب إلى ما يلي:
1 -
يحتوى الكتاب على قدر كبير من الأحاديث النبوية ذات الدلالات العلمية، هي مرتبة حسب الموضوعات في العلوم التطبيقية والعلوم الإنسانية، فهو بحق موسوعة ضخمة للأحاديث النبوية ذات الدلالات العلمية.
2 -
تخريج الأحاديث التي بلغت حوالي (900) حديث، فهو يغنى عن
(1) مؤلف الكتاب هو " الدكتور صالح بن أحمد رضا" أستاذ الحديث وعلومه، وصدر الكتاب عن "مكتبة العبيكان" بالرياض.
الرجوع إلى كتب الحديث لتخريج هذه الأحاديث، وفي ذلك تيسير على الباحثين في الإعجاز العلمي بالسنة النبوية.
3 -
وجود عدة أحاديث في الموضوع الواحد مما يساند الاستدلال ويزيد من توثيق الموضوع وربطه بالسنة النبوية، وهذا يؤدي إلى اقتناع الباحثين وإقبالهم على دراسة الأحاديث على ضوء الإعجاز العلمي بالسنة النبوية.
4 -
وجود قدر من المعلومات العلمية التي تتناسب مع الموضوع ويستفيد منها الدارسون بصفة مبدئية، فمثلاً في موضوع "التمر غذاء كامل" يرد في الكتاب عدد من الأحاديث في الموضوع ومعها قدر مناسب من المعلومات العلمية العامة، وهكذا في كل موضوعات الكتاب. والكتاب يعد فريداً في فنه، وقد توجه به المؤلف إلى العلماء والباحثين، ودعاهم إلى الاهتمام به قائلاً:"قررت طباعته ليكون ورقة عمل أضعها بين يدي كل الباحثين والناشدين للحقيقة"(1) ، ومن جانبي أنصح بأن يكون الكتاب مرجعاً رئيساً لجميع المشتغلين بدراسة الإعجاز العلمي في السنة النبوية، وأدعو إلى الإكثار من تأليف المراجع على نسق هذا الكتاب ليسهل على الباحثين الاطلاع على الأحاديث النبوية ذات الدلالات العلمية والإلمام بها مما يساعد على الإقبال على دراسة الأحاديث النبوية على ضوء الإعجاز العلمي.
4 -
نماذج من الأعمال بأسلوب التطبيق وتقويمها
أعمال الإعجاز العلمي في السنة النبوية بأسلوب التطبيق الذي تحدثنا عنه سابقاً، قليلة وتحتاج إلى مزيد من الاهتمام من جانب "هيئات الإعجاز العلمي
(1) الإعجاز العلمي في السنة النبوية ص13 ج1.
في القرآن والسنة"، وذلك بدعوة العلماء إلى دراسة الإعجاز العلمي "بأسلوب التطبيق" وتشجيعهم وتوفير الإمكانات لهم. وسأكتفي بذكر نموذجين حققا نجاحاً علميا وتطبيقيا على المستوى العالمي.
النموذج الأول: "الاستغناء عن الكحول في تجهيز المستحضرات الدوائية".
وقد تولدت الفكرة على ضوء الأحاديث النبوية الكثيرة التي تحذر من التداوي بالخمر واستعماله في الدواء. وأصبح الاستغناء عن الكحول في الدواء مطلباً طبياً على المستوى العالمي، وصدرت بذلك قرارات من منظمة الصحة العالمية. وكانت لي جهود وراء الاهتمام بهذا الموضوع الطبي المهم، وسأتحدث عن ذلك النموذج بشيء من التفصيل في الفصل الثالث (1) بمشيئة الله.
النموذج الثانى: "اكتشاف فاعلية الحبة السوداء في زيادة مناعة الجسم".
كان للحبة السوداء استعمالات علاجية منذ عدة قرون، غير أن أثرها في زيادة مناعة الجسم لم يعرف إلا منذ عدة سنوات، وجاء ذلك الاكتشاف الطبي المهم على ضوء الأحاديث النبوية وعلى يد فريق من العلماء المسلمين (2) . وكانت قراءتهم العلمية الدقيقة للأحاديث النبوية عن الحبة السوداء، وكان إيمانهم بالإعجاز الطبي للسنة النبوية هما المدخل إلى هذا الاكتشاف الطبي المهم الذي يفوق أكثر الكشوف العلاجية في العصر الحديث· "عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(1) الفصل الثالث "جهودنا في أعمال الإعجاز العلمي والطبي بالسنة النبوية".
(2)
في مقدمة هؤلاء العلماء الأستاذ الدكتور أحمد القاضي بأمريكا.
"إن هذه الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا من السام. فقلت وما السام؟ قال: الموت". وهذا حديث له عدة روايات (1) .
وكانت عبارة "شفاء من كل داء" تفهم على ظاهرها، أي الشفاء من مختلف الأمراض، لكن كيف ذلك؟ وبفراسة العالم المؤمن أدرك الدكتور أحمد القاضي وزملاؤه من هذه العبارة أن الشفاء من كل داء لا يكون إلا من خلال جهاز المناعة المسؤول الأول عن صحة الجسد ووقايته من الأمراض، وقاموا بالدراسات العلمية وأجروا الأبحاث التجريبية وتأكدوا من صحة النتائج، وأعلنوا عن هذا الكشف المهم الذي كان له وقع عظيم في الأوساط الطبية العالمية. وزاد الاهتمام "بالحبة السوداء"، وأقبل العلماء على دراستها في علاج أمراض أخرى خطيرة مثل تصلب شرايين المخ وضعف الذاكرة. ورغم هذا الكشف المهم عن أثر الحبة السوداء في علاج نقص المناعة، فإنها في حاجة إلى مزيد من الاهتمام ومواصلة الدراسات والأبحاث التجريبية لاستكشاف فوائد علاجية أخرى، لا تقل أهمية عما تحقق اكتشافه، وحتى تأخذ "الحبة السوداء" مكانتها العلاجية ويظهر الإعجاز العلمي على حقيقته كاملاً في قوله صلى الله عليه وسلم:"شفاء من كل داء إلا من السام". وهذا النموذج يعد مثالاً جيداً "لأسلوب التطبيق" في دراسة الإعجاز العلمي والطبي بالسنة النبوية الذي أدعو إليه.
(1) الإعجاز العلمي في السنة النبوية ص 829 ج2.
5 -
نماذج من المؤتمرات العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة وتقويمها
سأكتفي بتقديم نموذج واحد وهو "المؤتمر العالمي للإعجاز العلمي" المنعقد بموسكو (3 -6سبتمبرسنة 1993م) نظراً لأهميته الفائقة وتميزه عن سائر مؤتمرات الإعجاز العلمي، وأتحدث عنه باختصار في النقاط التالية:
1 -
انعقد المؤتمر - كما قلنا من قبل - تحت إشراف هيئة الإعجاز العلمي بمكة المكرمة بالتعاون مع أكاديمية العلوم الطبية والمركز الإسلامي الثقافي بروسيا، وكان انعقاده بموسكو - عاصمة أكبر دولة كانت معقلا للكفر والإلحاد على مدى أكثر من خمسة وسبعين عاما - وبهذا يكون قد نجح منذ اللحظة الأولى في اختراق الثقافة الروسية والتوجه بالدعوة الإسلامية إلى المجتمع الروسي، وبهذا يتميز المؤتمر عن باقي مؤتمرات الإعجاز العلمي التي عقدت جميعها في دول إسلامية.
2 -
نال المؤتمر وضعاً إعلامياً متميزاً، فقد انعقد في قاعة "فونت جورباتشوف"، وهى أفخم قاعة مؤتمرات بموسكو، وتابعت جلساته وسائل الإعلام الروسية والأجنبية، وحضره مئات من المثقفين الروس، وفي مقدمتهم بعض كبار العلماء الروس، وقد بلغ عددهم أربعة وستين عالماً، وكذلك الممثلون الحكوميون الذين حضروا من جميع جمهوريات روسيا الإسلامية.
3 -
كان المؤتمر حافلاً بالأبحاث العلمية ذات المستوى العالمي التي أبهرت العلماء الروس، وقد تأثروا بحقائق الإعجاز العلمي من خلال مناقشاتهم وحواراتهم مع نظرائهم الذين تقدموا بالأبحاث، وتأكد ذلك بإسلام ستة وعشرين عالماً روسيا ممن حضروا المؤتمر، ولا يخفى أهمية ذلك الحدث
ودلالاته وتأكيده مصداقية الإعجاز العلمي وقوة إقناعه، ولا سيما إذا نظرنا إلى من أسلموا باعتبارهم من صفوة الفكر المادي، وإذا نظرنا إلى جمهورية روسيا الاتحادية، ذلك البلد العريق في مجال العلوم والتكنولوجيا.
وشملت الأبحاث أحد عشر تخصصا علميا في مجالات: (1) علاقة الأجنة (2) الطب الوقائي (3) الطب النفسي (4) الصيدلة (5) علوم الأرض (6) علم البحار (7) الأرصاد الجوية (8) الفيزياء (9) علاقة العلم بالدين (10) تأصيل البحث في مجال الإعجاز العلمي (11) نظرة في علم الأديان المقارنة.
4 -
صدر عن المؤتمر توصيات مهمة لو تحقق تنفيذها لكان للإعجاز العلمي في القرآن والسنة دور مهم في خطاب الدعوة إلى الإسلام، خاصة تلك الدول ذات الثقافات المادية التي تروج فيها لغة العلم والتكنولوجيا، ومن هذه التوصيات:
(التوصية الأولى) : يوصى المؤتمر بضرورة التواصل العلمي مع الجامعات والمعاهد والهيئات العلمية الروسية التي أبدت تجاوبا مشكورا مع القضايا العلمية المطروحة في المؤتمر عملاً على استثمار العلوم والمعارف لخير البشرية، وذلك من خلال السعي إلى عقد مؤتمرات مماثلة تضم العلماء المختصين في شتى المجالات العلمية.
(التوصية الرابعة) يوصى المؤتمر بتشجيع الباحثين لتقديم أطروحات حول قضايا الإعجاز العلمي في الجامعات الروسية والعالمية.
(التوصية الخامسة) يوصي المؤتمر هيئة الإعجاز العلمي بنشر البحوث التي تمت مناقشتها - وذلك بعد مراجعتها - باللغة العربية والروسية والإنجليزية، وتوظيف نتائجها في دعوة العلماء من مختلف الاتجاهات إلى الالتقاء على
مفهوم نبيل للتقدم العلمي وتسخيره لخدمة الإنسان حتى يعود للحياة وجهها المشرق.
هذه نبذة مختصرة عن المؤتمر العالمي للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، الذي انعقد بموسكو، وأرى أفضل تقويم له ما ورد في مقدمة التوصيات التي جاء فيها "وإننا لنحمد الله تعالى، إذ نسجل باعتزاز أن المؤتمر قد تجاوز معايير النجاح المتوقعة إلى اعتباره يمثل أحد المؤشرات التاريخية المهمة في مسيرة المعارف العلمية نظراً لانعقاده في جمهورية روسيا الاتحادية، ذلك البلد العريق في مجال العلوم والتكنولوجيا. الأمر الذي يضفي على هذا المؤتمر أهمية خاصة، خاصة أنه قد عقد في مستهل مرحلة جديدة من مراحل الإصلاح الفكري الذي نتمنى أن يحقق الشعب الروسي من خلاله آماله المرجوة"، وكذلك ما ورد في نهاية التوصيات، وكشف المؤتمر وأكد حقيقة مهمة طالما حاول الشيوعيون تغييبها عن المجتمعات الإنسانية، وأصابها في ذلك فشل ذريع، هذه الحقيقة هي أهمية، بل وضرورة الدور الذي يقوم به الدين في تحقيق النهضة الشاملة للمجتمعات، هذه الحقيقة أكدها كبار المسئولين السابقين والحاليين في روسيا، وكذلك كبار العلماء الذين شاركوا في أعمال المؤتمر أ. هـ.
هذا وقد أكد المؤتمر أن الدعوة الإسلامية قادرة على اختراق العقول الواعية دون الحاجة إلى اختراق البطون الخاوية، وهذا ما لفت نظر جميع المسؤولين عن الدعوة الإسلامية إليه.